صفحات مهمشة في تاريخ الدولة العباسية: هل ظلم المؤرخون الشطار والعيارين؟

الدولة العباسية

صفحات مهمشة في تاريخ الدولة العباسية: هل ظلم المؤرخون الشطار والعيارين؟

مشاهدة

16/12/2018

قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية، مستندة إلى شرعية الانتساب إلى الرسول الكريم، لكن السياسيات الاقتصادية والتمايز الطبقي في الدولة، لم يختلف كثيراً عن سابقتها، ونتج عن ذلك ظهور طبقات من المهمشين، مثل: الشُّطّار والعيّارين.

اقرأ أيضاً: من أيقظ "الحشاشين" من سباتهم التاريخي؟
إنّ دور المهمشين في المجتمع العربي الأول في حاجة إلى الاهتمام، أكثر من مجرد الإعجاب، أو كيل الاتهامات، والغوص في بنيتهم، والتعرّف إلى الدافع الاجتماعي، وتسليط الضوء على فلسفتهم في الخروج على المجتمع، ورصد أدوارهم السياسية والاجتماعية.
شرعية متمردة
كانت بداية ظهور هؤلاء في بغداد، في أواخر القرن الثاني للهجرة؛ حيث كسدت الأعمال، وارتفعت الأسعار وقلّت الأقوات، فاضطرب نظام الحياة، وانتشرت المجاعة بين الناس، وكان الحكّام أنفسهم يخزّنون السلع الغذائية؛ لذلك تعمّد العامة والسوقة الحصول على أقواتهم بمختلف الطرق وشتى الوسائل، بدأ الأمر كحيلة على التكسب ثم ما لبث أن أدرك هؤلاء أنّ عليهم أن ينتظموا في جماعات كثيرة، وبالتدريج أصبح لهم شأن في المجتمع العباسي.

ظهور الشطار والعيارين والحرافيش والفتيان كان رفضاً لواقعهم المرير

وكانوا في الغالب يستهدفون أصحاب المال من التجار، وغيرهم من الميسورين، الذين كنزوا أموالهم، ممّا يظهر أنّ ظهور الشطار والعيارين والحرافيش والفتيان، إنما كان رفضاً لواقعهم المرير، فثاروا عليه وعلى السلطة الحاكمة، وصنعوا لأنفسهم شرعية مستقلة متمردة، في كثير من الأحيان، رغم عدم التكافؤ الواضح بينهم وبين المتسلطين من قادة المجتمع، كانوا أقرب إلى اللصّ الشريف، الذي يسرق الأغنياء من أجل الفقراء.

اقرأ أيضاً: هل الخوارج ثوار ديمقراطيون أم جماعة سياسية منشقة؟

إنّ أول طائفة انتظمت بهذا الشكل؛ هم العيارون، والعيّار في اللغة العربية؛ هو الفتى النشيط، سواء في الطاعة، أو في المعصية، واصطلح المجتمع البغدادي تسمية هذه الفئة الخارجة على قانون المجتمع بهذه الكلمة.
الوجه الآخر
لم يحظ العيارون باحترام المجتمع، ولا باحترام كثير من المؤرخين؛ فوسموهم بكلّ الصفات الدنيئة، ونسبوا إليهم كلّ نقيصة؛ سواء ابن الأثير، أو المسعودي، أو الطبري، إلا أنّ الكاتب محمد رجب النجار، في كتابه "الشطار والعيارون حكايات في التراث الشعبي" كشف عن الوجه الآخر لهؤلاء المهمشين، فأظهر "حبّهم لبغداد موطنهم، واستبسالهم في الدفاع عنها، وعن الأمين الحاكم الشرعي ضدّ العجم الموالين لأخيه المأمون". 

دور المهمَّشين في المجتمع العربي الأول بحاجة إلى الاهتمام أكثر من مجرد الإعجاب أو كيل الاتهامات

بدأ الصراع بين الأمين والمأمون، العام 196هـ، على عرش الخلافة العباسية، كان المأمون ولي عهد الأمين، بأمر من أبيهما الرشيد، وكان أن استقوى المأمون بأهل خراسان، وبدا وكأنه يريد أن يستقل بها عن حاضرة الخلافة، فعزله الأمين، وولّى ابنه ولاية العهد، فقدم المأمون في جيش قمّي من خراسان، يريد عزل الخليفة، فتجهز الأمين بجيشه العربي الذي لم يصمد كثيراً أمام بسالة الخراسانيين، هنا انحازت طائفة العيّارين لما يمكن أن نسمّيه "الشرعية"، التي رأت أن تقف إلى جانب الأمين ضدّ المأمون، ذكر هذا المسعودي في "مروج الذهب".

لم يكن الشطار والعيارون يعدّون اللصوصية جريمة
وعندما تقدم أبو الطيب طاهر بن الحسين بن مصعب الخراساني، بأمر من المأمون كي يحاصر بغداد، عجز جند الأمين عن الدفاع عن المدينة، فاستنجد بالعيارين، وكانوا يقاتلون عراة في أوساطهم الميازر، وقد اتخذوا لرؤوسهم دواخل من الخوص سمّوها الخود ودرقاً من الخوص والبواري، قد قرنت وُحشيت بالحصى والرمل، ونظّموهم نظام الجند؛ على كلّ عشرة عريف، وعلى كلّ عشرة عرفاء نقيب، وعلى كلّ عشرة نقباء قائد، وعلى كلّ عشرة قوّاد أمير، ولكلّ ذي مرتبة على مقدار ما تحت يده، ومعهم أناس عراة، قد جعل في أعناقهم الجلاجل والصدف الأحمر والأصفر ومقاود ولجماً من مكانس ومذاب، وبلغ عددهم نحو 50 ألف عيار، وساروا للحرب يضربون الأعداء بالمقلاع والحصى، وكانوا أهل مهارة بذلك، فأبلوا بلاء حسناً، لكنّهم لم يثبتوا أمام المجانيق والجنود المنظّمة، فعادت العائدة عليهم، وقُتل منهم خلق كثير.
ورغم دفاعهم عن بغداد بقوّة، إلا أنهم انهزموا في نهاية المعركة، التي استمرت أكثر من أربعة أشهر، ممّا يدلّ على قوتهم وبأسهم وبسالتهم.
تحليل اللصوصية
ولم يكن هؤلاء الشطار والعيارون يعدّون اللصوصية جريمة، إنّما هي صناعة يحلّلونها؛ لأنّ ما يستولون عليه من أموال التجار الأغنياء هي بنظرهم زكاة تلك الأموال التي لم يتم إخراجها، وادّعوا أنّهم فقراء؛ فإن أخذوا تلك الأموال كانت لهم مباحاً، وهذا التعليل يسرده لنا ابن سيّار الكردي، ويذكر خبره التنوخي قائلاً: "كنت مسافراً ببعض الجبال، فخرج علينا ابن سيار الكردي، فقطع علينا، وكان بزيّ الأمراء، فقربت منه أنظر إليه وأسمع كلامه، فوجدته يروي الشعر ويفهم النحو، فطمعت فيه وعملت أبياتاً مدحته بها، فقال: لست أعلم أنّ هذا من شعرك، ولكن اعمل لي على قافية هذا البيت ووزنه شعراً الساعة، وأنشدني بيتاً، فعملت في الحال إجازة له ثلاثة أبيات، فقال لي: أيّ شيء أُخذ منك لأردّه عليك؟ فذكرت له ما أُخذ منّي فرده إليَّ، ثم أخذ من أكياس التجار التي نهبها كيساً فيه ألف درهم فوهبه لي، فجزيته خيراً ورددته إليه، فقال لي: لِمَ لا تأخذه؟ فوريت في كلامي، قال: أحبّ أن تصدقني، فقلت: وأنا آمن؟ فقال: نعم، قلت: لأنّك لا تملكه وهو من أموال الناس أخذته منهم الساعة ظلماً، فكيف يحل لي أخذه؟ فقال لي: أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب "اللصوص عن بعضهم"، قال: إنّ هؤلاء التجار لم تسقط عنهم زكاة الناس؛ لأنّهم منعوها فصارت أموالهم بذلك مستهلكة، واللصوص فقراء إليها، فإن أخذوا أموالهم كان ذلك لهم مباحاً؛ لأنّ عين المال مستهلكة بالزكاة. ثم قال لي: خذ الآن الكيس فأخذته وساق القافلة".

اقرأ أيضاً: المهلّب بن أبي صفرة: كاسر شوكة الخوارج
اقترنت سيرة الشطار والعيارين، رغم تمردهم، بآداب عسكرية

إدانة للمجتمع
اقترنت سيرة الشطار والعيارين، رغم تمردهم، بآداب عسكرية وسلوكية، جعلت قصص أبطالها التي دوّنها الأدباء في الكتب، نسجاً أسطورياً، لما تحتويه من شجاعة وشهامة وإغاثة للملهوف، وغيرها من الأخلاق الاجتماعية الكريمة، ولعلّ أكثر الكُتّاب شرحاً لثقافة المهمّشين؛ هو محمود إسماعيل، في كتابه "المهمشون في التاريخ الإسلامي"؛ إذ اكتفى بعرض صور هذه الثقافة دون نقد لها، ربما لأنّ غرضه هو إثبات أنّ ثقافة العوام لا تخلو من إبداع، بما ينفي الاتهام الشائع بجدب ثقافة العوام والمهمشين.
ولا جدال في أنّ الملاحظ في ثقافة العوام، وعلى الأخص السِّير الشعبية، أنها تسقط تصوراتها البطولية على الشخصيات التاريخية دون انتقاء محدد، وهذا العنصر تشترك فيه الثقافة الشعبية في العالم الإسلامي، على كلّ الأحوال، كان هذا التمرد إدانة للمجتمع، قبل أن يكون حركة أو ثورة، أو خروجاً عن القانون.

الصفحة الرئيسية