حبيب حداد لـ "حفريات": النظام السوري مرر الوجود العسكري الإيراني في سوريا

حبيب حداد لـ "حفريات": النظام السوري مرر الوجود العسكري الإيراني في سوريا

مشاهدة

09/06/2021

أجرى الحوار: رامي شفيق

قال وزير الإعلام السوري السابق، والقيادي في المعارضة، حبيب حداد، إنّ "الانتفاضة الشعبية عندما قامت في سوريا، رفعت شعارات الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، قبل أن تتدخل أطراف إقليمية، لتحقيق مصالح خاصّة، ما أدى إلى انحرافها عن مسارها"، موضحاً في حواره مع "حفريات" أنّ "المعارضات المختلفة تتحمل المسؤولية الأساسية في فشل وإخفاق انتفاضة الشعب السوري، عندما اضطلعت بدور الأدوات المنفذة لسياسات الدول الإقليمية والأجنبية، في عسكرة هذه الانتفاضة، وأسلمتها، وتدويلها، وجرها إلى المربع الذي خطط له النظام".

المعارضات تتحمل المسؤولية الأساسية في فشل وإخفاق انتفاضة الشعب السوري

واعتبر حداد أنّ "النظام الحالي، لجأ إلى "مسرحية معدلة" لإجراء الانتخابات، في محاولة ساذجة لانتزاع الشرعية"، كما أنّه سمح بتعاظم الوجود العسكري الإيراني، وتزايد نفوذه داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، كما أنّه فشل في مواجهة الاحتلال التركي، كونه لا يهتم سوى بوجوده، ولو على أطلال سوريا".

وهنا نص الحوار:

"مهزلة" الانتخابات

تبدو سوريا بعد فوز بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكأنّها تنطلق نحو تموضع سياسي جديد، يتماهى والمتغيرات الإقليمية الدولية، إلى أيّ حد يستطيع "الأسد" أن يحافظ على ما تبقى من حكمه ونظامه، وسط النفوذ التركي والإيراني، في العديد من المناطق السورية؟

قبل أن نحاول تقدير مدى قدرة النظام السوري الحالي، على المحافظة على بقائه واستمراريته، وسط الظروف الدولية والإقليمية والداخلية الراهنة، ومدى تأثير مهزلة الانتخابات الأخيرة سلباً أو إيجاباً بالنسبة لهذا الموضوع، علينا هنا أن نسترجع وبإيجاز شديد طبيعة هذا النظام، والمسار التاريخي الذي جاء في سياقه، والمحطات التراجعية التي حفل بها هذا المسار، لا على صعيد سوريا فحسب، وإنّما على صعيد المنطقة العربية بأجمعها.

إذ إنّ نظام بشار الأسد الحالي، الذي يرجع إلى عقدين من الزمن، هو في تركيبته وسياساته، وإلى حد كبير، استمرار لنظام والده الفردي الشمولي الفئوي، الذي تأسس في أعقاب الحركة الانقلابية العسكرية، التي قادها نهاية العام 1970. وأعتقد أنّ المفكر المصري الراحل سمير أمين، كان خير من شخّص السبب الأساسي، الذي كان وراء انهيار النظامين الوطنين التقدميين في كل من مصر وسوريا، آنذاك، ألا وهو غياب الحياة الديمقراطية والنيابة، الأمر الذي أفسح المجال، وساعد كلاً من التيارين اليمينيين الرجعيين، في هذين النظامين، على الارتداد والانقلاب على النظام القائم.

روسيا الاتحادية حققت مكاسب استراتيجية نوعية من خلال تدخلها في الشأن السوري

وأذكر هنا للتاريخ، وللتدليل على مدى تأثير التطورات والأحداث الإقليمية والعالمية، على الأوضاع الداخلية لأيّ بلد من البلدان، أنّني عندما سألت حافظ الأسد، وقد كنا أعضاء قيادة سياسية واحدة: ألا تعلم أنّ تمردك والمجموعة العسكرية من حولك، على مقررات مؤتمرات الحزب، والقيادة السياسية التي أنت عضو فيها، لا يفسر إلا بأنّكم تعدون لانقلاب عسكري؛ لاستلام السلطة وتعريض البلد بالتالي لأفدح الأخطار؟ فكان يجيبني: نعم سنقوم بانقلاب، ونحكم البلد بضع سنوات، وليحدث بعدها ما يحدث!

اقرأ أيضاً: أكثر من مجرد انتهاكات حدودية: تركيا تسرق زيتون سوريا وأخشاب العراق

هكذا توالت الأحداث والتراجعات الكبرى، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، على صعيد العالم كله: انهيار الاتحاد السوفياتي، وهيمنة قطب واحد على الوضع الدولي. وخلال ذلك تتالت سلسلة التراجعات والهزائم، التي لحقت بحركة التحرر العربية، وقضيتها المركزية، أيّ القضية الفلسطينية: كامب ديفيد، وأوسلو، ووادي عربة، واحتلال العراق وتدمير دولته، وغياب أيّ من مقومات الأمن القومي العربي، وأيّ مستوى للتضامن العربي المشترك!

إذاً، هل يعني ذلك أنّ بنية النظام السوري كانت واحدة، وتعمل على إجهاض كل محاولات الإصلاح؟

النظام السوري الحالي، استمرار للنظام الذي سبقه، ولكن في ظروف وتحديات دولية أشد خطراً وتعقيداً، على منطقتنا العربية بصورة عامة. ونظراً لبنية هذا النظام وطبيعته، التي هي أشبه ما تكون بأنظمة العصور الوسطى السلطانية الاستبدادية، فلم يكن قابلاً للإصلاح، برغم آمال الكثير من أبناء الشعب السوري، والعديد من القوى الوطنية والتقدمية، عند مجيء "الأسد" الابن.

هذا النظام الذي سيطر دائماً على السلطة السياسية، والعسكرية، والأمنية، والثروة، وعمل على إعادة إنتاج نفسه، وتأبيد حكمه؛ للاستمرار إلى أطول أمد ممكن، وذلك عن طريق مصادرة أبسط أشكال الحريات الديمقراطية، وحقوق المواطن الأساسية، المدنية والسياسية والاقتصادية، واضطهاد كل الحركات والتيارات السياسية الوطنية، في الوقت نفسه الذي واصل فيه طرح شعارات الصمود والتصدي، والتوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، والممانعة والمقاومة، واقتراب موعد تحرير فلسطين.

وهل أحدثت الانتفاضة الشعبية متغيراً جديداً؟

عندما تفجرت الانتفاضة الشعبية العفوية السورية، في سياق ما سمي بانتفاضات "الربيع العربي"، وبدلاً من أن يستجيب النظام للمطالب المشروعة، واجهها بالأسلوب الوحشي الأمني العسكري وأعقب ذلك، كما هو معروف، انحراف هذه الانتفاضة عن مسارها، ثم إجهاضها، نتيجة العسكرة والأسلمة والتدويل، ما أدّى بالأمور إلى أن تصل سوريا، إلى الوضع المأساوي الراهن، الذي بات يهدد وحدتها وكيانها ومصيرها كدولة موحدة، مستقلة وذات سيادة.

الانتخابات الأخيرة تضيف عاملاً آخر في تعقيد حل الأزمة السورية ولا يمكن أن تكون مصدر قوة لرأس النظام

ولم تعرف سوريا منذ قيام نظام الاستبداد والتخلف والفساد الحالي، أيّ مظهر من مظاهر الانتخابات الشرعية السليمة، سواء ما تعلق منها بانتخابات ما سُمي بمجالس الشعب، التي كانت تديرها وتقرر نتائجها أجهزة الأمن والمخابرات، وكذلك الأمر فيما سُمي بانتخابات الرئيس القائد الفرد الأوحد، التي كانت تدعى بعمليات الاستفتاء، أو تجديد البيعة.

اقرأ أيضاً: الاحتلال الثقافي الإيراني يتفاقم: تعليم الأطفال في سوريا اللغة الفارسية

وإذا كان النظام الحالي قد لجأ في الدورتين الأخيرتين، إلى مسرحية معدلة لتلك الانتخابات، بوجود مرشحين اثنين، إلى جانب رأس النظام، فلم تكن هذه العملية بحد ذاتها، والنتائج المزيفة التي خرجت بها، إلا مدعاة للسخرية والمهانة، سواء من حيث الأرقام والنسب التي أعلنتها، أو فيما يتعلق بعدم شرعيتها.

هل أسهمت الانتخابات الأخيرة في تعقيد مسارات الأزمة السورية؟

الانتخابات الأخيرة تضيف عاملاً آخر في تعقيد حل الأزمة السورية، لكنها لا يمكن أن تكون مصدر قوة لرأس النظام، في تشبثه واستمراره في السلطة، فلقد أضحى معروفاً للقاصي والداني، أنّ حل الأزمة المصيرية اليوم، أصبح يتوقف أولاً على توافق روسي أمريكي، وهذا الأمر إذا ما تم، فإنّه يفتح الطريق لإنهاء الاحتلال التركي، المتحالف مع المنظمات الإرهابية الإسلاموية، في محافظة إدلب، والمناطق الأخرى في شمال غرب سوريا، وكذلك لا يمكن وضع حد للاحتلال الأمريكي الداعم للمجموعات الانفصالية، في مناطق شرق الفرات، ولا للنفوذ الإيراني، إلا بانتصار الحل الوطني الديمقراطي السوري السلمي، الذي يمثله قرار مجلس الأمن رقم 2254، كونه يفتح الطريق نحو بناء سوريا الموحدة الديمقراطية العلمانية، لكل أبنائها دون تمييز.

مسارات الخلاص والنفوذ الإقليمي

وكيف يمكن  لهذا الرهان أن ينجح؟

نجاح هذا الرهان، إنّما يتطلب قبل كل شيء، وجود العامل الذاتي، الذي يمثل حقاً إرادة الشعب السوري، ويحافظ على قراره الوطني المستقل. وهذا يستدعي من جميع النخب والقوى الوطنية الديمقراطية السورية، أن تنجح في تكوين جبهة وطنية عريضة، مستقلة الإرادة والقرار، بديلًا عن تشكيلات المعارضة الحالية، التي أصبح معظمها، وخاصّة الخارجية منها، أدوات طيعة في خدمة الأجندات الخارجية.

نجحت طهران في تحقيق تغييرات نوعية على الصعيد الديموغرافي، داخل مناطق نفوذها في سوريا، وفعلت أنقرة الشيء نفسه، كيف ترى أثر ذلك وتداعياته على مستقبل سوريا؟

أصبح واضحاً للجميع، طبيعة وأهداف المشروع الإيراني في المنطقة، سواء في سوريا والعراق أو في غيرهما من البلدان العربية، وخاصّة ما يتعلق بحملات التشييع، والهيمنة، والتغيير الديمغرافي المتواصل؛ كما انكشفت للجميع أهداف النظام التركي الحالي، على صعيد المنطقة كلها، والمتمثلة بسياسات الحزب الحاكم، التي تروم إحياء العثمانية من جديد، وهذا ما يفسر خلفيات ومواقف رجب طيب أردوغان المتقلبة، إزاء مختلف قضايا المنطقة، بما في ذلك تركيزه على تطوير مختلف العلاقات مع دول القوقاز، التي تعود إلى أصول عرقية تركية.

إنّ استمرار الاحتلالين؛ الإيرانى والتركي، لأجزاء واسعة من الجغرافية السورية، يشكل بلا شك خطراً جدياً على وحدة البلاد واستقلالها، والنظام السوري الحالي أظهر عجزه حتى الآن، عن تحرير الأجزاء المحتلة من التراب الوطني، بل إنّ النفوذ الإيراني المتعاظم في كل مفاصل المجتمع السوري، لا يقابل من قبل النظام بأيّ موقف من الاعتراض، أو الاحتجاج، أو الاستنكار، ربما كان تفسير ذلك في أنّ النظام السوري الحالي، يعتبر نفسه جزءاً أساسياً في محور المقاومة!

اقرأ أيضاً: كورونا يجتاح سوريا... ما علاقة الانتخابات الرئاسية؟

الوطن العربي اليوم، في مختلف أقطاره، أضحى ساحة مفتوحة ومشرعة لمختلف المشاريع والمخططات الأجنبية، فالعديد من أقطاره مثل: سوريا والعراق وليبيا واليمن، تشهد حروباً أهلية طاحنة ومدمرة. وهذا يرجع كما أسلفنا إلى غياب المشروع الوطني التحرري العربي، فبعد أن غابت كل من مصر وسوريا والعراق، التي هي مع الجزائر، الأعمدة الرئيسية لهذا المشروع، عن أداء دورها على هذا الصعيد، استبيحت المنطقة العربية، وانفتحت أمام المشاريع والسياسات الدولية، التي لم تجد أمامها سوى ثلاث دول إقليمية، تتمتع بقدر من الفعل والتأثير، وهي إسرائيل وإيران وتركيا.

ثمة أطماع استراتيجية دولية، تتمركز حول سوريا، ومنطقة الهلال الخصيب، من وكلاء إقليميين، ما واقع ذلك على سوريا، سياسياً وميدانياً، وأثر تعاون "الأسد" مع القوى الدولية، مقابل الحفاظ على كرسي الحكم؟

هناك أطماع استراتيجية دولية، تستهدف سوريا ومنطقة الهلال الخصيب بصورة عامة. ففي مرحلة التراجع والانهيار التي تعيشها المنطقة اليوم، أخذت تتكشف طبيعة وأبعاد تلك الأطماع والمخططات؛ إذ إنّ سوريا بالذات، هي اليوم في عين العاصفة، في مواجهة المشاريع والمخططات، التي تستهدف خدمة المصالح الاستراتيجية، لمختلف الأطراف الدولية، في هذه المنطقة الحيوية من العالم، لا سيما الثروات التي يزخر بها باطن الجغرافيا السورية ومياهها الإقليمية.

كما أنّ تراث سوريا الحضاري والديني، وموقعها المتميز، جعلا منها على الدوام قبلة لمصالح وأطماع الآخرين.

كما أنّ سوريا تشكل المحطة الأخيرة لطريق الحرير، الذي سيربط الصين بالبحر المتوسط. أمّا بالنسبة لروسيا الاتحادية، فقد حققت مكاسب استراتيجية نوعية، من خلال تدخلها في الشأن السوري، كان أبرزها بلا شك، خروجها من العزلة الإقليمية، التي فرضت عليها بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي، وعودتها إلى مناطق المياه الدافئة على البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: قراءة في الأبعاد الدولية لإعادة انتخاب الرئيس السوري

نحن السوريين نتيجة التجارب التي مررنا بها، أصبحنا ندرك أهمية التعاون مع الدول الصديقة، التي وقفت وتقف إلى جانب مطالب شعبنا المحقة، في الحرية والكرامة والاستقلال والتنمية، كما أنّنا أصبحنا على دراية كافية، ومعرفة تامة، بمختلف الدول والجهات، التي وقفت ضد تلك المطالب والأهداف المشروعة. وعلى تلك الدول الصديقة لشعبنا، أن تدرك أنّ نظام الاستبداد الحالي، لا يمكن أن يستمر طويلاً بعد اليوم، ولو أنّه ما يزال يراهن على هذه الإمكانية، بعقد كل أنواع الاتفاقيات والتحالفات غير المشروعة، مع العديد من الأطراف، فهذا هو منطق التاريخ.. لابد للاستبداد والطغيان من نهاية، ولابد أن تنتصر إرادة الشعوب، مهما طال الزمن.

أخطاء المعارضة

بعد هذه السنوات على ثورة الشعب السوري، ما هي برأيكم أهم الأخطاء، التي حرّفت مسيرتها عن تحقيق أهدافها؟

لقد انقضى اليوم أكثر من عقد من الزمن، على انطلاقة انتفاضة الشعب السوري التحررية، التي كانت مشروع ثورة تحرر وطني ديمقراطي، من أجل وضع حد لنظام القهر والطغيان والفساد، وبناء دولة مدنية حديثة في مستوى العصر، وكانت الظروف الموضوعية مثل معظم انتفاضات الأقطار العربية الأخرى، ناضجة ومتوفرة. غير أنّ الذي كان ينقص هذه الانتفاضة، كي تواصل صيرورة تحولها إلى ثورة حقيقية، هو العامل الذاتي؛ وما نقصده هنا هو عدم توفر القيادة الواعية والمؤهلة لهذه الثورة، وبالتالي، افتقادها للرؤية الاستراتيجية، والبرنامج المرحلي الذي يحدد ويعين المهمات المرحلية، في مسار تحقيق هذه الأهداف.

والأخطر من ذلك تسلح تلك المعارضات التي أدعت تمثيل الثورة الموعودة، والتي أعطت لنفسها مشروعية تمثيل الشعب السوري، والنطق باسمه، بذلك الخطاب الطائفي والعنصري والرجعي، المدمر للوحدة الوطنية، التي كانت على الدوام الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها كل مشاريع ومخططات القوى المعادية، التي استهدفت وحدة سوريا واستقلالها في التاريخ الحديث.

حل الأزمة السورية يتوقف أولاً على توافق روسي أمريكي وهذا إذا ما تم سيفتح الطريق لإنهاء الاحتلال التركي

وهكذا لم ينقض العام الأول من عمر هذه الانتفاضة السورية، إلا وتم إجهاضها وتحولها إلى حرب أهلية مدمرة، بأبعادها الدينية والطائفية والإثنية والجهوية. صحيح أنّ النظام يتحمل مسؤولية رئيسية في هذا المآل، الذي انتهت إليه الانتفاضة، وصحيح أنّ المجتمع الدولي تقاعس عن الاضطلاع بدوره المطلوب، ولكني من خلال مشاركتي في مختلف فعاليات المعارضات السورية، طوال العقد المنصرم، ترسخت لدي القناعة الكاملة، بأنّ هذه المعارضات تتحمل المسؤولية الأساسية في فشل وإخفاق انتفاضة الشعب السوري، الذي قدم من أجل انتصارها أغلى وأجلّ التضحيات. فلقد اضطلعت تلك المعارضات بدور الأدوات المنفذة لسياسات الدول الإقليمية والأجنبية، في عسكرة هذه الانتفاضة، وأسلمتها، وتدويلها، وجرها إلى المربع الذي خطط له النظام.

اقرأ أيضاً: تنافس روسي إيراني على الكعكة السورية... الأهداف والوسائل

وتظل خطوة البداية، لمواجهة هذا الواقع، هو أن تنهض النخب الثقافية والسياسية في بلدنا، والأحزاب والقوى السياسية الوطنية والديمقراطية، وكل منظمات المجتمع المدني، بتكوين جبهة وطنية عريضة، مستقلة عن كل المشروعات الخارجية، جبهة تواصل العمل والكفاح بكل الوسائل والأساليب السلمية المشروعة، لتحقيق مهمة الانتقال والتغيير نحو إقامة نظام وطني ديمقراطي بديل.

وسط ذلك كله لا يمكن غض الطرف عن المخاطر التي تحيط بوحدة سوريا، والتئام ديموغرافيتها وهويتها الوطنية الحضارية، كيف تقرأ هذه المخاطر؟

تواجه سوريا الآن أخطاراً جسيمة، تهدد مصيرها ووحدتها الجغرافية والوطنية، بل ومنجزاتها الحضارية، التي راكمتها على امتداد تاريخها القريب والبعيد، ولا نبالغ إذا قلنا هنا إنّ سوريا ظلّت وما زالت منذ استقلالها، وحتى اليوم، الهدف الدائم لمختلف مخططات ومشروعات التحالف الاستعماري الصهيوني الرجعي؛ لتعطيل الدور الذي اضطلعت به، وأهلتها له حقائق الجغرافيا والتاريخ؛ كقاعدة متقدمة لحركة التحرر العربية؛ وهو الدور الذي كانت تشترك معها في أدائه كل من مصر والعراق، وكانت مرامي القوى المعادية لنهضة هذه الأمة وتحررها ومواكبتها مسار العصر، تستدعي من دول الهيمنة والعدوان في عالمنا المعاصر، أن تعمل على القضاء على أيّة محاولة تحررية نهضوية في هذه المنطقة، يمكن أن توفر الفرصة المناسبة لشعوبها، للمساهمة في تدعيم وتوطيد قيم ومبادئ العدل والأمن والسلام، على صعيد العالم كله.

وهذا الواقع يبرهن بل ويؤكد، أنّ انتصار أيّ قُطر في المشرق العربي، في بناء نظام وطني ديمقراطي مستقل ومتحرر من القيود الأجنبية، والنجاح في بناء الدولة-الأمة، لا يمكن أن يتحقق دون تعاون وتكامل طاقات وقدرات هذه الأقطار، في كافة المجالات، ودون أن تكون بوصلة تعاونها وكفاحها المشترك، موجهة نحو قضيتها المركزية، والمتمثلة في تحقيق الأهداف المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، في الحرية والاستقلال، وبناء دولته المنشودة.

يرى محللون أن ثروات شرق المتوسط، أضحت فاعلة في كثير من الملفات الساخنة، داخل الشرق الأوسط، وينبغي أن تكون ضمن قراءة الأزمة في سوريا، هل توافق على هذا التحليل؟

هذا هو فعلاً واقع الحال، بالنسبة لثروات دول شرق المتوسط، سواء منها المعروفة سابقاً، أو التي تم الكشف والإعلان عنها في السنوات الأخيرة، وخاصّة الثروات البترولية والغازية الضخمة، في المياه الإقليمية لتلك الدول، التي تشرف على السواحل الشرقية لهذا البحر. وقد ألمحنا سابقاً إلى أن موقع سوريا وثرواتها غير المستغلة حتى الآن، وخاصّة كميات النفط والغاز المكتشفة حديثًا في مياهها الإقليمية، يمكن أن تعتبر أحد الأسباب التي كانت وما تزال وراء اشتداد حمى الصراع، من قبل القوى الدولية ذات النفوذ، حول الهيمنة على مقدرات هذا البلد. وللتدليل على صحة ما ذهبنا إليه في هذا المجال، نشاهد ما يقوم بين دول شرق المتوسط، خلال العامين الأخيرين، من مساع دؤوبة، ومن تحالفات واختلافات، بل وصراعات، حول رسم الخرائط التي تعين حدود كل دولة من تلك الدول، بدافع المحافظة على أكبر حصة لها من تلك الثروات، المكتشفة حديثاً.

الصفحة الرئيسية