حريق نوتردام: كيف تحول نقاش في العمارة إلى جدل سياسي؟

3400
عدد القراءات

2019-06-16

ترجمة: محمد الدخاخني


الاستعادة أم الاستحداث؟ منذ قام ذاك الحريق الرّهيب بتدمير كاتدرائيّة نوتردام في نيسان (أبريل) الماضي، انقسمت الأمّة الفرنسيّة بين من يرغبون في رؤية الكاتدرائيّة يجري إعادتها بتأنّ ودقّة إلى مجدها السابق، وأولئك الذين يفضّلون وجهة نظر الرئيس، إيمانويل ماكرون، الذي تعهّد "بإعادة بناء نوتردام حتّى تكون أجمل ممّا كانت عليه".

اقرأ أيضاً: العالم يتضامن مع فرنسا.. كيف احترقت "نوتردام"؟ .. فيديو وصور

أيضاً، أصرّ ماكرون، بأسلوبه القويّ والمُفرِط في الطموح عادةً، على أنّ الكاتدرائيّة ستعود إلى أفضل حالاتها "خلال خمسة أعوام". وكان قد صرّح في اليوم التالي للحريق قائلاً: "إنّنا شعب من البناة. ولدينا الكثير لنعيد بناءه".

كاتب وناشط ينتمي إلى يسار الوسط: إنّ أيّ شيء بخلاف التّرميم الكامل من شأنه أن يدمّر روح نوتردام

ولكن بدلاً من أن يكون مشروعاً مُوحِّداً، أصبح السّؤال الخِلافيّ المتمثّل في استعادة نوتردام استعارةً للمعركة بين رؤية ماكرون التّحديثيّة لفرنسا، "أمّة الشّركات النّاشئة"، وبين عدد كبير من المواطنين الفرنسيّين غير المقتنعين بهذا المنظور. وقد وقّع حوالي 1169 معماريّاً ومُتحفيّاً وجامعيّاً خطاباً مفتوحاً إلى ماكرون، نصحوه فيه بالانتظار والتّفكير في عمليّة إعادة البناء هذه. وجاء في الخطاب: "لنأخذ الوقت الكافي للقيام بتشخيص مناسب. ونستمع إلى الخبراء، ونطّلع على معارفهم، ثمّ، نعم، نحدّد مهلة طموحة لاستعادةٍ مثاليّة".

وتشير الاستطلاعات إلى أنّ أكثر من نصف السّكان يريدون عودة الكاتدرائيّة إلى ما كانت عليه. وفي الشّهر الماضي، أقرّ مجلس الشّيوخ الفرنسيّ مشروع قانون ينصّ على أنّه ينبغي استعادتها إلى مظهرها مباشرةً قبيل الحريق. ومع ذلك، وافق ماكرون على مسابقة دوليّة للتّصميمات المعماريّة المبتكرة.

وافق ماكرون على مسابقة دوليّة للتصميمات المعمارية المبتكرة

وفي وسط الخِلاف التّحديثيّ يأتي برج الكنيسة المتهدّم. وهو البرج الذي صمّمه وشيّده يوجين فيوليت-لو-دوك عام 1859 ويصل ارتفاعه إلى 93 متراً، وكان يُعَدّ تحفةً فنيّةً تنتمي إلى العصر القوطيّ الحديث. وعندما اشتعلت النّيران وتحطّمَ عبر السّقف، اختفى جزء من نوتردام إلى الأبد.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟

وعندما أعلن ماكرون أنّ "لفتة معماريّة معاصرة" ستكون بديلاً مناسباً - بعد إعلان رئيس وزرائه، إدوارد فيليب، عن مسابقة التّصميمات المعماريّة -، ظهر هاشتاغ TouchePasANotreDame (لا تلمس نوتردام) على وسائل التّواصل الاجتماعيّ. ويقول رافائيل غلوكسمان، وهو كاتب وناشط ينتمي إلى يسار الوسط، إنّ أيّ شيء بخلاف التّرميم الكامل من شأنه أن "يدمّر روح نوتردام". وفي لحظة نادرة من الوحدة السّياسيّة بين مُختلف الأطياف، التقت وجهات نظر كلّ من الزّعيمة اليمينيّة المتطرّفة مارين لوبن والنّجم المُحافِظ فرانسوا كزافييه بيلامي.

لكن المقترحات المختلفة لشيء مختلف تماماً تسير على قدم وساق. فقد اقترح المعماريّ ألكساندر تشاسانغ وضْع قمّة مستدقّة مصنوعة من الكسرات الزّجاجيّة، وشارك ذلك عبر تويتر، قائلاً: "لا ينبغي لنا نسخ الماضي عن طريق المحاكاة". ومهما كان القرار، فإنّ الأعمال الّتي ستخضع لها نوتردام ستكون بمثابة ترميم لمعلَم أثريّ مُدرَج ضمن قائمة اليونسكو للتّراث العالميّ، وهو ما يجعلها عمليّة يجب أن تتفق مع قانون عام 1913 بشأن الآثار، وهو القانون الّذي يحدّ من الإضافات الجديدة لهذه الأبنية.

فتح حريق نوتردام نقاشاً أوسع حول حماية المواقع التّاريخيّة

ومن جانبه، لم يختر حفيد المعماريّ الأصليّ، فيوليت-لو دوك، جانباً، لكنّه لاحظ أنّ ما يجري هو "نقاش رائع بين القديم والجديد. ومن المؤسف أنّ فيوليت-لو دوك لم يعد بيننا للمشاركة فيه، فقد كان ليهتمّ للغاية بمثل هذا الأمر"!

العديد من المعالم الأثريّة في فرنسا بحاجة إلى أعمال التّرميم، وفتح حريق نوتردام نقاشاً أوسع حول حماية المواقع التّاريخيّة

لكنّه نقاشٌ يُظهِر، أيضاً، كيف يقوم نهج ماكرون المتحمّس بإزعاج الكثير من الفرنسيّين. كما هو الحال في السّياسة، ماكرون مهووس بالابتكار عندما يتعلّق الأمر بالعِمارة: إنّ أصغر رئيس لفرنسا لا يريد ببساطة إعادة بناء الكاتدرائيّة - وإنّما تحسينها. في السّياسة، يتمتّع ماكرون بسمعة مستحقّة في تحديده لأهداف جريئة (مثل تحرير قطاعات واسعة من الاقتصاد الفرنسيّ) وعدم القلق بشأن التّفاصيل، وهو ما يمكن أن يؤدّي في نهاية الأمر إلى احتجاجات تستمرّ عدّة أشهر، كتلك الّتي قامت بها مجموعات "السّترات الصُّفر". من هنا، يودّ ماكرون أن تُجسّد الكاتدرائيّة الجديدة فرنسا المُحدَّثَة الّتي يتطلّع إليها.

يمكن أن تكون عمليّة إعادة بناء الكاتدرائيّة، بالتّأنّي والحذر، فرصةً لمشروع يأتي مرّة واحدة في الجيل، عبر إعادة بناء الدّاخل والخارج باستخدام خبرات تقليديّة في النّجارة والعِمارة. أيضاً، العديد من المعالم الأثريّة في هذا البلد في حاجة ماسّة إلى أعمال التّرميم، وقد فتح حريق نوتردام نقاشاً أوسع حول حماية المواقع التّاريخيّة الفرنسيّة. ورؤية ماكرون الّتي تقضي بعمل مسابقات كبرى وتحديد مواعيد مستحيلة لإنجاز المخطّط تُبرِز ببساطة القدرات الإداريّة الضّعيفة وراء أدائه الاستعراضيّ.

اقرأ أيضاً: كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

لكنّني أعتقد أنّنا يجب أن نكون شاكرين لحسن حظٍّ ضئيل. فعلى الأقلّ، نجت نوتردام من عمليّة تلميع أرادتها العائلات والشّركات الّتي تبرعت بالمبالغ الأكبر من الأموال لنفسها: لن تكون هناك كاتدرائيّة نوتردام تابعة لشركة "لوريال". على الأقلّ، ليس الآن.


المصدر: الغارديان، بولين بوك

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هكذا أعاد المتظاهرون صياغة ممارسة السياسة في لبنان

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-20

ترجمة: مدني قصري


منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية، امتدت الحركة إلى ما وراء بيروت، من طرابلس إلى جنوب لبنان، أمام الاحتجاج، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أعلن رئيس الوزراء، سعد الحريري، استقالته، وتدابيره المقترحة قبل أيام قليلة؛ سحب بعض الضرائب، وزيادة الرسوم المفروضة على البنوك، لم تكن كافية لتهدئة المحتجين، واليوم، غزت كلمة "ثورة" الشوارع اللبنانية، ثورة تريد التغلب على الانقسامات المجتمعية، وتريد أن تكون غير عنيفة، ومع ذلك؛ فإنّ هناك كثيرين من الجرحى بالفعل، وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قام مقاتلو حزب الله وحركة أمل بنهب مواقع المتظاهرين.
خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية

هل يشهد لبنان حركة اجتماعية حقيقية؟
يعيش أكثر من ربع اللبنانيين تحت خطّ الفقر، وفق البنك الدولي، تعاني البلاد من نقص مزمن في الكهرباء وحتى في مياه الشرب، الحياة باهظة الثمن، والبطالة تؤثر على أكثر من 20 ٪ من السكان العاملين، والعقارات، وهي الدعامة الأساسية للاقتصاد، تؤدي بشكل سيئ، إنّ تحويلات رأس المال من قبل الشتات، وهي دعامة أخرى، تراوح مكانها.

اقرأ أيضاً: الأزمة في لبنان.. إلى أين؟
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار؛ أي أكثر من 150٪ من الناتج المحلي الإجمالي، النمو لا شيء تقريباً (0.2٪ عام 2018)، وأصبحت الليرة الآن مهددةً بشدة بانخفاض قيمتها، الأمر الذي سيكون له تأثير قوي على الاقتصاد؛ حيث يتم استيراد كلّ شيء.

مطالب المحتجين سياسية بامتياز تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون إلى شجب التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية

البلاد التي تخلو من الإنتاج الحقيقي، تعيش في نظام الريع، الذي تم تأسيسه في التسعينيات في نهاية الحرب الأهلية، والذي تفاقم بسبب التوسع المالي، الذي تستفيد منه أولاً جميع فصائلها العصية على التفكيك، والنتيجة هي الفساد على جميع المستويات، الطبقة السياسية المستفيدة هي نفسها منذ ثلاثين عاماً وأكثر.
بالإضافة إلى ذلك، البنية التحتية تكاد تكون معدومة، الطرق في حالة سيئة، كما تمت خصخصة الخط الساحلي بأكمله، وتحول البحر إلى مكب حقيقي، البلد هو أيضاً ثالث أكبر مديونية في العالم، بعد اليابان واليونان.
يقول اللبنانيون إنّهم يريدون استعادة ديمقراطيتهم التي يعتبرونها مسروقة من قبل الزعماء السياسيين، من جميع الطوائف بلا استثناء، إما لأنّهم شاركوا بنشاط في الفساد، أو كانوا شركاء في هذا النظام.
غضب اليوم أشبه بـ "ارحَلْ" الذي ظهر في "الربيع العربي" 2010-2011، أو في حركة الشارع الجزائري الحالية، المسماة بـ "الحراك"، مع وجود بعض النقاط المشتركة مع الحراك في فرنسا "السترات الصفراء".

اقرأ أيضاً: لبنان والعراق بين مئويتين
في تمرد تشرين الأول (أكتوبر) 2019 هذا، الحقيقة التي أبرزها العديدُ من المراقبين بأنّ المتظاهرين يهاجمون من قلب معاقلهم، قادة مجتمعهم حقيقة غير مسبوقة نسبياً، تقول شابة لبنانية، قابلتها صحيفة "لو موند": "غضبنا يجعلنا أكثر قرباً، ونجد أنفسنا نناقش أشخاصاً لم نكن نتحدث معهم أبداً، حتى في الأوقات العادية، لقد أسقطنا جدار المخاوف الطائفية"، إذا كان هذا هو الحال وإذا أصبح الشيء معمماً، فإننا نشهد حدثاً جديداً في لبنان.
في هذا السياق؛ أجرى موقع "esclesdumoyenorient" مقابلة مع الدكتورة ماري-نويل أبيياغي (MARIE-(NOËLLE ABIYAGHI، أخصائية في الحركات الاجتماعية، ومديرة دعم لبنان (Lebanon Support) (مركز أبحاث مقره في بيروت)، وأستاذة في جامعة القديس يوسف، ببيروت. وهنا نص الحوار:
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار

الانتفاضة التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة تبدو غير مسبوقة، بلا مركزيتها، تدعي أنّها غير سياسية، يبدو أيضاً أنّها تتجاوز الانقسامات الطائفية، ولكنّها متجذرة بقوة في السياسة والمجتمع اللبناني؛ بماذا تخبرك هذه المظاهرات عن لبنان اليوم؟ هل يريد اللبنانيون قلب صفحة الطائفية؟
في رأيي، هذه الحركة ليست جديدة وغير مسبوقة تماماً، هناك مجموعات اجتماعية مختلفة تتجنّد حول شعارات مماثلة، على الأقل منذ نهاية الحرب الأهلية (1990)، يجب أن ننظر إلى الحركة الحالية في ضوء كلّ الحركات الاجتماعية في لبنان خلال العقود الماضية، وعلى وجه الخصوص، عند بعض الجهات الفاعلة في العالم النقابي التي تدعو لبناء دولة القانون، أو عند بعض الأحزاب السياسية التي تعارض الطائفية لكنّها لم تتمكن بعد من الحصول على موطئ قدم في المشهد السياسي حتى الآن.

اقرأ أيضاً: كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين
في المقابل، إنّ ما هو غير مسبوق بالفعل هو حجم التعبئة، للمرة الأولى، تجمّع مئات الآلاف من اللبنانيين للاحتجاج في الوقت نفسه، وفي أجزاء مختلفة من البلاد، عادة، يتركز هذا النوع من التعبئة في بيروت، العاصمة، وقد ظلت محاولات توسيع لامركزية حركات الاحتجاج إلى مدن أخرى في البلاد خلال دورات التعبئة السابقة محدودة للغاية.
ما هي مطالب المحتجين؟ البعض منهم يدّعي أنّها مطالب غير سياسية، ما رأيك؟
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز، وهي تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون، إلى شجب وإدانة التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية، مروراً بالاستيلاء على الثروة من قبل النخب الاقتصادية والسياسية والخصخصة المفرطة، ويدعو المتظاهرون أيضاً إلى اتخاذ إجراءات وآليات تُحمِّل الزعماء السياسيين المسؤولية عن مصائب البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية، وسقوط النظام الطائفي الذي يقوي روابط المحسوبية ويتلاعب به الزعماء السياسيون لتقسيم السكان.

من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات

يتم سماع العديد من المتظاهرين وهم يصفون النظام المذهبي باعتباره العقبة الرئيسة أمام إقامة دولة القانون والدولة الاجتماعية، بهذا المعنى؛ فإنّ رفض الطائفية هو رفض اجتماعي واقتصادي، لا ينبغي أن ننسى أنّ هذه التعبئات اندلعت في أعقاب تكثيف تدابير التقشف.
وهذا لا ينبغي أن يدفع المراقبين لهذه الحركات إلى استنتاجات متسرعة، في نشوة هذا الغليان الاحتجاجي، من المؤكد أنّ هناك تساؤلات حول الطائفية، لكنّ لبنان لن يستيقظ خالياً من الطائفية، أو ضدّ الطائفية بين عشية وضحاها، يجب إدراك التعبئة الحالية من منظور عملي منهجي، تماماً مثل إدراك الأنظمة التي ترفضها والديناميات التي تتحكم فيها، وبهذا المعنى؛ فإنّ هذه التعبئة هي أيضاً دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى لبنان، وحول ما نسميه "الثقافة الطائفية"، فهذه الثقافة هي أولاً، وقبل كلّ شيء، مجموعة من القوانين والمؤسسات والأجهزة والممارسات.
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز

ماذا كان رد فعل الطبقة السياسية اللبنانية بالتحديد؟
بشكل عام، مواقف الطبقة السياسية لم تُرضِ المتظاهرين؛ فهم يرونها غير كافية أو حتى شعبوية، على سبيل المثال؛ قرار رئيس الوزراء، سعد الحريري (تيار المستقبل)، تخفيض رواتب الرئيس والرؤساء السابقين والوزراء والنواب إلى النصف، أو قرار سمير جعجع (القوات اللبنانية) مغادرة الحكومة والانضمام إلى صفوف المحتجين؛ فقد ساعدت هذه المواقف في تأجيج الغضب في الشوارع، وتكثيف مطالب مساءلة السياسيين.

اقرأ أيضاً: لماذا أغضب قائد الجيش اللبناني مليشيا حزب الله الإيرانية؟
وهذا يجب أن يُفهم أيضاً في سياق تراخي وعبث اللبنانيين الشديد إزاء الطبقة الحاكمة، في الواقع، أمراء الحرب الرئيسون، هم الذين أصبحوا في نهاية الحرب الأهلية (1975-1990) الشخصيات السياسية الرئيسة، بدلاً من تحمّل مسؤوليتهم عن جرائم الحرب، أعيد دمجُهم في الدولة اللبنانية بطريقة أو بأخرى، توضح بعض شعارات المحتجين اليوم هذه الرغبة في المساءلة المزدوجة للزعماء السياسيين: فهم يتعرضون للانتقادات بسبب دورهم في الصراع الأهلي من جهة، وفي تحولهم السياسي وطريقة حكمهم منذ التسعينيات، من جهة أخرى.
ماذا كان ردّ فعل المتظاهرين بعد استقالة سعد الحريري؟ ما هو التطور الذي يمكن أن تأخذه الحركة؟
رحّب المتظاهرون، في البداية، باستقالة سعد الحريري، ورأوا أنّ هذه الاستقالة خطوة نحو باقي مطالبهم، وبشكل أكثر إحباطاً، جاءت هذه الاستقالة في وقت بدأت فيه الشوارع المعبأة منذ عدة أيام (وليال) تلهث وتتعثر، وبهذا المعنى، فقد أتاحت أيضاً الفرصة للمتظاهرين للتراجع مؤقتاً، ومراجعة تكتيكاتهم واستراتيجياتهم الاحتجاجية.
ومع ذلك؛ فقد أثارت أيضاً غضباً قوياً، وتعبئة مؤيدي رئيس الوزراء، وهو ما أدّى إلى تجمّع وتعبئة مجموعات المحتجين الرئيسة، من الذين يخشون الانتعاش السياسي والطائفي.

اقرأ أيضاً: هكذا تضامن السوريون مع الثورة اللبنانية: قادمون لاستنشاق الحرية
من المهم التأكيد هنا على أنّ المتظاهرين ليسوا كتلة متجانسة؛ فإذا كانت عوامل متشابهة قد أشعلت مختلف المناطق في الأراضي اللبنانية، فإنّ التكوين الاجتماعي للمتظاهرين، وانتماءاتهم خاصة السياسية والأيديولوجية متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان؛ فهي تشمل، على سبيل المثال، المطالب الراديكالية أو حتى الثورية، ومطالب القومية التي تلامس كرهَ الأجانب، والمناصب التي يتمتع بها العمال المهاجرون واللاجئون، أو المناصب النسوية، وشعارات كره النساء والتمييز الجنسي، لكن يظلّ التظلّم الموحّد والشامل؛ هو رفض النموذج الاقتصادي والاجتماعي.
رحّب المتظاهرون في البداية باستقالة سعد الحريري

بالنظر إلى حجم هذه الحركة، وحداثة بعض الادعاءات؛ هل يمكننا القول إنّ المحتجين هم في معظمهم من الشباب، الذين ينتمون إلى جيل جديد من اللبنانيين المستعدين لتغيير البلاد؟
هذه الحركة عابرة للأجيال؛ الطبقات الشعبية موجودة للغاية في هذه التعبئة، خاصة الطبقات الوسطى الفقيرة، والعاطلين عن العمل، والشباب الذين لا يستطيعون الاندماج في سوق العمل، ونرى أيضاً العديد من كبار السنّ يشاركون في المظاهرات، وتتركز مطالبهم حول الحصول على الرعاية الصحية والأدوية، خاصة التقاعد.
كان الإعلان عن فرض الضرائب على تطبيقَي (واتس آب) و(فايبر)، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، هو الذي أشعل نار الغضب في البلاد، لكنّ الخلافات ناتجة أساساً عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمرّ بها لبنان؛ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بشكل كبير، ودخلت البلاد في حالة الركود، في أيلول (سبتمبر) الماضي، واستجابة لهذا الوضع، أرادت الحكومة فرض ضرائب جديدة، رغم أنّ اللبنانيين يتعرضون بالفعل لضغوط اقتصادية؛ كيف تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين في الأشهر الأخيرة؟
من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات؛ ففي الأعوام الأخيرة، حدثت عمليات تعبئة متعددة بأشكال وصور مختلفة، من المؤكد أنّ التعبئة الحالية كانت مدفوعة بتكثيف تدابير التقشف، والزيادة في الضرائب غير المباشرة، الأكثر ضرراً اجتماعياً، وإنهاء قروض الإسكان المدعومة، وأيضاً بسبب التدهور العام للوضع الاقتصادي وظروف معدلات بطالة الشباب والهجرة، على سبيل المثال لا الحصر، في هذا السياق؛ تشبه هذه الاحتجاجات حركات الاحتجاج الأخرى في بلدان أخرى مثل شيلي، على سبيل المثال.

التكوين الاجتماعي للمتظاهرين اللبنانيين وانتماءاتهم، خاصة السياسية والأيديولوجية، متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان

ومع ذلك؛ يجب ألا ننسى الشعارات الأكثر محلية لهذه التعبئة، والتي تجب أيضاً قراءتها في سياق دولة ليبرالية تاريخية تخلت عن مسؤولياتها الاجتماعية، تتكفل بهذه المسؤوليات مبادرات خاصة ومخصخصة ومنظمات غير حكومية، بعضها يرتبط مباشرة بالشخصيات أو الأحزاب الدينية، و /أو السياسية، والتي لا تخلو من المساهمة في تغذية وتقوية الروابط الزبونية الطائفية.
توضح التعبئة الحالية، إلى حدّ ما، حدود أشكال التضامن اللاشكلي من خلال الأسرة والمجتمع والشخصيات البارزة، وهو ما يقوض أسطورة "المرونة" اللبنانية الزائفة الشهيرة، بهذا المعنى، فهي تعبئات تطالب بمزيد من "طابع الدولة" للبنان.
توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان

حتى في جنوب لبنان، في صور، والنبطية، وكفر رمان أو بنت جبيل، في معقل حزب الله الشيعي، خرج الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع لإظهار دعمهم للحركة؛ هل حزب الله، اللاعب السياسي والمسلح الأقوى في البلاد، الذي يستطيع عادة تعبئة قاعدته الانتخابية التقليدية بقوة، بصدد فقده لدعم هذه القاعدة؟
إنها عوامل مماثلة تلك التي دفعت المحتجين إلى التعبئة، من طرابلس (التي كانت محصورة منذ فترة طويلة باعتبارها معقلاً للإسلاميين)، إلى جبل لبنان وبيروت وجنوب لبنان؛ ففيما وراء الاحتجاجات المتعلقة بتدهور مستويات المعيشة، توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان، كما يتضح ذلك من خلال القمع الذي تمارسه هذه القوى السياسية ضدّ المحتجين، سواء بشكل مباشر أو من خلال مؤيديهم، في العديد من المواقع مثل النبطية، أو أيضاً في وسط مدينة بيروت.
بالفعل، عام 2015، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع أثناء أزمة القمامة، هدفها التنديد بفشل الحكومة في معالجة النفايات بعد إغلاق أكبر مكبّ نفايات في لبنان؛ هل ترى أيّ تشابه بين تعبئة 2015 والأحداث الحالية؟
هناك استمرارية ملحوظة بين دورات التعبئة الأخيرة في لبنان، سواء في أسباب السخط أو في مطالب المحتجين أو في استنتاجاتها، لا سيما التنديد بالنظام المذهبي؛ باعتباره ناقلاً لعدم المساواة الاجتماعية، هذا نجده على مرّ السنين، ليس فقط في عام 2015، في عام 2011، بالفعل في خضمّ موجة الربيع العربي، تحرك نشطاء، مطالبين بـ "سقوط النظام الطائفي"؛ ففي عام 2015، كانت المطالب أكثر تقنية، ومرتبطة بأزمة النفايات، فقد أدرجت إدانة الفساد، وفكرة مساءلة جميع الأحزاب والسياسيين، فاليوم نرى أنّ الاحتجاجات الرئيسة تجمع جميع هذه المطالب.
في الوقت الحالي لم يبرز أي قائد من المظاهرات، وقد بدأت أنفاس الحركة تضيق وتلهث؛ هل هذا الافتقار إلى قيادة، من تسلسل هرمي معين يُضِرّ بالتعبئة؟
يبدو لي أنّه يجب عكس السؤال؛ نحن أمام وجود حركة احتجاج، احتجاج الشارع، الذي يريد التنديد أولاً بالنظام السياسي والسياسات العامة؛ الشارع والمتظاهرون يذكّرون بأنّ الشعب هو المصدر الشرعي للسلطة، في هذا السياق، الأمر متروك للسياسيين لاقتراح بدائل، إجبار المتظاهرين على نوع معين من التنظيم أو غرض معين أمر غير عادل بالنسبة إلي، كما سيكون من السذاجة الاعتقاد أنّ حركة اجتماعية بهذا الحجم تتحقق دون تنظيم على الأرض.
المخرج غامض وغير مؤكد، ليس فقط لأنّ الوضع معقد، ولكن لأنّ هذا السيناريو الذي يجري الآن لم يحدث من قبل، لكن المحتجين ليست لديهم أوهام، فهم يعلمون أنّ النهاية ليست وشيكة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-18

ترجمة: مدني قصري


يقول أستاذ الفلسفة فيليب جرانارولو: إنّ "أحد أسوأ آثار الهجمات الجهادية هو تشويه نظرتنا؛ فبغزوهم الفضاء الإعلامي، يميل الشباب المتطرفون والانتحاريون إلى جعلنا ننسى أنّ التطرف الديني قد اختفى من أفق معظمنا، فللغالبية غير المبالية بالمعتقدات الدينية، يعطي هذا المقال الكلمة؛ لأنّه في الواقع، يظلّ المواطنون الذين لا تعصب دينياً عندهم أقوى حصن ضدّ كلّ ألوان التطرف الديني.

جرانارولو: الهجمات التي يرتكبها الجهاديون تصعقنا وترعبنا؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام

نشر فيليب جرانارولو، العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه، بما في ذلك "الفرد الخالد" (L'individu éternel)، و"تجربة الأبدية النيتشية" (Vrin، 1993)، و"نيتشه"، و"خمسة سيناريوهات للمستقبل" Encre Marine) ، 2014)؛ فهو شخصية فكرية مشهورة في مدينة تولون (الفرنسية)؛ حيث يقود العديد من المناقشات والمؤتمرات، ويقدِّم نظرة فلسفية حول الأحداث الراهنة، مع كتابه "بيان العقول الحرة"، يهدف إلى شرح معنى الهجمات الجهادية لمجتمعاتنا (الغربية)، البعيدة كلّ البعد عن الانشغالات الدينية.

نشر فيليب جرانارولو العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه
حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "نوفيكسيون" ( nonfiction.fr) مع فيليب جرانارولو، هذه المقابلة:

كتابُك الأخير المستوحَى من أحداث الهجمات الجهادية، والذي يعتمد بشكل أساسي على فلسفة نيتشه، التي أنت متخصّص فيها، وكذلك كانط وعصر التنوير، هو قبل كلّ شيء، من وجهة نظرنا، مدحٌ للامبالاة تجاه الأديان، في سياقٍ أصبح من الصعب أكثر فأكثر، برأيك، جعلُ هذا الصوت مسموعاً "تعصُّبٌ في كل مكان، ولا دين في أي مكان"، هل هذه واحدة من حقائق عالمنا اليوم؟
في أوروبا، ما فتئ التعصّب الديني يتناقص باطراد منذ ثلاثة قرون على الأقل؛ "الحروب الدينية"، مذابح القديس بارثولوميو، وقضية كالاس، تبدو أنّها قد صارت وراءنا بأعوام ضوئية، ننسى أحياناً أنّ تعصّباً آخر قد استولى على السلطة في القرن العشرين: التعصب الأيديولوجي، والنازية والشيوعية، التي أدمت القرن الماضي، لكن مع سقوط حائط برلين، كرر العديد من مفكرينا النشيد الغالي على قلوب فلاسفة القرن التاسع عشر (ماركس ونيتشه على وجه الخصوص)، الذين يتنبؤون بمجيء عالَم خالٍ من الدين، وبإنسانية تدخل أخيراً مرحلة البلوغ، فيما أسماه كانط "أغلبية الكائن البشري".

جرانارولو: إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم

لعلّه من الضروري الإشادة بالإسلامويين، الذين ساهموا في الكشف عن التسرع في هذا الإحياء الساذج لأمل ماركس ونيتشه، تحاول مقالتي السباحةَ بين اثنين من المزالق: التفاؤل المفرط لدى العقلانيين المتأصلين، والتشاؤم الانتحاري لدى الانحداريين، ليس كتاب "بيان العقول الحرة" مقالاً آخر عن الإسلاموية، لكنّه منظور فلسفي أصلي حول تجاوزات الأصوليات الدينية؛ إنّه دفاعٌ عن حرية التفكير.
أنا أتبنى على وجه الخصوص، عكس وجهة نظر المفكرين الذين أعلنوا "انتقام الإله"، في أساليب وأطر مفاهيمية مختلفة للغاية، يُجمِع كلّ من فيليب موراي، وريمي براغ، أو روبرت ريديكر (هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من أفراد هذه العائلة العظيمة) على الإعلان عن الانهيار المحتوم لحضارة اعتقدت بسذاجة أنّ بإمكانها أن تحقق التطور خارج المعتقدات، والتي اعتقدت بفخر أن العالم من دون الربّ ممكن.
من بين الأخطاء الرئيسة في تفسير الهجمات الجهادية؛ في رأيك، هو تعزيز الرؤية الساذجة لـ "صدام الحضارات" (عنوان كتاب صموئيل هنتنغتون، المترجم في فرنسا، عام 1996)، بالتالي؛ المساهمة في إنشاء نبوءة تتحقق ذاتياً، لكن بدلاً من حرب الحضارات، وهي العبارة التي استخدمها رئيس الوزراء، مانويل فالس، بشكل خاطئ، عام 2015؛ فإنّ ما يكشف عنه التطرف الإسلاموي اليوم هو في المقام الأول الحاجة الملحة للكفاح ضدّ شكل من أشكال الهمجية (البربرية)؛ كيف تفسِّر أنّ النوايا الأصلية للمتعصبين استطاعت أن تخترق في النهاية عقولنا، رغم علمانية هذه العقول إلى حدّ كبير وبُعد أغلبيها عن الاهتمامات الدينية؟
بما أنّ نوايا المتعصبين قد "اخترقت عقولنا" فهذا أمر لا جدال فيه؛ التعصب، كما قال الراحل أندريه غلوكسمان، الذي أقتبستُ أقواله مرتين في مقالتي، كان بمثابة "الصاعقة"؛ لأنّه يضع نهاية قوية لغياب العنف الذي اعتدنا عليه، فالهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام؛ لأنّ أيّ هجوم لا يمكن بالطبع أن يرعبنا إلا إذا تمّ تضخيمه بواسطة وسائل الإعلام، وعليه؛ فإنّ الأمر متروك للمثقفين كي ينتزعونا من هذا الترهيب والترعيب.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟
للخروج من حالة الذهول والانصعاق ليس هناك سوى طريقة واحدة فقط: الطريقة التي تضعنا على سُلَّمٍ زمني آخر، الطريقة التي تسمح لنا بالتفكير على المدى الألفي للزمن؛ فبصفتي تلميذاً لنيتشه، فقد تعلمتُ تدريجياً أن أضع تأملاتي على هذا النطاق الزمني، وعلى هذا السلَّم الزمني تحديداً تقع جميع تحليلات كتاب "بيان العقول الحرة".
الهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"

أنت لا تؤمن بأنّ الشعب الفرنسي على استعداد بأغلبية ساحقة لرفض ما بين 5 إلى 6 ملايين من رعاياه من أصل إسلامي، واعتبارهم متطرفين في حيّز القوة (محتمَلين)، كما تشير بعض الخطب السياسية إلى ذلك، مقابل رؤية "الحرب الأهلية" هذه الزاحفة بدهاء، بشكل أو بآخر، أو "حالة الطبيعة الهوبيسية" (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز(1)، فأنت ترى أنّ دعاة السلام الحقيقيين في المجتمع الفرنسي يجب أن يكونوا مواطنين من دون دين "نحن  الغالبية العظمى من الذين ما زالوا غرباء على الدين"؛ وهذه هي كلماتك، أياً كانت أصولهم، ومع ذلك، فمن دون المطالبة بدينٍ علماني أو مدني جديد، كيف يمكننا تهدئة وإخماد الممارسات الدينية في بعض المناطق، حيث خطرُ التعصب أضحى حقيقة قائمة معروفة؟
يبدو أنّني أرى وراء سؤالك صدى صيغة تتكرر في كثير من الأحيان: "لا يمكننا أن نموت من أجل العلمانية"، يبقى السؤال هو ما إذا كنا نستطيع العيش دون دين أم لا؟ في الفصل المعنون "نهاية فقدان طويل للذاكرة"، أتحدث عن ذلك مع  ريجيس ديبراي (Régis Debray)(2)، الذي لفتت أعماله انتباهي دائماً؛ فإما أنّ العالم السياسي محقّ، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع بشري دون معتقد مؤسسي قوي يربط أعضاء المجموعة، وهو معتقد لا صلة له بـ "الحقيقة"، كما أكده في الأصل "نقد العقل السياسي"، عام 1981، فالوظيفة الوحيدة والفعالية الوحيدة للاعتقاد المؤسس هي تحويل الأفراد المشتتين إلى هيئة اجتماعية، وإما أنّ ريجيس ديبراي على خطأ: أنّ شيئاً آخر غير الاعتقاد الأعمى قادر على جمعنا، هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها.

يهدف جرانارولو في كتابه "بيان العقول الحرة"، إلى شرح معنى الهجمات الجهادية للمجتمعات الغربية البعيدة عن الانشغالات الدينية

بشكل ملموس، كيف يمكن لمجتمع متّحد خارج المعتقد الديني أن يحارب أفراداً عالقين في فخّ التعصب؟ سلبياً، من خلال عدم الوقوع في الفخ الأمني، أولى الاقتباسات التي وضعتُها بوضوح في مقدمة فصول كتابي هي صيغة لهوبير فيدرين: "كوننا غير مقتنعين بأنّ الإرهاب هو التهديد الرئيس أحدثَ كثيراً من الضرر لمجتمعاتنا"، فمع مطالبة الدولة بتنفيذ جميع الوسائل المتاحة لها لحمايتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا أنّ تأمين جميع أراضينا مُهِمّةٌ مستحيلة، نحن في حاجة إلى دمج التهديد الإرهابي في حياتنا اليومية، وإيجابياً؛ بِرفع الجهد التعليمي بشكل كبير في مناطق الجمهورية المنسية والمهملة. فمن خلال دعوتنا لجلد أنفسنا وممارسة الندامة والتوبة قدّم البعضُ أفضل الأسلحة إلى الأيديولوجيين الإسلامويين المتطرفين، يجب أن نكون مقتنعين بالجودة الإنسانية لنموذجنا الثقافي: كيف يسعنا نقل هذا النموذج ومشاركته إذا كنا نشكّ نحن أنفسنا في قيمته؟
المفارقة في مقالتك المحفّزة تتمثل في الدعوة إلى نوع من "اللادين" للجميع، في سياق تتفاقم فيه شتى ألوان التعصب؛ ألا ينطوي هذا النهج على خطر تأكيد الهُويات (هذا "التقليد البعيد عن الأديان منذ 25 قرناً"، منذ اليونان القديمة إلى العلمانية الجمهورية، وحتى عصر النهضة والتنوير) أو الإعلان عن "نهاية فقدان الذاكرة" (عنوان أحد فصول كتابك)، في حين أنّ كلّ شيء يحدث كما لو كانت هذه الرؤية لم تعد تمثل جزءاً كبيراً من رؤية معاصرينا؟
إنّك تثير خطر التأكيد على هُوية من الهُويات: لكن، من دون هوية يجب الدفاع عنها، ما الذي يمكننا أن نواجه به مشروع غزو الإسلامويين المتطرفين؟ مشروع الغزو قائم بالفعل، ولم يظهر عام 2001؛ فهو قائم وقد تمّ تطويره تطويراً كاملاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في كتابات حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، ثم في النصّ الذي ما يزال بمثابة دليل للجهاديين اليوم "معركتنا ضدّ اليهود"، التي كتبه سيد قطب في أوائل 1950.

اقرأ أيضاً: محاربة الإرهاب لم تنتهِ
بقدر ما تبدو لي خطيرة الإشارة إلى "الجذور المسيحية لأوروبا"؛ لأنّ مثل هذه المرجعية يمكن أن تكون حاملة للعداء بين الأديان المعادية لبعضها، بقدر ما يبدو لي أمراً أساسياً وصحياً أن أطالب بالجذور الفلسفية لحضارتنا، قبل خمسة وعشرين قرناً على الأرض اليونانية، عرف رجال مستنيرون، يركع المعاصرون اليوم أمام تماثيل زيوس أو أثينا، كيفية استخدام القوى الوحيدة لعقولهم لفكّ رموز الطبيعة والتساؤل في جوهر الإنسان، وقد يظنّ قرّاؤك أنّ ارتباطي الطويل بنيتشه قد شوّه تقديري للأشياء: لكنني مقتنع تماماً بأنّه في غضون بضعة قرون، سوف يُنظر إلى التعصب الديني في الديانات السماوية الثلاث، سوى باعتباره فترة عابرة في تاريخنا، كلحظة قصيرة من التيه في عملية تحرّر العقل الهائلة!

من اللافت أحياناً، عند قراءة مقالك، أن تفكّر في الردّ، الذي جاء خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، على لسان جان لوك ميلنشون - الذي تُعدّ خلفيته الفلسفية (الحقيقية، على عكس العديد من السياسيين) أقرب إلى مفكرين أمثال ماركس وفويرباخ منها إلى فكر نيتشه، وهو يجيب عن سؤال الصحافيين حول "البوركيني" قائلاً: "أبعدوا عنا قصصكم الدينية! لن تضيّع فرنسا وقتها في مناقشة الدين"؛ أليس هذا هو السؤال الأساسي الذي يواجه الجمهورية منذ تأكيدها الفلسفي والسياسي؟
لا يمكنني إلا أن أقرّ ببعض التقاربٍ حول هذه النقطة (وفقط هذه النقطة) مع جان لوك ميلنشون؛ نعم، قول ميلنشون "دعونا وشأننا" يفسر صياغة "اتركنا في سلام"، الذي يختم تحذير "بيان العقول الحرة"، لكن بعد أن كُتِب هذا التحذير خلال عام 2015، أدّعي في هذا الشأن أني سبقتُ جان لوك ميلنشون. لا، الدين لم يعد شاغلنا الرئيس مرة أخرى، الجميع لا يهتمون! مهما كانت المعتقدات الدينية التي تقاسمنا إياها أقليةٌ من مواطنينا، ففي غياب التعصب الديني تحديداً، تَعلَّمْنا كيف نبني مجتمعاً، دعونا لا نعكس ترتيب الأشياء: ليس غياب البعد الديني هو الذي يُهدّد مجتمعنا، بل إنّها همجية الأصوليين الدينيين.

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
مقالتي تعارض وجهاً لوجه كلّ الذين يدينون مجتمعاً يملك جرأة الادعاء بالعيش خارج التعصب الديني، إنّ إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني، وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم، وخاصة المجتمع الوحيد الذي يتوافق مع التقنيات التي تُستمَدّ جميعها من حرية الفكر، يجب على أولئك الذين يرفضون العلمانية أن يتخلوا عن استخدام الإنترنت وعن هواتفهم المحمولة، وهي منتجاتُ نظرياتٍ علمية طوّرها العلماء الذين لديهم الشجاعة للابتعاد عن المعتقدات القديمة، عليهم أن يكتفوا فقط باستخدام الحَمَام الزاجل، وعليهم ألّا يهاجموا عدوّهم إلا بالمقلاع والرماح؛ لأنّ التماسك ليس شاغلهم الرئيس.
ليست حرية العقل قوة فحسب، بل هي القوة الوحيدة التي تتناغم مع المسار الذي سلكته حضارتنا منذ خمسة وعشرين قرناً، العقول الحرة، بعيداً عن أن تتعرض للحركة الإرهابية، هي مستقبل الإنسانية لا محالة.
 


الهوامش:
(1) توماس هوبز (5 نيسان 1588 - 4 كانون الأول 1679)، (بالإنجليزية: Thomas Hobbes): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي، يعدّ توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة، خصوصاً في المجال القانوني؛ حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيهاً قانونياً، ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي، كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً، ليس فقط على مستوى النظرية السياسية؛ بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي، كذلك يعتبر هوبز من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم.
(2) ريجيس ديبريه: ولد في 2 أيلول 1940، بباريس، وهو كاتب وجامعي فرنسي ومنظم الميديولوجيا، حصل على جائزة فيمينا الأدبية، عام 1977 ، وهاجر في شبابه كمقاتل أجنبي في الغابات إلى جانب تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: www.nonfiction.fr

للمشاركة:

السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:



السلطات الألمانية تكشف عدد السلفيين وتحذّر من عمليات إرهابية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

ذكرت مصادر أمنية ألمانية؛ أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت، مقدّرة عددهم في برلين بنحو 1120 شخصاً.

مصادر أمنية تؤكّد أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت وتقدّر عددهم بنحو 1120 شخصاً

وقال رئيس المكتب الإقليمي لحماية الدستور (الاستخبارات الألمانية الداخلية) في ولاية برلين، ميشائيل فيشر، في تصريحات نقلها وكالة الأنباء الألمانية، اليوم: "لدينا حالياً في برلين نحو 1120 سلفياً، بيد أنّنا غير متأكدين تماماً ما إذا كنا نرصد ارتفاعاً حقيقياً مستمراً لهذه الأوساط النشطة، أم أننا رصدنا المزيد من السلفيين لأنّنا عززنا إجراءاتنا".

وكانت سلطات الأمن قد رصدت نحو 1020 سلفياً في برلين، بنهاية عام 2018، وكان عددهم يقدر قبل أعوام بنحو مئات الأفراد.

ولم يتحدث فيشر عن عدد المصنَّفين ممن لديهم استعداد للعنف، وقال: "من بينهم أيضاً أشخاص لديهم أفكار تدعم العنف أو ممارسته ذاتياً، هذا أمر يصعب حصره في أرقام، فالتحول غير واضح".

 ويأتي حديث فيشر قبل أيام قليلة من القبض على سوري مشتبه في صلته بالإرهاب، أمس الثلاثاء، في حي شونببرغ في برلين، لافتاً إلى أنّ الخطر الذي يمثله أنصار تنظيم داعش ما يزال قائماً.

الشرطة الألمانية تلقي القبض على سوري للاشتباه في صلته بالإرهاب كان يصنع قنابل لتنفيذ هجمات إرهابية

 وقال: "ليس من المستبعد أنّ تنظيم داعش، حتى عقب هزيمته، سيسعى لأن يوضح للخارج أنّه ما يزال موجوداً، وأنّه قادر على القيادة"، مضيفاً؛ "ما تزال هناك دعوات لشن هجمات في أوروبا وباقي أنحاء العالم"، وتابع: "توجد لذلك أدلة على استمرار وجود أفراد يتبنون فكرة شنّ هجمات".

وكانت وحدة خاصة من الشرطة الاتحادية قد ألقت القبض، أمس، على سوري في برلين للاشتباه في صلته بالإرهاب، وأعلن الادعاء العام الاتحادي في مدينة كارلسروه، اليوم؛ أنّ السوري مشتبه في شرائه مواد كيماوية لتصنيع قنبلة، وأضاف: "كان من المخطط تفجير هذه القنبلة في وقت غير معلوم، وفي مكان غير معروف في ألمانيا، لقتل وإصابة أكبر عدد ممكن من الأشخاص".

 

 

للمشاركة:

الجيش اليمني يصدّ هجوماً حوثياً في تعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

صدّت قوات الجيش الوطني في محور تعز، أمس، هجوماً جديداً شنّته ميليشيات الحوثي الانقلابية على عدد من المواقع في الجبهة الغربية.

ونقل "المركز الإعلامي لمحور تعز" عن مصدر عسكري؛ أنّ وحدات الجيش الوطني كسرت هجوماً نفذته عناصر من ميليشيا الحوثي الانقلابية، بغية التقدّم في مناطق: "حذران، والصياحي، وتبة الخندق"، غرب المدينة، وفق صحيفة "المشهد" اليمنية.

مشروع "مسام" يعلن انتزاعه 658 لغماً أرضياً وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية

وأكّد المصدر رصد قوات الجيش الوطني لتحركات الميليشيا، وصدّ كلّ زحوفاتها في مختلف الجبهات لواجهتها.

وخلال الأيام الماضية؛ ركّزت ميليشيا الحوثي الانقلابية هجماتها على المواقع السابقة، بهدف التقدم والسيطرة على الطريق الرئيس المؤدي للمنفذ الوحيد للمدينة في المنطقة.

إلى ذلك، أعلن مشروع "مسام"؛ أنّه انتزع 658 لغماً أرضياً، وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية.

وبلغ إجمالي ما جرى نزعه منذ بداية المشروع، حتى الآن، أكثر من 105 آلاف لغم زرعتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في الأراضي والمدارس والبيوت في البلاد وأدّت لسقوط عدد كبير من الضحايا.

وفي سياق متصل بالصراع في اليمن؛ ندّدت وزارة الخارجية اليمنية في بيان رسمي نقلته صحيفة "الشرق الأوسط"، بالخطوة التي أقدمت عليها طهران والمتمثلة في الاعتراف الرسمي بالميليشيات الحوثية وتسليم المقرات الدبلوماسية اليمنية في إيران لسفير الجماعة المزعوم.

الخارجية اليمنية تندّد بتسليم إيران المقرات الدبلوماسية اليمنية في طهران للميليشيات الإرهابية

جاء ذلك في الوقت الذي اتهمت فيه الحكومة اليمنية النظام الإيراني بالوقوف وراء الجماعة الحوثية، والإيعاز لها باختطاف الناقلة الكورية في المياه الإقليمية اليمنية، وفق ما ورد في تصريحات لوزير الإعلام، معمّر الإرياني.

وأعربت وزارة الخارجية اليمنية في بيان، أمس، عن إدانتها واستنكارها الشديدين "قيام النظام الإيراني الداعم الأول للإرهاب في العالم، بالاعتراف بممثل ميليشيات الحوثي الانقلابية، وتسليمه المقار الدبلوماسية والمباني التابعة للجمهورية اليمنية في طهران".

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة منحة بقيمة 300 ألف دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا، الذي اختتم أعماله، اليوم، فى العاصمة السنغالية، داكار.

وأعلن ذلك مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي للشؤون العسكرية والأمنية الإماراتي، الدكتور عبيد الحيري سالم الكتبي، الذي ترأّس الوفد الإماراتي المشارك فى أعمال الدورة السادسة للمنتدى التي انطلقت بداكار، أمس، مؤكّداً تطلع الدولة للمشاركة في الدورة السابعة للمنتدى في العام المقبل، وفق ما أوردت "وام".

الإمارات تقدّم هبة بقيمة 300 ألف دولار دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

وأكّد الكتبي، في كلمة له خلال أعمال المنتدى؛ أنّ العلاقة التي تربط دولة الإمارات بالدول الأفريقية قد تطورت بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة، مشيراً إلى مساعدة دولة الإمارات للدول الأفريقية على صعيد الأمن والاستقرار.

وأضاف: "الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في حلّ الصراعات القائمة، وحققت نجاحاً ملحوظاً في تخفيف حدة النزاعات التي دامت لعقدين بين أثيوبيا وإريتريا بفضل جهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة"، مشدداً على موقف الإمارات العربية المتحدة الحازم ضدّ الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله، مشيداً بالدور المحوري الذي تضطلع به السنغال في تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتطرف في غرب أفريقيا وفي القارة الأفريقية على نطاق أوسع.

 

للمشاركة:



"الملالي" يقمع المتظاهرين ويقتلهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

فريد أحمد حسن

الفيديوهات الكثيرة التي انتشرت أخيراً وأظهرت كيفية قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين في المدن الإيرانية الذين خرجوا للاحتجاج على قرار النظام مضاعفة سعر البنزين والإيغال في إفقارهم لم يتم بثها عبر الفضائيات "السوسة"، لا الإيرانية ولا تلك التابعة لها والتي تمول من قبل النظام الإيراني أو المتعاطفة معه، ولن يتم بثها، بل لم ولن يتم حتى الإشارة إلى أن الشرطة قمعوا المتظاهرين بقسوة وبالغوا في القمع، والأكيد أنها بدلاً عن ذلك عمدت إلى اعتبار ما يقال "ادعاءات" ونفت بشكل قاطع وأقسمت بأن شيئاً من ذلك لم يحدث وأن تلك الفيديوهات هي من "تأليف" الذين يتخذون من النظام الإيراني موقفاً سالباً ويعادونه.

أياً كان حجم المظاهرات التي خرجت وستخرج ضد النظام الإيراني فلم ولن يتم بث أي خبر عنها في تلك الفضائيات والصحف الإيرانية التي تعمل على إظهار النظام وكأنه المعتدى عليه وليس المعتدي على جيوب الفقراء ومعيشتهم. الإعلام الإيراني بكل أدواته يهتم ببث ونشر الأخبار عن الذي يحصل في البلاد الأخرى فقط، ولأسباب معروفة يبالغ في البث والنشر ويضخم من كل خبر يرتمي في حضنه. أما الشرطة الإيرانية فتفعل ما لا يمكن أن تفعله الشرطة في البلاد الأخرى فتضرب بعنف وقسوة وتبالغ في ذلك، فهي هنا تدافع عن الولي الفقيه الذي تؤمن بأنه لا يمكن أن يخطئ وأن قرار رفع سعر البنزين أوحي إليه فأمر به!

في السنوات الثماني الأخيرة فقط امتلأت ساعات بث الفضائيات "السوسة" بأخبار البحرين، وتعاملت تلك الفضائيات مع كل خبر صغير يحدث هنا وكأن القيامة قد قامت، أما تعامل رجال حفظ الأمن مع المتظاهرين والذي لا يمكن مقارنته بالذي شاهده العالم في الأيام الأخيرة في المدن الإيرانية فتصنع منه ألف خبر وخبر وتنفخ فيها بطريقة مفضوحة.

مشكلة النظام الإيراني أنه يؤمن بأن من حقه هو فقط أن يدافع عن نفسه وأن يمنع التظاهر ضده ويمنع الهتافات ضد رموزه، أما الآخرون فلا حق لهم وبالتالي فإن كل ما تقوم به الأجهزة المعنية بحفظ الأمن في البلاد الأخرى وجعله مستتباً مبالغ فيه وحرام ويستوجب النقد والتناول عبر تلك الفضائيات.

ليس تلك الفضائيات وحدها التي لا تتناول موضوع قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين والتعامل معهم بقسوة مبالغ فيها، فالإعلام الإيراني كله لا يتناول ذلك، وكذلك تفعل الجمعيات السياسية التي اختارت الحضن الفارسي حيث تعتبر تعامل الشرطة مع المتظاهرين في إيران حقاً يكفله الدستور الإيراني وتعتبر المتظاهرين من المسيئين الذين لا يستحقون الضرب بالعصي العادية والكهربائية فقط وإنما يستحقون الإعدام. والأمر نفسه تفعله الميليشيات التي أوجدها النظام الإيراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، فهؤلاء جميعاً تعمى أبصارهم عندما يكون القامع هو النظام الإيراني وعندما يكون المتظاهر هو المواطن الإيراني الذي "لم يراعي حرمة الولي الفقيه.. وتجاوز حدوده"!

ما حصل في الأيام الأخيرة في إيران فضح النظام الإيراني وتوجهاته وشعاراته وما ظل يردد أنها مبادئه، فقد حرم المواطنين الإيرانيين من أبسط حقوقهم رغم علمه بأن قرار غزو جيوبهم الفارغة يؤلمهم ويستدعي خروجهم إلى الشوارع ليعبروا عن رفضهم للقرار أو التحفظ عليه. هذا النظام لم يمنع الإيرانيين من التعبير عن ألمهم فقط وإنما عمد إلى قمعهم بأبشع الأساليب واعتبرهم متجاوزين ومتطاولين على الولي الفقيه ولم يبقَ إلا أن يعلن بأن مصيرهم النار يوم القيامة.

تعامل النظام الإيراني الخشن مع المتظاهرين الإيرانيين في السابق يدفع إلى الاعتقاد بأنه سيزيد من ذلك ولن يكون مستغرباً لو أنه قام بإعدام مجموعة من المعبرين عن ألمهم بالتظاهر في الشوارع ورفع الشعارات ضد النظام.

عن "الوطن" البحرينية

للمشاركة:

هكذا أعاد المتظاهرون صياغة ممارسة السياسة في لبنان

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-20

ترجمة: مدني قصري


منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية، امتدت الحركة إلى ما وراء بيروت، من طرابلس إلى جنوب لبنان، أمام الاحتجاج، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أعلن رئيس الوزراء، سعد الحريري، استقالته، وتدابيره المقترحة قبل أيام قليلة؛ سحب بعض الضرائب، وزيادة الرسوم المفروضة على البنوك، لم تكن كافية لتهدئة المحتجين، واليوم، غزت كلمة "ثورة" الشوارع اللبنانية، ثورة تريد التغلب على الانقسامات المجتمعية، وتريد أن تكون غير عنيفة، ومع ذلك؛ فإنّ هناك كثيرين من الجرحى بالفعل، وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قام مقاتلو حزب الله وحركة أمل بنهب مواقع المتظاهرين.
خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية

هل يشهد لبنان حركة اجتماعية حقيقية؟
يعيش أكثر من ربع اللبنانيين تحت خطّ الفقر، وفق البنك الدولي، تعاني البلاد من نقص مزمن في الكهرباء وحتى في مياه الشرب، الحياة باهظة الثمن، والبطالة تؤثر على أكثر من 20 ٪ من السكان العاملين، والعقارات، وهي الدعامة الأساسية للاقتصاد، تؤدي بشكل سيئ، إنّ تحويلات رأس المال من قبل الشتات، وهي دعامة أخرى، تراوح مكانها.

اقرأ أيضاً: الأزمة في لبنان.. إلى أين؟
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار؛ أي أكثر من 150٪ من الناتج المحلي الإجمالي، النمو لا شيء تقريباً (0.2٪ عام 2018)، وأصبحت الليرة الآن مهددةً بشدة بانخفاض قيمتها، الأمر الذي سيكون له تأثير قوي على الاقتصاد؛ حيث يتم استيراد كلّ شيء.

مطالب المحتجين سياسية بامتياز تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون إلى شجب التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية

البلاد التي تخلو من الإنتاج الحقيقي، تعيش في نظام الريع، الذي تم تأسيسه في التسعينيات في نهاية الحرب الأهلية، والذي تفاقم بسبب التوسع المالي، الذي تستفيد منه أولاً جميع فصائلها العصية على التفكيك، والنتيجة هي الفساد على جميع المستويات، الطبقة السياسية المستفيدة هي نفسها منذ ثلاثين عاماً وأكثر.
بالإضافة إلى ذلك، البنية التحتية تكاد تكون معدومة، الطرق في حالة سيئة، كما تمت خصخصة الخط الساحلي بأكمله، وتحول البحر إلى مكب حقيقي، البلد هو أيضاً ثالث أكبر مديونية في العالم، بعد اليابان واليونان.
يقول اللبنانيون إنّهم يريدون استعادة ديمقراطيتهم التي يعتبرونها مسروقة من قبل الزعماء السياسيين، من جميع الطوائف بلا استثناء، إما لأنّهم شاركوا بنشاط في الفساد، أو كانوا شركاء في هذا النظام.
غضب اليوم أشبه بـ "ارحَلْ" الذي ظهر في "الربيع العربي" 2010-2011، أو في حركة الشارع الجزائري الحالية، المسماة بـ "الحراك"، مع وجود بعض النقاط المشتركة مع الحراك في فرنسا "السترات الصفراء".

اقرأ أيضاً: لبنان والعراق بين مئويتين
في تمرد تشرين الأول (أكتوبر) 2019 هذا، الحقيقة التي أبرزها العديدُ من المراقبين بأنّ المتظاهرين يهاجمون من قلب معاقلهم، قادة مجتمعهم حقيقة غير مسبوقة نسبياً، تقول شابة لبنانية، قابلتها صحيفة "لو موند": "غضبنا يجعلنا أكثر قرباً، ونجد أنفسنا نناقش أشخاصاً لم نكن نتحدث معهم أبداً، حتى في الأوقات العادية، لقد أسقطنا جدار المخاوف الطائفية"، إذا كان هذا هو الحال وإذا أصبح الشيء معمماً، فإننا نشهد حدثاً جديداً في لبنان.
في هذا السياق؛ أجرى موقع "esclesdumoyenorient" مقابلة مع الدكتورة ماري-نويل أبيياغي (MARIE-(NOËLLE ABIYAGHI، أخصائية في الحركات الاجتماعية، ومديرة دعم لبنان (Lebanon Support) (مركز أبحاث مقره في بيروت)، وأستاذة في جامعة القديس يوسف، ببيروت. وهنا نص الحوار:
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار

الانتفاضة التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة تبدو غير مسبوقة، بلا مركزيتها، تدعي أنّها غير سياسية، يبدو أيضاً أنّها تتجاوز الانقسامات الطائفية، ولكنّها متجذرة بقوة في السياسة والمجتمع اللبناني؛ بماذا تخبرك هذه المظاهرات عن لبنان اليوم؟ هل يريد اللبنانيون قلب صفحة الطائفية؟
في رأيي، هذه الحركة ليست جديدة وغير مسبوقة تماماً، هناك مجموعات اجتماعية مختلفة تتجنّد حول شعارات مماثلة، على الأقل منذ نهاية الحرب الأهلية (1990)، يجب أن ننظر إلى الحركة الحالية في ضوء كلّ الحركات الاجتماعية في لبنان خلال العقود الماضية، وعلى وجه الخصوص، عند بعض الجهات الفاعلة في العالم النقابي التي تدعو لبناء دولة القانون، أو عند بعض الأحزاب السياسية التي تعارض الطائفية لكنّها لم تتمكن بعد من الحصول على موطئ قدم في المشهد السياسي حتى الآن.

اقرأ أيضاً: كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين
في المقابل، إنّ ما هو غير مسبوق بالفعل هو حجم التعبئة، للمرة الأولى، تجمّع مئات الآلاف من اللبنانيين للاحتجاج في الوقت نفسه، وفي أجزاء مختلفة من البلاد، عادة، يتركز هذا النوع من التعبئة في بيروت، العاصمة، وقد ظلت محاولات توسيع لامركزية حركات الاحتجاج إلى مدن أخرى في البلاد خلال دورات التعبئة السابقة محدودة للغاية.
ما هي مطالب المحتجين؟ البعض منهم يدّعي أنّها مطالب غير سياسية، ما رأيك؟
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز، وهي تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون، إلى شجب وإدانة التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية، مروراً بالاستيلاء على الثروة من قبل النخب الاقتصادية والسياسية والخصخصة المفرطة، ويدعو المتظاهرون أيضاً إلى اتخاذ إجراءات وآليات تُحمِّل الزعماء السياسيين المسؤولية عن مصائب البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية، وسقوط النظام الطائفي الذي يقوي روابط المحسوبية ويتلاعب به الزعماء السياسيون لتقسيم السكان.

من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات

يتم سماع العديد من المتظاهرين وهم يصفون النظام المذهبي باعتباره العقبة الرئيسة أمام إقامة دولة القانون والدولة الاجتماعية، بهذا المعنى؛ فإنّ رفض الطائفية هو رفض اجتماعي واقتصادي، لا ينبغي أن ننسى أنّ هذه التعبئات اندلعت في أعقاب تكثيف تدابير التقشف.
وهذا لا ينبغي أن يدفع المراقبين لهذه الحركات إلى استنتاجات متسرعة، في نشوة هذا الغليان الاحتجاجي، من المؤكد أنّ هناك تساؤلات حول الطائفية، لكنّ لبنان لن يستيقظ خالياً من الطائفية، أو ضدّ الطائفية بين عشية وضحاها، يجب إدراك التعبئة الحالية من منظور عملي منهجي، تماماً مثل إدراك الأنظمة التي ترفضها والديناميات التي تتحكم فيها، وبهذا المعنى؛ فإنّ هذه التعبئة هي أيضاً دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى لبنان، وحول ما نسميه "الثقافة الطائفية"، فهذه الثقافة هي أولاً، وقبل كلّ شيء، مجموعة من القوانين والمؤسسات والأجهزة والممارسات.
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز

ماذا كان رد فعل الطبقة السياسية اللبنانية بالتحديد؟
بشكل عام، مواقف الطبقة السياسية لم تُرضِ المتظاهرين؛ فهم يرونها غير كافية أو حتى شعبوية، على سبيل المثال؛ قرار رئيس الوزراء، سعد الحريري (تيار المستقبل)، تخفيض رواتب الرئيس والرؤساء السابقين والوزراء والنواب إلى النصف، أو قرار سمير جعجع (القوات اللبنانية) مغادرة الحكومة والانضمام إلى صفوف المحتجين؛ فقد ساعدت هذه المواقف في تأجيج الغضب في الشوارع، وتكثيف مطالب مساءلة السياسيين.

اقرأ أيضاً: لماذا أغضب قائد الجيش اللبناني مليشيا حزب الله الإيرانية؟
وهذا يجب أن يُفهم أيضاً في سياق تراخي وعبث اللبنانيين الشديد إزاء الطبقة الحاكمة، في الواقع، أمراء الحرب الرئيسون، هم الذين أصبحوا في نهاية الحرب الأهلية (1975-1990) الشخصيات السياسية الرئيسة، بدلاً من تحمّل مسؤوليتهم عن جرائم الحرب، أعيد دمجُهم في الدولة اللبنانية بطريقة أو بأخرى، توضح بعض شعارات المحتجين اليوم هذه الرغبة في المساءلة المزدوجة للزعماء السياسيين: فهم يتعرضون للانتقادات بسبب دورهم في الصراع الأهلي من جهة، وفي تحولهم السياسي وطريقة حكمهم منذ التسعينيات، من جهة أخرى.
ماذا كان ردّ فعل المتظاهرين بعد استقالة سعد الحريري؟ ما هو التطور الذي يمكن أن تأخذه الحركة؟
رحّب المتظاهرون، في البداية، باستقالة سعد الحريري، ورأوا أنّ هذه الاستقالة خطوة نحو باقي مطالبهم، وبشكل أكثر إحباطاً، جاءت هذه الاستقالة في وقت بدأت فيه الشوارع المعبأة منذ عدة أيام (وليال) تلهث وتتعثر، وبهذا المعنى، فقد أتاحت أيضاً الفرصة للمتظاهرين للتراجع مؤقتاً، ومراجعة تكتيكاتهم واستراتيجياتهم الاحتجاجية.
ومع ذلك؛ فقد أثارت أيضاً غضباً قوياً، وتعبئة مؤيدي رئيس الوزراء، وهو ما أدّى إلى تجمّع وتعبئة مجموعات المحتجين الرئيسة، من الذين يخشون الانتعاش السياسي والطائفي.

اقرأ أيضاً: هكذا تضامن السوريون مع الثورة اللبنانية: قادمون لاستنشاق الحرية
من المهم التأكيد هنا على أنّ المتظاهرين ليسوا كتلة متجانسة؛ فإذا كانت عوامل متشابهة قد أشعلت مختلف المناطق في الأراضي اللبنانية، فإنّ التكوين الاجتماعي للمتظاهرين، وانتماءاتهم خاصة السياسية والأيديولوجية متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان؛ فهي تشمل، على سبيل المثال، المطالب الراديكالية أو حتى الثورية، ومطالب القومية التي تلامس كرهَ الأجانب، والمناصب التي يتمتع بها العمال المهاجرون واللاجئون، أو المناصب النسوية، وشعارات كره النساء والتمييز الجنسي، لكن يظلّ التظلّم الموحّد والشامل؛ هو رفض النموذج الاقتصادي والاجتماعي.
رحّب المتظاهرون في البداية باستقالة سعد الحريري

بالنظر إلى حجم هذه الحركة، وحداثة بعض الادعاءات؛ هل يمكننا القول إنّ المحتجين هم في معظمهم من الشباب، الذين ينتمون إلى جيل جديد من اللبنانيين المستعدين لتغيير البلاد؟
هذه الحركة عابرة للأجيال؛ الطبقات الشعبية موجودة للغاية في هذه التعبئة، خاصة الطبقات الوسطى الفقيرة، والعاطلين عن العمل، والشباب الذين لا يستطيعون الاندماج في سوق العمل، ونرى أيضاً العديد من كبار السنّ يشاركون في المظاهرات، وتتركز مطالبهم حول الحصول على الرعاية الصحية والأدوية، خاصة التقاعد.
كان الإعلان عن فرض الضرائب على تطبيقَي (واتس آب) و(فايبر)، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، هو الذي أشعل نار الغضب في البلاد، لكنّ الخلافات ناتجة أساساً عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمرّ بها لبنان؛ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بشكل كبير، ودخلت البلاد في حالة الركود، في أيلول (سبتمبر) الماضي، واستجابة لهذا الوضع، أرادت الحكومة فرض ضرائب جديدة، رغم أنّ اللبنانيين يتعرضون بالفعل لضغوط اقتصادية؛ كيف تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين في الأشهر الأخيرة؟
من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات؛ ففي الأعوام الأخيرة، حدثت عمليات تعبئة متعددة بأشكال وصور مختلفة، من المؤكد أنّ التعبئة الحالية كانت مدفوعة بتكثيف تدابير التقشف، والزيادة في الضرائب غير المباشرة، الأكثر ضرراً اجتماعياً، وإنهاء قروض الإسكان المدعومة، وأيضاً بسبب التدهور العام للوضع الاقتصادي وظروف معدلات بطالة الشباب والهجرة، على سبيل المثال لا الحصر، في هذا السياق؛ تشبه هذه الاحتجاجات حركات الاحتجاج الأخرى في بلدان أخرى مثل شيلي، على سبيل المثال.

التكوين الاجتماعي للمتظاهرين اللبنانيين وانتماءاتهم، خاصة السياسية والأيديولوجية، متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان

ومع ذلك؛ يجب ألا ننسى الشعارات الأكثر محلية لهذه التعبئة، والتي تجب أيضاً قراءتها في سياق دولة ليبرالية تاريخية تخلت عن مسؤولياتها الاجتماعية، تتكفل بهذه المسؤوليات مبادرات خاصة ومخصخصة ومنظمات غير حكومية، بعضها يرتبط مباشرة بالشخصيات أو الأحزاب الدينية، و /أو السياسية، والتي لا تخلو من المساهمة في تغذية وتقوية الروابط الزبونية الطائفية.
توضح التعبئة الحالية، إلى حدّ ما، حدود أشكال التضامن اللاشكلي من خلال الأسرة والمجتمع والشخصيات البارزة، وهو ما يقوض أسطورة "المرونة" اللبنانية الزائفة الشهيرة، بهذا المعنى، فهي تعبئات تطالب بمزيد من "طابع الدولة" للبنان.
توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان

حتى في جنوب لبنان، في صور، والنبطية، وكفر رمان أو بنت جبيل، في معقل حزب الله الشيعي، خرج الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع لإظهار دعمهم للحركة؛ هل حزب الله، اللاعب السياسي والمسلح الأقوى في البلاد، الذي يستطيع عادة تعبئة قاعدته الانتخابية التقليدية بقوة، بصدد فقده لدعم هذه القاعدة؟
إنها عوامل مماثلة تلك التي دفعت المحتجين إلى التعبئة، من طرابلس (التي كانت محصورة منذ فترة طويلة باعتبارها معقلاً للإسلاميين)، إلى جبل لبنان وبيروت وجنوب لبنان؛ ففيما وراء الاحتجاجات المتعلقة بتدهور مستويات المعيشة، توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان، كما يتضح ذلك من خلال القمع الذي تمارسه هذه القوى السياسية ضدّ المحتجين، سواء بشكل مباشر أو من خلال مؤيديهم، في العديد من المواقع مثل النبطية، أو أيضاً في وسط مدينة بيروت.
بالفعل، عام 2015، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع أثناء أزمة القمامة، هدفها التنديد بفشل الحكومة في معالجة النفايات بعد إغلاق أكبر مكبّ نفايات في لبنان؛ هل ترى أيّ تشابه بين تعبئة 2015 والأحداث الحالية؟
هناك استمرارية ملحوظة بين دورات التعبئة الأخيرة في لبنان، سواء في أسباب السخط أو في مطالب المحتجين أو في استنتاجاتها، لا سيما التنديد بالنظام المذهبي؛ باعتباره ناقلاً لعدم المساواة الاجتماعية، هذا نجده على مرّ السنين، ليس فقط في عام 2015، في عام 2011، بالفعل في خضمّ موجة الربيع العربي، تحرك نشطاء، مطالبين بـ "سقوط النظام الطائفي"؛ ففي عام 2015، كانت المطالب أكثر تقنية، ومرتبطة بأزمة النفايات، فقد أدرجت إدانة الفساد، وفكرة مساءلة جميع الأحزاب والسياسيين، فاليوم نرى أنّ الاحتجاجات الرئيسة تجمع جميع هذه المطالب.
في الوقت الحالي لم يبرز أي قائد من المظاهرات، وقد بدأت أنفاس الحركة تضيق وتلهث؛ هل هذا الافتقار إلى قيادة، من تسلسل هرمي معين يُضِرّ بالتعبئة؟
يبدو لي أنّه يجب عكس السؤال؛ نحن أمام وجود حركة احتجاج، احتجاج الشارع، الذي يريد التنديد أولاً بالنظام السياسي والسياسات العامة؛ الشارع والمتظاهرون يذكّرون بأنّ الشعب هو المصدر الشرعي للسلطة، في هذا السياق، الأمر متروك للسياسيين لاقتراح بدائل، إجبار المتظاهرين على نوع معين من التنظيم أو غرض معين أمر غير عادل بالنسبة إلي، كما سيكون من السذاجة الاعتقاد أنّ حركة اجتماعية بهذا الحجم تتحقق دون تنظيم على الأرض.
المخرج غامض وغير مؤكد، ليس فقط لأنّ الوضع معقد، ولكن لأنّ هذا السيناريو الذي يجري الآن لم يحدث من قبل، لكن المحتجين ليست لديهم أوهام، فهم يعلمون أنّ النهاية ليست وشيكة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

مشاري الذايدي

تسريبات الموقع الأميركي «ذا إنترسيبت»، التي نشرت خلاصات منها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، عن عمالة جملة من المسؤولين العراقيين لإيران، وعن تنسيق جماعة «الإخوان» مع إيران، بالنسبة لنا ليست مدهشة، وبالنسبة لهم ربما كانت كذلك، أو «يمّثلون» أنهم مندهشون.
الحاصل - نتحدث فقط عن العلاقة «النوعية» بين الجماعة الخمينية والجماعة «الإخوانية» - أن هذا عهد قديم، وحلف مقيم، تغذّيه المصالح المشتركة، والفكر المعطوب الجامع بين العقل الخميني والعقل «الإخواني»، فكلاهما يشكلان كارثة على عموم المسلمين، وكلاهما، الخميني و«الإخواني»، يتوسلان بالدين للمغانم السياسية ومباهج الحكم. هذا بنسخة شيعية، وذاك بنسخة «إخوانية»، والتأثير والتأثر بينهما قديم، فالخميني نفسه حسب دراسات رصينة تأثر برمز الإسلاميين، الهندي - الباكستاني، أبو الأعلى المودودي، والأخير تأثر به صراحة المصري سيد قطب، وهذا، قطب، تأثر به مرشد إيران الحالي علي خامنئي كثيراً، لدرجة أنه ترجم إلى الفارسية بعض كتبه، منها كتاب «المستقبل لهذا الدين»، ومما قاله خامنئي في مقدمة هذه الترجمة وصفه قطب بـ«المجاهد»، ووصفه كتب قطب بأنها تشكّل «كل منها خطوة على طريق توضيح معالم الرسالة الإسلامية». خامنئي كتب هذا قبل قيام حكم الخميني بـ12 عاماً.
لذلك، فاجتماع 3 من رموز الجماعة اليوم مع مسؤولين إيرانيين في فندق بإسطنبول - مثلث جميل! - ليس غريباً.
الاجتماع حسب التسريبات الأميركية خُصص للتنسيق بين «الإخوان» والنظام الخميني، باعتراف قادة الجماعة الذين شاركوا في هذا الاجتماع، مثل عضو مكتب الإرشاد والمسؤول الدولي إبراهيم منير، وباعتراف القيادي «الإخواني» الهارب لتركيا محمود الإبياري. ضمن التنسيق هذا، كان موضوع إثارة الفوضى مجدداً بمصر، واستهداف السعودية، وتمكين «الإخوان» باليمن، بتقاسم السلطة مع الحوثي!
ليس ثمة تعرٍّ في الحلف أكثر من هذا، ولست أدري ما هو موقف الشتامين من خطباء «الإخوان» وأشباه «الإخوان» في الحديث عن «النصرة» لأهل السنة والجماعة زعموا، وتوبيخ السعودية والعرب بترك نصرة أهل السنة، حسب رطانتهم الطائفية الانتهازية المستخدمة فقط للدهماء.
الحلف له جذور قديمة، منذ طار تاجر «الإخوان» الدولي يوسف ندا لتهنئة الخميني على رأس وفد «إخواني»، وكان يفخر بأنه ثالث أو رابع وفد يحطّ بطهران!
عند وفاة الخميني عام 1989، أصدر مرشد «الإخوان»، المصري حامد أبو النصر: «(الإخوان المسلمون) يحتسبون عند الله فقيد الإسلام الإمام الخميني، القائد الذي فجّر الثورة الإسلامية ضد الطغاة».
يقول الباحث السوري محمد سيد رصاص، في بحثه عن العلاقة بين الإيرانيين و«الإخوان»: «حتى في ذروة التوتر المذهبي في العراق ولبنان، فإنّ علاقة (الحزب الإسلامي العراقي) بالمالكي ظلّت قوية، بخلاف (القائمة العراقية) - جماعة إياد علاوي - وكذلك (الجماعة الإسلامية) اللبنانية، وهي ذراع (الإخوان) بلبنان، مع (حزب الله)».
نبارك للإخوة بأميركا هذا الاكتشاف!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية