عندما يكون الدين جانباً من جوانب الثقافة

1880
عدد القراءات

2018-07-30

قراءة في كتاب "الدين: الأسس" لمالوري ناي


يعرض مالوري ناي، في كتابه "الدين: الأسس"، المكونات الرئيسة للدين بالنظر إليه منظومة ثقافية، ويجد أنّ مصطلح الدين غامض وذو معان ودلالات واسعة، ويشير إلى تعاليم دينية محددة، وجانب من السلوك البشري، ويفترض دائماً أنه عام وشامل، ويعدّ الدين جزءاً من الحياة اليومية، وجانباً من جوانب الثقافة.

الدين يعدّ في حالته النقية الأصلية أكبر من قدرات الإنسان لكنّ الثقافة مِن صنع الإنسان

ويشتمل الدين على رموز وأفعال (طقوس وممارسات)، وإطار مفاهيمي للإيمان والمعرفة، وجميعها تشكل نظاماً ثقافياً، من شأنه أن يؤثر بقوة في رؤية الإنسان وحياته وعالمه الخاص، لكنْ هناك فرق بين الدين والثقافة؛ فالدين يعدّ، في حالته النقية الأصلية، أكبر من قدرات الإنسان، لكنّ الثقافة من صنع الإنسان، والدراسة الأكاديمية للدين ليست معنية ولا تستطيع أيضاً تأكيد أو دحض هذه المزاعم، وبدلاً من ذلك؛ تحلل الثقافات والأديان بوصفها من مظاهر حياة الإنسان، ويشير مصطلح ثقافة عادة إلى المنتجات الثقافية؛ أي ما يقدمه البشر من أدب وفنّ وموسيقى وأسلوب الحياة.

الكاتب مالوري ناي

السلطة

يقول القس ديزموند توتو، رئيس الكنيسة الإنجيلية في جنوب إفريقيا، والحائز على جائزة نوبل 1984: إذا اقترح أحد أنه لا توجد علاقة بين الدين والسياسة، فإنّه يقرأ في إنجيل مختلف عن إنجيلي.

ويقول ماركس: الدين آهة المقموع، وقلب عالم متحجر العاطفة. فالدين ليس السبب الفعلي للمعاناة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ضاراً بذاته، لكن تستخدمه الطبقة الحاكمة للتعمية على جذور المشكلات النابعة من عدم المساواة السياسية والاقتصادية.

ماركس: الدين آهة المقموع وقلب عالم متحجر العاطفة وهو ليس السبب الفعلي للمعاناة الاقتصادية والاجتماعية

وبالنسبة إلى غرامشي؛ فإنّه يرى الدين أداة الطبقة السائدة لجعل الإذعان لها أمراً مقبولاً وجزءاً من الحياة اليومية والثقافية. أما التوسير، المفكر الفرنسي الماركسي، فإنّ الأيديولوجيا، برأيه، هي وسيلة لرؤية الحقائق الأخرى؛ أي إنّه وهم مضلّل، رغم أنّها تشير ضمنياً إلى الحقيقة.

إنّ حقيقة أنّ دولاً كثيرة أنشأت كنائس لتتحد مع إدارة الدولة (مثل بريطانيا)، توضح كيف أنّ الكنائس تستطيع أن توفر بعض الأدوات الأيديولوجية، التي يمكن من خلالها إضفاء الشرعية على السلطة، وهناك أمثلة كاثوليكية توضح كيف كانت الكنائس أداة الدولة القمعية، وأنّها كانت أداة لتنفيذ القانون، هكذا بحسب ألتوسير؛ فإنّ المقموعين تمنحهم الأيديولوجيا شعوراً بالحرية، دون أن تحررهم بالفعل، ويسلكون في الإذعان بحريتهم ووعيهم وإرادتهم كتابعين، إنّهم يعتقدون أنّهم أحرار، لكنهم في الواقع سجناء أيديولوجيا تشعرهم بأنهم أحرار.

اقرأ أيضاً: الحكومات والجماعات: نزاع ديني أم صراع على الدين؟

وفي فهمه الدقيق للظروف المادية والأيديولوجية والاجتماعية التي سادت في أمريكا الشمالية، في الفترة من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر، قدّم ماكس فيبر تصوراً مهماً للرأسمالية وعلاقتها بالبروتستانتية، التي من خلال تشجيعها على الانضباط والزهد بين أتباعها مع المحافظة على الاقتصاد والعمل الدؤوب شجعت على تطوير الرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي.

يقول ميشيل فوكو: إنّ "السلطة تسود كل مكان، ليس لأنها تشمل كل شيء، لكن لأنها تنبعث من كل مكان". ويمكن القول: إنّ "ممارسة الاعتراف على الطريقة الكاثوليكية له الأثر نفسه، فاعتراف التائبين بخطاياهم للقسّ، يعرض التائب لنظرة الكنيسة بطريقة يمكن له أن يعادلها مع نظرات آخرين في مراكز السلطة، هذا الشعور بالمراقبة الذي تبثه السلطة من خلال الدين أو السجون أو الشركة أو الكاميرات، يجعل المواطن يتصرف ويفكر دائماً تحت تأثير الشعور بأنه مراقب، لكن، وكما تكون الأيديولوجيات الدينية جزءاً من تبرير وفرض علاقات السلطة، فإنها يمكن أن تكون وسيلة لمعارضة السلطة ومقاومتها.

اقرأ أيضاً: عندما يُزجّ بالدين في حلبة الصراعات السياسية

ركز فوكو على ثلاث مفاهيم: القوة والمعرفة والخطاب، ويقصد بالخطاب الطريقة التي نتكلم بها العالم؛ كيف يمكن للسلطة الدينية أن تخلق حقيقة دينية؟ يتساءل طلال أسد. ويجيب: إنّ السلطة هي التي تشكّل الخطاب، تنتج خطاباً يعمل بوصفه نظاماً للحقيقة.

يمكن للدين والأيديولوجيا أن يولّدا السلطة، ويمكن أن يكون الدين نفسه جزءاً من الخطاب الذي يفسّر من منظور علاقات فرض السلطة، يمكن أن يعمل الدين على مستوى عالٍ، كما هو الحال بين الطبقات الاقتصادية – الاجتماعية، وأيضاً من خلال أوجه العلاقات الاجتماعية والثقافية كافة في الحياة اليومية.

قد تكون الأيديولوجيات الدينية، بوصفها مجموعة من الأفكار والممارسات، جزءاً من تبرير وفرض علاقات السلطة، كما يمكن أن تكون هذه الأيديولوجيات وسيلة يتم من خلالها الاعتراض على السلطة ومقاومتها.

غلاف كتاب "الدين: الأسس"

العقيدة

يقول طلال أسد: لقد احتاج المفكرون في الدين إلى أن يجدوا في تعاليم أخرى شئياً فيما وراء الممارسات المرئية والأقوال المنطوقة والكلمات المكتوبة، ومن ثم كان من الضروري افتراض أنّ المعتقدات الدينية أساس للدين المدرك بشكل أساسي. وكان الكاثوليك يعتقدون أنّ دين المرء يتحدد أساساً من خلال الأفعال، وفي المقابل؛ يرى البروتستانت أنّ الدين الحقّ هو ما يعتقده المرء وما يفكر به، وفي المحصلة؛ فإنّ الحقيقة الإلهية ليست سوى حقيقة بشرية، والإله هو ما يتمنى المرء أن يكون، إنه انعكاس لواحد أو أكثر من مظاهر الطبيعة البشرية، إنّ البشر يخلقون آلهة من أجل أغراضهم البشرية.

يمكن للدين والأيديولوجيا أن يولّدا السلطة ويمكن أن يكون الدين نفسه جزءاً من خطاب تفسير فرض السلطة

أنشأ هيك وإلياد مقاربتهما حول الدين انطلاقاً من فرضية؛ أنّ هناك كياناً حقيقياً ينزع إليه البشر "الكيان المقدس"، الذي يوجد في نفسه بنفسه، والذي يعايشه البشر من خلال تجلياته الجزئية المحددة، ويرفض إلياد دراسة الدين بمقاربات علمية مثل؛ علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، واللغويات، وأي دراسات أخرى، يعدّها زائفة؛ لأنّها تحلل الدين كنشاط بشري فقط، وليس كنشاط مقدس.

وفي دراسته للبوذية يميز غومبريتش، بين نوعين من المعتقدات، هما: المعتقدات المعرفية؛ أي ما يقوله الناس عن معتقداتهم وممارساتهم، والمعتقدات المؤثرة؛ أي ما يفعله الناس. وبحسب كليفورد غيرتز؛ يتخطى المنظور الديني حقائق الحياة اليومية ليصل إلى حقائق أكثر عمقاً، تصححها وتتصارع معها، ولا يعدّ اهتمامه الأساسي هو التحرك بناء على هذه الحقائق الأكثر عمقاً؛ بل قبولها والإيمان بها.

اقرأ أيضاً: هل الفكر الديني حاضن للإرهاب؟

يفترض دائماً أنّ المعتقد عنصر مركزي مهمّ في دراسة الأديان، لكنّ مفهوم المعتقد يحمل الكثير من الأحمال النظرية والأيديولوجية؛ لأنّ المرء يطبق مفهوماً مسيحياً بروتستانتياً سائداً على سياقات غير ملائمة وغير مسيحية في الأغلب، وقد تصنف كثير من دراسات الدين بأنّها دراسات اختزالية أو فينومينولوجية، ويظلّ الاثنان يركزان على فكرة الدين باعتباره معتقداً، تميل الاختزالية إلى افتراض أنّ الدين زائف، بينما تميل الفينومينولوجيا إلى اعتبار الدين شيئاً متفرداً في ذاته، ويعدّ مصطلح المعتقد مصطلحاً غامضاً؛ حيث تصعب معرفة إذا كان من الممكن تطبيقه على الممارسات الدينية لأناس آخرين، وقد يكون مصطلح آخر بديلاً مثل "المعرفة" مصطلحاً ملائماً.

اقرأ أيضاً: الدين والعلم..علاقة اتصال أم انفصال؟

من أجل دراسة المعتقدات؛ يجب أن نضعها في سياق أوسع، ضمن إطار فكري وفعلي محدَّد، أو سياق ثقافي، ومن خلال سياقات مختلفة، بدلاً من معاملة المعتقد بوصفه مفهوماً مجرداً. إن المعتقدات لا يمكن ببساطة أن تختزل وتعدّ مجرد فقاعات في المخّ؛ حيت تمارس المعتقدات وتؤدّي بقدر ما نفكر فيها.

الطقوس

ليس مجدياً التفريق بين المعتقد الديني والممارسة الدينية، فليس التدين مجرد أفكار، لكنّه مرتبط بتنفيذ المعتقدات، ومن الواضح؛ أنّ الدين يمارس من خلال الطقوس أو الأفعال الطقسية، وللطقوس ثمانية جوانب: المعنى، الرمزية، الرسالة، الأداء، المجتمع، التكرار، التحول، السلطة. وتعبّر الأفعال الطقسية عن علاقات القوة بين البشر، وهي أيضاً تحدث هذه العلاقات.

ليس التدين مجرد أفكار، لكنّه مرتبط بتنفيذ المعتقدات

النصوص

تمثل النصوص الدينية لدى مستخدميها (من المؤمنين والكهنة والباحثين) ذروة الدين، وأيّة دراسة تبتعد عن هذه النصوص تتحمل مخاطرة الضلال؛ من أين يأتي معنى النص؟ ومن يعطيه المعنى؟ لا تعبّر النصوص فقط عن مجموعة من الأفكار المهمة في ظلّ تراث ديني؛ فهي أيضاً تعمل بوصفها أماكن لفحص الأفكار وإعادة تقييمها، وفي حالات عديدة لممارستها تتم قراءة النصوص ومعايشتها وتنفيذ ما جاء فيها، في حين أنّ فحص أي نصّ مجدداً لا يقوم بما هو أكثر من مجرد إنتاج نصّ آخر، يسعى إلى تطوير وتوسيع معانيه السائلة العديدة.

تمثل النصوص الدينية لدى مستخدميها ذروة الدين وأيّة دراسة تبتعد عن هذه النصوص تتحمل مخاطرة الضلال

دائماً تكون النصوص الدينية جزءاً من مجال أكبر، هو الأنشطة الثقافية، من خلال قراءة النصوص والتحدث فيها وتطبيقها، وتتطلب دراسة النصوص الدينية القيام بفحص أكثر من محتوى هذه النصوص، لكن أيضاً فحص سياقها واستخدامها. وتخلق النصوص عوالم ثقافية، وهي العالم الذي نحيا فيه، وهذا يعني أنها تمثل الوسائل التي نفكر ونتعايش بها مع العالم، ويتطلب فهم النصوص أيضاً النظر إلى كيفية خلق القراء للمعاني بوصفهم أفراداً أو أعضاء في جماعات تفسيرية، وهذا يعني أنّ النصوص تصبح لها معان محددة من خلال قراءتها، وليس من خلال كتابتها فحسب. وتتطلب دراسة النصوص الدينية دراسة للنشاط الإنساني، وليس دراسة الكلمات المكتوبة فحسب.

الأديان المعاصرة.. الثقافات المعاصرة

يجادل المؤرخ كالوم براون، بدلاً من أن الدين تعرض للانحدار، في أن العصر الذي جاء مباشرة عقب الحرب العالمية الثانية كان عصر الممارسات الدينية المكثفة؛ حيث أدّت القيم المسيحية في هذا العصر دوراً بارزاً في جوانب متعددة من الحياة الثقافية، لكن انهار كلّ هذا خلال فترة التغيرات الواسعة التي بدأت في الستينيات، وامتدت إلى ما بعدها، وتزامن هذا أيضاً مع ظهور الثقافة المضادة الخاصة بعصر الهيبيز - الخنافس.

التعاليم الدينية المعاصرة جزء من عمليات الحداثة وتتشكل جميع الأديان وفق العديد من القوى كالعولمة والقومية والعرقية

وأشار عالما الاجتماع، سارك وبينبريدج، إلى ظهور البدائل؛ إذ رغم أنّ الناس أصبحوا يفقدون الاهتمام بممارسة الديانة المسيحية، إلا أنّ الدين ما يزال موجوداً في العديد من المصادر المختلفة البديلة للممارسة الدينية؛ إذ تتنامى ظاهرة "الدين غير المنظم" مثل الجماعات الدينية الجديدة، وعادة ما توصف هذه الاتجاهات الجديدة في التدين بـ "الروحانية"، التي يعبر عنها بممارسات روحانية، مثل: القراءة والتأمل والترانيم واتباع أسلوب حياة أخلاقي، وفي أغلب الحالات؛ تكون هذه الروحانيات منهجية، ومتأثرة بالعديد من التقاليد والثقافات الدينية المختلفة.

اقرأ أيضاً: "التفكير فريضة إسلامية" للعقاد: الدين والفكر هداية متبادلة

إنّ التعاليم الدينية المعاصرة هي جزء لا يتجزأ من عمليات الحداثة، وتتشكل جميع الأديان، وفق العديد من القوى، مثل ما بعد الاستعمار، والعولمة والقومية والعرقية.

اختصّ معظم النقاش المطروح حول انحدار الدين في الدول الغربية بالتغيرات الواقعة في كنائس المسيحية التقليدية، ويمكن النظر إلى العلمانية بوصفها تحولاً في الممارسة الدينية، بشكل يترتب عليه ظهور الاستجابات، مثل: الخصخصة، والتعددية، والابتكار، واللاتقليدية، أو إحياء التقليدية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: