"العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
4108
عدد القراءات

2019-08-20

بعد عامين من انقلابه على رئيسة البلاد، إيزابيل بيرون، حرص الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، على إقامة كأس العالم في الأرجنتين، لعام 1978، بعد اتهامات عالمية بالقتل، وزجّ المعارضين في السجون، وحالة من القمع السياسي، أعادت للأرجنتين مشاهد من الفاشية والنازية الأوروبية.

اقرأ أيضاً: آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر
فيديلا ليس الأول أو الأخير، بل تتعاقب الديكتاتوريات على كلّ الشعوب، ولا يفلح مع الجموع أيّ مخدِّر سوى كرة القدم، فهل تغدو أفيوناً جديداً للشعوب المكتوية بنيران الشمولية؟

 خورخي فيديلا

لتمت إيطاليا من أجل كأس العالم
الشعار المثالي لما فعله القائد الفاشي الأشهر، بينيتو موسوليني، وفق كتاب الصحفي البريطاني (Amit Katwala)، المعنوَن "حكايات كرة القدم"، يذكر فيه أنّه، وقبل أشهر قليلة من كأس العالم 1934، استدعى موسوليني، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم وقتها، جورجيو فاكارو، بعد أن كانت البلاد قيد استعدادها لإقامة البطولة على أراضيها، ليأمر الدوتشي رئيس الاتحاد: "يجب أن تفوز إيطاليا بالكأس هذا العام، سيكون هذا حقاً إنجازاً رائعاً"، وامتثالاً لأوامر الديكتاتور؛ كان على اللاعبين الفوز باللقب، وتحت قيادة مدرب عسكري، فيتوريو بوزو، الذي استدعى اللاعبين الإيطاليين من الفرق العالمية كافة، وأجبرهم على اللعب في المونديال، تحت شعار "إذا استطاعوا الموت لأجل إيطاليا سيتمكنون من الفوز من أجلها"، وبحسب الكاتب؛ فإنّ اختيار إيطاليا لإقامة البطولة كان محفوفاً بالغموض، خاصة بعد أدلة تثبت تورط رئيس الاتحاد الإيطالي السابق، جيوفاني ماورو"، وقيامه بضغوط سياسية غير رسمية على الفيفا، لإقامة البطولة على أراضيه، وتكفّل نيابة عن الحكومة الفاشية، بدفع بلاده لأيّة خسائر مالية تكبدتها المنظمة، خاصة بعد تفضيلها على منافسها الأكثر جدارة "السويد".

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!" كلمات أطلقها الكونت كينت على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"

وبينما يحاول العالم الاستشفاء من أكبر أزمة اقتصادية "أزمة الكساد العالمي 1929"، يبذل موسوليني المزيد من المال على حساب الشعب الإيطالي، من أجل إنجاز كروي، ويرجع الفضل في ذيوع صيت تلك البطولة بشكل خاص إلى أخيل ستاراس، المروّج الإعلامي للحكم الفاشي في إيطاليا، والمشهور آنذاك بلقب "الكاهن الأكبر"؛ فبعد أن صمّمت شركته "Starace" للدعاية، التحية الفاشية الشهيرة، كان عليها أن تجعل خبر كأس العالم في كلّ مكان بالبلاد، فصمّمت الإعلانات واللافتات في الشوارع بشعار جديد لكأس العالم، ونشرت أكثر من 300 ألف منشور من الملصقات والطوابع الصادرة مع صور لكأس العالم، وحتى السجائر الوطنية صممت أغلفتها من أجل الكأس تحت شعار"Campionato del Mond".

موسوليني
بحسب الصحفي الإنجليزي في جريدة "الغارديان"، جيم هارت؛ فإنّ موسوليني أراد تقديم الفاشية بصورة المستقبل الأفضل لإيطاليا، وحرص على توفير سائر الاستعدادات، مهما تكلّف الأمر، كما حرص على شراء تذكرة الافتتاح بنفسه، وبثّ جميع المباريات على الإذاعة، ودعوة المواطنين لحضور المباريات، ولكنّ الحضور ظلّ ضعيفاً حتى النهائي، الذي حضره 65 ألف متفرّج، في مباراة كانت عراكاً جسدياً بين الفريقين، حتى توِّجت إيطاليا بما أمر به الزعيم، وكانت تلك بداية لعلاقة صداقة بين اثنين من أكثر قادة العالم ديكتاتورية في القرن العشرين.

تحت راية الشمولية
بعد أربعة أيام من حصول إيطاليا على لقب بطولة كأس العالم 1934، تمّ إلغاء اللقب؛ بسبب بعض المؤامرات السياسية التي دبّرت قصة الفوز بالبطولة، ما دفع موسوليني إلى اللجوء إلى نظيره الديكتاتور الألماني، أدولف هتلر، والذي كان يستفيق لتوه من خسارته لمعركة الدعاية في أولمبياد برلين 1936.

أنطونيو غرامشي لم يجد حرجاً من وصف كرة القدم بـ "مملكة الوفاء البشري تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"

وفق فيلم وثائقي قدّمته شبكة الإذاعة البريطانية "BBC" عام 2003، بعنوان "الفاشية وكرة القدم"؛ فإنّ "العلاقة بين الفاشية وكرة القدم بدأتها إيطاليا، لتصاب الديكتاتوريات المجاورة بالعدوى ذاتها". وكما ورد في حوار أجرته عضوة الأكاديمية الوطنية للألعاب الأوليمبية في إيطاليا، أنجيلا تاج؛ فإنّ "موسوليني، كديكتاتور، حرص على الظهور إعلامياً وهو يمارس مختلف الرياضات؛ بدءاً من ركوب الخيل والتزلج على الجليد، وحتى السباحة، لكنّه وجد أنّ مفعول كرة القدم أكثر جاذبية للناس، فحرص على أن يُعدَّ الراعي الرسمي لبطولة عالمية تتوج بها حقبته الدموية"، وتؤكّد أنّ الفكرة نفسها كانت دافعاً لهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا.

الفاشية وكرة القدم

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!"، كلمات أطلقها الكونت كينت، على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"، لكنّه لم يعِش اليوم ليرى ما آلت إليه كرة القدم، وما يمثله أبطالها في عالمنا، وكيف صارت أهدافها، مسعى يلهث خلفه أباطرة العالم الجديد، كهتلر الذي لم يجد حرجاً في احتلال النمسا عام 1938، وإجبار أعضاء الفريق على اللعب لصالح ألمانيا النازية، مرتدين الشعار النازي، وكان على الفريق النمساوي بأكمله الانسحاب من البطولة؛ احتجاجاً على احتلال بلادهم، وبالألاعيب السياسية نفسها حاول هتلر الضغط على الفيفا، لجعل البطولة في ألمانيا، ولكنّها اختارت فرنسا، كبلد المنشأ للمؤسسة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع إيطاليا، لكن تبقى قصة اللاعب النمساوي، ماتياس سينيديلار، الذي رفض أن يخضع لتهديدات الفريق الألماني، وحثّ فريقه على الفوز بمباراة صورية أمر هتلر بانعقادها، وبالفعل فاز النمساويون على الألمان؛ بسبب هدف ماتياس، الأمر الذي جعله تحت مراقبة الجيستابو، وبعد أشهر قليلة وجِد مقتولاً في شقته، مدّعين أنّ سبب الوفاة كان اختناقاً بالغاز، لكن حتى اليوم يؤمن كثيرون بأنّ النازيين اغتالوه، لما عُرف عنه من مساعدة زملائه اليهود على الهرب من جحيم النازية، وبذل أمواله في مساعدتهم.

اقرأ أيضاً: في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

اللاعب النمساوي ماتياس سينيديلار

الثلاثي المرح يعبث بالشعوب
أهي أفيون للشعوب؟! بهذا التساؤل البسيط يطرح الكاتب الصحفي من الأوروغواي، إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظلّ"، قصة كرة القدم كمرآة للشعوب، وتاريخ آخر موازٍ للتاريخ السياسي، الذي ربما يجهل البعض مدى الصلة الوطيدة بينهما، مجيباً عن تساؤله: "ما ھو وجه الشبه بين كرة القدم والإله؟ إنه الورع الذي يبديه كثيرون من المؤمنين والريبة التي يبديھا كثيرون من المثقفين"؛ فالصينيون كما بدؤوا كلّ شيء تقريباً في عالمنا، بدؤوا بلعب كرة القدم، التي انتقلت عدواها إلى أرجاء العالم أجمع، وحين امتزجت بالسياسة، انحرفت عن مسارها الذي قامت لأجله "متعة اللعب لأجل اللعب"، وفي قصة الحرب الأهلية الإسبانية، التي امتزجت بالكرة، أكبر دليل على ذلك؛ فبينما كان هتلر وموسوليني يلهثان خلف لقب المونديال، اشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، عام 1936، واستمرت لعامين، منح فيها الفوهرر والدوتشي كلّ الدعم لـ "الكاوديو"، نظيرهما في إسبانيا، والذي اتخذ من نادي ريال مدريد وجهاً سياسياً له ضدّ نادي الشعب المندد بالديكتاتورية "برشلونة"، وفي مواجهة كأس إسبانيا لعام 1943، هتف جمهور برشلونة داخل الملاعب ضدّ فرانكو، ما جعل التهديدات تلاحق النادي من الإدارة العسكرية بألّا يفوز على ريال مدريد، لتأتي النتيجة التاريخية التي فاز بها الريال على برشلونة 11/1.

اقرأ أيضاً: "الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة

بين كرة القدم والوطن علاقة وطيدة الصلة، رسّخها الديكتاتوريون في التاريخ الحديث، واحتقرتها النخب المثقفة من اليسار الماركسي، الذي يرى في هذه الكرة ملهاة للشعوب والعمال عن نضالهم المستحقّ، ورغم ذلك لم يجد الماركسي الإيطالي الأشهر، أنطونيو غرامشي، حرجاً من وصفها بـ "مملكة الوفاء البشري، تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"، بينما بقي الماركسيون يرددون؛ أنّ العمال المنوَّمين بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع، لكن عندما جاءت كرة القدم من قلب الموانىء، وورش سكك الحديد في الأرجنتين، التي ولد منها نادي "جونيورز"، لم يجد بعض الماركسيين غضاضة في الاستمتاع بكرة القدم، رغم وصفها بآلية برجوازية لمنع الإضرابات، والتستّر على التناقضات الاجتماعية، فهي –برأيهم- مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
وفي عالم ما بعد الحداثة، وعولمة قلبت العالم رأساً على عقب؛ اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة، وأصبحت سلعةً تقدم على شرفها حمى الاستهلاك النهم الذي يغزو الأرض، ورمزاً للوطنية، فليس مهمّاً أن يملك الإنسان قوت يومه، بقدر ما يهم أن يفوز منتخبه الوطني، وفي هذا تحقق لنبوءة الماركسيين، الذين رفضوها كسلعة برجوازية وملهاة لبشرية لم يكتمل نضجها بعد.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق

2019-11-06

يهتمّ العلم الاجتماعي دائماً بعمليات إنتاج وإعادة إنتاج الهوية عن طريق التلقين والتنشئة الاجتماعية، التي تنهض بأدائها أجهزة الدولة الأيديولوجية (بتعبير المنظر الفرنسي الأبرز لوي ألتوسير)، من مدرسة ومسجد وكنيسة وقانون وصحافة، إلا أنّ هذا الاهتمام لن يكون كافياً في حالتنا العربية التي لم تصل في كلّ الأحيان إلى إنتاج هوية جماعية تعلو على الهويات الفرعية المعطاة سلفاً (القبيلة والطائفة والمنطقة)، حتى تصبح إعادة إنتاج الهوية الوطنية عن طريق الخطاب السياسي والإعلامي ممكنة.
البنية التحتية للوطنية
ما تحتاجه لحظتنا السياسية العاصفة هذه؛ هو التركيز على البنية التحتية للسياسة الوطنية؛ فلا تنهض بين المجتمعات روابط "سياسية" (عن طريق الصهر والدمج الاجتماعي) ترتفع على علاقات الانتماء الطبيعي، إلا إذا قامت بينها مصالح مادية تجعل كلّ جماعة تتعرّف إلى نفسها داخل الكلّ الاجتماعي؛ إذ لا يمكن للمرء، كما يقول عبد الإله بلقزيز، في "الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر"؛ أن يتخلى عن روابطه "الموروثة" لصالح نسق اجتماعي أعلى، إلا إذا استفاد من مصالح مادية منفصلة عن البنى الطبيعية، وترتبط هذه العملية من "الارتقاء السياسي" بإستراتيجية الدولة للدمج الاجتماعي.

الصراع المذهبي أصبح المحرك الأبرز للسياسة العراقية والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية

في كتابه "السلطة السياسية"؛ يربط جان وليام لابيار التقدّم الحقيقي لأيّ مجتمع بالسلطة السياسية التي تحرّكه، أو تقف حاجزاً دونه؛ فالسلطة هي التي تدير المجتمع المدني بأكمله، وتتدبر تنظيم العلاقات بين الجماعات المتباينة التي تؤلّفه بشكل يكفل لها البقاء مندمجة بالمجموع الكلي (النظام).
ما يمكن البناء عليه في طرح لابيار؛ أنّ صناعة الوعي الوطني ليست مسألة أيديولوجية يجري الترويج لها في الإعلام والأفلام والكتب المدرسية؛ بل هي وظيفة سياسية بامتياز؛ فمن دون إنتاج مصالح عامة تربط الأفراد ببعضهم لا يمكن أن تمنحهم الخطابات السياسية شعوراً جماعياً بالانتماء إلى شيء أعلى من واقعهم المحدود بحدود الطائفة أو القبيلة.
وليس في هذا تقليلاً من أهمية الأيديولوجيا؛ بل تأكيد على أنّه ما لم تكن هناك مصلحة اجتماعية عامة تبرّر الانتماء المشترك، فلن يكون للأيديولوجيا سوى "صدى منافق" لدى أصحاب الامتيازات الذين يجارون الجماهير في الانتماء لوطن مفترض، في مقابل أصحاب المطالب الذين سيذهبون إلى من يلبّي حاجتهم، وإن كان طائفياً، يتلاعب بمصير البلد من أجل موقع سياسي متبوع بامتيازات اقتصادية.
ومن دون فهم الوطنية كمعضلة سياسية تجد ركيزتها الأساس في الاقتصاد، فليس من الممكن خلق جماعة سياسية موحدة، ولا مجال سياسي عقلاني، تُدار فيه التناقضات الاجتماعية، وستكون الديمقراطية، في سياق كهذا، عبارة عن تدوير السلطة بين "تشكيلة متنوعة من الفاسدين" وهكذا حالها في العراق.

غلاف  كتاب "السلطة السياسية" لجان وليام لابيار

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
فبإمكان العراقيين أن ينتخبوا ممثليهم السياسيين بسلاسة، لكن، مع ذلك، لا يمكنهم تغيير حقيقة انقسامهم (قبل السياسي)، ولا واقعهم الحياتي المتدنّي، وليس ذلك لأنّ العراقيين "جُبلوا على التفرق والتشرذم"، كما تذهب الأطروحات الاستشراقية التي تختزلهم في مقولة شبيهة للحجاج بن يوسف الثقفي! ولا لأنّ العراق بلد فقير الموارد؛ فهو يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم (حتى مع استثناء احتياطات إقليم كردستان).
فالوطنية تتلاشى إذا ما تخلّت الدولة عن وظيفتها السياسية (التوحيد القومي لمكوناتها، لا ترسيخ الانقسام والاستثمار فيه كما تفعل النخب السياسية العراقية) أو انسحبت من وظيفتها الاجتماعية: خلق البنى التحتية، نشر التعليم، توفير الطبابة، توفير الوظائف، حماية حقوق العاملين والمساواة بينهم على أساس الكفاءة وليس الانتماء الطائفي أو العرقي، أو الولاء السياسي لحزبٍ ما في السلطة، أو لمرجعية عقائدية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وليس تلاشي الوطنية سوى الترجمة السياسية لغياب المؤسسات السياسية المستقرة والمعبّرة عن القرار الوطني المستقل (لا الإملاءات الخارجية)، وهذا لا يكون إلا بالمشاركة السليمة لكافة مكونات المجتمع في إدارة الدولة.
العراقيون (في مواجهة حكم القنّاصة) يحصدون، الآن وهنا، الثمرة المرّة لتفكّك دولتهم؛ هذا التفكك من الطبيعي أن يُسقط آلة الدولة في حجر الطائفة الأكبر (الشيعة)، كرغبة متوقّعة في الاستئثار بالسلطة لصالحها، إلا أنّ جماهيرها بعد أن يرونها حازت سلطة الدولة لا يحصدون امتيازات تُذكر، ولا يرون تغييراً لواقعهم للأفضل، بل يرون تغييراً في صور اللصوص وأسمائهم، ومن ثم يشعلون ثورتهم الخاصة على ممثليهم، وهي الثورة التي سرعان ما تجذب بقية مكونات المجتمع التي ترى في الطائفية محض غطاءٍ للنهب: في ساعة الحقيقة تدرك جماهير الطوائف أنّها خاسرة، سواء كانت السلطة بيد طائفتهم أو بيد الآخرين، وهنا يبدأ الوعي الوطني بالتشكّل، من الأسفل هذه المرة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
وهناك وجه آخر أكثر مرارة لتفكّك الدولة، يعرفه العراقيون الذين اعتصموا في ساحة التحرير معرفة دموية، هو أنّه يشجع القوى الإقليمية على الاستثمار فيه عبر خلق ميليشيات تتنازع السيطرة على سلطة الدولة ومواردها وتسخيرها لصالح الراعي الإقليمي لها، أما ما الذي أوصلنا إلى هنا؛ فهو مسيرة تاريخية لتشكّل الدولة والأمة تحتاج إلى ضوء جديد يبرزها، ويجيب عن السؤال الأكثر أهمية: لماذا وكيف يتمكن الماضي من صياغة الحاضر والتأثير عليه؟

ليس كياناً مصطنعاً
يتطلّب فهم تشكل الهوية الوطنية العراقية تتبع التسلسل التاريخي لنموّها وازدهارها وانهيارها، ثم إعادة تشكّلها من أسفل، كما هو حاصل في هذه اللحظة السياسية الفارقة، ومن ثمّ يجب تحدي السرديات المبسطة التي ترى في العراق كياناً مفتّتاً، جوهرياً وأزلياً، أو السرديات التي ترى فيه بلداً حديثاً ابتُليَ بتشكيلة متباينة من الطائفيين المجانين الذين يسيطرون على السلطة والثروة سواء لمصلحتهم الخاصة أو لمصالح قوى إقليمية نافذة (إيران)، أو دولية عظمى (أمريكا).
هناك ضرورة لإيضاح أنّ ما قد تبدو حقائق ثابتة في الواقع العراقي من قبيل الانقسام الطائفي/العرقي، هي في العمق ابتداع ذو طبيعة سياسية واجتماعية حديثة (حتى مع جذورها التاريخية)؛ خُلق واستُخدم لأغراض سياسية بحتة.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
وقبل كلّ شيء؛ إذا كان النظام السياسي العراقي (في محطاته كافة) فشل في خلق دولة وطنية، فالعراق حتى اللحظة (وفي ذروة انقسامه) ليس دولة قومية فاشلة، لسبب بسيط؛ أنّ هناك أمة تشكّلت، بكل اختلالات التشكّل، وقادرة على إعادة لحم نسيجها المبعثر؛ والذين يهتفون الآن بعراقيتهم في الساحات والميادين ضدّ النخب الطائفية يبرهنون على ذلك ببلاغة صاعقة.
يحدّد أنطوني سميث، في كتابه "الأصل العرقي للأمم"، سمات محدّدة للدولة القومية، هي: ثقافة مشتركة، أسطورة مشتركة تتعلق بالأصل (السلالة)، تاريخ مشترك، شعور قوي بعاطفة ولاء للجماعة، الارتباط بقطعة محددة من الأرض، حقوق مواطنة متساوية، تماسك اقتصادي، لغة مشتركة.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
وعلى ضوء هذه السمات؛ يمكننا مقاربة واقع الدولة في العراق؛ فباستثناء (حقوق المواطنة المتساوية، والتماسك الاقتصادي) يمتلك سمات الأمة الموحّدة، وإن كان هذا الاستثناء كفيلاً بوضع الدولة على خطوط أزمة الانقسامات الطائفية/العرقية.
ما تؤكّده الاحتجاجات الملحمية الحالية (في وجه حكومة القناصة)؛ أنّ الطائفية تمثّل سياسة دولة أكثر بقدر كبير من كونها انعكاساً لانقسام اجتماعي متأصّل ثقافياً، وأنّ هناك رغبة جماعية لتجاوز هذا الاستثناء، سواء فيما يتعلق بالمطالبة باقتصاد منتج (وليس ريعياً)، وتجاوز الطائفية (سنّة شيعة وطنّا ما نبيعه)، وإلغاء المحاصصة الطائفية.
ما يفعله المنتفضون في ساحات العراق، بوعي في حدود خطابهم، هو خلق هوية وطنية جماعة عابرة للطوائف وطامحة للتوحيد القومي، وبما أنّ خروجهم كان ضدّ سوء توزيع الريع النفطي أساساً، وهو لا يكون إلا سيئاً، فإنّهم يضعون نهاية محتمة لهذه السياسة التي دمّرت بلدهم؛ إذ إنّ أكبر تحدٍّ للوحدة الوطنية في العراق ليس الشكل الثقافي أو السياسي للطائفية؛ بل أساسها الاقتصادي، وهو توزيع الريع، ولم تكن عملية التوزيع متساوية أو شاملة للجميع منذ الثمانينيات، ولا حتى موزعة على نحو مطرد على كافة مكونات الطيف العراقي، وبالتالي كانت سياسة التوزيع الزبائني للامتيازات والمنافع تحدّ من الاندماج القومي.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
وفي العمق؛ فإنّ اعتماد "الريع النفطي" (الذي يهتف ضدّه المحتجون) يضع الدولة تحت رحمة الأسواق الدولية، وما إن تبرز أيّة ضغوط سياسية (من نوع محاباة السنّة حتى لا يقعوا تحت إغراء الجماعات الجهادية مجدداً)، أو تقلبات في أسعار النفط حتى تصاب القدرة التوزيعية للدولة بالوهن، وتقلّص قدرة السلطة على المناورة وتنطلق التوترات الاجتماعية، ومن حسن حظّ العراق أنّ التوترات جاءت ضدّ الدولة، ولم تكن بين مكونات الأمة.
 لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته

ميراث تاريخي لعراق جديد
لا شكّ في أنّ الدولة في العراق ظاهرة حديثة العهد بالعالم، وتفتقد إلى العمق التاريخي والمؤسسات المتجذرة، لكنّه يتشابه في ذلك مع أغلب الدول العربية التي تأسست في القرن العشرين، وقد يكون العراق أقدم من أغلبها، وأسبقها جميعاً في الحصول على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
ليست الحداثة التاريخية، إذاً، هي مشكلة العراق، بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً؛ هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها وتعلو فوقه دائماً، منذ أيام الدعم العسكري البريطاني في الجيش والإدارة، وبفضل ريوع النفط والمساعدات الأجنبية، وصولاً إلى الدعم والرعاية الإيرانية/ الأمريكية لشركاء السلطة.

الحداثة التاريخية ليست مشكلة العراق بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها

وإذا كان لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم؛ بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته، إلا أنّ هذه المكونات ليست مفتتة بالكامل، والـ 84 عاماً التي عاشها العراقيون معاً (منذ بزوغ العراق الحديث (1921) وحتى الاحتلال (2003)، لا يمكن طيّها تحت حطام انقساماتهم؛ فالزمن هو العامل الأكثر حسماً في خلق الشعور بالوحدة الوطنية ووحدة المصير.
العراق، كما أثبتت تجربة مسعود البارازاني الفاشلة في الانفصال، لا يمكن تقسيمه، عرقياً أو مذهبياً، ومكوناته الثلاثة: شيعة، سنّة، أكراد، متداخلون مناطقياً (رغم كلّ محاولات التطييف والعرقنة) أولاً، ومنقسمون على أنفسهم بما لا يسمح بتشكل أمة منفصلة، وحتى الأكراد الذين يتميزون بطابع عرقي أكثر تميزاً وتبايناً يظهرون، على المستوى الشعبي، رغبة مستمرة في البقاء ضمن الدولة القومية العراقية.
إنّ فهم مسألة الهوية الوطنية العراقية هو أمر حاسم إذا ما كانت هناك إرادة لفهم عوامل استقرار الدولة أو تفككها، فالصراع المذهبي/ العرقي أصبح، منذ عقود، المحرك الأبرز للسياسة العراقية، والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية السنّية التي تطلبت اصطناع ميليشيات شيعية لدحرها، وفي الحالتين كان المجتمع هو الضحية؛ إذ اتّضح أنّ جزءاً وازناً ونشطاً من هذه الميليشيات لا يدين بالولاء للدولة العراقية بل لإيران، وتحوّل إلى جماعة ضغط سياسية/ عسكرية على الدولة، لتمرير المصالح الإيرانية في الداخل: تفريغ التداعيات السلبية لحصارها من قبل الولايات المتحدة في السوق العراقية، عبر سياسات تهريب السلع والبضائع وصفقات الإعمار والأعمال المصرفية، وهو ما أوصل اقتصاد بلد كبير غني بالموارد إلى حدود الشلل، وهو ما اضطر الجماهير إلى الخروج للشارع، وأملى عليهم شعار "إيران برّا"، وهو يجسد خلاصة الوعي الوطني منذ تأسيس العراق.

للمشاركة:

كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟

2019-10-31

خلال حياته الزاخرة بالكتب والمحاضرات والأفكار، لم يكد نجم المفكّرين العرب في القرن العشرين، طه حسين (1889-1973)، يترك باباً موصداً في اللغة أو التاريخ أو الأدب العربي، إلا وطرقه، مصرّاً على دخوله من وجهة نظرٍ خاصة، مقلقاً حراس التأويل النائمين في غياهب الماضي، ومثيراً عاصفةً من الجدل لم تنته بموته.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
ولا يمكن في ذكراه السادسة والأربعين، التي حلّت مؤخراً، إلا أن يتمّ استحضار طه حسين، الذي ترك أسئلة عالقة وإجاباتٍ قابلةٍ للنقاش، على أرضيةٍ عربية لم تحسم كثيراً من توجهاتها الفكرية والتاريخية والمستقبلية بعد، في مساحاتٍ عديدة، خاضها حسين بخطواتٍ ثابتة، بينما علِق كثيرون بعده في مستنقعات طائفية أو أصولية أو مدرسيةٍ تاريخية، ولم يحاولوا الفكاك منها، فما الذي بقي اليوم من أسئلته واشتباكاته وإرثه؟

الأعمى يرسم الطريق
قصة عمى طه حسين، التي ضمّنها سيرته في كتابه "الأيام"، مشهورة؛ فمن المعروف، وفق الكتاب، أنّه ما كاد يبلغ الخامسة من عمرهِ حتى أصابه "الرمد"، ليفقد الطفل المولود في محافظة المنيا في الصعيد الأوسط من مصر، بصره إلى الأبد، ولم يمنعه ذلك، في المقابل، من دخول الأزهر في سنّ الثالثة عشر، ليدرس فيه مدة من الزمن، ثم يتجه للانتساب إلى الجامعة المصرية، التي فتحت أبوابها في 1908، وكانت بوابته ليغادر مصر؛ حيث أوفدته، في 1917، إلى جامعة "مونبلييه" الفرنسية، ليدرس هناك التاريخ الحديث وعلم النفس واللغة الفرنسية وآدابها.

تمرّد طه حسين على التعليم في الأزهر مبكراً، ووصفه بأنّه لا يقدّم علماً أو تجديداً

لكنّ الشاب الذي أريد له أن يكون أكاديمياً مصرياً وعربياً آخر، يحمل اطلاعاته على علوم وثقافات العالم من نافذة فرنسا، تمرّد، وبدأ يخوض معاركه المبكرة، معترضاً على أساليب التدريس في جامعة الأزهر، مقارنةً بالجامعات الغربية، مما كاد أن يحرمه من منحته الدراسية، لولا تدخّل الباشا مصطفى كامل، الذي أعاده ليدرس في جامعة باريس هذه المرة؛ حيث درس علوم الاجتماع والتاريخ الأوروبي القديم، ثم قدم أطروحته في الدكتوراه في فكر ابن خلدون.

وبعد عودته إلى مصر، في 1919، بدأ يعمل أستاذاً للأدب والتاريخ الغربي في الجامعة المصرية، ثم تمّ تعيينه عميداً للآدب في كلية الآداب في الجماعة، عام 1928، لكنّ سيرته سبّبت له العديد من المشاكل، إضافةً إلى تمرده وتنصله من المناصب التي عيِّن فيها أصلاً، ما جعل تقاعده عن التعليم والعمل يأتي مبكراً، قبيل منتصف الأربعينيات من القرن الماضي.

شكّلت مؤلَّفات طه حسين نقداً عميقاً للمنهج والموروث في التعليم والفكر العربيَّين

وخلال تلك الفترة، كان طه حسين يرسم معالم شخصيته، كناقد ومؤرخ ومفكر، يعتمد منطق الشكّ الديكارتي، ويتّخذ منهجاً نقدياً، يجعل من الأكاديمي والباحث، شخصاً جريئاً ومختلفاً عن صورته التقليدية، وبدأ مسيرته هذه بقوله: إنّه "وجد الأزهر يمثّل سجناً للأفكار والتجديد، وإنّ العلم يغيب فيه"، وذهب أبعد من هذا قائلاً، في كتابه "الأيام"؛ إنّه لم يستفد ممّا تعلّمه من الأزهر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
أخذ طه حسين، الأعمى بصراً، والمتقد علماً، يرسم طريقاً مميزة وخاصة، يرى فيها الكاتب والأديب المصري المعروف شريف صالح "ثورةً أكاديميةً من طه، ميّزته عن رفاق دربه، مثل شوقي ضيف أو العقاد أو المازني، وجعلته الأكثر انشغالاً وحضوراً في الفضاء العام؛ لأنّه لم يقدّم صورة منعزلة للأكاديمي، ولم يفصل الثقافة عن السياسة ولا عن الدين"، وجعل الأكاديمية تتجاوز أروقة الجامعة، لتقتحم أروقة الواقع.

كيف نرى بعيونه اليوم؟
إن أفضل تعريف محتملٍ لطه حسين، عدا عن لقبه الشهير "عميد الأدب العربي"، هو تلك الصفة التي يطلقها الكاتب شريف صالح عليه، وهي "المتعدّد في واحد"، ويوضح صالح، في تصريحه لـ "حفريات": "عند استدعاء طه حسين، الاسم والمشروع، في ذكراه، ألمس علاقته وتأثيره مع محيطه الأوسع من الناطقين بالعربية؛ ففي بعض الأحيان كان طه هو "الواحد" المتمرد، قابس النار، في مواجهة "الكل: الحكومة والأزهر والمجتمع، كما حدث إبان أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي"، والتي أدّت إلى فصله من الجامعة المصرية، وفي أحيان أخرى؛ كان طه هو "الكلّ"؛ أي ممثل السلطة ووزيرها، و"عميد الأدب"، وممثل الثقافة بمختلف أفرعها".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
لكنّ هذا كلّه لم يمنع روح التمرد في حسين، الذي كان، وفق مقولة صالح؛ "يمثّل المثقف العضوي لغرامشي بالفعل، من خلال إيمانه بدوره في التغيير باشتباكه مع السلطة والمؤسسات والدولة، حتى إنّه كان يمكن اعتباره يسارياً أصيلاً حين أطلق دعوته ليكون التعليم في مصر كالماء والهواء، خلال عصر الباشوات الذين كانوا يهابون هذه المقولة، التي يمكن أن تحرمهم رفاهيتهم بحرمانهم من (طبقة الخدم والجهلة) التي كانوا يحكمونها".
وفي كلّ هذا؛ تبقى روح التمرد مرافقةً للمفكر الذي تجرأ وانتقد مصادر الشعر الجاهلي، حتى إنّه انتمى إلى حزب الأحرار الدستوريين خلال أول عقدين من القرن العشرين، وكان يعدّ حزب أقلية، في مواجهة حزب الوفد، حزب الأكثرية، الذي وجد هو ومفكرون عديدون اختلفوا مع طه حسين، انتماءه السياسي مفتاحاً لمهاجمته في معظم الأحيان.

لا يمكن ببساطةٍ اتهام حسين بالهدم خلال مواجهته النقدية والإصلاحية مع الأزهر

ولم يكتفِ حسين بانتقاد سياسات التعليم في مصر، بل انتقد مصادرها، وقصّته مع كتابه "في الشعر الجاهلي" عصيةٌ على النسيان؛ إذ مُنع الكتاب، لأنّ طه حسين اعتبر الشعر الجاهلي منحولاً باختصار، أي أنّه "كتب بعد الإسلام" ودلّل على ذلك بأنّه كتب بلغة القرآن الكريم، التي وحّدت العرب لغوياً، ولم يكتب ذلك الشعر بلغات أخرى كانت منتشرةً في الجزيرة العربية قبل انتشار لغة القرآن الكريم، كما أنّ المنهج التاريخي المادي مثلاً، لم يقد، برأي حسين، إلى أيّ دليل على أّنّ الشعر الجاهلي يعبّر عن روح عصره في تلك الأثناء.
وقد واجه هجوماً شديداً، بعد كتابه هذا، أوصله إلى المحاكمة، وساق إليه تهماً عديدة، منها الخروج عن الدين؛ لأنّه انتقد المرحلة الجاهلية والمكّية أدبياً، وبنى تصوراً عنها غير التصوّر الديني؛ إذ عدّت هذه مسألة خطيرة في نظر كثيرين، أيضاً اتُّهم بالتأثّر بالغرب، وتكرار مقولات المستشرقين الغربيين وأفكارهم.
وبسؤاله عن هذه التهم، وإذا ما كان يمكن استخلاص شخصية حسين من بينها، ورأيه في طه حسين الذي قرّر تنقيح التراثَين: العربي والإسلامي، ممجداً اللغة العربية، ومستقصياً "السيرة النبوية"، وأزمة الحكم والدولة الإسلامية، كما يليق بوعي (أصولي)، وإن كان ناقداً حصيفاً، علّق شريف صالح بالقول: 

تكمن خطورة طه حسين في نقده الثقافة العربية البائسة في عصره التي أدخلها مباشرةً إلى العصر الحديث وواجه مؤسساتها

"في مواقفه وكتبه، لم يكن "واحداً" أبداً، ولم تكن مسيرة الثمانين عاماً على متصل واحد؛ بل اشتبكت فيها ذواته هو نفسه: الأزهري والأصولي بالفرنسي والليبرالي، واليساري، والمتمرد بالسلطوي، والأكاديمي والصحفي بالسياسي والأديب والمؤرخ، كان "متعدداً" بامتياز، بما يقتضيه ذلك من مراجعات وتناقضات، وهو ما يظهر عبر تغيير "في الشعر الجاهلي" إلى "في الأدب الجاهلي"، أو حرصه على أداء مناسك الحجّ لدحض تهمة الكفر".
ويبدو أنّه، من بين هذه المتناقضات والتغيرات، تظهر صورة طه حسين اليوم، متماسكة وقوية، وذلك بسبب راهنية أفكاره حتى اللحظة، خصوصاً في منهجه النقدي القوي، الذي واجه من خلاله المؤسسة التعليمية العربية والمصرية، كما واجه في مصادرها التاريخية والتراثية، منتقداً إياها بجرأة، وفي هذا السياق، يختم صالح قائلاً: "خطورة طه حسين ومركزيته في الثقافة العربية، أنّه ظهر في لحظة فراغ تاريخية هائلة، كانت الثقافة العربية حينها تجترّ ملخصات بائسة موروثة عن القرون الوسطى، فجاء ودشّن لها وأدخلها سريعاً إلى العصر الحديث، وواجه المؤسسات كفرد".

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
قلّة من المثقفين العرب، من لعبوا مثل تلك الأدوار المركزية الخطيرة، التي وإن تناقضت، كانت رهاناً على التقدم وإعلاء قيم الاستنارة، حتى في معالجتها للنصّ الديني، ورغم التناقضات وبعض اتهامات (الانتهازية) الوظيفية، التي رافقت مسيرة طه حسين، إلا أنّه كان واضحاً ومباشراً، في ضرورة جعل التعليم ابن الحاجة والحاضر الحاليَّين، وابن العالمية والإنسانية لا المحلية فقط، حتى يسهم في تطور البلاد والشعوب العربية، كما أنّه دافع عن دوره وحقّه كمثقف وناقد وأكاديمي، في نقد النصوص الأدبية والتاريخية العربية، التي رفعها البعض هي ومصادرها إلى مرتبة القداسة، رغم أنّها من تدوين البشر، من أجل بناء ذاكرة لغوية وثقافية معاصرة، تشتبك مع العرب في سياقاتهم الفكرية والاجتماعية الحالية.
لمس حسين الجرح المفتوح حتى اليوم، في فترةٍ مبكرة من فجر بلادنا العربية، وأسئلته ما تزال في بعضها حارةً، تقود إلى إمكانية رؤيتها من جديد اليوم، باستعارة عيونه، التي تطلعت إلى مجد العرب ومستقبلهم، رغم أطروحاته التي اتفق معها كثيرون، واختلف معها آخرون.

للمشاركة:



تهدئة في غزة.. وهذه شروط الجهاد الإسلامي للقبول بوقف إطلاق النار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

أعلنت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وإسرائيل وقف العمليات العسكرية عبر حدود قطاع غزة اليوم في أعقاب مساع بذلتها مصر والأمم المتحدة لإنهاء أسوأ موجة من الاشتباكات منذ شهور لكن الوضع بدا هشاً إذ اختلف الطرفان على شروط التهدئة، وفق ما ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء.

وأكد الناطق باسم الجهاد الإسلامي، مصعب البريم، الالتزام بما تم الاتفاق عليه مع مصر بخصوص وقف إطلاق النار، مضيفاً أنّ هناك إجماعاً على استمرار التهدئة الحالية.

وفي وقت سابق من صباح اليوم، الخميس، قالت مصادر مصرية مسؤولة إنه تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في غزة، بدأ فجر الخميس برعاية مصرية.

هدوء حذر

وساد الهدوء الحذر أجواء قطاع غزة، الخميس، بعد مرور أكثر من يوميْن دامييْن جراء الهجمات التي شنّتها طائرات حربية إسرائيلية على أهداف بمناطق متفرقة من قطاع غزة.

رداً على اغتيال أبو العطا انطلقت عشرات الصواريخ باتجاه المدن الإسرائيلية في عملية أطلقت عليها سرايا القدس "صيحة الفجر"

وأكّد البريم في تصريح لوكالة "الأناضول" أنّ التوافق على وقف إطلاق النار تم تنفيذه وفقاً "لشروط المقاومة الفلسطينية والتي مثّلتها وقادتها حركة الجهاد الاسلامي".

وكانت حركة الجهاد الإسلامي قد قالت، ليلة الأربعاء، إنها وضعت شروطاً محددة "للقبول بوقف إطلاق النار مع إسرائيل".

ومن بين الشروط، التي كشفت عنها وسائل إعلام، وقف إسرائيل للاغتيالات، ووقف استهداف مسيرات العودة الأسبوعية قرب حدود قطاع غزة، والتزام إسرائيل بتفاهمات كسر الحصار عن غزة.

ولم تعلق إسرائيل، رسمياً، على أنباء وقف إطلاق النار، لكنّ الجيش الإسرائيلي أعلن عن تخفيف القيود المفروض على تحرك السكان، في المناطق التي تعرضت لقصف صاروخي فلسطيني.

إسرائيل: من سيؤذينا، سنؤذيه

وقال مصدر سياسي إسرائيلي، لصحيفة معاريف: "الأفعال على الأرض ستحدد. إسرائيل لم تقدم شيئاً، من سيؤذينا، سنؤذيه، لا يوجد تغيير في السياسة".

من بين شروط وقف إطلاق النار، التي كشفت عنها وسائل إعلام وقف إسرائيل للاغتيالات ووقف استهداف مسيرات العودة

وشنّ الجيش الإسرائيلي، فجر الثلاثاء، عملية عسكرية على قطاع غزة، بدأها باغتيال بهاء أبو العطا، القيادي بسرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، وزوجته.

وتسببت هذه العملية باستشهاد 34 فلسطينياً، وإصابة 110 آخرين بجراح مختلفة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. ومن بين الشهداء، 8 أطفال و3 نساء.

ورداً على عملية الاغتيال، أطلقت فصائل فلسطينية، عشرات الصواريخ، باتجاه المدن الإسرائيلية، في عملية أطلقت عليها سرايا القدس، اسم "صيحة الفجر".

للمشاركة:

داعش ينوي قتل قادة عالميين.. هل من بينهم ترامب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

كشف تنظيم داعش الإرهابي عن دليل لقتل قادة العالم؛ حيث نشرت إحدى القنوات الإعلامية الموالية لـ "داعش"، الأسبوع الجاري، ملصقاً بعنوان "طرق اغتيال القادة"، يشرح ثلاث طرق للإرهابيين المحتملين لإعدام "المسؤولين والقادة العسكريين"، وفقاً لتقرير نشره موقع صحيفة "ديلي ميل" البريطانية.

وحثّ التنظيم الإرهابي، وفق التقرير، "الذئاب المنفردة" على التنكر كصحافيين حتى يتمكنوا من وضع القنابل بالقرب من السياسيين مثل؛ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

ويوفر الدليل طرقاً تشرح كيفية التصرف كصحافي وإخفاء سلاح داخل الكاميرا للقيام بأعمال إرهابية في المؤتمرات الصحافية.

ويقول الملصق، بحسب ما أوردت صحيفة "الشرق الأوسط": "قد يشارك العنصر الذي يرتدي ملابس الصحافي في المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات الصحافية التي قد تمكنه من استهداف شخصيات العدو الرئيسية. ويمكنه استخدام الكاميرا أيضاً كجهاز متفجر أو لإخفاء سلاح بداخلها".

يوفر الدليل طرقاً تشرح كيفية التصرف كصحافي وإخفاء سلاح داخل الكاميرا للقيام بأعمال إرهابية

وعرضت إحدى المؤسسات الإعلامية المرتبطة بـ"داعش" أمس، صورة مركبة لإرهابي في زي عسكري يقف خلف ترامب بينما يجلس الأخير على ركبتيه وكأنه يستعد للإعدام.

ورغم وفاة زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي في غارة أمريكية بسوريا يوم 26 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ما زال التنظيم يسعى إلى نشر فكره الإرهابي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويوفر الدليل المكون من ثلاثة أجزاء طرقاً أخرى تتضمن استهداف قوافل الشخصيات المهمة.

ويحث التكتيك الثاني على استخدام بنادق قنص متوسطة وطويلة المدى لمهاجمة القوافل من نقاط عالية.

ويقول الملصق: "الذئب المنفرد قد يعطل قوافل القادة أو أماكن التجمع الخاصة بهم بمهاجمتهم باستخدام الرشاشات أو قنابل المولوتوف"، وتابع: "قد يقوم العناصر أيضاً بهذه العمليات باستخدام الأسلحة غير البارودية مثل؛ الشفرات والسكاكين والسيوف أو تنفيذ هذه المهمات من أماكن مرتفعة".

وأخيراً، يشير النص إلى تحديد منطقة محتملة لمهاجمة ومراقبة طريق القافلة لكشف العيوب الأمنية التي قد تسمح للمهاجم أيضاً بدراسة "خطة الانسحاب".

وكانت قنوات "داعش" الإعلامية هي التي حثت في وقت سابق من هذا الشهر أنصارها على إشعال حرائق الغابات في الولايات المتحدة وأوروبا للتسبب في فوضى بيئية، بحسب التقرير.

وشكل مقتل البغدادي ضربة كبيرة للتنظيم الذي فقد أراضيه في سوريا والعراق في سلسلة من الهزائم العسكرية من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

وعيّن التنظيم خلفاً للبغدادي بعد أيام من مقتله، ولكن لا يُعرف عنه سوى القليل ولم يتضح كيف سيتأثر هيكل هذه الجماعة الإرهابية بالهزائم المتتالية التي لحقت بها.

للمشاركة:

الإمارات تواصل جهودها الإنسانية في اليمن .. هذا ما قدمته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية المتواصلة لمساعدة الأشقاء في اليمن والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة 12 طناً من المساعدات الغذائية لأهالي منطقة "بئر علي" بمديرية رضوم في محافظة شبوة اليمنية.

عدد السلال الغذائية التي تم توزيعها منذ بداية عام التسامح 2019 في شبوة بلغت 33 ألفاً و174 سلة غذائية

فقد سيرت "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي"، الذراع الإنسانية لدولة الإمارات، قافلة إغاثية إلى منطقة بئر علي شملت 150 سلة غذائية جرى توزيعها على الأسر غير القادرة، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

من جانبهم، عبر أهالي منطقة "بئر علي" عن شكرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على هذا العون الكبير واللفتة الإنسانية التي من شأنها التخفيف من معاناتهم.

جدير بالذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تم توزيعها منذ بداية عام التسامح 2019 في محافظة شبوة بلغت 33 ألفاً و174 سلة غذائية بمعدل 1900 طن و480 كيلوغراماً استهدفت حوالي 158 فرداً من الأسر غير القادرة.

للمشاركة:



السقوط المدوي لوكلاء خامنئي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

سوسن الشاعر

الحكومات التي تشكلت نتيجة المحاصصة الطائفية أثبتت فشلها في إدارة الدولة ومواردها فشلاً ذريعاً، وإن لم تدرك الأحزاب التي وصلت للسلطة بفضل تحالفها مع وكلاء إيران سواء في لبنان أو العراق أن قطار إيران مسرع في طريق الصدام و الموت فإنهم يرتكبون الخطأ الأكبر في حق أنفسهم كأحزاب سياسية يفترض أنها تمتلك إرثاً سياسياً يؤهلها للتقييم السليم أولاً وترتكب الخطأ الأكبر في حق أوطانها ثانية.

الكل يعلم أن الأحزاب التي في السلطة الآن في لبنان والعراق ما وصلت إليها وما نجحت في الحصول على مقاعدها الرئاسية والنيابية وحقائبها الوزارية إلا بفضل تحالفها مع وكلاء إيران، وصحيح أنه لولا تلك الاتفاقيات الثنائية لم يصلوا لتلك المواقع، إذ تمت الموافقة على أسمائهم والتصديق عليها في إيران حتى سمح الثلث المعطل بتمريرها، ونعلم أنهم يشعرون بالامتنان لوكلاء خامنئي رغم حجم القيود التي وضعوها عليهم، ولكن رغم ذلك كله إلا أن المؤشرات والقراءات الحصيفة تؤكد أن المجتمع الدولي كله الآن في مواجهة إيران حتى أوروبا التي حاولت تأجيل المواجهة تجد نفسها الآن مضطرة لها وهي ترى إيران تخرق الاتفاق النووي دون مراعاة للحرج الأوروبي.

فإن كانت إيران متجهة للصدام مع العالم فإن ذلك سيسري حتماً على وكلائها في المنطقة، لذلك نرى تمسك الأحزاب الموالية لهؤلاء الوكلاء بالسلطة الآن في هذا التوقيت يعد قراراً يفتقد إلى الذكاء السياسي وغير منطقي بعد الاحتجاجات التي اجتاحت لبنان والعراق، إذ وصل الأمر برئيس الجمهورية اللبنانية إلى مطالبة المحتجين بالهجرة إن لم يقبلوا به رئيساً! ووصل الأمر بتمسك الرئيس العراقي بمقعده رغم ارتفاع عدد القتلى إلى 400 !!

الذكاء السياسي يتطلب قراءة المشهد قراءة استشرافية وبنظرة بانورامية تؤكد أن تأخير الضربة القاضية على وكلاء إيران هو لمزيد من التكسب من الحالة لا أكثر ولا أقل، وحين يجف الضرع سينتهي هذا النظام، لذلك من يصر على البقاء على تحالفاته مع وكلاء إيران أما أنه انتحاري أو أنه مقيد بابتزاز ما وغير قادر على المغادرة.

فماذا بعد أن وصف خامنئي الشعبين العراقي واللبناني بالخونة والعملاء وأمر بمواجهتهم بالرصاص، ما الذي يجبر تلك الأحزاب على السير في ذات الاتجاه والبقاء على المركب الإيراني رغم بوادر غرقه؟ وإلى أين سيقود وكلاء إيران القطار اللبناني والعراقي؟

ممكن أن نفهم بقاء وكلاء إيران مقيدين بالمصير الإيراني لدواعٍ عقائدية، ولكن ما الذي يجبر الأحزاب الأخرى على مواجهة شعوبها والتصادم معها وعدم التفكير في المستقبل السياسي لتلك الأحزاب ولمنح الفرصة للصف الثاني منها؟ أي غباء سياسي هذا الذي يجبرك على ربط مصيرك بمن يقف على حافة الهاوية؟!

عن "الوطن" البحرينية

للمشاركة:

الموت يتجول حاملاً منجله في غزة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

سما حسن

مثل كل مرة، تتلقى غزة الضربة في خاصرتها وتنزف، ولكنها تنهض من الرماد مثل العنقاء، كم مرة حدث ذلك؟ لا يمكن أن نعد ولا أن نحصي! فقط يحدث ذلك في غزة وعلى مر التاريخ...
ربما بدأت استوعب الأمر جيداً بأن هناك وطناً واحتلالاً في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كنت اقترب من عامي العاشر وكان أبي مولعاً بمذياع صغير ولكن «فعله كبير»، وكان لا يفارقه وكنا نسمع منه الأخبار، حتى سمعت لأول مرة اسم ياسر عرفات، وسمعت اسم «حركة فتح» وكان ذلك من خلال نشرة أخبار صوت إسرائيل الناطق بالعربية، وفي كل مرة كانت المذيعة تقول «حركة فتح التخريبية»، كان يرد عليها أبي مع النشرة الصباحية في تمام السادسة والنصف صباحاً وهو يتناول إفطاره على عجل ليلحق بطابور الصباح في مدرسته» الله لا يصبح وجهك بخير، الله يخرب راسك»، واعتدنا هذه الشتيمة والتي كان يصحبها شرح مطول ودرس تاريخ لا يمل عن فلسطين وفتح وياسر عرفات.
كبرنا ومر العمر بنا وعشنا انتفاضة الحجارة، وكنت وقتها مراهقة صغيرة وقضيت سنواتها في بيت عائلتي، وعشت انتفاضة الأقصى، وكنت وقتها قد أصبحت أماً وتضاعف خوفي لأني أصبحت مصدر أمان لأطفالي، وقبل ذلك كنت أستمد أمني وأماني من أبي، فهو يسمع الأخبار ويهون الأمور، ويعوذنا بالله من كل شر، ويملأ البيت بالطعام والشراب لكي لا نشعر بحاجة لأي شيء في أيام منع التجول الطويلة، وكان يشعر ببهجة لأننا كنا نأكل خلال تلك الأيام أكثر من الأيام العادية، وكأن بقاءنا دون دوام مدرسي، واجتماعنا طيلة الوقت يفتح شهيتنا للطعام، وحيث لا شيء نفعله غير ذلك ومتابعة المذياع الصغير خاصة أبي، والانصات لمكبرات الصوت التي تعلن عن رفع حظر التجوال أو استمراره.
صرت أماً وكبر أولادي وبناتي وأصبحوا في سن الشباب، وعرف الشيب طريقه لرأسي، ولم نر أنا وهم أيام أمن وأمان، فحياتنا مهددة، وتحولت الأيام والأسابيع لصولات وجولات للموت والحياة، حتى اعتدنا الموت وكأن لا واقع غيره، وعشنا بدونه، وكأن الحياة في غزة أبدية، وكأن أي جنازة تمر لميت مات ميتة طبيعية هي غير المألوف، رغم أن المقابر تحوي من القتلى الذين سقطوا بالرصاص والقذائف الكثير، وربما كانوا الأغلبية بين الصامتين الراقدين الذين انتقلوا لهذا المكان وهم في ربيع عمرهم.
قررت اليوم والموت يحمل منجله حولنا ويطوف في الشوارع والبيوت، ويوقظ النائمين باحثاً عن ضحايا جدد، قررت أن أترك متابعة الأخبار جانباً، أن لا أنتظر هذا السائر بمنجله المرعب وأسلم بقضاء الله، وبأن الموت قد يكون في أي لحظة هادئاً وادعاً إن رحلت ومعك من تحبهم وتخشى عليهم من الحياة بعدك، ولذلك فقد أودعتُ هذه الأمنية في قلبي، ودلفت إلى مطبخي الصغير وصحت بابنتي الصغيرة: رح أعمل اليوم أقراص سبانخ، وهي الأكلة المميزة لهذا الجو الخريفي، فردت ابنتي الصغيرة مستغربة: غريبة يا ماما... في أيام تجدد الحرب بتصيري تقولي ايدي مربطة، وما بتقدري تعملي إشي...
لم أرد، وفي الحقيقة أن يديَّ مربوطتان، وعندما كانت امي رحمها الله تقول: ايديّ مربطة، يعني أن الحزن والألم قد بلغا مبلغهما بها، وربما الحيرة في أمر ما، أم هي مقبلة على قرار مصيري يخص أسرتنا، أو تنتظر خبراً هاماً، فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً، ونقضي الوقت حولها ولا تدخل المطبخ ولا تعد لنا طعاماً، وربما دفعت لنا بطعام اليوم السابق بعد تسخينه، أو بشطائر محشوة بالجبن وهي تردد: إيدي مربطة...
في الحقيقة ان «إيديّ مربطة» وقد قمت بفرم السبانخ كيفما اتفق ثم وضعته في البراد وتركت كل شيء وعاودت متابعة الأخبار، الموت يحمل منجله ويتنقل في القطاع ما بين الشمال والجنوب وأنا أنتظر، ما أصعب الانتظار وهو أبشع صور الموت في نظري، ولذلك أنا لا أفعل شيئاً، لا أستطيع أن أخبر أحداً خبراً عني وعن غزة... أنا فقط وليس أكثر «إيديّ مربطة»...

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

كيف تستعد ألمانيا لاستقبال دواعشها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

حسام حسن

تستعد أجهزة الأمن الألمانية بشكل مكثف لاستقبال رعاياها المنتمين لـتنظيم داعش، المنتظر ترحيلهم من تركيا إلى برلين، خلال الأيام المقبلة.

وأوضحت أجهزة الأمن أنها تقوم بدراسة كل حالة على حدة، وتضع سيناريوهات التعاطي معها، لدرء خطرها.

ومنذ أيام، أعلنت الحكومة التركية عزمها ترحيل الرعايا الأوروبيين المنتمين لـ"داعش"، والمحتجزين على أراضيها إلى بلادهم الأصلية.

والإثنين الماضي، وعد وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر الألمان بحفاظ الأمن على يقظته الكاملة لرصد أي خطر أمني يمثله عناصر "داعش" المنتظر عودتهم.

وتابع: "على الألمان أن يطمئنوا، فالسلطات تفحص كل حالة على حدة بعناية، وسنفعل كل ما في وسعنا لدرء أي خطر على ألمانيا".

ووفق تقرير لصحيفة بيلد الخاصة، تتوقع السلطات الألمانية استقبال عائلة ألمانية-عراقية، مُرحَّلة من تركيا، الخميس، وفحصت حالة كل فرد في العائلة بشكل استباقي.

وتتكون العائلة من زوجين يحملان الجنسيتين الألمانية والعراقية، و5 أطفال؛ طفلان مولودان في العراق، وطفلان في ألمانيا، وطفل آخر مولود في معسكر الاعتقال بتركيا.

وتعتبر السلطات الألمانية الزوجين "متشددين"، ولم ينضما لـ"داعش" في سوريا، حيث وصلا إلى تركيا في يناير/كانون الثاني الماضي، وألقت أنقرة القبض عليهما في مارس، وبقيا قيد الاعتقال منذ ذلك التاريخ.

ونقلت "بيلد" عن مصادر أمنية ألمانية لم تسمها أن "الزوجين العراقيين رفضا الحصول على مساعدة قانونية من القنصلية الألمانية خلال اعتقالهما في تركيا."

وأضافت المصادر: "لن تقوم السلطات الألمانية باعتقالهما بعد وصولهما المنتظر اليوم، لعدم وجود أي دليل على علاقتهما بـداعش".

وتختلف حالة هذه العائلة عن حالة امرأتين ألمانيتين، من المقرر أن تصلا برلين، الجمعة، بعد أن قررت تركيا ترحيلهما.

ووفق الصحيفة، فإن السيدتين هربتا قبل أشهر من معسكر اعتقال تابع لقوات سوريا الديمقراطية في سوريا إلى تركيا، لكن ألقي القبض عليهما، بسبب عضويتهما في تنظيم "داعش".

ونقلت الصحيفة عن مصادر في مكتب الادعاء العام في ألمانيا أن الأخير "يحقق حاليا في ملفات السيدتين، على خلفية اتهامهما بالانضمام لتنظيم داعش الإرهابي".

ورغم ذلك، لن تتعرض السيدتان للاعتقال عند وصولهما إلى برلين، وستكتفي الشرطة بتدابير احترازية، مثل البقاء قيد الاحتجاز المنزلي، وفق المصادر ذاتها التي أضافت: "بالتأكيد سنخضع السيدتين لتحقيقات مكثفة".

وبخلاف هذه الحالات، فإن تركيا تعتقل حاليا 14 بالغا ألمانياً على الأقل لانتمائهم لـ"داعش" في سوريا، بواقع 8 نساء و6 رجال، بالإضافة إلى 15 طفلا.

ومن المنتظر أن تقوم أنقرة بترحيلهم على دفعات خلال الفترة المقبلة، حسب "بيلد".

وذكرت الصحيفة الألمانية استنادا إلى مصادرها أن "1050 ألمانياً سافروا إلى سوريا منذ 2013، انضم أغلبهم لداعش، وقتل ثلثهم في المعارك التي دارت في الأراضي السورية، وعاد الثلث بالفعل لألمانيا، فيما تعتبر السلطات الألمانية عناصر الثلث الأخير إما محتجزين في سوريا والعراق وتركيا وإما مفقودين".

ونقلت الصحيفة عن هانز جورج ماسن، رئيس هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية) السابق قوله، إن "الحكومة الألمانية تتحمل المسؤولية الكاملة لهذا الوضع".

وتابع: "كان يمكننا تفادي هذا الوضع في حال قامت الحكومة خلال الفترة الماضية بإدخال تعديلات على قانون الجنسية، وإقرار سحب الجنسية الألمانية من مزدوجي الجنسية المرتبطين بتنظيمات إرهابية، وهو ما طالبنا به كثيرا، لكن الحكومة لم تستجب".

وأردف: "هذا الإهمال في حماية مصالحنا الأمنية تتحمل مسؤوليته الحكومة، وأي إجراءات حاليا لمواجهة هذا الخطر (الدواعش العائدين) ستحمل الأمن أعباء إضافية، وتعرض البلاد لأخطار من الصعب السيطرة عليها".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية