عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
3372
عدد القراءات

2019-09-02

في مستهلّ سبعينيات القرن الماضي، بينما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بترسيخ عقيدة الصدمة فوق عجلات الدبابات التي اجتاحت دول أمريكا اللاتينية، تفرّغت المملكة المتحدة لمستعمراتها الإفريقية القديمة، فنصّبت "عيدي أمين"، ديكتاتوراً على أوغندا، بعد انقلابه على الرئيس ميلتون أوبوتي، وعلى غرار القذافي، الذي نصّب نفسه إماماً للمسلمين، وملك ملوك إفريقيا، نصّب أمين نفسّه قاهراً للإمبراطورية البريطانية، التي جلبته للحكم، معلناً أنّه "آخر ملوك إسكتلندا".

كتالوج الديكتاتورية
يبدو أنّ للديكتاتورية خطاباً يبدو موحداً، يتّسم بالنرجسية والتمحور حول الذات، درجات تصل إلى جنون العظمة، بداية من نيرون، وليس انتهاءً بأحد؛ فعقب انتهاء موجة "الربيع العربي"، وخلال انعقاد منتدى أوسلو للحريات، قدّم عالم النفس الأمريكي والمتخصص في علم وراثة الأمراض النفسية والصحة العقلية للسيكوباث، جيمس فالون، ورقته التي أخذت 18 عاماً من البحث والتنقيب في عقول الديكتاتوريين، والقتلة المتسللين، تصدّر دراسته؛ الليبي معمّر القذافي، والأوغندي عيدي أمين، والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، وكثيرون، تتبع فيها السمات المشتركة لكلّ ديكتاتور، والطبيعة الجينية التي تنشّط مناطق بعينها في الدماغ، فكانت مقاربته الأكثر اتساقاً، والتي عرضت، في أيار (مايو) 2011، أنّ الديكتاتوريين على الأغلب هم أشخاص أذكياء ومرحون، يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية والثقة بالنفس، تكسبهم روح المحارب لديهم إدماناً على الملذات الجسدية؛ من شرب الكحول، وممارسات الرياضات العنيفة، والجنس والشره للطعام، لكن مع حدوث تشوّه في الفصّ الجبهي للدماغ، المسؤول عن التفكير العقلاني، تنشط اللوزة الدماغية، المسؤولة عن تنظيم مشاعر الغضب والحزن.

اقرأ أيضاً: ديكتاتورية شبكات التواصل

أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف
ترتبط اللوزة الدماغية بمنطقة تحت المهاد، المسؤولة عن مراكز الشهية الغريزية، وجذع الدماغ الذي يتضرّر عند الأشخاص الذين عانوا من أزمات عاطفية، أو الذين يعانون من إجهاد أو طفولة صعبة؛ إذ تنشأ سلوكيات متضاربة من العنف والرغبة في القتل والتدمير،  والغريب أنّ ما قدّمه فالون ينطبق على ما حدث مع أمين، المولود في أوغندا، عام 1925، وبلاده تحت قبضة الاحتلال الإنجليزي، ومن نشأته في كوبوكو، شمال غرب البلاد، لأبٍ من قبيلة كاكوا، وأمٍّ من قبيلة لوغبارا، سرعان ما هجر الأب الأسرة، ولم يتعرَّف إليه أمين بعد، فربّته أمّه التي عملت كمعالجة شعبية، وتلقى تعليماً بدائياً في قريته ذات الأقلية المسلمة في أوغندا، تطورّت مهاراته في الملاكمة، منذ الصبا، وبحسب المؤرّخة الأمريكية من جامعة بنسلفانيا، في لقاءٍ لها على قناة "ناشونال جيوغرافيك أبوظبي"؛ فإنّ أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف، حتى يحكى أنّه لولا تدخّل الناس في ملاكمة بينه وبين صبيّ، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة، لأردي الطفل الآخر قتيلاً على يد الديكتاتور الصغير.

سحر الانقلاب العسكري
للتطور إلى ديكتاتور؛ يتمّ تفعيل جينات العنف لدى شخص ما، يستلزم الأمر طفولة قاسية، ومعاملة سيئة، وإحساساً بالدونية، لتكتمل عوامل التدمير لدى هذا الشخص؛ فبحسب بحث "جيمس فالون"، فإنّ الطفرات الجينية التي تُنشئ شخصاً ما بميول عدوانية، لا تتعدى 2% في مواليد البشر، وهم، بحسب رأيه، مَن يشكّلون الديكتاتوريين وأصحاب السلطة، المصابين بجنون العظمة، الذي شكّله شعورهم بالدونية، كلّ هذه الصفات، أهّلت أمين، الذي كان مساعد طبّاخ لجيش الاحتلال البريطاني، لأن يترقّى لرتبة عريف، وبمزيد من العنف تمّ تتويجه بطلاً لملاكمة الوزن الثقيل، واحتفظ بهذا اللقب تسعة أعوام، بين عامَي 1951 و1960، وبعد أن حصلت أوغندا على استقلالها، عام 1964، تمّ تنصيب الرئيس الأول للبلاد، ميلتون أوبوتي، الذي تقرَّب إليه أمين عن طريق جيش الاحتلال، وتحالفا معاً لتوسيع الجيش الأوغندي، وذلك قبل أن يعلن أمين انقلابه على الرئيس، في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1971، وبتأييد جماهيري، وخطابات شعبوية حملت طابعاً قومياً، منح الديكتاتور الشعب الأوغندي وعوداً برّاقة بالتنمية، وتجهيز البنية التحتية، وخطابات تعادي الأجانب، اتّخذها ذريعة لتصفية المعارضة، وقتل الحياة السياسية اليافعة في بلاده.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

غلاف كتاب"هتلر في إفريقيا"

في كتابه "هتلر في إفريقيا"، يحكي السفير الأمريكي السابق في أوغندا، توماس ميلادي، كيف نشر أمين الرعب في قلوب الأوغنديين، فأصبحت طلقات الرصاص تسمع طوال الوقت في الشوارع والأسواق، ومشاهد الجثث والدماء اعتاد الناس عليها، فأصبحت طقساً شبه يومي في حياتهم، وبينما يتوسع أمين في إقامة بنية تحتية للبلاد، كان عليه ألّا ينسى إقامة معتقلات ومعسكرات تعذيب، كان يشارك فيها أحياناً بنفسه؛ كطقس احتفالي، بينما يتناول الخمر وينتشي من تعذيب الآخرين، الذي يفضي في غالب الأحيان إلى موتهم، بينما خصّص سرداباً تحت الأرض في قصره الرئاسي للتعذيب، والذي كشف عنه فيما بعد، إضافة لمقابر جماعية تحوي رفات عشرات الآلاف من الضحايا، كما بدأ في أول أعوام حكمه بالقضاء على قبيلتي لانغو وأخولي، المواليتين لحكم ميلتون، فأباد قراهم عن بكرة أبيها، وعلى نهج الجيستابو في ألمانيا؛ بدأ أمين في نشر كلٍّ من مكتب أبحاث الدولة "SRB"، ووحدة السلامة العامة "Psu"، وأوكل إليهما أعمال القضاء على المعارضة ومراقبة النشطاء، وتنفيذ عمليات اغتيال سرية، في بعض الأحيان تكون علنية، للقضاء على أيّة نزعة تمرّد قد تنشأ من قبل المناهضين لسياساته.
آخر ملوك إسكتلندا
عام 2007؛ قدّم المخرج الإسكتلندي، كيفين ماكدونالد، فيلمه "آخر ملوك إسكتلندا"، المقتبس من رواية تحمل العنوان نفسه، للكاتبة الصحفية البريطانية، جيليس فودين، التي نشرتها عام 1998، فيما حاز الممثل الأمريكي من أصول إفريقية، فورست وايتاكر، جائزتَي "الأوسكار" و"البافتا"، كأفضل ممثل عن دور أمين دادا، كلاهما (الفيلم والرواية) يقدمان قصة لطبيب إسكتلندي حديث التخرّج، قرّر أن يبدأ حياته المهنية في أوغندا، كمتطوع إغاثة في بلاد تعاني من فقر الأطباء، يتوافق موعد وصوله مع قيام الانقلاب العسكري، يتحمّس الطبيب، الذي قام بدوره، جيمس ماكفوي، لخطابات أمين، ويرى التفاف الناس حوله، وفيما بعد تحوّله الصدفة إلى الطبيب الخاص لأمين، هنا تتداخل الأحداث الحقيقية مع أحداث من خيال الكاتبة؛ فطبيب أمين الخاص كان مسنّاً إسكتلندياً بالفعل؛ وذلك بسبب ولع أمين بنضال الإسكتلنديين، وروحهم القتالية العالية ضدّ الإنجليز، ومنح نفسه لقب آخر ملوك إسكتلندا، وكان يصرّح به في لقاءاته الصحفية، على غرار القذافي، الذي أعلن نفسه ملك ملوك إفريقيا.

اقرأ أيضاً: انتقد ديكتاتورية أردوغان .. نعوم تشومسكي يتضامن مع "أكاديميّي السلام"

بوستر فيلم "آخر ملوك إسكتلندا"

يروي الفيلم قصة مختلقة لعلاقة غرامية بين الطبيب الإسكتلندي وزوجة أمين الثالثة، كاي، التي نُبذت من زوجها؛ بسبب إنجابها طفلاً مصاباً بالصرع، لتحمل المرأة من الرجل الأبيض، فيكتشف أمرها أمين، ويقتلها، ويقطّع أوصالها، بينما الحقيقة؛ أنّ الزوجة قد أقامت علاقة مع أحد رجال أمين، وماتت إثر عملية إجهاض قامت بها في قرية نائية، ولم يعرف أمين بالقصة إلّا بعد وفاتها، فالديكتاتور المزواج، المحبّ للنساء، كانت له أربع زوجات، ويطلّق ويتزوج أخريات، له من الأبناء 60 ولداً وبنتاً، ينكر معظمهم اليوم نسبهم إليه، باستثناء ابنه جعفر، الذي يعيش في أوغندا، وأنشأ مؤسسة "أمين" الخيرية، بهدف التصالح مع ماضي والده الدموي، والذي ينكره، ويرى أنّ والده كان شوكة في حلق الإمبريالية البريطانية، وذلك بحسب وثائقي أعدته قناة "فرانس 24"، باسم "تذكرة عودة إلى كامبالا"، والذي يستطلع رأي الشباب الأوغندي اليوم، الذي يمثل 80% من السكان، كثيرون من شباب اليوم يرون في أمين إصلاحياً بارزاً يترحمون على أيامه، التي يرون أنّها حملت إصلاحات اقتصادية، وقدّمت بنية تحتية يستفيدون منها حتى اليوم.

ضربات قاضية
أوغندا، المستفيقة لتوّها من احتلال طال أمده، كانت تعتمد على الجالية الهندية، التي شكّلت اقتصادياتها في البلاد، قرابة 60%، والمقدَّر تعدادهم من 50 ألف إلى 70 ألفاً، قام أمين بطردهم ومصادرة ممتلكاتهم، وتوزيعها على رجاله المخلصين، وذلك بعد تصريحه بأنّ الله أخبره في منامه، أن يقوم بطرد الآسيويين من بلاده، كان لمثل هذا التصرّف أثره في الاقتصاد القومي، لتأتيه الضربة الثانية من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واختطافها لطائرة فرنسية تقلّ إسرائيلين في طريقها إلى باريس، لكنّها هبطت في أوغندا، ما جعلها محطّ أنظار العالم آنذاك، ليقرر أمين الإفراج عن غير الإسرائيليين، وتخصيص طائرة تقلهم إلى باريس، أمّا الإسرائيليون فاحتجزهم حتى باغتته قوات الاحتلال الصهيوني، بغارة مفاجئة من مطار عنتيبي الدولي، أفرجت فيها عن مواطنيها، ما تسبّب في إعدام غالبية موظفي المطار، الذين شكّ أمين بمساهمتهم في فكّ أسر المحتجزين، كان أمين من أنصار القضية الفلسطينية، معادياً لأمريكا وبريطانيا وإسرائيل، ما يدفع بعض الكتّاب للقول إنّ هذا العداء دفع الغرب إلى تشويه صورته، والإسراع في إطاحته، بدعم حلفائهم في تنزانيا وإثيوبيا.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
2019-11-12

"النبيل" وصْفٌ أطلقه عليه خصومه قبل أصدقائه؛ فالتواصل الإنساني لديه يحتلّ موقعاً أهم من الانحياز الأيديولوجي؛ إذ يعتبر الكاتب والمفكر السوري جاد الكريم الجباعي أصدقاءه، من خلفيات فكرية وسياسية متبانية، "جزءاً من ثروته الروحية"، فعلاقاته قائمة حتى مع من يختلف معهم فكرياً وسياسياً على المحبة والاحترام.
حُسْن الإنصات سمة تطبع الجباعي الذي لا يتعالى على الآخرين بعلمه وفكره، بل يقدم كل ما لديه لخدمة المعرفة والتنوير، يصف نفسه بأنّه "مولع بالاستنارة"، يراجع أفكاره دوماً على الواقع من جهة، وعلى الفتوحات الفكرية والعلمية من جهة أخرى؛ إذ لم يفقد دهشة المعرفة ومتعتها، ويعتبر نفسه صارماً مع نفسه منهجياً.

كتب الجباعي عدة بحوث في نقد التجربة الحزبية العربية ونشرها وخلص إلى أنّ الأحزاب العقائدية عندنا تشبه العشائر والطوائف

ولد جاد الكريم الجباعي عام 1945 في قرية من قرى محافظة السويداء، تسمّى نمرة، تقع شرق مدينة شهبا، في أسرة ريفية متوسطة الحال، قدم والده إلى سوريا من لبنان (جباع الشوف، ومن هنا كنية الجباعي).
درّب الجباعي نفسه بكثير من المشقة على النظر إلى المرأة باعتبار أنّها مكافئة له؛ فالمسألة تحتاج إلى تدريب، وإلى مجاهدة النفس "الأمّارة بالسوء".
تشاء الأقدار أن تنجب والدة المفكر اثني عشر بطناً، لم ينجُ لها سوى ثلاث بنات يكبرن جاد الكريم، وهو ما جعله طفلاً أثيراً مدللاً لدى الجميع، أتقن القراءة والكتابة باكراً، وكان يقرأ لأبيه وأصدقائه مواعظ دينية مكتوبة بخط اليد (نسخ)، فصار والده حريصاً أن يتجه إلى الدين.

غلاف كتابه "المجتمع المدني هوية الاختلاف"
انفصلت والدته عن والده وانتقل الجباعي، وهو صغير ليعيش عند أخواله، غير أنّ وفاة والده، وهو في الصف الثالث الابتدائي جعلت من إقامته لدى أخواله دائمة. في هذه المحطة من حياته تأثر جاد الكريم بشخصية والدته التي كان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيته إذ كانت، ذكية وقوية الشخصية، أبيّة وعزيزة النفس، على رقتها ودماثتها وجمالها، وكانت تميل إلى مجالس الرجال، حتى صارت السيدة التي يسمع رجال العائلة كلمتها وتستشار في سائر الأمور.
لا يُخفي أبو حيان أنّ غربته الأولى جعلته يميل إلى متابعة دروسه باجتهاد، ثم إلى المطالعة، منذ انتقل إلى المرحلة الإعدادية؛ حيث قرأ في المرحلتين؛ الإعدادية والثانوية معظم أعمال طه حسن وأحمد أمين والرافعي والمنفلوطي وجبران خليل جبران وغيرهم، وكثيراً من الروايات ودواوين الشعر، وكان يريد أن يصير شاعراً، لولا أنّه انتسب في نهاية المرحلة الثانوية إلى تنظيم سياسي (ناصري) فاحتلت قضية الوحدة العربية وتحرير فلسطين كل كيانه.
شغف البحث والقراءة
واصل الجباعي شغفه في البحث والقراءة؛ ففي صف البكالوريا (المرحلة الثانوية) قرأ "أصول الفلسفة الماركسية" لجورج بوليتزر، وقد سبّب له وقتها أزمة روحية، نظراً لنشأته في بيئة متدينة (درزية) من جهة، وولعه بالتراث الإسلامي وسيرة النبي محمد، عليه السلام، من جهة أخرى، فقد حفظ معظم القرآن الكريم، وكان يتلوه في خلواته ترتيلاً وتجويداً، فكان لذلك أثره في محبته للغة وإتقانها باكراً. في بادئ الأمر وبفعل مطالعاته الباكرة غلبت الميول الأدبية عليه، ثم انتقل للفلسفية منها التي تعززت بعلاقته الطيبة بإلياس مرقص خاصة، وكان جاد الكريم لم يزل شاباً.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة
بعد وفاة والد جاد الكريم لم يكن له ولأمه وأخته أي مصدر رزق، وعن ذلك يقول: "صارت أمي وأختي تعملان على كسب بعض العيش من جمع ما يتركه الحصادون خلفهم من سنابل القمح أو نبات العدس أو الحمص، ومن مساعدة الحصادين في بعض الأعمال لقاء هبة مما حصدوه"، ويتابع "أمام هذه الحال اضطررت إلى العمل في العطل الصيفية، منذ طفولتي الثانية، في مطاعم دمشق، ثم في بيروت وعاليه وبحمدون بلبنان، فأتقنت صنع الفلافل والمسبّحة والفول وبعض الطبخات، إلى جانب الجلي. وأحب أن أطبخ في بعض الأحيان".
"أصول الفلسفة الماركسية" لجورج بوليتزر

أهم المؤثرين
تخرج الجباعي في دار المعلمين، وعمل معلماً في محافظة القنيطرة، ثم في ريف دمشق، بعد هزيمة حزيران 1967، وتخرج في جامعة دمشق مجازاً في علوم اللغة العربية وآدابها، وعمل مدرساً. أحب التعليم حباً جماً، وأحب تلاميذه، وطلابه وأحبوه.
لم ينقطع عن العمل الحزبي، منذ عام 1963، فبعد تخرجه في جامعة دمشق (1968 – 1969) انتسب إلى حزب العمال الثوري العربي، وفيه تعرف على ياسين الحافظ، المفكر القومي الديمقراطي الاشتراكي المعروف، ونشأت بينهما مودة عميقة، وفي اللاذقية، حيث كان يعمل مدرساً، تعرف على إلياس مرقص، وهو من أبرز العاملين في حقل الفلسفة في سورية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
ويوضح أنّ تأثره بهذين العلمين كان عميقاً، ومن خلال ياسين تأثر الجباعي بالمفكر المغربي الشهير عبد الله العروي. فانتقل إلى مرحلة التقرب من الماركسية، لذلك عكف على دراسة كتابات ماركس وإنغلز مباشرة، لا من خلال المقتطفات السوفييتية والملخصات الشيوعية، ثم عكف على دراسة كانط وهيغل وعاد إلى دراسة كتب ماركس ثانية، وعن ذلك يقول: "أعد ماركس الفيلسوف الإنساني من أكثر من تأثرت بهم من غير العرب، وكذلك هيغل، ومنهما إلى قائمة طويلة من المفكرين الذين انتهجوا نهجاً ماركسياً وجدلياً".
تخرج الجباعي في دار المعلمين وعمل معلماً في محافظة القنيطرة

مولع بالاستنارة
مر الجباعي بمحطات عملية كثيرة، غير أنّ أهم ما استفاده من تجربته في التعليم إتقان العمل والاستقلال الذاتي، والنأي النسبي عن الأيديولوجيا في علاقته بطلابه؛ إذ يذكر أنّه في أثناء تعليمه لصف البكالوريا، على مدى خمسة عشر عاماً، لم يفرق قط بين بعثي وناصري وشيوعي، على الرغم من الضغوط الحزبية من جهة، وضغوط الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، وهذا ما دفعه للاستقالة من التعليم.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
سافر الجباعي عند ترك التعليم إلى الإمارات العربية المتحدة بقصد العمل، فلم يوفق، فعاد إلى سورية للعمل في الموسوعة العربية، وتعلم الكثير من العلامة الأستاذ الدكتور شاكر الفحام، المدير العام للموسوعة، فقد كان أكثر من شجعه على المضي في الكتابة، بعد أن قرأ عدداً من مقالاته.
يراجع الجباعي، الذي أسس موقع "سؤال التنوير" الإلكتروني، أفكاره دوماً على الواقع من جهة، وعلى الفتوحات الفكرية والعلمية من جهة أخرى، حتى بات لا يعرف له مذهباً.
يسبح عكس التيار
لم يحظَ الجباعي، بنقد كتاب ومفكرين معروفين لما كتب، على الرغم من إشارات الاستحسان التي كان يلمسها من بعضهم في الندوات والمؤتمرات. كتب الباحث منير الخطيب شيئاً عن سيرته الفكرية في موسوعة أعلام الفكر الحديث والمعاصر، وتناول بعضهم بعض كتبه، على سبيل العرض الصحفي، ويعزو الجباعي قلة هذا التناول لمؤلفاته بقوله: "إنني لست مكرساً، إلى جانب ضعف الحركة النقدية، علاوة على شح القراءة". والأهم، وفق الجباعي، أنّه تعلم من ياسين الحافظ أن يسبح بعكس التيار، وكانت نتيجة ذلك أنّه نأى عن التيارات السائدة، ونأى محازبوها عنه، بمن في ذلك بعض أصدقائه، ولا يخلو أن يعتبره بعضهم مرتداًه.

غلاف كتابه "من الرعوية إلى المواطنة"

المرأة مكافئة

للمرأة أثر عميق جداً في حياة الجباعي الشخصية والفكرية، وعن ذلك يقول: "أمي من ربتني ولكم أتمنى أن أنتسب إليها، وعدد صديقاتي اللاتي أحبُّهن وأقدِّرهن لا يقل عن عدد أصدقائي، وتعلمت منهن الكثير"، وعن علاقته بالمرأة يتابع "دربت نفسي بكثير من المشقة على النظر إلى المرأة على أنّها مكافئة لي، فالمسألة تحتاج إلى تدريب، وإلى مجاهدة النفس "الأمارة بالسوء"".

مرّ الجباعي بمحطات كثيرة وأهم ما استفاده من تجربته في التعليم إتقان العمل والاستقلال الذاتي والنأي عن الأيديولوجيا

يحب الجباعي المرأة المزهوة بأنوثتها، والتي تعتني بجسدها وتحترمه. وتناول مسألة المرأة في مجتمعاتنا العربية في أكثر من بحث ومقال، وصدر له حديثاً كتاب بعنوان "فخ المساواة: تأنيث الرجل .. تذكير المرأة".
تزوج الجباعي في العام 1970، ورغم أنّه يحب زوجته ويحترمها إلا أنه يقول ممازحاً: إنّ لها "عدة ضرائر"، فقد انشغلتُ عنها بالعمل الحزبي، ثم بالنشاط المدني، ثم بالقراءة والكتابة؛ يعني أربع زوجات، على سنة الله ورسوله".
عملت زوجته في مؤسسة الخضار والفواكه، وهي متقاعدة اليوم، وللجباعي ولد وثلاث بنات. ابنه البكر (حيان) مواليد 1971 أما ابنته الكبرى (سلافة) فهي من مواليد 1973، في حين ابنته الوسطى (خزامى) من مواليد 1976، بينما ابنته الصغرى (لميس) فمولودة في العام 1979.
وعن علاقته ببناته، يقول إنهن من أحب صديقاته إلى قلبه، شخصياتهن مستقلة، لكل واحدة خياراتها. لكن الجباعي يشعر أنه لم يقضِ معهنّ الوقت اللازم، ناهيك عن الكافي، بحكم الظروف التي عايشها.
ثروة روحية
كتب الجباعي عدة بحوث في نقد التجربة الحزبية العربية، ونشرها، وخلص إلى أنّ الأحزاب العقائدية عندنا تشبه "العشائر والطوائف"، ودعا إلى ما أسماه "الحزب السياسي البرنامجي"، الذي لا يروج لأية أيديولوجيا علناً وصراحة، ولا يدعو الناس إلى التزام أيديولوجيا معينة، ويعدل برنامجه ورؤيته الاستراتيجية وفقاً لنمو الحياة السياسية، إذ بات المفكر أكثر حماسة للانتظامات والتنظيمات المدنية غير الحزبية، على أهمية الأحزاب السياسية وضرورتها.
مؤلفاته
ألف الجباعي العديد من الكتب منها "حرية الآخر، نحو رؤية قومية ديمقراطية"، و"حوار العمر، أحاديث مع الياس مرقص"، و"قضايا النهضة"، و"المجتمع المدني هوية الاختلاف"، و"المسألة الكوردية .. حوارات ومقاربات" و"طريق إلى الديمقراطية"، وكتاب "وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية" و "أطياف الأيديولوجية العربية" و"حداثة بلا حدود" و"في الدولة الوطنية الحديثة" و"من الرعوية إلى المواطنة"، وكتاب حواري مع نبيل الشويري بعنوان "الهوية والذاكرة".

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني
وإذ أنجز الجزء الأول من كتاب "المجتمع المدني هوية الاختلاف"، غير أن الجزء الثاني من الكتاب والذي كان ينوي أن يتناول فيه موقف هيغل وماركس وغرامشي من المجتمع المدني وعلاقته بالدولة، لم يرَ النور، مبيناً أن ما أعاقه عن ذلك أمران: أولهما الإسهام في الحراك المدني، الذي سمي "ربيع دمشق" (2000 – 2007). والثاني اضطراره إلى كتابة مقالات صحفية لمواجهة الأوضاع المعاشية الصعبة.

للمشاركة:

إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"

2019-11-07

في مقطع أثير من سيرته الذاتية "غربة الراعي" التي صدرت عن دار الشروق بعمّان، عام 1996، يتذكر الناقد والأكاديمي والمثقف الموسوعي الراحل د. إحسان عبّاس مشاهد من افتتاح أول مدرسة في قريته عين غزال بمدينة حيفا الفلسطينية.
يقول: "لم تكـن مدرسة القـرية أكبر عـمـراً مني بكثير، بل لعـلنا كنا متقاربين في السنِّ، وحـين تداعـى أهـل القرية لبناء مدرسة اختاروا لها أحـد سفـوح جبل الرأس المطلِّ على ساحـة القـرية مـن الجهة الجنوبية.

اقرأ أيضاً: تعرف على قصة حياة "شيخ النُقّاد والمحققين العرب".. إحسان عباس
وقـد تميزت عـن معـظم  دور القـرية التي كانت تُبنى بالطين، فكانت في نظـر الصغـير أفخم بناء في القـرية، وهي مكـوَّنة مـن غرفـتين كبيرتين متقابلتين في كل غـرفة صفان (فصلان) في إحـداهما الصفان التمهيدي والأول، وفي الثانية الصفان الثاني والثالث.
وفي المدرسة معلمان أحـدهما المعلم الأول ـ وهـو مـدير المدرسة ـ واسمه عـبد الـرحـيم الكـرمي، والثاني مساعـد له، وهـو شيخ مُـعـمَّـم تخـرَّج في جامـعة الجـزار بعكـا، واسمه محمد حـجـازي، وكلٌّ منهما وقـت الدوام يُدرِّسُ صفـين معاً.
أشهد أنَّهما كانا مخلصين في مَهَمَتهما، كما كان أكثرنا مخلصاً في حبِّ التعـلم، وكُنَّا نهابُهما فلا نحب أنْ يريانا ونحن نلعب، هذا مع أنهما لم يعرفا مـعـنى العـقـوبة البدنية في التعليم.
أدخلت المدرسة إلى نفسي ابتهاجاً لم يكن لها به عـهـد، بما وفَّـرَتْهُ من تنوع، فإلى جانب حل ألغاز الدروس، وازدياد منسوب الثقافة عـوضتني عـن الألعاب الـريفـية  الخشنة ألعاب لم أكـن أعـرفها، فهنالك لعبة كـرة القـدم، وركـض المسافات المعينة، وشد الحـبل، والقـفـز فـوق الحبل، والتمـرينات الـرياضية.
 سيرته الذاتية "غربة الراعي"

كل طالب يرعى شجـرة
واقـترح الأستاذ عـبد الـرحيم أنْ يتعـهـد كل طالب منا برعاية شجـرة، تُضاف إلى اسمه، فـهـو يرويها بالماء، عـند حاجتها إليه، وقـد كانت هـذه العلاقـة التي حَـبَّبت إلينا المدرسة.
وعـندما كنت أعـود إلى القـرية ـ مـن بعـد ـ كان أول شيء أقـوم به هـو الـذهاب إلى المـدرسة للاطمئنان على الشجـرة التي غـرستها، صحيحٌ أنَّها أصبحـت لشخص آخـر، ولكـنَّ حنيني إليها لم يكـن يقـل عـن حنيني إلى البيت والأسرة وأصدقاء القـرية".

اقرأ أيضاً: محمود أمين العالم: الفكر خارج عباءة السلطة
ولاحظت دراسة نشرتها مجلة "نزوى" العُمانية بعنوان " تحولات الشخصية في غربة الراعي قراءة في سيرة إحسان عباس الذاتية" أنّ هذه السيرة تنتقل على صعيد المكان بين فضاءات متعددة في فلسطين وفي بعض عواصم الأقطار العربية، فهي تبدأ من عين غزال، وتمر بحيفا وعكا والقدس وصفد، وتتنقل بين القاهرة والخرطوم وبيروت وعمّان.
التحولات الشخصية في السيرة
وعلى الرغم من كون التحولات الشخصية في السيرة مرتبطة بالتحولات المكانية، إلا أنّها لا تنبثق عنها بالضرورة. فقد سعت "غربة الراعي" إلى تشييد فضاء متماسك؛ لأنّ عنوانها بما ينطوي عليه من دلالات فلسفية وشعرية، يوحد مسارات تلك الأمكنة نحو بؤرة بعينها، ويجعلها، بما تنطوي عليه من تحولات، تشير إلى الحضور القوي لذلك المكان الغائب الذي تنهي العودة إليه غربة ذلك الراعي. لقد ظل انتقاله بين تلك المدن، يؤكد غربته العميقة التي يتشاكل فيها مع الشخصيات التي كتب سيرتها كالتوحيدي، والحسن البصري، والشريف الرضي، وبدر شاكر السياب، مثلما يؤكد تمسكاً بشخصية الشاعر- الراعي التي تعمّد أن يقتل موهبتها فيما بعد، وهي شخصية رسمت سيرتها الشابة، ضمن تجربة شعرية تستوحي الشعر الرعوي الغربي، وتعيد تشكيل الواقع في إطار تقاليده، وأخيلته ولغته.

تميّز إحسان عبّاس بطريقة خاصة في الكتابة تنوعت في النقد والترجمة والتحقيق فرفد المكتبة العربية بذخائر معرفية لا تنسى

ومن هنا، تتابع الدراسة، ظلت التحولات في شخصيته بمثابة تنويعات معرفية، لا تغيّر الإيقاع الرئيسي في تجربته. لا ريب أنّ ذهاب إحسان عباس إلى الكلية العربية في القدس يشكل أكثر المراحل أهمية في بناء شخصيته، فذهابه إلى هناك وخضوعه لتعليم منهجي منظم وبرامج تعليمية محددة، وفّر له فرصة لقراءات عميقة، جعلته يكتشف أعماقه ويحدد سيرته الشعرية والنقدية، وإن ظلت تجربته في الكلية معزولة عن الحياة العامة في فلسطين وما كانت تمور به من تفاعلات.
وتشكل إشارة إحسان عباس في "غربة الراعي" إلى هاملت، التي جاءت إبّان حديثه عن سنوات الدراسة في تلك الكلية (1937 – 1941)، مفتاحاً لقراءة تحولات مهمة في شخصيته. فهذه الإشارة تشكّل على المستوى الفني تنامياً قابلاً للإدراك ينشئ ترابطاً في المعنى داخل السيرة؛ لأنّ علاقة إحسان عباس بتلك الشخصية تتجاوز البعد المعرفي الخالص، لتغدو علاقة ذات أبعاد نفسية وفكرية. فقد غدت شخصية هاملت كما يقول عبّاس "الصديق المرافق لي في الكلية وبعدها، قرأتها في الكلية مرات ومرات، وأظنها لوّنت حياتي بلون خاص".

اقرأ أيضاً: طيب تيزيني في ذمة القراءة والنقد
وقد ميّز هذا الأسلوب في الكتابة طريقة إحسان عبّاس التي تنوعت في النقد والترجمة والتحقيق، فرفد المكتبة العربية بذخائر معرفية لا تنسى.
كان عبّاس (1920- 2003) غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة

غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة
كان عبّاس (1920- 2003) غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة من لغة إلى لغة؛ فقد ألف ما يزيد عن 25 مؤلفاً بين النقد الأدبي والسيرة والتاريخ، وحقق ما يقارب 52 كتاباً من أمهات كتب التراث، وله 12 ترجمة من عيون الأدب والنقد والتاريخ. وقد أخذه البحث الجاد والإنتاج النقدي الغزير من ساحة الشعر والتفرغ له.
ورغم ذلك فقد انبثق ديوانه الشعري الوحيد "أزهار برية" في منتصف عام 1999، مع أنّه كُتب في فترة زمنية قديمة؛ أي في مطلع شبابه من عام 1940 – 1948. ومن أهم أسباب إخفائه لهذا الديوان، كما ذكر، خجله الشديد، وخشيته من المجاملة الإجتماعية.

اقرأ أيضاً: 6 تربويين نقدوا مؤسسة المدرسة.. ما هي البدائل التي اقترحوها؟
ما يميز "أزهار برية"، بحسب "ويكيبيديا" اتجاهاته إلى الريف والمرأة، والعودة للطفولة، وشيء من الوطنية والأسرة، والنقد الاجتماعي، ويبدو تأثير التراث العربي والشعر الرعوي الإنجليزي واضحاً في العديد من قصائده.
وقد كانت الطفولة قد حازت نصف سيرته النثرية، إلا أنّ شعر الطبيعة أو الشعر الرعوي، كما يحب أن يسميه، ينال النصيب نفسه في ديوانه، مثل: "إلى الراعية"، و"صوت الراعي"، و"تغير الرعاة"، و"عدو الرعاة"، و"من كرم الرعاة"، و"حنين إلى الرعاة"، و"رثاء أخي الراعي"، و"غيبة الراعي"، و"في مجلس الرعاة".
ومن "أزهار برية" نقتطف:
نشيد الرعاة وصفصافة وزهر الشعاب وماء الغدير.
وترنيمة الطير في أيكه وهمس الزروع ونشر العبير.
أحبُ إلى القلب من لذة تقطر بالشهوة العامره.

من أهم أسباب إخفاء إحسان عبّاس لديوانه الشعري الوحيد "أزهار برية" خجله الشديد وخشيته من المجاملة الاجتماعية

كما كان الغزل بالريف الفلسطيني واضحاً في ديوان إحسان عبّاس؛ فقريته والكرمل والطنطورة، والجرمق، والبحر والشاطئ والأمواج، والربيع ونيسان وزهوره، والقمر والنجوم، تملأ عليه نفسه وشعره. ولعل قصيدته في قريته، تبين عن هذا العشق، كما يظهر في قوله:
من ديري النائي وراء الجرمق أقبلت نحو حنائك المتدفق.
قد كنت مهبط فكرتي في عزلتي والآن أنت على حشاي ومرفقي.
هذا العناق فأين نظرات الرضا ما بال طرفك كالظلام المطرق.
لا تنكريني أنت أم برة لا تسلميني للشقا وترفقي.
كتب عبّاس دراسات نقدية في فن الشعر، وفن السيرة الذي أنجزه قبل البدء بكتابة سيرته الذاتية (غربة الراعي). وله كتاب تاريخ النقد الأدبي عند العرب، وملامح يونانية في الأدب الغربي، واتجاهات الشعر العربي المعاصر، وكتاب عن الحسن البصري، وغيرها.
جانب من آثار قرية "عين غزال"

فن السيرة
يقول عباس في كتابه "فن السيرة":

كنتُ وما أزالُ أؤمن بأنّ الحديث في السيرة، والسيرة الذاتية، يتناول جانباً من الأدب العربيّ عامراً بالحياة، نابضاً بالقوَّة، وإنّ هذا اللون من الدراسة يصل أدبنا بتاريخ الحضارة العربية، وتيار الفكر العربي والنفسية العربية؛ لأنَّه صورة للتجربة الصادقة الحيّة التي أخذنا نتلمّس مظاهرها المختلفة في أدبنا عامة، فنجدها واضحة في الفهم النفسي والاجتماعي عند الجاحظ وأبي حيان وابن خلدون، ونلقاها في رحلة ابن جبير وأحسن التقاسيم وصورة الأرض، ونستقر بها في سخرية المازني والشدياق وثورة جبران والمعري، فإذا جئت اليوم أعرض سيرة صلاح الدين لابن شداد، أو سيرة ابن طولون للبلوي، أو الصراع الروحي في المنقذ من الضلال، أو الصلابة في نفسية ابن خلدون، أو الشجاعة المؤمنة بمصيرها في مذكرات أسامة، فإنما أحاول أن أنفذ إلى جانب من تلك التجربة الحية، وأضع مفهوماً أوسع لمهمة الأدب، ذلك لأنّ الأشخاص الذين يصلوننا بأنفسهم وتجاربهم هم الذين ينيرون أمامنا الماضي والمستقبل، أما أولئك الذين يذهبون بنا في شعاب من الصنعة "الرسمية" فإنهم يستنزفون جهودنا على غير طائل، وينقلون تفاهة الماضي الذي عاشوا فيه إلى حاضرنا الذي نرجوه لما هو أجدى.

اقرأ أيضاً: الجابري بين نقد الاستشراق واستهلاك أحكامه
ويتابع: وإني أعلم أنّ الاتجاه في الحياة المعاصرة، أخذ يتشكل نحو الجماعة بخطى سريعة، وهذا يقلل من تقديس الأبطال، ويخمل دور الفرد في الحياة، ويغيّر مفهومات الناس عن قيمة ذلك الدور، ومن ثم تقل الرغبة في السير عامة، ولكننا نسيء إلى روح الجماعة إذا اعتقدنا أنّ التجربة الفريدة لا قيمة لها، فقد تزول عبادة الأبطال من النفوس، وقد يفقد الفرد معنى التفرد الأناني، ولكنّ شيئاً واحداً لا يزول هو هذه التجارب الحية، وطريقة التعبير عنها، وكل ما سيحدث أنّ المفهومات الجماعية ستنعكسُ على تلك التجارب وتصبغها بلون جديد.

للمشاركة:

عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2019-10-30

في الثامن والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٧٣؛ ترجّل فارس الكلمة، عميد التنوير العربي، طه حسين، الذي لخّصتْ حياته الفكرية أهم القيم التي تحتاج إليها الأمم في فترات تحوّلها من الركود إلى النهوض.
نشأ حسين ريفياً ضريراً، ينتمي إلى أسرة أقلّ من المتوسطة، منحته بالكاد تعليماً دينياً يُؤهله لأن يكون فقيهاً أو مقرئاً أو معلماً في قرية، فإذا به يتمرد على حاضره ومستقبله تمرداً ليس فيه عزوف ولا احتقار؛ بل كان تمرداً يصحبه تفكير عميق في سُبل مواجهة الركود الفكري، وتفكيك بيئته الحاضنة.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
خرج إلى الحياة العامة في وقتٍ كانت سطوة القديم على أشدّها، فبذور التجديد التي نثرها الرواد الأوائل، من أمثال: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، صدمتْ أذهان المتمسكين بالتقليد، ما دفعهم إلى محاصرتها، فكان لا بدّ من شخصية ثائرة، لا تهدأ ولا تملّ، مثل حسين، لتُعلن صراحة القيم التي نحتاج إليها للنهوض الحضاري، ناقلاً الصراع مع التقليديين من المجالس المغلقة إلى أوساط الجماهير العريضة.

كتاب "الشعر الجاهلي"

قداسة القديم
ثار حسين على نمط التعليم القائم على التلقين المباشر والحفظ الحرفي لآراء الغير، وإضفاء قداسة على القديم/ التراث، متبنياً منهجاً بحثياً جديداً على الفكر العربي، يقول عنه في مستهلّ كتاب "الشعر الجاهلي": "القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرّد الباحث من كلّ شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً، يجب حين نستقبل البحث على الأدب العربي وتاريخه أن ننسى عواطفنا القومية، وكلّ مشخصاتها، وأن ننسى عواطفنا الدينية، وكلّ ما يتّصل بها، وأن ننسى ما يُضاد هذه العواطف القومية والدينية، ولا نُذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح".

أين يقف العرب من قيم التحرر الفكري والتسامح والعقلانية التي كافح من أجلها طه حسين؟

لم يكن تجسيد حياة طه حسين لقيم التنوع والالتقاء الثقافي تنكّراً لثقافة أمته، قدر كونها ترشيداً لمسارها، فجمع في مستهل حياته العلمية بين دروس الشيخ المرصفي في الأزهر صباحاً، ودروس المستشرق "فللينو" في الجامعة المصرية القديمة مساء، وعندما تقدّم للحصول على أول درجة دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية، وفق نظام التعليم الحديث، جعل ميدان دراسته تربة التراث القديم، باختياره شعر أبي العلاء، فلم يكتف حسين بالدفاع الصريح عن العقلانية في كتاباته، بل اختار من التراث النماذج الأكثر عقلانية؛ لتكون موضوعاً لدراساته، فاهتمامه بأبي العلاء وابن خلدون والثورات الاجتماعية الباحثة عن العدالة، مثل ثورة الزنوج، يعكس التزاماً أصيلاً منه بالتواصل مع التراث في وجهه العقلاني، فلم يكن حسين ممن يُرضي العامة باختيار النزعات اللاعقلية، وما أكثرها في تراثنا.

أفق التراث العالمي
وكما استوعب طه حسين تراثه القومي، ودافع عنه، وأنتج فيه العديد من الروائع؛ اتّسع أفقه للتراث العالمي، وتحمّس للثقافة الإنسانية، على حدّ قوله: "حياتنا متصلة بحياة الشعوب الأخرى، متأثرة بها ومؤثرة فيها، سواء أردنا ذلك أم لم نُرد، بعد أن ألغيت الآماد والأبعاد"، فدافع عن تدريس الآداب واللغات القديمة، بما في ذلك اللاتينية والأدب اليوناني القديم، وفتح المجال، للمرة الأولى في العالم العربي، لتدريس الآداب واللغات الشرقية في الجامعة، ونقل الثقافة المسرحية، وأسهم في نشرها بدعمه تأسيس الفرقة القومية المصرية للتمثيل، عام ١٩٣٥، التي أسندت إدارتها إلى خليل مطران، حتى عام ١٩٤٢، وقد أثارت الفرقة جدلاً وقت ظهورها، إلّا أنّها استطاعت الصمود، وقدّمت في أول عروضها ثلاثة أعمال من ترجمة الدكتور طه حسين، أعقبتها مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم.

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا

كذلك مثّل "التّعلم" قيمة مطلقة في فكر ووجدان طه حسين، فهو الشرط الأول لنهوض المجتمع من التخلف، فآمن بالعلم واستقلال مؤسساته وكرامة طلابه وحرية باحثيه، فرفض، بعد أنْ تولى عمادة كلية الآداب، عام ١٩٣٠، وكان أول مصري يشغل هذا المنصب، أن تعتدي حكومة إسماعيل صدقي على استقلال الجامعة؛ فأقاله إسماعيل صدقي، في٣ آذار (مارس) ١٩٣٢، وأحاله إلى التقاعد في ٢٩ من الشهر نفسه، ليعود بعدها بعامين محمولاً على أعناق الطلبة.

لم يترك طه حسين بصمة في نفوس طلابه فحسب بل ترك أثراً في نفوس متابعيه من القرّاء

ملأ حياة الناس بحسّ الكفاح
فلم يترك طه حسين بصمة في نفوس طلابه فحسب؛ بل ترك أثراً في نفوس متابعيه من القرّاء في مختلف أنحاء العالم العربي، وملأ حياتهم بحسّ الكفاح وروح الطموح، فيحكي الأديب اللبناني سهيل إدريس؛ أنّه منذ حداثته كان يُتابع بلهفة كلَّ ما كان يكتب طه حسين، وقد بلغ من طموحه أنّه، وهو ما يزال في سنّ الرابعة عشرة، قام بترجمة رواية "مولين الكبير" لإلين فورنيه، وأرسلها إلى الدكتور طه حسين، الذي كان مشرفاً آنذاك على إصدار مجلة "الكاتب المصري"، غير أنّ الترجمة لم تُنشر لاحتجاب المجلة وإغلاق فرع دارها الناشرة، ومضت ستة عشر عاماً، زار بعدها سهيل إدريس، للمرة الأولى، طه حسين في مكتبه، ليدعوه إلى زيارة بيروت، وإجراء مناظرته الشهيرة مع رئيف خوري، في موضوع "أيكتب الأديب للعامة أم للخاصة؟"، وحين استأذنه سهيل بالانصراف، استوقفه طه حسين قائلاً لسكرتيره فريد شحاته: "أعد للأستاذ سهيل أمانته القديمة".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
فإذا به يُعيد إليه مخطوطة ترجمته "مولن الكبير" قائلاً، وهو يبتسم ابتسامته الهادئة: "إنّنا لا نُضيّع جهود الأدباء"!

ومن شاء أن يحدّد موقع الحاضر العربي اليوم من مسيرة النهوض الحضاري؛ فعليه أن يسأل: أين يقف العرب من قيم التحرر الفكري والتسامح والعقلانية التي كافح من أجلها طه حسين؟ لماذا، بعد مُضي نصف قرن، لم تمضِ الحياة الفكرية إلى مزيد من التحرر واتساع الأفق؟ ولماذا كانت معارك طه حسين الفكرية مع كبار الكتّاب، رغم شراستها، لا يستعدي فيها السلطة على الآخر المختلف ولا يثير عليه نقمة العامة، كما يحدث اليوم؟ فلا يكاد تطرح قضية فكرية إلا ويُسارع البعض باستعداء المجتمع والسلطة؛ ليفوّت على الآخر فرصة التعبير عن نفسه!

للمشاركة:



أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

اتّهمت الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا الولايات المتحدة وروسيا بمنح تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا، ووصفت أردوغان بأنّه "فاشي العصر"، الساعي إلى توطين "بقايا داعش والنصرة" في بلدهم، بعد أن بات يعتبر سوريا "ولاية عثمانية".

الأكراد يتهمون الولايات المتحدة وروسيا بإعطاء تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا وتوطين بقايا داعش والنصرة

وقالت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في بيان تلته، أمس، في مؤتمر صحفي عقد بمقر دائرة العلاقات الخارجية في القامشلي بريف الحسكة: "اليوم، وبتوافق ضمني من قبل الدولة الأمريكية والروسية، يتعرضون للهجمات والمجازر الوحشية من قبل دولة الاحتلال التركي ومجموعاتها المرتزقة من بقايا النصرة وداعش، وها هم مجدداً يقدمون تضحيات جسام في صدّ هذه الهجمات وتتعرض قراهم ومدنهم ومناطقهم للقصف والدمار"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

الأتراك ارتكبوا جرائم حرب؛ كاغتيالات السياسيين ورجال الدين وقتل النساء والأطفال واستخدام الأسلحة المحرَّمة

وأضاف البيان: "يتم انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب بشكل يومي؛ كاغتيال السياسية هفرين خلف، وراعي الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في قامشلو، الأب هوفسيب بيدويان، إلى جانب والده، كذلك قتل المئات من النساء والأطفال، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً".

ووصف الناطق باسم الإدارة الذاتية، أردوغان، بأنّه "فاشي العصر"، وقال: "تزامناً مع مساعي التغيير الديموغرافي والمجازر التي تتعرض لها مكونات شمال وشرق سوريا، فإنّ الصمت وعدم إبداء موقف واضح من قبل أمريكا وروسيا، وأيضاً زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، غوتريش، يضفيان الشرعية للدولة التركية، ويمنحان فاشي العصر أردوغان المزيد من الجرأة.

الأكراد يناشدون جميع العالم والإنسانية بأن يرفعوا اصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية

ولفت إلى "تهجير مئات الآلاف من الكرد وتوطين عوائل داعش والنصرة، التابعة للجيش الوطني السوري المرتزق، في منازلهم في عفرين وسري كانيه ورأس العين وكري سبي وتل أبيض، أمام أعينهم، كذلك اختطاف المئات من النساء والأطفال الكرد العفرينيين وممارسة النهب والسرقة بأبشع الوسائل".

وناشد الأكراد في بيانهم جميع العالم والإنسانية؛ بأن يرفعوا أصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية، وضدّ الهجمات الاحتلالية على شمال وشرق سوريا، والتغيير الديموغرافي، وأن يظهروا موقفاً تجاه هذه الوحشية.

 

للمشاركة:

الإمارات تعقد صفقة شراء 50 طائرة "إيرباص"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أعلنت الإمارات، اليوم، إبرام صفقة شراء 50 طائرة من طراز "إيرباص" (350 A)، بقيمة 16 مليار دولار.

وذكر بيان صادر عن طيران الإمارات؛ أنّ الشركة "أعلنت طلبية مؤكدة لشراء 50 طائرة "A350-900 XWB"، متوقعة أن يبدأ تسلم هذه الطائرات، التي ستعمل بمحركات "رولز رويس/ XWB"، اعتباراً من أيار (مايو) 2023".

شركة طيران الإمارات يعلن إبرام صفقة لشراء 50 طائرة طراز "A 350" بقيمة 16 مليار دولار

ووقّع الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات، الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، على الصفقة مع الرئيس التنفيذي لإيرباص غيليوم فاوري.

وسوف تتيح طائرات A350"" الجديدة لطيران الإمارات خدمة نطاق واسع من الأسواق الجديدة على مستوى العالم، وبرحلات يصل مداها إلى 15 ساعة طيران انطلاقاً من دبي.

وذكرت "إيرباص"، في بيان منفصل؛ أنّ التكنولوجيا التي توفرها الطائرة تخفّض من تكاليف التشغيل بقيمة 25%، وقيمة مماثلة في معدل حرق الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويتكوّن أسطول طيران الإمارات بأكمله حالياً من طائرات حديثة ذات كفاءة عالية من طرازي "إيرباصA 380 "، و"بوينج 777"، وتخدّم الناقلة، انطلاقاً من مركزها في دبي، أكثر من 158 مدينة في القارات الستّ.

وتستضيف دبي على مدار يومين، أحد أكبر معارض الطيران في العالم، بدورته الـ 16، ومن المتوقع ان تعقد صفقات بالمليارات خلاله، يقودها عملاقا صناعة الطيران في العالم: "بوينغ" الأمريكية، و"إيرباص" الأوروبية.

 

للمشاركة:

بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:



ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-18

ترجمة: مدني قصري


يقول أستاذ الفلسفة فيليب جرانارولو: إنّ "أحد أسوأ آثار الهجمات الجهادية هو تشويه نظرتنا؛ فبغزوهم الفضاء الإعلامي، يميل الشباب المتطرفون والانتحاريون إلى جعلنا ننسى أنّ التطرف الديني قد اختفى من أفق معظمنا، فللغالبية غير المبالية بالمعتقدات الدينية، يعطي هذا المقال الكلمة؛ لأنّه في الواقع، يظلّ المواطنون الذين لا تعصب دينياً عندهم أقوى حصن ضدّ كلّ ألوان التطرف الديني.

جرانارولو: الهجمات التي يرتكبها الجهاديون تصعقنا وترعبنا؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام

نشر فيليب جرانارولو، العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه، بما في ذلك "الفرد الخالد" (L'individu éternel)، و"تجربة الأبدية النيتشية" (Vrin، 1993)، و"نيتشه"، و"خمسة سيناريوهات للمستقبل" Encre Marine) ، 2014)؛ فهو شخصية فكرية مشهورة في مدينة تولون (الفرنسية)؛ حيث يقود العديد من المناقشات والمؤتمرات، ويقدِّم نظرة فلسفية حول الأحداث الراهنة، مع كتابه "بيان العقول الحرة"، يهدف إلى شرح معنى الهجمات الجهادية لمجتمعاتنا (الغربية)، البعيدة كلّ البعد عن الانشغالات الدينية.

نشر فيليب جرانارولو العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه
حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "نوفيكسيون" ( nonfiction.fr) مع فيليب جرانارولو، هذه المقابلة:

كتابُك الأخير المستوحَى من أحداث الهجمات الجهادية، والذي يعتمد بشكل أساسي على فلسفة نيتشه، التي أنت متخصّص فيها، وكذلك كانط وعصر التنوير، هو قبل كلّ شيء، من وجهة نظرنا، مدحٌ للامبالاة تجاه الأديان، في سياقٍ أصبح من الصعب أكثر فأكثر، برأيك، جعلُ هذا الصوت مسموعاً "تعصُّبٌ في كل مكان، ولا دين في أي مكان"، هل هذه واحدة من حقائق عالمنا اليوم؟
في أوروبا، ما فتئ التعصّب الديني يتناقص باطراد منذ ثلاثة قرون على الأقل؛ "الحروب الدينية"، مذابح القديس بارثولوميو، وقضية كالاس، تبدو أنّها قد صارت وراءنا بأعوام ضوئية، ننسى أحياناً أنّ تعصّباً آخر قد استولى على السلطة في القرن العشرين: التعصب الأيديولوجي، والنازية والشيوعية، التي أدمت القرن الماضي، لكن مع سقوط حائط برلين، كرر العديد من مفكرينا النشيد الغالي على قلوب فلاسفة القرن التاسع عشر (ماركس ونيتشه على وجه الخصوص)، الذين يتنبؤون بمجيء عالَم خالٍ من الدين، وبإنسانية تدخل أخيراً مرحلة البلوغ، فيما أسماه كانط "أغلبية الكائن البشري".

جرانارولو: إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم

لعلّه من الضروري الإشادة بالإسلامويين، الذين ساهموا في الكشف عن التسرع في هذا الإحياء الساذج لأمل ماركس ونيتشه، تحاول مقالتي السباحةَ بين اثنين من المزالق: التفاؤل المفرط لدى العقلانيين المتأصلين، والتشاؤم الانتحاري لدى الانحداريين، ليس كتاب "بيان العقول الحرة" مقالاً آخر عن الإسلاموية، لكنّه منظور فلسفي أصلي حول تجاوزات الأصوليات الدينية؛ إنّه دفاعٌ عن حرية التفكير.
أنا أتبنى على وجه الخصوص، عكس وجهة نظر المفكرين الذين أعلنوا "انتقام الإله"، في أساليب وأطر مفاهيمية مختلفة للغاية، يُجمِع كلّ من فيليب موراي، وريمي براغ، أو روبرت ريديكر (هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من أفراد هذه العائلة العظيمة) على الإعلان عن الانهيار المحتوم لحضارة اعتقدت بسذاجة أنّ بإمكانها أن تحقق التطور خارج المعتقدات، والتي اعتقدت بفخر أن العالم من دون الربّ ممكن.
من بين الأخطاء الرئيسة في تفسير الهجمات الجهادية؛ في رأيك، هو تعزيز الرؤية الساذجة لـ "صدام الحضارات" (عنوان كتاب صموئيل هنتنغتون، المترجم في فرنسا، عام 1996)، بالتالي؛ المساهمة في إنشاء نبوءة تتحقق ذاتياً، لكن بدلاً من حرب الحضارات، وهي العبارة التي استخدمها رئيس الوزراء، مانويل فالس، بشكل خاطئ، عام 2015؛ فإنّ ما يكشف عنه التطرف الإسلاموي اليوم هو في المقام الأول الحاجة الملحة للكفاح ضدّ شكل من أشكال الهمجية (البربرية)؛ كيف تفسِّر أنّ النوايا الأصلية للمتعصبين استطاعت أن تخترق في النهاية عقولنا، رغم علمانية هذه العقول إلى حدّ كبير وبُعد أغلبيها عن الاهتمامات الدينية؟
بما أنّ نوايا المتعصبين قد "اخترقت عقولنا" فهذا أمر لا جدال فيه؛ التعصب، كما قال الراحل أندريه غلوكسمان، الذي أقتبستُ أقواله مرتين في مقالتي، كان بمثابة "الصاعقة"؛ لأنّه يضع نهاية قوية لغياب العنف الذي اعتدنا عليه، فالهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام؛ لأنّ أيّ هجوم لا يمكن بالطبع أن يرعبنا إلا إذا تمّ تضخيمه بواسطة وسائل الإعلام، وعليه؛ فإنّ الأمر متروك للمثقفين كي ينتزعونا من هذا الترهيب والترعيب.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟
للخروج من حالة الذهول والانصعاق ليس هناك سوى طريقة واحدة فقط: الطريقة التي تضعنا على سُلَّمٍ زمني آخر، الطريقة التي تسمح لنا بالتفكير على المدى الألفي للزمن؛ فبصفتي تلميذاً لنيتشه، فقد تعلمتُ تدريجياً أن أضع تأملاتي على هذا النطاق الزمني، وعلى هذا السلَّم الزمني تحديداً تقع جميع تحليلات كتاب "بيان العقول الحرة".
الهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"

أنت لا تؤمن بأنّ الشعب الفرنسي على استعداد بأغلبية ساحقة لرفض ما بين 5 إلى 6 ملايين من رعاياه من أصل إسلامي، واعتبارهم متطرفين في حيّز القوة (محتمَلين)، كما تشير بعض الخطب السياسية إلى ذلك، مقابل رؤية "الحرب الأهلية" هذه الزاحفة بدهاء، بشكل أو بآخر، أو "حالة الطبيعة الهوبيسية" (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز(1)، فأنت ترى أنّ دعاة السلام الحقيقيين في المجتمع الفرنسي يجب أن يكونوا مواطنين من دون دين "نحن  الغالبية العظمى من الذين ما زالوا غرباء على الدين"؛ وهذه هي كلماتك، أياً كانت أصولهم، ومع ذلك، فمن دون المطالبة بدينٍ علماني أو مدني جديد، كيف يمكننا تهدئة وإخماد الممارسات الدينية في بعض المناطق، حيث خطرُ التعصب أضحى حقيقة قائمة معروفة؟
يبدو أنّني أرى وراء سؤالك صدى صيغة تتكرر في كثير من الأحيان: "لا يمكننا أن نموت من أجل العلمانية"، يبقى السؤال هو ما إذا كنا نستطيع العيش دون دين أم لا؟ في الفصل المعنون "نهاية فقدان طويل للذاكرة"، أتحدث عن ذلك مع  ريجيس ديبراي (Régis Debray)(2)، الذي لفتت أعماله انتباهي دائماً؛ فإما أنّ العالم السياسي محقّ، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع بشري دون معتقد مؤسسي قوي يربط أعضاء المجموعة، وهو معتقد لا صلة له بـ "الحقيقة"، كما أكده في الأصل "نقد العقل السياسي"، عام 1981، فالوظيفة الوحيدة والفعالية الوحيدة للاعتقاد المؤسس هي تحويل الأفراد المشتتين إلى هيئة اجتماعية، وإما أنّ ريجيس ديبراي على خطأ: أنّ شيئاً آخر غير الاعتقاد الأعمى قادر على جمعنا، هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها.

يهدف جرانارولو في كتابه "بيان العقول الحرة"، إلى شرح معنى الهجمات الجهادية للمجتمعات الغربية البعيدة عن الانشغالات الدينية

بشكل ملموس، كيف يمكن لمجتمع متّحد خارج المعتقد الديني أن يحارب أفراداً عالقين في فخّ التعصب؟ سلبياً، من خلال عدم الوقوع في الفخ الأمني، أولى الاقتباسات التي وضعتُها بوضوح في مقدمة فصول كتابي هي صيغة لهوبير فيدرين: "كوننا غير مقتنعين بأنّ الإرهاب هو التهديد الرئيس أحدثَ كثيراً من الضرر لمجتمعاتنا"، فمع مطالبة الدولة بتنفيذ جميع الوسائل المتاحة لها لحمايتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا أنّ تأمين جميع أراضينا مُهِمّةٌ مستحيلة، نحن في حاجة إلى دمج التهديد الإرهابي في حياتنا اليومية، وإيجابياً؛ بِرفع الجهد التعليمي بشكل كبير في مناطق الجمهورية المنسية والمهملة. فمن خلال دعوتنا لجلد أنفسنا وممارسة الندامة والتوبة قدّم البعضُ أفضل الأسلحة إلى الأيديولوجيين الإسلامويين المتطرفين، يجب أن نكون مقتنعين بالجودة الإنسانية لنموذجنا الثقافي: كيف يسعنا نقل هذا النموذج ومشاركته إذا كنا نشكّ نحن أنفسنا في قيمته؟
المفارقة في مقالتك المحفّزة تتمثل في الدعوة إلى نوع من "اللادين" للجميع، في سياق تتفاقم فيه شتى ألوان التعصب؛ ألا ينطوي هذا النهج على خطر تأكيد الهُويات (هذا "التقليد البعيد عن الأديان منذ 25 قرناً"، منذ اليونان القديمة إلى العلمانية الجمهورية، وحتى عصر النهضة والتنوير) أو الإعلان عن "نهاية فقدان الذاكرة" (عنوان أحد فصول كتابك)، في حين أنّ كلّ شيء يحدث كما لو كانت هذه الرؤية لم تعد تمثل جزءاً كبيراً من رؤية معاصرينا؟
إنّك تثير خطر التأكيد على هُوية من الهُويات: لكن، من دون هوية يجب الدفاع عنها، ما الذي يمكننا أن نواجه به مشروع غزو الإسلامويين المتطرفين؟ مشروع الغزو قائم بالفعل، ولم يظهر عام 2001؛ فهو قائم وقد تمّ تطويره تطويراً كاملاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في كتابات حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، ثم في النصّ الذي ما يزال بمثابة دليل للجهاديين اليوم "معركتنا ضدّ اليهود"، التي كتبه سيد قطب في أوائل 1950.

اقرأ أيضاً: محاربة الإرهاب لم تنتهِ
بقدر ما تبدو لي خطيرة الإشارة إلى "الجذور المسيحية لأوروبا"؛ لأنّ مثل هذه المرجعية يمكن أن تكون حاملة للعداء بين الأديان المعادية لبعضها، بقدر ما يبدو لي أمراً أساسياً وصحياً أن أطالب بالجذور الفلسفية لحضارتنا، قبل خمسة وعشرين قرناً على الأرض اليونانية، عرف رجال مستنيرون، يركع المعاصرون اليوم أمام تماثيل زيوس أو أثينا، كيفية استخدام القوى الوحيدة لعقولهم لفكّ رموز الطبيعة والتساؤل في جوهر الإنسان، وقد يظنّ قرّاؤك أنّ ارتباطي الطويل بنيتشه قد شوّه تقديري للأشياء: لكنني مقتنع تماماً بأنّه في غضون بضعة قرون، سوف يُنظر إلى التعصب الديني في الديانات السماوية الثلاث، سوى باعتباره فترة عابرة في تاريخنا، كلحظة قصيرة من التيه في عملية تحرّر العقل الهائلة!

من اللافت أحياناً، عند قراءة مقالك، أن تفكّر في الردّ، الذي جاء خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، على لسان جان لوك ميلنشون - الذي تُعدّ خلفيته الفلسفية (الحقيقية، على عكس العديد من السياسيين) أقرب إلى مفكرين أمثال ماركس وفويرباخ منها إلى فكر نيتشه، وهو يجيب عن سؤال الصحافيين حول "البوركيني" قائلاً: "أبعدوا عنا قصصكم الدينية! لن تضيّع فرنسا وقتها في مناقشة الدين"؛ أليس هذا هو السؤال الأساسي الذي يواجه الجمهورية منذ تأكيدها الفلسفي والسياسي؟
لا يمكنني إلا أن أقرّ ببعض التقاربٍ حول هذه النقطة (وفقط هذه النقطة) مع جان لوك ميلنشون؛ نعم، قول ميلنشون "دعونا وشأننا" يفسر صياغة "اتركنا في سلام"، الذي يختم تحذير "بيان العقول الحرة"، لكن بعد أن كُتِب هذا التحذير خلال عام 2015، أدّعي في هذا الشأن أني سبقتُ جان لوك ميلنشون. لا، الدين لم يعد شاغلنا الرئيس مرة أخرى، الجميع لا يهتمون! مهما كانت المعتقدات الدينية التي تقاسمنا إياها أقليةٌ من مواطنينا، ففي غياب التعصب الديني تحديداً، تَعلَّمْنا كيف نبني مجتمعاً، دعونا لا نعكس ترتيب الأشياء: ليس غياب البعد الديني هو الذي يُهدّد مجتمعنا، بل إنّها همجية الأصوليين الدينيين.

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
مقالتي تعارض وجهاً لوجه كلّ الذين يدينون مجتمعاً يملك جرأة الادعاء بالعيش خارج التعصب الديني، إنّ إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني، وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم، وخاصة المجتمع الوحيد الذي يتوافق مع التقنيات التي تُستمَدّ جميعها من حرية الفكر، يجب على أولئك الذين يرفضون العلمانية أن يتخلوا عن استخدام الإنترنت وعن هواتفهم المحمولة، وهي منتجاتُ نظرياتٍ علمية طوّرها العلماء الذين لديهم الشجاعة للابتعاد عن المعتقدات القديمة، عليهم أن يكتفوا فقط باستخدام الحَمَام الزاجل، وعليهم ألّا يهاجموا عدوّهم إلا بالمقلاع والرماح؛ لأنّ التماسك ليس شاغلهم الرئيس.
ليست حرية العقل قوة فحسب، بل هي القوة الوحيدة التي تتناغم مع المسار الذي سلكته حضارتنا منذ خمسة وعشرين قرناً، العقول الحرة، بعيداً عن أن تتعرض للحركة الإرهابية، هي مستقبل الإنسانية لا محالة.
 


الهوامش:
(1) توماس هوبز (5 نيسان 1588 - 4 كانون الأول 1679)، (بالإنجليزية: Thomas Hobbes): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي، يعدّ توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة، خصوصاً في المجال القانوني؛ حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيهاً قانونياً، ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي، كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً، ليس فقط على مستوى النظرية السياسية؛ بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي، كذلك يعتبر هوبز من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم.
(2) ريجيس ديبريه: ولد في 2 أيلول 1940، بباريس، وهو كاتب وجامعي فرنسي ومنظم الميديولوجيا، حصل على جائزة فيمينا الأدبية، عام 1977 ، وهاجر في شبابه كمقاتل أجنبي في الغابات إلى جانب تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: www.nonfiction.fr

للمشاركة:

الجائزة الكبرى لـ"حماس" وجائزة الترضية لـ"الجهاد"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

نبيل عمرو

بَرَعَتْ حركة «حماس» في إخفاء أجنداتها المضمرة تحت ساتر كثيف من شعارات جذابة، وجملٍ محبَّبةٍ للجمهور، غير أنها بدت أكثر براعة وجسارة في الانتقال من موقع إلى موقع مختلف، أو حتى مناقض، وذلك حسب الضرورة.
حدث ذلك بأوضح الصور وأكثرها مباشرة حين اعتبرت «أوسلو» خيانة بالجملة والتفصيل، وقاطعت انتخاباتها الأولى كي لا تلوث طهارتها الكفاحية ذات الأساس المبدئي غير القابل للتصرف، وحين رأت ضرورة لدخول «أوسلو» من بابها العريض (الانتخابات)، أعلنت جاهزيتها للمشاركة فيها حتى لو لم تسمح إسرائيل بإجرائها في القدس، فبوسع القدس أن تنتظر التحرير.
وفي هذه الأيام، ومن قبيل تهيئة الذات لدخول المستقبل من باب المرونة والبراغماتية، فقد سحبت معظم تحفظاتها القديمة على إجراء الانتخابات العامة، ولم يبقَ إلا أن تعلن بصريح العبارة أنها توافق على رؤية محمود عباس لإجرائها.
إلا أن ما بدا كتغير استراتيجي طال قواعد اللعب، فقد حدث بعد تصفية القيادي في «الجهاد الإسلامي» بهاء أبو العطا؛ حيث لم تشارك «حماس» في معركة الدفاع عن الوطن الذي تعرض لأشرس هجمات تدميرية من قبل إسرائيل، رافقها بحر من الدم نزف من أجساد المواطنين وناشطي «الجهاد»، دون أن يتعرض أي موقع حمساوي لأذى.
إسرائيل من جانبها قدرت ذلك لـ«حماس»، وتجددت دعوات التفاوض المباشر معها من غير الاكتفاء بوساطات أخرى، ذلك أن إحجاماً كهذا لا بد وفق كثير من الروايات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية أن يستحق مكافأة؛ بل وأن يُبنى عليه، حتى أن كُتاباً ذوي شأن في إسرائيل تحدثوا عن تحالف موضوعي بين نتنياهو المستفيد الأول من موقعة «الحزام الأسود»، و«حماس» التي من حقها انتظار مكافأة على ترك «الجهاد الإسلامي» يواجه أقداره بمفرده.
السؤال: لماذا تغيرت الأمور بهذه السرعة؟ وما هي الرهانات المترتبة عليها؟ وفق منطق الحسابات البراغماتية الصرفة المتجردة من الأغلفة المبدئية والشعارية، فإنَّ ما فعلته «حماس» ما كان بوسعها أن تفعلَ غيره، ذلك أن حكمها لغزة واستعداداتها للتمدد نحو الضفة، يتطلب التهدئة وتجنب حرب تدميرية كتلك الحروب التي فعلت في أهل غزة ما فعلت، ذلك أن «حماس» لا تريد، وليس من مصلحتها، أن تبدأ العمل على التهدئة من الصفر، فالمحاولات الراهنة لإنجازها يمكن أن تنجح.
كذلك فإن «حماس» تستشعر المآزق التي آلت إليها تشكيلات وأذرع الإسلام السياسي، ومركزه إيران، الممول الوحيد لـ«الجهاد» وأحد الممولين لـ«حماس»، ولغيرها ممن توصي بهم من الفصائل الأخرى.
السخاء الإيراني القديم لم يعد كما كان؛ بل هو مرشح للتناقص، والتنقيط القَطري قد لا يستمر إلى ما لا نهاية. وهنالك دافع ربما يكون الأقوى، ذلك أن «حماس» وغزة دخلت بقوة إلى السجال الحزبي في إسرائيل، وهو سجال سوف يقرر هوية الحكم القادم في الدولة العبرية، وبالتالي لا توجد ضمانة، لا عند «حماس» ولا حتى عند المصريين والإسرائيليين، من ألا تتدحرج الأمور إلى حرب واسعة لن تلحق أذى بالغاً بـ«حماس» فحسب؛ بل ستعيد غزة كلها إلى ما كانت عليه في الأيام التالية للحروب التدميرية، التي لا تزال آثارها شاخصة رغم مرور الزمن.
إسرائيل، وإن كانت تعلن أنها في غير وارد الانجرار إلى حرب واسعة، وهي صادقة في ذلك، فإن صاروخاً منفلتاً من عقاله يقتل إسرائيليين أو يقع على مقربة من هدف حيوي، يكفي أن يقود إلى حرب، حتى لو لم يكن السياسيون غير راغبين فيها.
«حماس» فعلت ما فعلت في العدوان الأخير بفعل حسابات متعقلة، وتحسّب من حرب لن يكون أهل غزة سعداء بها، أما «الجهاد» التي تعتبر نفسها مخذولة، فبإمكان «حماس» احتواء عتبها وغضبها، ولو باللغة الحميمة التي استخدمها السيد إسماعيل هنية، واصفاً العلاقة مع «الجهاد» بالعروة الوثقى.
وأنا اكتب السطور الأخيرة لهذه المقالة، أبلغني مساعدي مروان أن «حماس» التحقت بالمعركة، إذ أطلقت قذيفتين على منطقة بئر السبع، وقامت إسرائيل بالرد الفوري عليها. لم أغير التحليل، إلا أنني استذكرت مثلاً يصدق على دخول المعركة بعد وقف إطلاق النار: «العليق بعد الغارة ما يفيد» واستذكرت كذلك حكاية الجوائز، فإسرائيل اقترحت الجائزة الكبرى لـ«حماس»، أما «حماس» فقد اقترحت جائزة الترضية لـ«الجهاد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

صراع قطري تركي في الصومال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

مارتن جاي

أثارت زيارة وفد حكومي قطري وصل إلى العاصمة الصومالية مقديشو، العديد من التساؤلات. وكان الوفد قد وصل لإجراء محادثات مع مسؤولين صوماليين، تركزت حول العلاقة بين قطر وتركيا، وهل أن تلك العلاقة قوية كما هو معتقد. وتأتي المحادثات في أجواء من التوتر سادت بين الدولتين الحليفتين، فجّرته قناة الجزيرة، إثر بثها أخبارا عن الحملة العسكرية التركية شمال سوريا.

والسؤال هنا هو، هل التراشق بالاتهامات، بين صحيفة “الصباح اليومي” المؤيدة لأردوغان، وقناة “الجزيرة”، مجرد حدث عابر، أم أن خلافات عديدة متراكمة سبقته وأدت إلى خروجه للعلن؟

ينظر إلى هاتين الدولتين، تركيا وقطر، في الشرق الأوسط، بوصفهما دولتين متقاربتين إلى حد التماهي، تربط بينهما مشاريع عسكرية، كما هو الحال في منطقة البحر الأحمر، حيث تقوم قطر ببناء قاعدة عسكرية في جزيرة تابعة للسودان.

ومؤخرا، أيدت قطر قرارا تركيا بالتخطيط للتدخل العسكري شمال سوريا. ولا يمكن أن ننسى الدعم التركي لقطر، بعد مقاطعة الدول الأربعة، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لها الأمر الذي أدى إلى عزلها عن شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي في صيف عام 2017. وفي هذه الظروف، أهدى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، طائرة فاخرة من طراز بيونغ، فضلا عن استضافة قطر لحوالي 3 آلاف جندي تركي على أراضيها.

الأمثلة التي تؤكد وجود صداقة عميقة وطويلة الأمد بين الدولتين لا حصر لها. فلماذا يتم الآن نشر تقارير سلبية وتسريب الشائعات عن توتر انتاب العلاقة فجأة؟

توتر العلاقات بين أنقرة والدوحة
يتكهن بعض الخبراء في المنطقة، بأن زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى قطر لم تسر على هوى أنقرة. وفي الواقع، لم يكن جوهر الخلاف، الذي تم الإعلان عنه مؤخرا، في وسائل الإعلام التركية والقطرية، بشأن الحملات العسكرية لأنقرة في سوريا، هو السبب.

لكن الدليل على توتر العلاقات يظهر بوضوح من خلال الحادث الذي وقع في الصومال قبل أسبوعين، وهي دولة تمارس فيها كل من قطر وتركيا سيطرتها.

ويتم اختبار العلاقة بين الدولتين في الصومال، حيث بدأ البعض يرى مؤشرات على تفكك تدريجي لهذه العلاقة. ووفقا لمصادر في مقديشو، فوجئ مسؤولون صوماليون بسماع شخصيات قطرية تتحدث بطريقة، وصفت بأنها غير لائقة، عن تركيا، وتقترح على حكومة، محمد عبدالله محمد، إنهاء تعاونها مع أنقرة، وبذل قصارى جهدها لعقد شراكة أكثر جرأة مع قطر. ومع ذلك، هناك القليل من الدلائل التي تشير إلى استجابة النخبة الصومالية لهذه التحريضات.

وعلى العكس من ذلك، انتشر الغضب والاستياء من قطر، التي يعتبرها الكثير من الصوماليين مثيرة للشغب والمشاكل، حيث دأبت على تأليب الأطراف المتقاتلة، محرضة الصوماليين ضد بعضهم. ويقارن الصوماليون ما يحدث اليوم بما حدث مع الأميركيين عام 1993، عندما دفع التحريض الأميركي الطرفين المتقاتلين للاتحاد في مواجهة الأميركيين الراغبين في استعمارهم.

بالطبع، لا ترغب قطر ولا تركيا في السيطرة على البلاد، كما هو حال الأميركيين خلال حادثة كلينتون، التي أضرت بسمعة الأمم المتحدة في أفريقيا لمدة عشر سنوات، إلى درجة وقوفها عاجزة تراقب رواندا وهي تغرق في الحرب بعد عام على أحداث الصومال. لكن ذلك لا ينفي أن لكلا البلدين، قطر وتركيا، أهدافا مختلفة للغاية في الصومال.

وبينما تنظر تركيا إلى القرن الأفريقي كدولة مسلمة تمثل بوابة لها لولوج أفريقيا، والاستثمار بحكمة على علاقة طويلة الأمد، خاصة من خلال تطوير قطاع التعليم ، ولا ترى مانعا في تزويد الصوماليين بالمعدات العسكرية أحيانا، على أساس التزام الحياد، كما تدّعي. تقوم قطر، من جانبها، بلعبة أكبر وأكثر ضراوة، في دعم النظام واستخدام الصومال كموقع لإطلاق أهدافها في المنطقة المجاورة، وليست القارة الأفريقية فحسب، حيث تستثمر قطر في الاستخبارات والجيش، وبالطبع في الموانئ، ومع ذلك، فإن جهودها ليست مدروسة بشكل متقن. وقد وصف أكاديمي بريطاني الزيارة الأخيرة بأنها “صب الملح في الجراح”، في إشارة إلى معارك سابقة يُعتقد أن قطر كانت ترعاها.

أجندات متضادة
ويقول محمد حاجي إنغيرييس، الأكاديمي بجامعة أوكسفورد، إن قطر وتركيا تتحدان”أو يبدو أنهما متحدتان بشأن الأزمة الخليجية، لكن ليس في الصومال. هنا، لكل منهما مصالح تتناقض مع مصالح الطرف الآخر. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أنه لا يتعين عليهما النزاع علنا بشأن هذا الاختلاف. وبدلا من ذلك، يسعى كل منهما إلى تحقيق مصلحته الخاصة دون تقويض الآخر”.

ويبدو أن للقطريين أهدافا قصيرة الأجل في الصومال، في حين لتركيا أهداف طويلة الآجال. لهذا السبب تختلف مقاربتهما وعلاقتهما مع الصوماليين اختلافا جذريا.

ويعتقد خبراء أن دولة الإمارات ستنجح في إخراج قطر من الصومال، بحلول عام 2020، وحينها ستكون الأمور أكثر استقرارا مع وجود الإمارات فقط إلى جانب تركيا. وهذا ما يرجحه إنغيرييس الذي يرى أن قطر “ستفقد نفوذها في السياسة الصومالية، لكن تركيا ستبقى”. هذا لأن معظم الصوماليين ينظرون إلى تركيا بوصفها شريكا محايدا. في هذه الحالة، يتنبأ الكثيرون أن تحل الإمارات محل قطر. ولكن تظل مسألة التعاون بين الإمارات وتركيا مسألة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تربط بين أبوظبي وأنقرة علاقة مثيرة للجدل، وبالتالي فإن أي شراكات يصعب التنبؤ بها.

ولكن عند المقارنة بين قطر والإمارات، لا يوجد أي مجال للشك في موقف الصوماليين. وأوضح نائب صومالي، في موقع مؤثر في الحكومة الفيدرالية، "كيف تستخدم قطر المال للتأثير على المسؤولين الحكوميين، في حين أن الإمارات تعقد علاقة عمل واضحة ومباشرة".

ويقول علي عمر، رئيس أركان الرئيس الصومالي السابق، “قطر جاءت مؤخرا على الساحة الصومالية، وهي على اتصال وثيق بالجماعات الإسلامية، تقدم الدعم السياسي والاقتصادي لها. وليس لدى قطر مشروع واحد ملموس في الصومال، إنها فقط توفر التمويل لكسب أو إفساد السلطة في البلاد. الدعم القطري في الإدارة الصومالية هو مصدر مدمر يُستخدم لإفساد رجال الدين والإعلام والشيوخ وجماعات المجتمع المدني”.

وعلى النقيض، ينظر الصوماليون إلى تركيا بشكل أكثر إيجابية، وهو ما أوضحه علي بكير، المحلل الجيوسياسي الذي يتخذ من أنقرة مقرا له، حيث كانت تركيا في الحقيقة أول من سعى إلى توفير الأمان في البلاد.

ويقول بكير، “تقود تركيا الجهود لدعم الحكومة والشعب الصوماليين وتحقيق الأمن والاستقرار في الدولة التي شتّتتها الحرب قبل حوالي عقد من الزمن”.

وقال بكير لـ”ميدل إيست أون لاين”، “ظهرت قطر في الصومال مؤخرا، لكن دور كل من تركيا وقطر في الصومال متوافق ومكمل في الوقت نفسه”. وإن كان هذا التوافق أمرا مشكوكا فيه.

وكشف بكير لموقع إلكتروني، يتخذ من قطر مقرا له، عن اعتقاده أن الخلاف بين قطر وتركيا، حول قضية شمال سوريا، كان يدور حول الطريقة التي تنظر بها كل دولة إلى وسائل الإعلام الخاصة بها، مشيرا إلى أن تركيا أسيرة لمنابرها الإعلامية الخاصة التي تنشر روايات منحازة، بدلا من أن تلتزم الموضوعية. وكذلك هو الحال مع الشائعات المغرضة التي ينشرها القطريون حول أنقرة.

الأمر كله يتعلق بالحس الصحافي.. صحيفة “الصباح اليومي” التركية، التي قد يظن المرء أن أردوغان ينشرها بنفسه، بسبب الترويج المضحك للزعيم التركي وحكومته، تصف صحافيي الجزيرة بأنهم “فاشلون” يختبئون وراء شعارات الصحافة المستقلة.

كان الأجدر بالصحيفة أن تعمل وفق ما تتوقعه من قناة الجزيرة، وتلتزم هي أيضا بالموضوعية، لا أن تكون واحدة من وسائل الإعلام التركي التابع لجهاز الدولة، يعوزها الحياد والحرفية.

على الرغم من ذلك، لم يصل هذا النزاع إلى مقديشو.

لم يسمع علي عمر، عضو البرلمان، عن الخلاف بين “الصباح اليومي” وقناة “الجزيرة”. هو، مثل العديد من الصوماليين، يميل إلى الجانب التركي بشكل تلقائي، عند الحديث في مثل هذه المواضيع والمقارنة بين الدولتين، وغالبا ما يتخذ موقفا معارضا لقطر.

يقول عمر، “تركيا أكبر وأكثر تقدما. دعمت تركيا الصومال بشكل كبير في وقت الحاجة. كانت زيارة الرئيس أردوغان في عام 2011 بمثابة نقطة تحول بالنسبة إلى الصومال، وأعادت وضعه على الخريطة. قدمت تركيا الدعم الملموس للصومال من خلال بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمكاتب الحكومية ومعسكرات التدريب العسكري. كما عرضت منح للآلاف من الطلاب الصوماليين وطلاب الجيش. تحترم تركيا المؤسسات الرسمية وتتعامل مع الحكومة المركزية فقط”.

في الواقع، قد تتجاوز أهمية تركيا، في الصومال، أهمية قطر، التي، على النقيض، قد تعمل على تدمير أسس المجتمع الصومالي، بدعمها الجماعات المتطرفة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية