"خريطة 2050" تكشف طموحات أردوغان في بناء إمبراطورية شاسعة

"خريطة 2050" تكشف طموحات أردوغان في بناء إمبراطورية شاسعة

مشاهدة

24/02/2021

أظهرت خريطة عمرها 12 عاما عرضتها مؤخرا أحد القنوات التلفزيونية التركية ترسم مناطق نفوذ تركيا في العام 2050  على أنه يمتد من جنوب القوقاز إلى الساحل الشمالي للمتوسط (اليونان وقبرص) والساحل الجنوبي ليشمل ليبيا ودول المغرب العربي ومصر ودول الخليج، مدى طموحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان التوسعية لاسيما في ظل تمسكه بتدخلاته العسكرية في أكثر من جبهة صراع واستثماره في الاضطرابات والحروب لتحقيق أحلام واهية باستعادة مجد عثماني خلا.

وأثار كشف الخريطة مخاوف إيرانية روسية من تعاظم النزعة الاستعمارية لدى تركيا خاصة بعد اتساع رقعة التدخلات العسكرية منذ العام 2017 بعد توغلها في شمال سوريا ومن ثمة إعلانها اتفاقية تمكنها من الولوج إلى الأراضي الليبية التي تعد بوابة هامة لشمال إفريقيا والقارة السمراء وما تحويه من ثروات متنوعة أسالت لعاب اردوغان، وعملياتها العسكرية شمال العراق بذريعة ملاحقة الأكراد وتخطيطها للخوض في الحرب اليمنية، ثم التدخل جنوب شرق أوروبا لدعم أذربيجان في حربها ضد أرمينا وانتصار باكو في المعركة الذي زاد أطماع الرئيس التركي في التوسع أكثر.

ويطمح اردوغان بدافع الحنين إلى أمجاد الدولة العثمانية في تحقيق أحلام لا تبدو واقعية، بل كثيرا ما تبدو أوهاما في استعادة إمبراطورية اندثرت، لكن ذلك لا يحقر من خطورة النفوذ التركي المتزايد ومخططات أنقرة للتمدد إلى أبعد حد ممكن خصوصا في المناطق الغنية بالمحروقات، بالنظر إلى ما حققته إلى اليوم من تقدم في سوريا وليبيا وزحف باتجاه جنوب القوقاز وإنجازات في مياه شرق المتوسط المتنازع عليها مع اليونان.

وتسعى أنقرة لاستثمار نصر أذربيجان خلال الحرب مع أرمينيا، خاصة بعد انكفاء روسيا عن التدخل لدعم حليفتها يريفان واستخفاف أميركا أثناء حكم الإدارة السابقة بمخاطر النفوذ التركي المتزايد، حيث أسال انتصار باكو لعاب تركيا لتوسيع التمدد في كل الاتجاهات لاستعادة أراضي الخلافة العثمانية.

ودقت العلاقة الجديدة بين أنقرة وباكو أجراس الخطر بين الروس والإيرانيين بعد أن نزل اردوغان بكل ثقله الدبلوماسي في دعم أذربيجان وأشاد بنصرها في إقليم ناغورني قره باغ وشاركها على أراضيها احتفالات النصر وقالها حرفيا إن "المعركة لن تنهي باستعادة السلطات الأذربيجانية أراضيها، فالكفاح في المجالين السياسي والعسكري سيستمر الآن على العديد من الجبهات الأخرى".

رغم قناعات بعض المحليين السياسيين بأن الهدف من نشر الخارطة التركية المزعومة  هو محاولة لتحسين صورة اردوغان المهتزة وترميم شعبيته المتراجعة وأيضا إثارة الحماسة القومية لدى الأتراك، فلا ينبغي الاستخفاف بخطورة تكتيكات الرئيس التركي العازم على إحياء أحلام استعادة الأمجاد العثمانية لدى مواطنيه لكسب تأييد شعبي لتدخلاته العسكرية رغم انعكاساتها السلبية على صورة تركيا دوليا وتداعياتها على الاقتصاد التركي والخسائر البشيرة التي خلفتها في صفوف الجيش.

كما يهدف نشر استعراض الخارطة في مقام آخر لا يقل أهمية إلى اختبار الردود الإقليمية تجاه طموحات تركيا التوسعية ومخططاتها الاستعمارية رغبة في إحياء الإمبراطورية القديمة.

ورغم اعتبارهم موضوع نشر الخارطة لعبة داخلية تركية أكثر من كونه خطرا يمكن أن يحدث في المستقبل القريب، صرّح السياسيون والمحللون الروس والإيرانيون بأن هذه الخارطة التي تشمل دول شمال القوقاز وكذلك شبه جزيرة القرم تهدد المصالح الروسية. كما شعر الإيرانيون بأن مجال النفوذ التركي سيحاصر بلادهم من الشمال والجنوب والغرب ويهدد مصالحها الإستراتيجية القومية.

وبعد ظهور الخارطة، قال أندريه كراسوف نائب رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي "إذا أراد الأتراك اختبار قوة الروح الروسية وأسلحتنا فدعوهم يحاولوا ذلك".

من جانبه اعتبر فلاديمير جباروف العضو في مجلس الاتحاد الروسي أن "مثل هذه المعلومات يتم عرضها بشكل متعمد لرؤية ردود الأفعال، لكننا لن نولي ذلك اهتمامًا، ولدينا علاقات طبيعية مع تركيا، ونحن شريكان في العديد من المجالات".

وفيما لم يعلق المسؤولون الإيرانيون على الخطط التركية سعت طهران في العام الماضي إلى تعزيز وجودها العسكري في بحر قزوين وإقامة علاقات بحرية وثيقة مع الدول المطلة على حوض قزوين (روسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان).

وقد يعتبر الإيرانيون بث خارطة نفوذ تركيا الافتراضية لعام 2050، أحدث حلقة من مسلسل الاستفزازات التركية، خاصة بعد أن ردّد اردوغان قصيدة قومية تدعو إلى ضم مقاطعتين إيرانيتين من أصل أذري إلى أذربيجان. فضلا عن أن خدمة الإذاعة والتلفزيون التركية الحكومية نشرت خريطة على انستغرام ترسم محافظة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط منفصلة عن إيران.

يذهب محللون إلى أن اردوغان يلعب حاليا على التناقضات في السياسية الدولية انطلاقا من شعوره بغياب أميركي في المنطقة عليه استغلاله، وذلك بالتنسيق مع الروس ومحاولة استرضائهم مثلما جرى في حادثة إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر 2015.

ونجاح اردوغان في أذربيجان بالتنسيق مع الروس ليس هو السبب الوحيد الذي يجعله يوسع خطة التمدد، إذ أن الإيرانيين يتواطئون معه إذا كان ذلك يخدم مصالحهم، فضلا عن غياب التكتلات الوازنة القادرة على وقف خططه.

وتستند خارطة 2050 إلى تنبؤات الكاتب الأميركي ومؤسس مركز ستراتفور للأبحاث الاستخبارية جورج فريدمان في كتابه "المئة عام المقبلة: توقعات للقرن الـ21"، المنشور عام 2009، حيث تضمن كتابه في أحد العناصر "مجال النفوذ التركي عام 2050"، وفيه تنبأ بتوسع النفوذ التركي وتمدده الجغرافي، وهو ما غذى أوهام تركيا، حيث حوّل الأتراك هذه "النبوءة" إلى خطة للاستثمار السياسي بعيد المدى.

ويقول جيمس دورسي الخبير في قضايا الشرق الأوسط والأدنى، إن "النصر العسكري جعل من أذربيجان طريق نقل بديلا للغاز باتجاه الغرب من شأنه أن يسمح لدول آسيا الوسطى بتجاوز الممرات التي تهيمن عليها روسيا أو إيران"، وبالتالي يتراجع النفوذ الروسي الإيراني أمام تعاظم نفوذ تركيا.

وسارعت تركمانستان، مستفيدة من المتغيرات الجديدة، إلى إنهاء نزاع طويل الأمد مع أذربيجان والاتفاق على الاستغلال المشترك لمخزون النفط في بحر قزوين. وجاء الاتفاق في أعقاب صفقة عقدت في ديسمبر لشراء شركة النفط الحكومية الأذرية (سوكار) من شركة “إيني تركمانستان” ما يصل إلى أربعين ألف طن من النفط شهريا.

ويمكن أن تعزز الاتفاقية استكمال خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر لبحر قزوين، والذي سيغذي ممر الغاز الجنوبي الذي تم تشغيله مؤخرًا، ويتجاوز روسيا وإيران، ويزود اليونان وبلغاريا عبر ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي.

وفي الشهر الماضي اتفقت أذربيجان مع تركمانستان وأفغانستان على تطوير "ممر نقل لازورد" الذي من شأنه أن يربط الدولة المنكوبة بتركيا. وفي نفس الوقت تقريبًا شرعت كازاخستان في تصدير النحاس إلى تركيا عبر أذربيجان في خطوة أولى تهدف إلى الاستفادة من موقع الأراضي الأذربيجانية كمركز عبور.

كما اتفقت تركيا وأوكرانيا في الأشهر الأخيرة على التعاون في مجال تطوير التقنيات ذات التطبيقات العسكرية المتعلقة بالمحركات وإلكترونيات الطيران والطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن والصواريخ الجوالة وأنظمة الرادار والمراقبة والروبوتات والفضاء والأقمار الصناعية.

كل هذه التطورات إلى جانب التفات العالم لمواجهة تفشي فيروس كورونا تخلق أرضية خصبة لخطط أردوغان، خاصة أن الأمر لا يتوقف عند بناء التحالفات على الجانب الاقتصادي المباشر؛ إذ تسعى تركيا إلى الاستنجاد بالتاريخ والثقافة لتقوية تحالفاتها، خصوصا في المناطق الإسلامية التي حكمتها الخلافة العثمانية من شمال أفريقيا مرورا بالخليج ووصولا إلى باكستان، وتسعى لاستثمار ذلك لتحقيق أهدافها التوسعية.

عن "ميدل إيست أونلاين"


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية