"قسم الوحدات".. محاولات الإخوان اختراق المؤسسة العسكرية

"قسم الوحدات".. محاولات الإخوان اختراق المؤسسة العسكرية
8698
عدد القراءات

2019-06-29

أظهرت الأحداث التي أعقبت ثورة حزيران (يونيو) 2013 في القاهرة؛ أنّ هناك العديد من المنتمين للجماعات الإرهابية، هم في الأصل ضباط سابقون في الجيش المصري، أشهرهم؛ الضابط بسلاح الصاعقة، هشام عشماوي، الذي ألقي القبض عليه العام الماضي بعد أن قاد عمليات إرهابية دامية لسنوات أودت بالعديد من الضحايا، مما يطرح سؤالاً مهمّاً: هل انضمام ضباط جيش سابقين للجماعات الإرهابية مسألة مستحدثة، أم أنّ لها جذوراً تاريخية؟!
 هشام عشماوي

حلم الانقلابات
بالعودة إلى كتابات الجماعات الإرهابية عن مراحل تطورها تاريخياً؛ نجد أنّ سلاح الانقلابات العسكرية كان حلماً لها منذ البداية، عن طريق اختراق المؤسسات العسكرية، تمهيداً للانقلاب على السلطة والسيطرة على الحكم.

كتابات الجماعات الإرهابية عن مراحل تطورها تاريخياً تؤكد أنّ سلاح الانقلابات العسكرية كان حلماً لها منذ البداية

في كتابه "دليل الحركات الإسلامية"؛ طرح عبد المنعم منيب سؤالاً على العديد من قيادات مجموعات الجهاد: لماذا الانقلاب العسكري وليس غيره؟ قالوا: "أغلب حكّام العالم الإسلامي حصلوا على الحكم بهذه الطريقة، وهي طريقة فعّالة، ونحن أولى باستخدامها؛ لأننا نعبّر عن دين وثقافة الأمة، أما هم فلا يعبّرون إلّا عن فكر ومصالح الغرب الصليبي أو الشرق الشيوعي".
ظهور محاولات استقطاب أعضاء بأسلحة الجيش والشرطة كانت بدايته مع جماعة الإخوان المسلمين، بتأسيس قسم مسلّح، على غرار النظام الخاص، يقوم أيضاً بمهام مسلحة، وأُطلق على ذلك التنظيم اسم "قسم الوحدات"، وكان يرأسه اللواء صلاح شادي، والذي أشار للتنظيم وعملياته فى مذكراته بعنوان "حصاد العمر"، طبعة دار الزهراء للإعلام العربي.

كتاب "دليل الحركات الإسلامية" لعبد المنعم منيب

تشكيلات الإخوان العسكرية

الكاتب والخبير في شؤون جماعات الإسلام السياسي، طارق أبو السعد، يؤكد أنّ حسن البنا "أنشأ ثلاثة تشكيلات: واحد للعسكريين، والثاني للشرطة، أو البوليس بلغة وقتهم، والثالث -وهو الأخطر- للمدنيين".

اقرأ أيضاً: أسرار العلاقة بين عشماوي والجماعات المسلحة المنبثقة عن "الإخوان"
ويضيف أبو السعد لـ "حفريات": "تولى مسؤولية النظام المدني؛ عبد الرحمن السندي، وتولى مسؤولية قسم الوحدات، والتي كانت تختص بشؤون البوليس؛ صلاح شادي، وتولى مسؤولية العسكريين؛ الصاغ محمود لبيب".
ويشير أبو السعد إلى أنّه؛ كان هناك صراع معلن، ومكتوم أحياناً، بين السندي وشادي، وصل لاتهام صلاح شادي لعبد الرحمن السندي بسرقة عملياته، ودوّن هذا في كتابه "حصاد العمر".

البنا أنشأ 3 تشكيلات واحد للعسكريين والثاني للشرطة والثالث الأخطر للمدنيين

خطورة قسم الوحدات لم تكن في القيام بعمليات تفجير أو اعتداء، وفق أبو السعد؛ "فهذا أمر يجيده أيّ أحد، لكنّ الخطورة كانت في أنّ البنا تمكّن من تحويل ضابط الشرطة، المسؤول عن حماية الأمن والأمان، إلى مجرم يرتكب ما يحاربه! كما أنّ التدرب والقدرة على التخفي وارتكاب الجرائم مهارة تمكّن صلاح شادي من تلقينها للتنظيم المدني".
يشير أبو السعد إلى أنّ؛ قيام التنظيم (الوحدات) بتجنيد آخرين من ضباط ومنتسبين، وهم عصب الداخلية والمحرك الحقيقي للعمل الشرطي، "كان من أهداف البنا للسيطرة على أيّة قوة تنظيمية مسلحة، وفق القانون، ليندسّ وسطهم، ويحوّل قدراتهم لصالح الجماعة، عبر تغيير قناعاتهم، فيتحول الإرهاب إلى جهاد، وخيانة المؤسسة الشرطية إلى عمل يتقرب به إلى الله، ومن ثم إضعاف المجتمع في مقابل تقوية الجماعة إلى أن يسقط المجتمع في حبائل التنظيم".
غلاف الكتاب

تنظيم خاصّ داخل الجيش
من جهته، يقول الباحث في شؤون جماعات الإسلام السياسي، سامح عيد، إنّ "نظام الوحدات هو التنظيم الخاص داخل الجيش، وكان تحت قيادة محمود الصباغ"، مضيفاً لـ"حفريات" أنّ المذكرات تروي أنّ "عبد الناصر كان جزءاً مهمّاً من تلك الوحدات، وبعد تولي يوسف طلعت التنظيم الخاص، خلفاً للسندي، ارتبك التنظيم الخاص، بعد الصدام مع عبد الناصر، وإعدام يوسف طلعت، و٦ من قيادات التنظيم، والحكم على أعداد غفيرة من التنظيم الخاص، وكذلك الوحدات".

يعد نظام الوحدات هو التنظيم الخاص داخل الجيش وكان تحت قيادة محمود الصباغ

وطبقاً لرواية رفعت السعيد؛ فإنّ أعضاء نظام الوحدات كانوا معه في سجن الوحدات، وكانوا يتلقون معاملة مميزة داخل السجن، ومعاشَين؛ معاشاً لأسرهم، ومعاشاً يترك لهم في "كانتين" السجن.
يضيف عيد: "العام 1956؛ أثناء العدوان الثلاثي، كتبوا لعبد الناصر أن يشاركوا في الحرب ويعودوا للسجن مرة أخرى، ثم في السبعينيات، في التأسيس الثاني للتنظيم، وفي ظلّ صفقة مع النظام، امتنعوا عن التجنيد داخل الجيش، ولكن هناك المئات، على أقل تقدير، كانوا تنظيميين قبل دخولهم الجيش، واستمروا داخل التنظيم، وهم في الجيش خاصةً؛ أنّ قوام الجيش لم يكن قاصراً على خريجي الحربية، إذ كانت هناك نسبة كبيرة من الضباط المتخصصين الذين يلتحقون بالجيش بعد الجامعة، هذا غير المجندين إجبارياً، سواء لعام أو لثلاثة أعوام".
ويرى عيد أنّه آنذاك كان من الواضح أنّه لم يكن ثمة تنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخبارات الحربية؛ "إذ إنّ العديد ممن لهم ملفات أمنية، أدّوا الخدمة العسكرية كاملة، أو وصلت معلومات عنهم متأخرة للغاية، وكان الضباط عاملين داخل الشعب، ولكن داخل أسر خاصة، ولها كود أمني خاص".

اقرأ أيضاً: الرجل الأخطر من عشماوي... من هو مرعي زغبية؟
يوضح عيد: "وعلى حسب معلوماتي، لم تكن هناك رابطة أو تنظيم يصل بين العناصر؛ لأنّ المحافظات كانت تتحفظ على أمنيات بعضها، وتتشكّك في دقة وسرية الآخرين، ولم يكن مقبولاً، في ظلّ علاقة محسوبة بين التنظيم والنظام تسمح بتمرير تنظيم من هذا النوع، ولا أدري بعد الثورة كيف كانت الأوضاع، وما هي طبيعة ما أطلق عليها "المجموعة ٩٥"، وهل كانت حرباً دعائية أكثر منها حقيقة على الأرض!".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



استنساخ نموذج الحرس الثوري: كيف عملت إيران على تصدير ثورتها؟

2020-02-22

قدمت الثورة في إيران نفسها، بعد استكمالها عام 1979، باعتبارها منهية لعهد من الحكم العلماني المرتبط بالغرب، ولم ترَ اقتصارها على حدود إيران، وإنما متعدّية بالضرورة لعموم العالم الإسلامي، وفق هذه الرؤية؛ تشكّل مبدأ "تصدير الثورة"، تحول المبدأ إلى مشروع مع الانتقال إلى مرحلة الترجمة والتطبيق، مع عدم اتخاذ شكل ونموذج محدد في البداية، حتى بدت حادثة مثل اغتيال السادات، عام 1981، لوهلةٍ باعتبارها أحد تمثّلاته، لكن سرعان ما اتجهت الأمور نحو اتخاذ شكل ونموذج محدد، وصار معتمداً، وما يزال.

توجه المعارضون لنظام الشاه إلى لبنان منذ أعوام ما قبل الثورة وبدؤوا في نسج العلاقات هناك

مع نهاية الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، لم يكن بإمكان قيادات الثورة الاعتماد بعدُ على الجيش الإيراني، باعتبار أنّ نسبة من قادته كانوا ما يزالون على ولاء وارتباط بالشاه المنفي خارج البلاد، عدا عن عدم التأكد من ولائهم وتشرّبهم لعقيدة الثورة، فجاء تأسيس تنظيم "الحرس الثوري" كقوّات نخبوية مهمتها حماية الثورة، اليوم تصل تقديرات عدد أعضائه إلى مئة وخمسة وعشرين ألف مقاتل، وهو لا يقتصر على كونه تنظيماً عسكريّاً؛ إنما هو منظمة استخباراتية، وتكتل صناعي واقتصادي أيضاً.

جاء تأسيس تنظيم "الحرس الثوري" كقوّات مهمتها حماية الثورة

منذ وصول الثورة إلى الحكم وتأسيس الجمهورية الإسلامية، كان تفكير القيادة يتجه نحو تصدير الثورة عبر الحدود، وتشكّل الاعتقاد لدى قادة الثورة بأنّ ثورتهم مهددة في الداخل ما لم تجد لها امتدادات في الجوار، واتجه التفكير نحو مواجهة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ودعم الحركات المناوئة للأمريكيين، باعتبار أنّ الثورة قامت ضدّ حكم الشاه، الحليف الأكبر للولايات المتحدة، وارتبطت مهمة تصدير الثورة بالحرس الثوري، الذي سرعان ما نشط في عدد من بلدان الجوار، وبادر لتأسيس ودعم عدد من التنظيمات المشابهة لتكوينه والمتقاربة مع عقيدته وتوجهاته، والمؤمنة بالثورة الإسلامية وقيادتها.
في العراق
قاد الحرس الثوري الإيراني المواجهات المسلحة، بعد اشتعال جبهات القتال مع الجارة العراق، عام 1980، لكنّ المواجهة في هذه الحرب لم تكن فقط بين مقاتل عراقي ومقاتل إيراني، وإنما استطاع الحرس الثوري أن يضع العراقي في مواجهة العراقي أيضاً، وذلك مع مبادرة الحرس الثوري لتجنيد وتدريب وتسليح مقاتلين عراقيين لمواجهة الجيش العراقي، وليبدأ بذلك تأسيس تشكيلات مسلحة عراقية مرتبطة بالثورة الإسلاميّة وقيادتها، تقدم الولاء المطلق لمرشدها الأعلى، وهو النموذج الذي سيتكرر ويمثل الشكل الأمثل لتصدير الثورة إلى خارج إيران، عبر الأعوام والعقود اللاحقة.

شكّلت الثورة الإسلاميّة، وما تزال، مصدر إلهام لمؤسسي وقادة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين التي تأسست 1981

عام 1981؛ تأسست في الأحواز معسكرات "الشهيد الصدر" لتضمّ مقاتلين من حزب "الدعوة الإسلامية" العراقي، وتأسس معها ما عرف بـ "قوات الشهيد الصدر". وتحقيقاً لغاية تصدير الثورة إلى العراق تأسس في إيران "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"، في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1982، لتكون مهمته إدخال الثورة الإسلامية إلى العراق وخلافة نظام صدام حسين بعد الإطاحة به.
وعام 1983؛ أشرف الحرس الثوري الإيراني على تأسيس تنظيم آخر، حمل اسم "فيلق بدر"، ليقوم بعمليات عسكرية داخل العراق ضدّ الحكومة العراقية، بإشراف وتخطيط من الحرس الثوري الإيراني.

محمد باقر الحكيم مشاركاً في أحد المحافل بإيران

كانت أعوام الحرب العراقية - الإيرانية الثمانية بداية التأسيس للتنظيمات المسلحة الشيعية العراقية المرتبطة بالحرس الثوري، وبعد الحرب استمر احتضان ودعم هذه التنظيمات، وبدأت مرحلة جديدة مع الإطاحة بالنظام العراقي السابق والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

اقرأ أيضاً: هل باتت ميليشيا الحوثي الأداة المفضلة لـ"الحرس الثوري"؟!
أشرف الحرس الثوري على تأسيس ميليشيات جديدة مستفيداً من حالة تفكك وانهيار الدولة العراقية مع زوال المؤسسات العسكرية والأمنية للنظام السابق، ومن أبرز التنظيمات العراقية المسلحة المرتبطة بإيران التي تأسست في مرحلة ما بعد 2003، تنظيم "كتائب حزب الله العراق"، الذي قدم الحرس الثوري له كافة أشكال الدعم؛ من التمويل والتسليح والتدريب، وترأّس التنظيم منذ تأسيسه وحتى اغتيال العضو في الحرس الثوري "أبو مهدي المهندس"، مطلع العام الحالي.
وعام 2006؛ تأسست منظمة "عصائب أهل الحق"، بقيادة قيس الخزعلي، بعد انشقاقه من جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، إثر معركة جيش المهدي ضد القوات الأمريكية، عام 2004، وتتلقى العصائب التدريب والسلاح من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

اقرأ أيضاً: تحليل: الملالي والحرس الثوري وكفاح إيران من أجل العملة الصعبة
وإثر تمدّد تنظيم داعش، واحتلاله ثلث مساحة العراق، عام 2014، بدأت تكتسب هذه التنظيمات صفة رسميّة مع تشكيل قوات "الحشد الشعبي" لمواجهة التنظيم الإرهابي، وتألفت هذه القوّات من سبعة وستين فصيلاً، وجاء تشكيلها بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها السيستاني، المرجع الأعلى في النجف، وفي عام 2016؛ اكتسبت هذه القوات الصفة الرسمية مع إقرار البرلمان العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي، في خطوة رأى البعض حينها أنّها جاءت بدفع وضغط من إيران وحلفائها في العراق، وهكذا، كما في إيران، بات هناك في العراق قوّات عسكريّة شبه نظاميّة، تكتسب نفوذاً وقوّة تزاحم القوّة الرسمية للدولة الممثلة بمؤسسة الجيش.

بدأت التنظيمات العراقية المرتبطة بالحرس الثوري تكتسب صفة رسميّة

في لبنان
سعت الثورة الإسلامية للتمدّد باتجاه الخارج، ولكن ذلك كان متعذراً، إلى حدّ ما، في البلدان المستقرة، فاتجه تركيز الجهود نحو البلدان التي تداعى فيها الاستقرار وتراخت فيها سيطرة الدولة المركزية، وهو ما توافر في لبنان بشكل مثاليّ، مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، عام 1975؛ حيث نشطت فيها التنظيمات المسلحة من مختلف الخلفيات والتوجهات، وكان المعارضون لنظام الشاه الإيراني قد اختاروا التوجه إلى لبنان منذ أعوام ما قبل الثورة، وانخرط كثيرون منهم في معسكرات تدريبية، وبالتحديد مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وبدؤوا في نسج العلاقات هناك منذ ذلك الحين.

اقرأ أيضاً: الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري
بعد انتصار الثورة في إيران تعززت الجهود، وبدأ الحرس الثوري يكثّف جهوده بشكل فعلي من أجل تصدير الثورة عبر تأسيس ودعم تنظيمات مماثلة، وهنا برز دور أسماء قيادية، مثل محمد منتظري، أحد أبرز قادة ومهندسي الحرس الثوري، والذي أقام لأعوام في لبنان، وتمتّع بصلات واسعة مع قادة الشيعة في لبنان، وعموماً مع تنظيمات ما عرف بـ "الحركة الوطنية اللبنانية"، وكذلك، اللواء مصطفى تشمران، أول وزير دفاع للجمهورية الإسلامية (1979-1980)، وقائد الحرس الثوري الإيراني في مرحلة التأسيس، والذي أقام في جنوب لبنان فترة قبل الثورة الإسلامية، وكان له دور أساسي في تأسيس "حركة المحرومين" بالتعاون مع موسى الصدر، عام 1975، وكذلك تأسيس الفرع العسكري لها، حركة "أمل"، قبل أن يعود إلى إيران بعد الثورة وينخرط في قيادة وتدريب عناصر الحرس الثوري.

اللواء مصطفى تشمران: دور مركزي في تأسيس "حركة المحرومين"

مع الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، عام 1982، تسارعت وتيرة الجهود الإيرانية، في ظلّ تصاعد التنظيم العسكري بهدف مقاومة الاحتلال، وتعزز النشاط العسكري بشكل خاص بين المجموعات الشيعية، وهنا برز دور أسماء مثل جلال الدين الفارسي، الذي كان قد غادر رفقة مجموعة من المعارضين الايرانيين إلى لبنان منذ السبعينيات، وتلقوا التدريبات في معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية، كما كان مقرباً من حركة أمل قبل أن يقع الخلاف بينه وبينها؛ بسبب ما كان يطلبه من زيادة توجه الحركة نحو الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي وهو ما كانت لا تبدِ اندفاعاً تجاهه، وهنا اتجه العمل باتجاه المساهمة في تأسيس النواة للتنظيم الذي سيشهر ويعرف لاحقاً باسم "حزب الله".

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
وهنا، برز اسم "علي أكبر محتشمي"؛ الذي أقام شبكة من العلاقات مع ناشطين سياسيين من شيعة بيروت ومنطقة البقاع، وكان له الدور الأهم في مهمة تأسيس حركة حزب الله، وهو وزير الدفاع لجمهورية الإسلامية في الفترة (1985-1989)، وأشرف على أولى العمليات التي شنّها حزب الله قبل الإعلان عن تأسيسه، عام 1985، بما في ذلك الهجوم على السفارة الأمريكية في بيروت، عام 1983.

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري العراقي"
وجاء اتفاق الطائف، عام 1989، ليطالب بنزع السلاح من جميع التنظيمات اللبنانية، إلا أنّ حزب الله رفض ذلك وقدّم سلاحه باعتباره مقاومة تهدف إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبلاد، وبعد انسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان، عام 2000، قاوم الحزب الضغوط المطالبة بنزع سلاحه، وكانت الحجة استمرار الوجود الإسرائيلي في مزارع شبعا، والمناطق الحدودية المتنازع عليها، وطيلة أعوام نشاطه، التزمت إيران بتزويد الحزب بالمساعدات المالية والتدريب والسلاح، ليتحول الحزب، كذلك، إلى قوة عسكرية شبه نظامية، تزاحم مؤسسة الجيش الرسميّة.

علي أكبر محتشمي: الدور الأهم في تأسيس حزب الله

في فلسطين
كانت الساحة الفلسطينية مرشحة لتكون هي أيضاً مجالاً مناسباً لتصدير الثورة الإسلامية إليها، باعتبار ما تعرفه من احتلال وغياب للحكم المركزي ونشاط للتنظيمات المسلحة بتوجهاتها المختلفة، وقد حاولت الثورة في البداية استقطاب منظمة التحرير وقيادتها وتقريبها من الثورة، لكنّ الاختلاف الأيديولوجي وبعد فصائل المنظمة عن الأيديولوجيا الإسلامية بالعموم، ظلّ عامل إضعاف للرابطة، ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية واختيار قيادة المنظمة الانحياز إلى الجانب العراق تبدّدت أيّة فرص لتأسيس مثل هذا العلاقة، وهنا اتجهت الثورة للبحث عن تعزيز علاقاتها بأطراف ذات ميل وتوجه يتبنى المقاومة المبنية على رؤية اسلامية للصراع مع "إسرائيل"، وهو ما كان قد بدأ بالتوفر على الساحة الفلسطينية. وكانت الحركة الأقرب للعب هذا الدور هي حركة الجهاد الإسلامي التي تأسست عام 1981، وافتتحت لها مكاتب في دمشق، حليفة طهران، منذ انطلاقها.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
جاءت نشأة الحركة بعد عامين من نجاح الثورة في إيران، وكان قادتها متأثرين بالثورة التي شكلت مصدر إلهام لهم، وفي مقدمتهم المؤسس فتحي الشقاقي، الذي ألف كتاباً بعنوان "الخميني: الحلّ الإسلامي البديل".
انخرطت الحركة في المقاومة بشكل متصاعد مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أواخر الثمانينيات، وكانت إيران الداعم الرئيس لأغلب عمليات الحركة.
وبعد انطلاق محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بداية من محادثات مدريد عام 1991، سعت إيران لمواجهة المسار التفاوضي فبادرت لعقد مؤتمر مضاد رافض للتسوية في طهران، وفي العام ذاته، وكانت حركة الجهاد في مقدمة المشاركين، وبقيت الحركة طوال الأعوام اللاحقة، وما تزال، في طليعة الحركات الرافضة للمسار التفاوضي.

اقرأ أيضاً: هل تتنازل طهران دون إطلاق رصاصة واحدة بعد تصنيف "الحرس الثوري" إرهابياً؟
وهكذا؛ فإنّ إيران لم تعتمد في علاقتها مع الفلسطينيين على تأسيس علاقات مباشرة مع السلطة الفلسطينية، الجهة الممثلة رسمياً للفلسطينيين، بل فضّلت إقامة علاقات وصلات مع تنظيمات أقرب لها، مثل الجهاد وحماس، وقدمت لهم أشكالاً مختلفة من الدعم، من المالي إلى اللوجستي والعسكري، وساهمت بذلك في تكريس الانقسام الفلسطيني وإطالة أمده.
واليوم، يعدّ أكرم العجوري، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في الخارج، المشرف الأول على العلاقات مع إيران، وكان يتمتع بصلة وثيقة مع القائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني؛ حيث يقوم بدور المنسق الرئيس بين الحرس الثوري الإيراني والجهاد الإسلامي.

تداوم حركة الجهاد الإسلامي على إحياء "يوم القدس العالمي" الذي أطلقه الخميني عام 1979

في اليمن
توافرت في اليمن عدة عناصر جعلت منه مكاناً مرشحاً لتصدير الثورة الإسلاميّة، حيث تضعف سلطة الدولة المركزية هناك، في ظل حضور وسيطرة العامل القبلي، كما يوجد في اليمن انقسام طائفي، وهناك تحديداً أقلية شيعية، ولو أنّها من غير الإثني عشرية، من الطائفة الزيدية.

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري" منظمة إرهابية: معضلة الميلشيا والدولة.. تداعيات القرار الأمريكي
بداية من الثمانينيات؛ بدأت السفارة الإيرانية بتقديم دعوات للشباب اليمني لزيارة إيران والتعرّف على تجربة الثورة الإيرانية، واجتذبت خصوصاً الشباب الزيديّ، ومن بين هؤلاء الشباب، برز اسم حسين بدر الدين الحوثي، الذي قام رفقة مجموعة من العائدين من طهران، مثل محمد عزان، وعبد الكريم جدبان، بتأسيس تنظيم "الشباب المؤمن"، عام 1992، في محافظة "صعدة"، شمال اليمن، والذي تطوّر وعرف لاحقاً باسم جماعة "الحوثيين"، نسبة لمؤسسها.
ومنذ مرحلة التأسيس، برز مدى تأثر حسين الحوثي، في خطبه وكتاباته بنموذج الثورة الإيرانية ومبادئها، وقائدها الإمام الخميني، ومع تصاعد الصراع الداخلي في اليمن، وتزايد بوادر المواجهة مع الحكومة اليمينة، رفعت الحركة علنياً شعار "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل"، وتحديداً بعد عام 2001، في مرحلة كان نظام الحكم اليمني قد تموضع ضمن التحالف الأمريكي للحرب على الإرهاب، ولم يبدِ أيّة معارضة للمواقف الأمريكية، وتحديداً حرب العراق، عام 2003، فجاء رفع الشعار من قبل الحوثيين في أطر المواجهة المتصاعدة مع صنعاء، والتي تستند في جذورها إلى حالة من التهميش والإقصاء لمحافظة صعدة.

اقرأ أيضاً: تصنيف الحرس الثوري الإيراني تنظيماً إرهابياً يقيد تحرّكات قاسم سليماني في العراق
ومع حلول عام 2004؛ اندلعت المواجهات المسلحة المباشرة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، فيما عرف بـ "الحروب الست"، والتي استمرت حتى عام 2010، ومنذ الحرب الرابعة، عام 2007، بدأت تظهر تأثيرات "حزب الله" على أساليب قتال الحوثيين، وكذلك على الهرم التنظيمي للجماعة.
ومع دخول منعطف ثورة الشباب اليمنية، عام 2011، أخذت الأحداث منحى جديداً، مع اختيار الجماعة الانقلاب على مسار الحوار الوطني، وتمددها عسكرياً في المحافظات اليمنيّة، وصولاً حتى دخول العاصمة صنعاء في أيلول (سبتمبر) عام 2014.

اقرأ أيضاً: حزب الله يستعد للأسوأ بعد تصنيف الحرس الثوري إرهابياً
وتتواتر الدلائل عن توافر الدعم الإيراني للجماعة؛ فعلى مستوى التدريب وتقديم الاستشارات، كان رئيس الأركان الإيراني، محمد باقري، قد صرح بذلك مؤخراً في أكثر من مناسبة، منها ما جاء في كلمته في أحد المراكز التعليمية التابعة لقوات "الحرس الثوري"، قال: "اليمنيون اليوم تمكنوا من إسقاط العديد من الطائرات الحديثة، وهذا بالطبع لأنّ علوم الثورة الإسلامية ودعمنا المعنوي كان وراءهم"، وكذلك تصريحاته في مقابلة لمحطة "فونيكس" الصينية، التي أقرّ فيها بوجود دور لـ "حزب الله" في عمليات التنظيم والتدريب للحوثيين.
وعلى مستوى السلاح، تكرّر حديث السلطات عن إيقاف زوارق وسفن متجهة إلى اليمن تحمل أسلحة قادمة من إيران، واشتهر منها سفينة "جيهان"، التي تمّت السيطرة عليها، في كانون الثاني (يناير) عام 2013، عندما كانت في طريقها إلى ميناء "ميدي"، الواقع حينها تحت السيطرة الحوثية.

مقاتلون حوثيون يرفعون صورة "حسين الحوثي" مؤسس الجماعة الذي قتل عام 2004

يتمحور خطاب الحرس الثوري والمجموعات المرتبطة به حول مقولة المواجهة الحاسمة مع "إسرائيل" والإعداد المستمر لها، وكثيراً ما تكون مقولة مركزية في مراحل التأسيس وعمليات التحشيد والشرعنة لهذه المجموعات وأنشطتها، وحول هذه النقطة يعلق د. خالد الحروب، أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة "نورث ويسترن" في قطر، في حديثه لـ "حفريات": "مرّ على ثورة الخميني أكثر من أربعين عاماً؛ أي إنّها أكبر عمراً من نصف عمر "إسرائيل"، ومنذ اليوم الأول وأحد شعاراتها المدويّة هو محاربة "إسرائيل"، وتطوّر لاحقاً إلى إبادتها، كما في عهد الرئيس الأسبق، أحمدي نجاد، وخلال الأربعين عاماً لم يحدث هناك أيّ صدام مباشر بين إيران و"إسرائيل"، بل إنّ كلّ الصدامات التي انخرطت فيها إيران كانت مع العرب وعلى أراضٍ عربية".

اقرأ أيضاً: ليلة القبض على الحرس الثوري
ويشير ذلك بحسب الحروب إلى أنّ "رفع شعار فلسطين والممانعة، وسوى ذلك، هو نسخ الممارسة سيئة الصيت نفسها التي اشتهرت بها بعض الأنظمة العربية؛ لأنّ قضية فلسطين ومسألة الممانعة توفر رافعة الشرعيّة الوحيدة أو الأهم للنظام الذي يستخدمها، إما داخلياً كما فعلت بعض الأنظمة العربية، وإما إقليمياً مثل حالة إيران. وتوافر هذه الشرعية اللفظية والشعاراتية المسوّغ الذي تستخدمه الأنظمة، وأحياناً الأحزاب والحركات لتبرير سياسات وممارسات وقمع ما كان له أن يحدث أو يمرّ بالسهولة نفسها في حال لم تتوافر تلك الشرعية".

 

للمشاركة:

النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟

2020-02-20

تعد السينما من أبرز الفنون متابعة واهتماماً من قبل الجمهور، وتحمل ملامح الفن مجتمعة، متمثلة في الفكر والكلمة والصورة والصوت واللون؛ فمنذ اللقطة الأولى لـ"الفن السابع" كان الإنسان هو محور ما يتم تصويره، وشغل حيز الصورة والفكرة التي تُقدم.

ينتهي فيلم الأفوكاتو مديحة (1950) بصفعة من البطل على وجه زوجته إعلاناً منه استردادَه لدوره!

وفي خضم هذه الثورة البصرية التي أحدثتها الصورة السينمائية شهد العالم تطوراً على صعيد آخر، وهو الصعيد الفكري والاجتماعي؛ أو بمعنى أدق تغير وإحلال نقاط التركيز التي طالما شغلت الفكر العام، ومصر لم تكن بمعزل عن هذا التغيير الفكري والحركات الفكرية التي نشأت، سيما في اشتباكها مع القضايا المتعلقة بالمرأة.
ومع مطلع القرن العشرين شكل التوجه النسوي، الذي انتشر سابقاً في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عنصر جذب للعديد من النساء المتعلمات اللاتي وجدن فجوة كبيرة بين وضعهن ووضع النساء الأخريات في الغرب، لهذا وجب عليهن التفكير وطرح تساؤل مهم، وهو: لِمَ لا نتمتع بالحقوق المماثلة للرجل؟ فكيف عالجت السينما المصرية هذه القضية، وهل اشتبكت بشكل مقنع وجادّ مع هذه التساؤلات الجديدة التي فرضها إيقاع الحداثة والتغيير؟
نقاش مجتمعي
سينمائياً، التساؤل المجتمعي عن حقوق المرأة العربية طرح بدوره العديد من الأسئلة، هل تعاني المرأة حقاً من تهميش؟ ومن المتسبب في هذا؟ وكيف يتم التعامل مع هذا الوضع؟
لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة سهلة في مطلع القرن العشرين، ويعود هذا إلى غياب الوعي الكامل لدى أغلب النساء بوضعهنّ، وهو ما يصعّب مهمة المطالبات بتحسين هذا الوضع، أو فتح باب النقاش له، كما أنّ قنوات الاتصال لتوصيل هذه الفكرة وتداولها وطرحها للنقاش المجتمعي لم تكن متوفرة إلا عن طريق الجرائد الأهلية وبعض المجالس النقاشية التي لم تكن متاحة للجميع، فضلاً عن هيمنة العنصر الأبوي الذي لن يسمح بتداول مثل هذه الأفكار، فهي تمسّ مكانته في المجتمع والدور الريادي الذي يقوم به.

لعبت كل من ملك حفني ناصف وهدى شعراوي دوراً رائداً، في تاريخ الحركة النسائية المصرية، وفي أفكار هذه الحركة الفكرية الجديدة، لم يكن مفهوم النسوية الإسلامية قد حضر بقوة في طرحهن بعد، كما تم بعد ذلك، لكنهن فتحن المجال لتداول أفكار جديدة كحق الفتيات في التعليم وزواج القاصرات والحجاب والدور السيادي للرجل، الذي يكفل له إخضاع المرأة دون وجه حق.

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟
تنفست الحركة النسوية الصعداء مع ثورة 1919 ومساندة الحركة النسوية لتلك الثورة المجيدة كفلت لها شهرة أوسع كما مكّنت النساء من إثبات دورهن وحقهن مجتمعياً، لهذا اعتبرت ثورة 1919 ثورة فكرية ومجتمعية تقدمية إلى جانب كونها ثورة سياسية.
صفعة ذكورية تعيد التوازن!
اعتمد فكر النسوية الإسلامية على تحرير النص المقدس من التفسيرات التي حُمِّل بها من قبل المفسرين الرجال، وسعت النسويات إلى إعادة تأويل النصوص في ضوء نظرة الإسلام الأصلية للمرأة، كونها شريكاً في الحياة لا عنصراً خاضعاً ومضطهداً، فيما بعد بفعل التفسيرات التي جعلتها شيئاً؛ لا إنساناً له حق في القرار وتحديد المصير.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
وسط هذا الجدل، لم تكن النسوية الإسلامية "المُسايِرة للسيطرة الذكورية" وأفكارها بعيدة عن الفنون، خاصة السينما التي هيمن عليها الفكر الذي تنبع منه، وهو الفكر الذكوري، أفرز أفلاماً تتلاءم معه، وتقدم رؤيته في القضايا التي شغلت الرأي العام، وتأتي رداً على مساعي بعض النساء لنيل حقوقهن عن طريق المنابر الفكرية، كما في فيلم الأفوكاتو مديحة (إنتاج 1950) لمؤلفه ومخرجه يوسف وهبي، الذي قدّم رؤيته للمجتمع والمرأة في أفلام عدة.

قدّم وهبي في هذا الفيلم نمط المرأة في صورة فتاة استطاعت أن تواصل تعليمها؛ حتى حصلت على شهادة الحقوق وأصبحت "أفوكاتو"، تُصوَّر مديحة على أنّها فتاة تهتم بالمظاهر، ولا تعنى بالجوهر، وهو ما دفعها لرفض الزواج بابن عمها، الذي تعتبره كأخيها، كما ترفض نمط الحياة الريفية التي نشأت فيها من البداية، خطابية وهبي لم تقف عند ما حملته شخصيته التي جسدها في الفيلم، شخصية "محمد أفندي أخو الأفوكاتو مديحة"، بل وصلت إلى ألسنة الشخوص الأخرى، مثل جابر بيه، الذي قدم دور صاحب العزبة التي يعمل بها محمد أفندي ناظراً، فمثّل خطابُه لزوجته قرب نهاية الفيلم تصوراً عاماً لنظرة الرجل لوضع المرأة، ويخبرنا هذا الخطاب بأنّه إذا ما تولّت المرأة زمام الأمور فقد يفسد كل شيء، وينتهي هذا الخطاب بصفعة على وجه زوجته إعلاناً منه استردادَه لدوره!
سياسة الاحتواء
بصورة أقل حدة، قدم فيلم الأستاذة فاطمة (إنتاج 1952)، فاطمة خريجة الحقوق التي تسعى لشق طريقها المهني بجوار جارها عادل الذي تربطها به علاقة حب؛ على وشك الانهيار نتيجة لخلاف فكري ومادي متمثل في تمسكها بخوض تجربة العمل، يقدم الفيلم نماذج متباينة من الرجال، الأول والد فاطمة، الذي يعاني من الأمية ويتعلم القراءة والكتابة، وقُدمت الشخصية بصورة كوميدية لكنها تحمل فكراً تقدمياً لدعم ابنته لاستكمال مسيرتها التعليمية والمهنية، ليس إيماناً منه بقدراتها وإنما حتى يتغلب على جاره، والد عادل.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

أما عادل فهو شاب نابغ يمتلك مقومات النجاح، ويرى في فاطمة داعماً مهماً له، وعليها أن تكتفي بدورها بمساندته في المنزل كزوجة ترعاه، ويشتد الخلاف بينهما بعد إصرارها على مزاولة مهنة المحاماة، ويقدم الفيلم خطاباً احتوائياً لرغبة المرأة في المشاركة بالمجتمع وتحقيق حضور موازِ للرجل، عن طريق تولّيها لقضية اتُّهم بها عادل واستطاعت فاطمة تبرئته، لكنها اختارت في النهاية أن تكون كما أراد هو.

النسوية والاستقطاب
إنّ دعم قضايا المرأة ونقاش وضعها في المجتمع لم يكن تماشياً مع الثورة الفكرية الحاصلة وسط جموع النساء فحسب، بل تم توظيفه لخدمة أفكار وأوضاع سياسية واستقطابات قائمة فنجاح مشاركة النساء في ثورة 1919 تواءم مع الأفكار التقدمية التي حملتها تلك الثورة، كما استشعرت حركات أخرى قوة العنصر النسائي وقرّرت تقديمه في كنفها حتى تضمن احتواءها له، وهو ما حصل في حركة الأخوات المسلمات "الجناح النسائي لتيار تنظيم الإخوان المسلمين"، حيث رأى حسن البنا في تيار النسوية التقدمية الذي ترأسته هدى شعراوي تهديداً، وأسّس تياراً يقابله، تم تحديد دور الأخوات به للتصدي للحركة التحررية المدنية، التي شن عليها هجوماً كبيراً فور تأسيس جماعة الإخوان المسلمين العام 1928، إذ يرى البنا أنّ دور المرأة يقتصر على الإدارة المنزلية وتربية الأطفال.

سينما البدايات ذات الفكر الذكوري مثّلت رداً على مساعي بعض النساء لنيل حقوقهن عن طريق المنابر الفكرية

اعتمد خطاب لبيبة أحمد، أول رئيسة لقسم الأخوات المسلمات، على توضيح دور المرأة كراعية لأسرتها وسبيل التربية السليمة لأطفالها، وأكملت زينب الغزالي، إحدى رائدات هذا التيار داخل الجماعة، هذا النهج الذي واجه الكثير من الانتقادات، لا يمكن اعتباره نسوية إسلامية، فالتيار الذي تبنته الغزالي اعتمد على خضوع المرأة كمجند لخدمة الفكر الذي تقدمه الجماعة، فهو تيار ينمو ويتبلور في كنف الرجل/المرشد، دون التفكير في إعادة قراءة النصوص وتفسيرها، وكسبيل لاحتواء المرأة قدمت ثورة 1952 إجازة قانونية لمطالبات الحركة النسوية، من الحق في التعليم والإنتخاب والمشاركة في الحياة العملية والمجال العام، في المقابل تم منع الجمعيات التي نشطت في مجال حقوق المرأة من مزاولة أي نشاط سياسي واقتصر الأمر على الأعمال الخيرية، وبهذا تم تأطير وضع المرأة ليتناسب مع التوجه الناصري في المجتمع.

تمكين صوري
يعد فيلم مراتي مدير عام (إنتاج 1966) نموذجاً جيداً لقراءة مفهوم الاحتواء الذي أقامته الدولة الناصرية، تحت رعاية الرئيس جمال عبد الناصر، فالفيلم يقدم نموذجاً تقدمياً للمرأة العاملة بل والرئيسة في مجال عملها، حتى إنها ترأس زوجها في عمله، ويكشف الفيلم عن طريق الحوار تفوُّقَ هذه السيدة في دراستها الذي أهّلها لتصبح مديراً عاماً رغم صغر سنّها.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
لا يمكن اعتبار دور الرجل في هذا الفيلم معرقلاً لمسيرتها، لكن يظهر ما في صميم نفسه من أفكار يحملها، ومعه الكثير من الرجال والنساء أيضاً، فهذا فكر مترسخ منذ أعوام عديدة بل وعقود وقرون متزامنة، هذه الأفكار تكشف رؤيته للمرأة كونها تعمل على خدمة زوجها لا أكثر، رغم ندم الزوج على ما تفوه به، إلاّ أنّ هذا الحديث الذي لا يتعدى الدقائق يوضح نظرة الأغلبية للمرأة، فرغم خروجها لمجال العمل إلا أنّها ما تزال أقل بدرجة أو درجتين، وتم تغليف الأفكار الذكورية بغلاف تقدمي زائف.

يقدم "الاستاذة فاطمة" (1952) خطاباً احتوائياً لرغبة المرأة بالمشاركة مجتمعياً وتحقيق حضور موازِ للرجل

هذه الرؤية المتناقضة التي تتعامل مع ما وصلت له المرأة كونه منحة من الرجل/ اليد العليا في المجتمع، تراها النسوية الإسلامية تراكمات فكرية وعقائدية نتيجة لتفسيرات لخدمة الرجل، فالسواد الأعظم مما يتم تداوله من أفكار يعود إلى فكر ذكوري يعتمد على طرح يلائم الرجل ويجعله السيد في الموقف، ولا يحمل بالضرورة بنية سيئة أو مضرّة بالفطرة، وإنما لأنه توارث هذا؛ وبالتالي فسيكون تطبيقه تلقائياً في الحياة ومن ثم القوانين، فالقوانين تعتمد على ما سبق والموروث، وبالتالي فهي دائرة ذكورية استمرت على مر العصور والحقب، فالقراءة الأبوية الذكورية هي التي سمحت بالعنف والتمييز ضد النساء، وليس الإسلام أو النص القرآني.

تراكمات فكرية
يتعرض فيلم أريد حلاً (إنتاج 1975) إلى أزمة مجتمعية آنذاك، وهي قضايا الطلاق ورؤية القانون الوضعي الإنساني وتفسير القانون الديني (القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام والتفاسير الأولى للطلاق والزواج والمعاشرة بين الزوجين)، وفي تصريح واضح ومواجهة للمُشاهِد/ المجتمع عن المُسلَّمات التي جاءت في النصوص الإسلامية، مثل الذمة المالية المنفصلة للمرأة وحق المرأة في الطلاق، يصرح الفيلم في حواره بأنّ الشريعة الإسلامية شيء وتطبيق القانون شئ آخر.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
وتماشياً مع هذا النهج أيضاً يطرح فيلم كرامة زوجتي (إنتاج 1967) نسقاً يتعلق بمساواة المرأة والرجل في سياق الاستقامة الزوجية؛ يقدم الفيلم في سياق كوميدي خفيف، لكن يلتفت إلى حق المرأة في استقامة زوجها، طالما طالبها هو والشرع والمجتمع والقانون بهذه الاستقامة من جانبها.

يعد فيلم مراتي مدير عام (1966) نموذجاً جيداً لقراءة مفهوم الاحتواء الذي أقامته الدولة الناصرية

في هذا السياق قدمت "ملك حفني ناصف" منذ ما يقارب قرناً من زمننا الحالي هذه الفكرة في كتابها "نسائيات"،"كيف تُحرّم التهتك على النساء دون الرجال"، كما أشارت إلى الميراث الذي نحمله في عقولنا ونطبقه دون تفكير أو وعي.
هذا الطرح وما شابهه قدمته السينما المصرية في الكثير من الأفلام، وعلى سبيل المثال ثلاثية نجيب محفوظ التي وجدت طريقها للسينما عن طريق المخرج حسن الإمام، مثل ثنائية في قصر الشوق (إنتاج 1957) في الشخصيات النسائية وهي "زنوبة" الراقصة اللعوب وأمينة الزوجة المخلصة لزوجها، أمينة لم تكن تملك من أمرها سوى الانصياع وتربية الأبناء وغض البصر عن كل التجاوزات التي يفعلها أحمد عبد الجواد، ولا يعود هذا وحسب لجهلها بما يفعل، وإنما بتكرار وتوارث هذا النموذج أمامها، فكيف تشتكي وقد نشأت على طبيعية هذه الأفعال من الرجل، فاللاتي سبقنها في الزواج حدث لهن هذا أيضاً واستمررن في العيش دون رفض، زنوبة التي يريدها أحمد عبد الجواد تتزوج ابنه ياسين بعد ذلك، هذا الابن الذي يحمل خصال والده، ويعتبر نتاجاً طبيعياً أفرزه سلوك الأب، فياسين رغم عمره وإشرافه على العقد الثالث إلا أنه مراهق يخشى من والده ويحاول الفكاك منه فيتشبه به ويفعل ما يفعله، رغبة منه في إعلان نفسه كرجل، واتخذ زواجه من زنوبة عنوان هذا الإعلان، وبهذا فالضحية ليست المرأة وحسب وإنما الرجل أيضاً في صور متباينة.

ولا عزاء للسيدات
فيلم "ولا عزاء للسيدات" (إنتاج 1979) قدم بخطاب توجيهي بعض الشيء قصة سيدة مطلقة، تعاني من الأحاديث المثارة حولها لمجرد أنها مطلقة، في الوقت الذي لم ترتكب فيه خطأً، وجُل ما تتمناه في هذه الحياة هو العيش بهدوء هانئة، فمن دون سبب أصبحت موصومة وعليها التعامل مع هذا الوضع حتى وإن لم تكن هي الراغبة في الطلاق أو الساعية له.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
أمّا المخرج رأفت الميهي قدم العلاقة بين الرجل والمرأة ووضعهما الاجتماعي عن طريق الفانتازيا، ففي فيلم السادة الرجال (إنتاج 1987) قدم العبور الجنسي كسبيل تستطيع من خلاله فوزية العيش بكرامة وحق بعد أن تعرضت للمضايقات في الشارع والعمل وحتى في المنزل من قبل زوجها، يطرح الفيلم تساؤلاً مهماً، ماذا إذا أصبح نصف المجتمع ساعياً لأن يكون رجلاً حتى ينال الحقوق؟ سنفقد التوازن الطبيعي في الحياة والمجتمع، السؤال الأهم، هل نعتمد بأن نكون كلنا رجالاً حتى نحصل على الحقوق أم أن هناك سبيلاً آخر يكفل العيش بكرامة وبعدل للطرفين وبدوره التوازن المجتمعي؟

"ولا عزاء للسيدات" (1979) عالج بخطاب توجيهي قصة سيدة تعاني من مضايقات كونها مطلقة

تستمر فانتازيا الميهي في قلب الأوضاع كسبيل للنقد والجدل بعد ذلك، ظهر هذا بوضوح في فيلم سيداتي آنساتي (إنتاج 1989) أي بعد عامين من تقديم فيلم السادة الرجال، وفيه لا يلقي باللوم على الرجال أو على النساء وإنّما الأوضاع الاجتماعية والظروف التي أوصلت العلاقة بين الطرفين إلى طريق أشبه بالصراع وأنهكهما الشد والجذب، متطرقاً إلى نقطة الاستقلال المادي إذا ما توفرت لدى أحد الطرفين فإنه سيتغول.
تظهر النساء في هذا الفيلم مستقلات وقادرات على إدارة حياتهن، مع هذا فالسعادة الحقيقية غير مكفولة لا للنساء أو الرجال بالفيلم، يقف هذا العمل على أعتاب علاقة التعدد بطرح مغاير عن المعتاد، فتعدد الزوجات أمر مفهوم مجتمعياً، لكن السبيل له في هذا الفيلم مختلف تماماً عن المألوف، فالنساء الأربعة يقررن الزواج من محمود، هذا الرجل الحاصل على شهادة الدكتوراه، التي لا تعود عليه بالنفع ولا تكفل له حياة كريمة وما يدفعه لقبول عرض الأربع نساء بزواجه منهن في سبيل أن يعيش في الشقة معهن.
تقوم العلاقة على المنفعة المتبادلة بين الأطراف، كما أنّ النساء في هذا الفيلم هنّ الحلقة الأقوى، فهن يملكن الشقة/ السكن، وكذلك العصمة/ الاستقرار، قلب الأوضاع قلب معه التوازنات المعتادة، فالرجل هو من بات يستجدي زوجته ويحاول إرضاءها، كما يقوم بالمهام المنزلية.
حتى اللحظة لا يمكن الجزم بإدراك السينما المصرية لحركة النسوية الإسلامية أو مواكبتها لها رغم التقاطعات معها في بعض الأفلام، وهو أمر طبيعي فالسينما صورة لخيال وواقع وحقيقة ونفس تسعى للإجابة عن تساؤلات مختلفة، تختلف باختلاف أفكارنا ورؤيتنا للحياة.

للمشاركة:

كيف استغل أردوغان تزييف التاريخ العثماني في ليبيا؟‎

صورة حامد فتحي
باحث مصري في حقل الدراسات الإسلامية
2020-02-20

تختلف قراءة الفترة العثمانية في المنطقة العربية بين دولةٍ وأخرى تبعاً لعدّة عوامل، منها قوّة وجود جماعة الإخوان المسلمين في المشهد الثقافي والتربوي والأكاديمي، وعوامل موضوعية تتعلق بالاستعمار الغربي، وهذا العامل تحديداً يؤثر بشكل كبير على نسيان جرائم العثمانيين، بسبب تقادمها، وحلول جرائم الاستعمار بدلاً منها، مثل حالة الجزائر.

اقرأ أيضاً: ما الذي بقي من الثقافة العثمانية في العالم العربي؟
إلّا أنّ استغلال أردوغان للتاريخ العثماني كما في الحالة الليبية وشمال أفريقيا، بعد تحريفه، وتقديمه في صورة الجنّة المفقودة، الّتي يعد بها العرب ثانيةً، يجعل لزاماً علينا التصدي له بالقراءة الموضوعية، فالماضي العثماني مليء بالجرائم بحقّ العرب، في جميع الأقطار. وما كاد هذا الجرح يندمل حتّى ظهر أردوغان وأتباعه خاصة من الإخوان لتزيينه! فهل حقّاً عاشت ليبيا، ودول شمال أفريقيا ليالي مجدها تحت الحكم العثماني؟

الغزو الإسباني
دأب العثمانيون الجدد (أردوغان وأتباعه من الإخوان) على ترديد مقولة مفادها أنّ العثمانيين أنقذوا شمال أفريقيا من الغزو الصليبي، فهل هي مقولة صادقة؟
يوحي السرد الأوّلي لدخول العثمانيين شمال أفريقيا بصدق المقولة، لكنّها لا تصمد أمام القراءة الواعية للأحداث، والتي تكشف عن أطماعٍ عثمانيةٍ في التوسّع على حساب الأراضي العربية.

اقرأ أيضاً: عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!
لا تنفصل أحداث الاستعمار الإسباني لطرابلس ووهران وعدّة مدن ساحلية عن الصراع بين العرب والإسبان في الأندلس؛ فعندما انتقل الأندلسيون إلى شمال أفريقيا، بعد طردهم العام 1503، قام هؤلاء بالاشتراك في أعمال القرصنة البحرية ضدّ الثغور الإسبانية، وكانت هذه النوعية من الأعمال في ذلك الوقت متبادلةٌ.

تختلف قراءة الفترة العثمانية بين دولة وأخرى تبعاً لعدّة عوامل أبرزها قوّة وجود جماعة الإخوان

في تلك الأثناء كان العثمانيون قد أحكموا سيطرتهم على شرق المتوسّط، بعد استيلائهم على القسطنطينية العام 1453، ثم على الشام ومصر العام 1517، ثمّ رودس العام 1523. وتزامنت مآسي طرد المسلمين من الأندلس في عهد أوج القوّة العثمانية، إلّا أنّ هؤلاء لم يتدخّلوا لحماية المسلمين بأيّ شكلٍ، وما يتردّد عن مساعدات القراصنة الأخوين عروج (بربروس) فلا يُنسب للعثمانيين، فلم يكن هؤلاء بعد يدينون بالولاء لهم، ولم يفعلوا سوى نقل المسلمين على مراكبهم، مثل غيرهم من مُلّاك السفن؛ إذ كانت عملية النقل تتمّ بإشراف الإسبان، وفق ما ذكره صالح عبّاد في كتابه "الجزائر خلال الحكم التركي".

اقرأ أيضاً: بلاد الشام والمطامع العثمانية القديمة
لم يلتفت العثمانيون إلى مناطق الشمال الإفريقي عندما تعرّضت للغزو الإسباني، ففي العام 1505 احتلّ الإسبان ميناء المرسى الكبير في الجزائر، ثمّ مدينة وهران العام 1509، ثمّ مدينة بجاية العام 1510، ومدينة طرابلس، ومدينة الجزائر في نفس العام، وهاجم الإسبان تونس.

تزامنت مآسي مسلمي الأندلس في أوج قوّة العثمانيين إلّا أنّهم لم يتدخّلوا لحمايتهم بأيّ شكلٍ

قاومت الدويلات الحاكمة من حفصيين وبني زيان ومملكة كوكو وأهل ليبيا الإسبان، ودخلت بعض المدن المستقلّة في علاقاتٍ سياسيةٍ واقتصادية معهم، وظلّ الوضع كذلك حتّى مجيء الأخوين بربروس. وعلى الرغم من التفكّك السياسي في المنطقة إلّا أنّها تمتّعت بعلاقاتٍ اقتصاديةٍ متميّزةٍ مع مدن إيطاليا، حتّى الغزو الإسباني، ودخول الأتراك المنطقة، الّذي جرها إلى حلبة الصراع العثماني-الإسباني.
في كتابه يقول صالح عبّاد: "كان للوجود الإسباني والتركي على السواحل الجزائرية انعكاس سلبي على المبادلات التجارية الّتي كانت تتمّ بين الجزائر وأوروبا المطلة على البحر المتوسّط".

"الأخوين بربروس"
عمل عروج قبل انتقاله إلى الجزائر قرصاناً، وتعود جذوره إلى جزيرة يونانية، وهو من أم مسيحية وأب تركي مسلم، ومطلع القرن 16 انتقل نشاط القرصنة من الحوض الشرقي للبحر المتوسّط إلى الحوض الغربي، ربّما للسيطرة التركية الواسعة على تلك المنطقة، وعدم وجود قواعد خلفية للقراصنة، مثل تلك الّتي توفرها بيئة الشمال الأفريقي المُفكّكة.

اقرأ أيضاً: الدولة العثمانية... خلافة أم إمبراطورية؟
حصل عروج بربروس على حقّ الإرساء والتموُّن في الموانئ التونسية، من حكّامها الحفصيين، مقابل دفع نسبةٍ من غنائمه، ونجح عروج بربروس، وفي معيّته أخواه خير الدين وإلياس في نيل شهرةٍ واسعةٍ، وتكوين أسطول قوي بعد انضمام عددٍ من القراصنة إليه، ممّا شجع أهالي بجاية على طلب المعونة منهم لاستعادة المدينة من الإسبان العام 1512، إلّا أنّ المحاولة فشلّت.

خضعت طرابلس الغرب لحكم فرسان مالطة حتّى هزيمتهم على يد العثمانيين العام 1551

وفي العام 1514 استردّ عروج بمساعدة القبائل العربية مدينة جيجل من الإسبان، وتمّت مبايعته سلطاناً عليها، ولمّا كانت المدينة تابعة للحفصيين من قبل فقد خاف من مطالبتهم بها، فنقل مقرّه من تونس إلى هذه المدينة، وبدأ في الاتّصال بالعثمانيين للحصول على الدعم، وكانت هذه المرّة الأولى لعروج للاتّصال بالعثمانيين، وبغرض حماية مكتسباته، وليس بهدف الجهاد الإسلامي كما يزعم العثمانيون الجدد.
حاول عروج استعادة بجاية ثانيةً إلّا أنّه لم يُوفّق، وعاد إلى مقرّه في جيجل، وهناك جاءه مبعوثٌ من السلطان العثماني، على رأس 24 سفينةً حربيةً، وبذلك دخل العثمانيون شمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: العثمانيون والإفلاس الحضاري
تكشف قدرة الأسطول العثماني على الوصول بسلامٍ إلى مناطقٍ جديدةٍ عن مقدرةٍ بحريةٍ وصل إليها العثمانيون، مكّنتهم فيما بعد من احتلال رودس، إلّا أنّ ذلك يكشف في الوقت نفسه عن أنّ العثمانيين لم ينظروا لشمال أفريقيا كقضية جهاد إسلامي ضدّ الإسبان، ولم يتحرّكوا لنجدة سكّانها منذ أوّل غزو إسباني العام 1505، ولم يتحرّكوا إلّا حين لاحت لهم فرصة لتحقيق مكاسب كبيرة بدون مجهود كبير، وذلك حين اتّصل بهم عروج.
يؤكّد على ذلك طبيعة الحكم العثماني في شمال أفريقيا لاحقاً، فقد ظلّت ليبيا، وتونس، والجزائر محكومةً من قبل رياس البحر الأتراك (القراصنة)، ثمّ الانكشارية، ولم تخضع للحكم المباشر سوى طرابلس الغرب في العام 1832، وظلّت المنطقة لقرون تخضع اسمياً للعثمانيين، ولا تدفع الضرائب لهم، فلماذا قبل العثمانيون بهذا الوضع؟

اقرأ أيضاً: عندما تحالَف العثمانيون مع المرض والجهل
الإجابة تعود إلى عدّة أسباب منها: الخوف من التكلفة الكبيرة للسيطرة المباشرة، واتّساع هذه البلاد، وعدم وجود قوى محلّية قادرة على إدارة البلاد لصالحهم مثل المماليك في مصر. وعلى الرغم من اتّصال العثمانيين برّاً بشمال أفريقيا بعد احتلالهم مصر العام 1517 إلّا أنّهم لم يتقدّموا لإنقاذ شمال أفريقيا من الإسبان، وخصوصاً طرابلس الّتي ظلّت خاضعةً لفرسان مالطة حتّى العام 1551.

أطماع عثمانية
لا يُنكر أحد محاربة العثمانيين للإسبان في شمال أفريقيا، إلّا أنّ تلك الحرب جاءت خدمةً لمصالحهم في المقام الأوّل، ونتاجاً لعقيدة الغزو والهيمنة، ويدل على ذلك الأوضاع المزرية الّتي عاشها سكّان شمال أفريقيا تحت الحكم العثماني حتّى تسليمه البلاد للاحتلال الأجنبي.
منذ العام 1516 بدأ عروج التوسّع في شمال أفريقيا لحسابه الخاص، مدعوماً بالعثمانيين، ففي العام 1516 دعاه أهّل مدينة الجزائر لمساعدتهم على طرد الإسبان من حصن البنيون الّذي تحصّنوا فيه. دخل عروج المدينة بمساعدتهم، ثمّ قام باغتيال أميرها العربي سالم التومي الّذي استقبله في قصره، لينفرد بالمدينة ويتّخذها قاعدّةً لنشاط القرصنة، ورغم ذلك فشل في اقتحام البنيون.

العثمانيون لم ينظروا لشمال أفريقيا جهادياً فلم يتحرّكوا لنجدة سكّانها إلّا حين استشعروا تحقيق مكاسب كبيرة بسهولة

يقول صالح عبّاد: "لقد لبّى عروج الدعوة لأنّه وجدها فرصةً لا تُعوّض للسيطرة على مدينة الجزائر الأهم بكثير من جيجل الصغيرة، سواء من حيث عدد سكّانها أو من حيث إنّها كانت مدينة قرصنة، أو من حيث موقعها الّذي يتوسّط سواحل المغرب"، وبعد ذلك تدخّل عروج في صراع أبي زيان مع عمّه أبو حمو على عرش تلمسان، ودعم أبي زيّان، فلجأ أبو حمو للإسبان، وتمكن بمساعدتهم من استعادة العرش، وقُتل عروج العام 1518.
بمقتل عروج في مغامراته التوسّعيّة، انتقلت القيادة إلى أخيه خير الدين في مدينة الجزائر. خوف خير الدين من الإسبان دفعه إلى الاتّصال بالسلطان العثماني سليم الأوّل العام 1519، فبعث إليه رسولاً يطلب الدعم، ويقدّم آيات الولاء، فلبّى العثمانيون طلبه، وبعثوا بفرمان وقفطان التولية له، وعيّنوه حاكماً من قبلهم على الجزائر، وأرسلوا إليه 2000 انكشاري، وفتحوا باب التطوّع للرّاغبين لتشكيل جيش انكشاري في الجزائر، وشمل الفرمان السماح بسكّ العملة باسم السلطان، والخطبة له، وهكذا دخلت الجزائر رسمياً في الحكم العثماني.

اقرأ أيضاً: ثلاثة أطماع عثمانية
متمتّعاً بدعم العثمانيين بدأ خير الدين في إخضاع الإمارات العربية في الجزائر، وتصدّى للإسبان، واصطدم بالحفصيين في تونس، وبعد صراعات عدّة مع مملكة كوكو الجزائرية، انتهت بهزيمتهم العام 1525، خضعت الجزائر كافةً للعثمانيين، ثمّ تبعتها تونس العام 1534، ليفقدها العام 1535 على يد الإسبان، الذين قدموا لإعادة السلطان المخلوع مولاي الحسن الحفصي، وطردوا خير الدين.
إزاء هزائمه ترك خير الدين الجزائر، والتحق بالأسطول العثماني باعتباره قائداً، فقد عينه السلطان سليمان القانوني في المنصب العام 1334، عقب انتصاره المؤقت في تونس. ولاحقاً نجح علج عليّ والي الجزائر في السيطرة على تونس العام 1569، ثمّ استعادها الإسبان العام 1573، ليستعيدها الأتراك العام التالي.

أكاذيب الصلابي
أما عن ليبيا فقد خضعت طرابلس الغرب لحكم فرسان مالطة حتّى هزيمتهم على يد العثمانيين العام 1551. يُردّد المؤّرخ الإخواني اللّيبي علي الصلابي رواية مكذوبة، عن قيام وفدٍ من أهالي مدينة تاجوراء الليبية بزيارة إسطنبول العام 1519 لطلب النجدة من العثمانيين، وبناءً على هذا الطلب تدخّل العثمانيون، واستولوا على طرابلس العام 1551، لكنّ الحقيقة غير ذلك.

الصلابي كأنه يشبّه دعوة طرابلس لتركيا ومرتزقتها ضد الجيش الوطني اللّيبي بتلبية العثمانيين لإنقاذ أجدادهم من الإسبان

هذه الرواية نقلها الصلابي عن ابن غلبون، الّذي عاش في بداية حكم القرمانليين في ليبيا، وكان مقرّباً منهم، فعمل على شرعنة حكمهم، فكان ذلك سبب اختلاقه لهذه القصّة في كتابه "التذكار فيمن ملك طرابلس، وما كان بها من الأخبار".
وتعليقاً على ذلك كتب المؤرّخ الليبي الشيخ الطاهر الزاوي، ومُحقّق كتاب ابن غلبون ما يلي: "ممّا يشكك في صحّة رواية هذا الوفد أنّ الأسطول العثماني كان موجوداً في البحر الأبيض، وأن القوّاد العثمانيين كانوا يحاربون في الشمال الأفريقي، وفي تاجورة وهذا ما يجعل النجدة قريبةً، توفر على الطرابلسيين مشقّة السفر إلى الآستانة".
يتّفق محمد بازامه مؤلّف كتاب "ليبيا في عشرين سنة من حكم الإسبان" مع الزاوي، ويقول: "نقطة واحدة في هذا الأمر تجعلنا نتحفّظ في قبول فكرة دعوة أهل تاجوراء هذه؛ تلك هي طول الفترة الزمنية بين سفر الوفد، ومجيء الأتراك إلى طرابلس واشتراكهم في الصراع، والتي امتدّت لأكثر من 10 سنوات".
يعلّل بازامه اختلاق هذه الرواية بقوله: "يرتكز شكُّنا إذا كان لهذه النقطة قيمةً على أساس ما للدولة العثمانية من مصالح سياسية في اختلاقها ودسّها على التاريخ" وهذه المصالح هي "أنّ الأتراك لم يأتوا فاتحين مستعمرين، وإنّما جاؤوها مُلبّين دعوة أهل البلد، فهم بالتالي أصحاب الفضل في هذا المجيء".

روّج المؤرخ الإخواني علي الصلابي رواية مكذوبة لزيارة وفدٍ من تاجوراء العام 1519 لطلب نجدة العثمانيين

عادت هذه الرواية المكذوبة إلى تصدّر الواجهة الإعلامية عقب توقيع الاتفاقية الأمنية، واتفاقية ترسيم الحدود، بين حكومة الوفاق في طرابلس، والتي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين، ودولة تركيا. فكأنّ لسان حال الصلابي في لقائه مع وكالة الأناضول بتاريخ 9 كانون الثاني (يناير) 2020، يقول إنّ وصول مرتزقة أردوغان، هو بمثابة تلبيةٍ لدعوة أهل طرابلس، كما لبّى أجدادهم دعوتهم لإنقاذهم من الإسبان الصليبيين، وكأنّه يُشبه الجيش الوطني اللّيبي بالغزاة الإسبان.
بعد تصريحات الصلابي انطلقت الماكينة الإعلامية للإخوان، وتركيا لتنشر التصريحات على نطاقٍ واسع، لتبييض صورة الماضي العثماني في ليبيا، ولترويج فكرة أنّ التدخل العسكري التركي سيُعيد إلى ليبيا الجنّة العثمانية المفقودة.

خيانة العثمانيين
لا تنفي القراءة الموضوعية للتاريخ أحداث الحروب العثمانية الإسبانية، إلّا أنّها تضعها في سياقها الحقيقي، وهو الرغبة العثمانية في التوسّع والهيمنة، والّتي تلاقت مع طموح الأخوين بربروس (عروج وخير الدين) في إنشاء دولةٍ لهما في منطقة شمال أفريقيا المُفكّكة.

روّجت الماكينة الإعلامية للإخوان وتركيا تصريحات الصلابي على نطاقٍ واسع لتبييض صورة الماضي العثماني في ليبيا

والسؤال الأهم من محاولة الإخوان شرعنة احتلال قوى أجنبية لبلادهم، وهو أمر دأبوا عليه، حين شرعنوا الغزو التركي لسوريا والعراق، ثمّ الآن ليبيا، هو كيف سقطت شمال أفريقيا (ليبيا، تونس، الجزائر) بيد الاستعمار الإيطالي والفرنسي؟ وأين كان العثمانيون من ذلك؟
الإجابة على هذا تطول، وفي كتب التاريخ ما فيه الكفاية، ويمكن تلخيص مسؤولية العثمانيين عن ذلك بما يلي: أنّ الحكم العثماني لم يُفد شمال أفريقيا شيئاً، بل سخر هذه البلاد لخدمة رفاهية طبقة محدودة العدد من الحكّام والجنود الأتراك. وحوّلوها إلى قواعد للقرصنة، وأرهقوا الأهالي بالضرائب والغرامات، دون تقديم أية خدماتٍ لهم، وتسبّبت القرصنة في جلب العدّاء الأوروبي لشمال أفريقيا، وتعرّضت بسببه مدن الساحل للقصف مرّات عدّة. أدّى فساد الحكم التركي، وتدمير الحياة الاقتصادية، وإثارة النعرات القبائلية لضرب القبائل ببعضها، إلى وقوع البلاد فريسة سهلة في يد الاحتلال.
لم يكتف العثمانيون بتخريب شمال أفريقيا، بل سلّموا الجزائر للمحتل الفرنسي العام 1831، حين قايض الداي حسين الجزائر مقابل خروجه بثروته الطائلة وأسرته إلى مصر، وسلّموا تونس العام 1881 حين قبل صادق باي بالحماية الفرنسية، ورفض قيادة المقاومة. وتركوا ليبيا للطليان بتوقيع معاهدة أوشي العام 1912، الّتي تنازلوا فيها عن ليبيا لإيطاليا، وتخلوا عن المقاومة الوطنية بقيادة السنوسيين، فهل هذه الجنّة التي يُبشر بها أردوغان وحلفاؤه؟

للمشاركة:



الحوثيون يعيقون وصول المساعدات لليمنيين.. وثائق وشهادات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية استغلال المنظمات الإغاثية الدولية، التي تحاول مساعدة الشعب اليمني المنكوب.

وكشفت وثائق أممية؛ أنّ الميليشيات فرضت على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات الإغاثة لهذا البلد الذي مزقته الحرب.

وأكّدت الوثائق، التي حصلت عليها وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية؛ أنّ الميليشيا الانقلابية أخضعت الوصول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرتهم لمجموعة شروط ترفضها وكالات المساعدات، وذلك لأنّها ستمنح الحوثيين نفوذاً أكبر في تحديد من يتلقى تلك المساعدات.

الميليشيات الحوثية تفرض على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات

ونقلت عن مسؤول رفيع المستوى بالأمم المتحدة، فضّل عدم الكشف عن هويته؛ أنّ جهود الحوثيين لعرقلة الإمدادات الإنسانية عاقت كثيراً من برامج توفير الغذاء للنازحين جراء الحرب ذات الأعوام الستة، مضيفاً "أكثر من 2 مليون مستفيد تأثروا بشكل مباشر".

وظلت الأمم المتحدة، إلى حدّ كبير، ملتزمة الصمت تجاه الضغوط التي تتعرض إليها، لكن خلف الكواليس لم تتراجع المنظمة أو المتبرعون الدوليون عن موقفهم المعارض لمطالب الحوثيين.

والتقت "أسوشيتد برس" 7 من العاملين والمسؤولين في الأمم المتحدة ووكالات مستقلة بشأن الوضع، وجميعهم تحدثوا شرط عدم كشف هويتهم، فضلاً عن أنّها اطلعت على عشرات الوثائق، من بينها رسائل بريد إلكتروني لمسؤولي مساعدات.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أرسلت ليز جراندي، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، خطاباً إلى رئيس الوزراء الذي عينه الحوثيون، تشكو فيه بشأن قائمة طويلة من المطالب.

وقالت جراندي في الخطاب: "الغالبية العظمى من تلك المطالب تعوق وتؤخر إيصال المساعدات، وكثير من بنودها تنتهك المبادئ الإنسانية".

وعلى مدى عدة أشهر، طالب الحوثيون بالحصول على حصة 2% من الميزانية الإجمالية للمعونات، وهو شرط رفضته الأمم المتحدة والمتبرعون، وفق "إسوشيتد برس."

وكالة برنامج الغذاء العالمي تفكّر في قطع مساعدات الغذاء التي تستهدف 12 مليون يمني شهرياً

وفي رسالة بريد إلكتروني؛ قال المتحدث باسم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: إنّ محاولات الحوثيين لفرض ضريبة على المساعدات الإنسانية غير مقبولة وتتعارض بشكل مباشر مع المبادئ الإنسانية الدولية.

وطبقاً للوكالة الأمريكية للتنمية، تبرعت الولايات المتحدة بـ 686 مليون دولار إلى اليمن عام 2019.

والأسبوع الماضي، بدا أنّ الحوثيين يتراجعون عن شرط الـ 2%، لكن ما يزالون يواصلون الضغط من أجل امتيازات أخرى، طبقاً لمسؤول مساعدات.

وتفكّر وكالة برنامج الغذاء العالمي في قطع مساعدات الغذاء، التي توصلها إلى 12 مليون يمني شهرياً، بحسب ما قاله مسؤول بالأمم المتحدة، موضحاً: "لسوء الحظ؛ الشعب سيعاني، لكنّ الحوثيين لا يمكنهم استخدام الناس كرهائن لفترة طويلة".

 

 

 

للمشاركة:

الكورونا الجديد يجتاح مدينة قم الإيرانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد، في مستشفى بمدينة قم.

ورغم تأكدات وكالة الأنباء الرسمية "إرنا"؛ أنّ المصابين الذين توفيا لم يسافرا خارج إيران، أو خارج مدينة قم، قبل إصابتهما، إلا أنها نقلت لاحقاً خبر قرار إقفال المدارس والجامعات في المدينة، اليوم، كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس.

وأكّد نائب وزير الصحة لوسيلة إعلام محلية عدم اكتشاف إصابات خارج مدينة قم، حتى الآن، لكن شبكة "بي بي سي" الفارسية علمت أنّ 25 شخصاً يخضعون الحجر الصحي في المستشفى ذاته في قم، بسبب الاشتباه في إصابتهم بفيروس "كوفيد 19".

وزارة الصحة الإيرانية تؤكد وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد

هذا وقد أعلنت بكين، اليوم، أنّها رصدت، خلال الساعات الـ 24 الماضية، 394 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجدّ، في أدنى حصيلة يومية يسجّلها الوباء في الصين، منذ حوالي شهر، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات الناجمة عن الفيروس في الصين القارية إلى 2118 حالة، بعد أن سجّلت مقاطعة هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، 114 حالات وفاة خلال الساعات الـ 24 الفائتة.

وقالت لجنة الصحة الوطنية في تحديثها اليومي لحصيلة الوفيات والإصابات؛ إنّ الغالبية العظمى من هذه الإصابات الجديدة سجّلت في هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، في حين سجّلت 45 إصابة جديدة فقط في سائر أنحاء البرّ الرئيس للصين.

وبحسب الحصيلة الجديدة؛ فقد بلغ عدد المصابين بالفيروس في عموم أنحاء الصين القارية 74500 مصاب.

السلطات الإيرانية: إقفال المدارس والجامعات في قم كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس

وأعلنت منظمة الصحة العالمية؛ أنّ المواطن الأجنبي الذي سُجلت إصابته بـ "كوفيد 19" في مصر لم يعد يحمل الفيروس، لكنّه سيبقى 14 يوماً في الحجر الصحي.

وأعلن مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحفي؛ أنّ المعلومات الآتية من الصين تشير إلى انخفاض عدد الإصابات الجديدة.

وأضاف: "رأينا ظهوراً منتظماً لحالات جديدة خارج الصين، لكننا لم نرَ بعد استمراراً لانتشار الفيروس داخل البلاد، عدا في ظروف خاصة، مثل ما حصل في سفينة "دياموند برنسيس"".

 

 

للمشاركة:

تراجع الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها.. بماذا تأثرت؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تراجعت الليرة التركية مجدداً، اليوم، لتظلّ قرب أدنى مستوياتها في التداولات العادية منذ أيار (مايو) الماضي، مع تخوف المستثمرين من تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية؛ حيث تقترب أنقرة من مواجهة عسكرية.

وسجلت الليرة 6.0895 مقابل الدولار في الساعة 0534 بتوقيت غرينتش، بعد أن ضعفت إلى 6.1 في معاملات خفيفة مبكرة، ومقارنة مع 6.0845، أمس، وفق "رويترز".

وأظهرت بيانات من معهد الإحصاء التركي، اليوم؛ تراجع مؤشر ثقة المستهلكين إلى 57.3 نقطة في الشهر الحالي، عن 58.82 في الشهر السابق.

الليرة التركية تنهار على وقع تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية والمواجهات العسكرية

وفي أيار (مايو) الماضي، لامس المؤشر 55.3، أدنى مستوياته منذ نشر البيانات للمرة الأولى في 2004، مع سقوط الاقتصاد في الركود، ويشير مستوى ثقة دون 100 إلى نظرة تشاؤمية، بينما تعني أيّة قراءة فوق 100 التفاؤل.

وانخفضت الليرة بنسبة 11% في العام الماضي، لأسباب من بينها توغل عسكري تركيا في سوريا، لتصل خسائرها على مدى عامين إلى 36%، ويقول متعاملون إنّ بنوكاً حكومية تبيع الدولار لدعم العملة خلال اضطراب السوق.

وتهدف الإجراءات الحكومية، التي شملت فرض قيود على الصرف الأجنبي ومتطلبات الاحتياطيات بهدف تعزيز الإقراض، إلى تحقيق استقرار في العملة في الوقت الذي يتعافى فيه الاقتصاد المتعثر من ركود. وتتوقع أنقرة أن يقفز النمو إلى معدل 5% هذا العام وهو ما يزيد عمّا يتوقعه معظم المحللين.

المرصد السوري: عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" بسوريا يرتفع  إلى 39 نقطة

 وفي الإطار الميداني في إدلب، الذي يلقي بظلاله على الليرة، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم؛ أنّه رصد دخول رتل عسكري تركي من معبر كفرلوسين شمال إدلب في سوريا، مشيراً إلى أنّ الرتل يتألف من 80 شاحنة وعربة مصفحة ودبابات.

وأوضح المرصد، عبر حسابه على "تويتر"؛ أنّ القوات التركية أنشأت نقطة عسكرية جديدة في قرية بزابور بجبل الزاوية.

وأشار إلى أنّه رصد، قبل ساعات، تمركزاً للقوات التركية في أعلى قمة "النبي أيوب" الإستراتيجية، التي تشرف على مناطق جبل الزاوية وسهل الغاب، إضافة إلى أجزاء من طريق حلب-اللاذقية الدولي.

وقال إنّه رصد إنشاء نقطة عسكرية بالقرب من بلدة بسنقول الواقعة على الطريق ذاته.

وأشار إلى أنّ عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" يرتفع بذلك إلى 39 نقطة.

مسؤول تركي: تركيا تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب لضمان الأمن

ويرتفع أيضاً عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت المنطقة ذاتها، بحسب المرصد، خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر شباط (فبراير) الجاري وحتى الآن، إلى أكثر من 2535 شاحنة وآلية عسكرية تركية إلى الأراضي السورية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، بينما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة إلى أكثر 7300 جندي تركي.

هذا وقد صرّح مسؤول تركي، اليوم؛ بأنّ بلاده تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب، شمال غرب سوريا، كأحد الخيارات لضمان الأمن في المنطقة.

وأضاف المسؤول، دون ذكر اسمه، لوكالة "رويترز": "إيران وتركيا وروسيا تخطط للاجتماع في طهران، مطلع آذار (مارس) المقبل، لمواصلة مناقشة الوضع المتأزم في إدلب، والأزمة السورية".

ولفت المسؤول إلى أنّ وفداً روسياً قد يأتي إلى أنقرة قبل الاجتماع في طهران لإجراء مزيد من المحادثات حول إدلب.

 

للمشاركة:



اليمين المتطرف: البعد الجديد لتصاعد الإرهاب في ألمانيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مارسيل فورستناو، بيتر هيله

أحد عشر قتيلا بينهم الجاني الذي استخدم السلاح بسبب الكراهية والعنصرية. هذا الاعتداء يبين أن خطر الإرهاب اليميني يتصاعد في ألمانيا ويشكل خطرا على السلم الاجتماعي فيها.

الجاني أطلق النار داخل اثنين من مقاهي تدخين النارجيلة (الشيشة) في بلدة هاناو بالقرب من فرانكفورت وقتل تسعة أشخاص وجرح على الأقل أربعة. ويبدو أنه قتل أمه ونفسه. وفي شريط فيديو روج الرجل قبلها لكراهية عرقية ونظريات مؤامرة. والسلطات لم تتعرف إلى حد الآن على توبياس ر.، كما قال وزير داخلية ولاية هسن بيتر بويت. وهل كان له اتصال مع يمينيين متطرفين آخرين وهل خطط للهجوم منذ وقت طويل، كل هذه الجوانب تحاول النيابة العامة التحقيق فيها.

الواضح هو أن خطر الإرهاب اليميني ازداد مؤخرا في ألمانيا. فالشرطة الجنائية الألمانية تصنف حاليا نحو 60 شخصا كخطيرين قد يرتكبوا إلى جانب حملهم الأفكار اليمينية المتطرفة أعمال عنف واعتداءات. ومنذ 2012 ارتفع عدد الأشخاص الخطيرين من الوسط اليميني المتطرف بشكل ملحوظ.

من الخيال إلى الفعل

وحجم قوة التهديد بصفة عامة يكشف عنها رقم من تقرير المخابرات الذي يؤكد أن 12.700 يميني متطرف "يميلون إلى العنف". وتواصلهم يحصل أكثر من ذي قبل عبر الانترنيت. فالمجال الافتراضي له مفعول تحفيزي، إذ أن خلية إرهابية تم الكشف عنها مؤخرا  تطرفت عبر الشبكة العنكبوتية. وهذا ينطبق أيضا على شتيفان ب. الذي كان يعتزم في أكتوبر 2019 تنفيذ مذبحة داخل كنيس يهودي في بلدة هاله.

في كفاحها ضد المتطرفين السياسيين والدينيين تقف سلطات الأمن أمام مشكلتين كبيرتين: من يترجم  خياله العنيف إلى أفعال ومن يقف وراء ذلك؟ وهذه القضايا ينشغل بها النائب العام كريستوف هيبكير من مكتب الجريمة في الانترنت في ولاية شمال الراين وستفاليا. فمنذ فبراير 2018 سُجلت حوالي 1000 دعوى جنائية متصلة في أغلبها بالوسط اليميني، كما قال في حديث مع دويتشه فيله. وكل دعوى جنائية تقريبا تحولت إلى إجراءات تحقيق. والمشكلة تتمثل في صعوبة "إخراج الناس من السرية".

مداهمات ضد مجموعة إرهابية مفترضة

والجمعة من الأسبوع الماضي فقط تمكنت الشرطة خلال مداهمة من الكشف عن مجموعة إرهابية. ففي عدة أماكن في ولايات متعددة فتشت الشرطة شقق 13 شخصا. وتم وضع أربعة إرهابيين مفترضين وثمانية مساعدين في الحبس الاحترازي. وتتهمهم النيابة العامة في كارلسروه بأنهم أرادوا التسبب في " ظروف مشابهة لحرب أهلية"، وذلك من خلال "اعتداءات غير ملموسة بعد" ضد سياسيين وطالبي لجوء ومسلمين. وللوهلة الأولى يبدو أن الشرطة والمخابرات والنيابة العامة تمكنت في الوقت المناسب من محاصرة مجموعة إرهابية. لكن الجزء الأهم في العمل ينتظر المحققين وهو تأكيد الاشتباه الحاصل بشكل مقنع حتى يتم توجيه التهمة للمشتبه بهم.

المحاكمة ضد فرانكو أ. لم تبدأ بعد

وصعوبة ذلك تكشف عنها حالة الجندي الألماني الموقوف عن العمل فرانكو أ.. فالملازم الأول قبع في 2017 طوال سبعة شهور في الحبس الاحترازي بسبب الإعداد "لهجوم خطير مهدد للدولة". ووُجهت له تهمة التخطيط لاعتداءات ضد سياسيين مشهورين، بينهم وزير الخارجية الحالي هايكو ماس ونائبة رئيس البرلمان كلاوديا روث.

وبالرغم من أن المتهم قام بجمع أسلحة ومتفجرات وتدوين أسماء ضحايا محتملين، رفضت المحكمة العليا في فرانكفورت أولا فتح تحقيق جنائي ضد فرانكو أ. والتعليل: "ليس هناك اشتباه جرمي كافي". وأكدت المحكمة العليا في فرانكفورت بالفعل أن اليميني المتطرف المفترض له "موقف قومي ومعادي للسامية"، واعتبرت في آن واحد أنه "من المرجح جدا" لم يكن "مصمما بعد" على تنفيذ الاعتداءات المخطط لها. لكن بعد اعتراض من النائب العام يجب على فرانكو أ. المثول أمام المحكمة بسبب الاشتباه بالإرهاب. ولا يُعرف متى تبدأ المحاكمة. والتصنيف الجنائي لهذه الحالة يؤكد تعقيد العقبات القانونية في ألمانيا رغم العديد من التعديلات القانونية، وبالتالي ليس مؤكدا أن المشتبه بهم بالارهاب الاثنى عشر المعتقلين منذ أيام ستُوجه لهم في النهاية التهمة.

تشديد عقوبة جرائم الكراهية

على الأقل قد يتم قريبا معاقبة جريمة الكراهية في الانترنت بشكل أقوى. وعرضت الحكومة الألمانية مشروع قانون يوم الاربعاء 19 فبراير/ شباط 2020. وفي حال وافق البرلمان بغالبية، يمكن ملاحقة تهديدات القتل والاغتصاب في الانترنت بعقوبة السجن حتى ثلاث سنوات. وإلى حد الآن تصل هذه العقوبة إلى سنة واحدة. وبشكل مشدد أكثر يُراد معاقبة الاعتداء على سياسيين محليين بعقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات. وتشديد القوانين المبرمج هو رد فعل على التهديدات المتزايدة بحق سياسيين عبر الانترنيت. وهذا ما حصل مع المسيحي الديمقراطي فالتر لوبكه من ولاية هسن قبل أن يتم إطلاق النار عليه في يونيو 2019 من قبل يميني متطرف مشتبه به.

ومن المتوقع أن يكلف قانون جديد لمكافحة جرائم الكراهية في ألمانيا الجهاز القضائي نحو 24 مليون يورو سنويا، وذلك في شكل تكاليف إضافية ناتجة عن تعيين مزيد من وكلاء المدعي العام والقضاة، وفقا لتقديرات الحكومة الألمانية.

وقال المدير التنفيذي لاتحاد القضاة الألمان، سفن ريبين إن هذا المبلغ ليس كبيرا إذا قورن بمئات الآلاف من الجرائم التي قد تحصل بفعل قواعد التسجيل الجديدة للشبكات الإلكترونية. وأضاف ريبين في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية أنه من المهم أن يكون القضاء الألماني قادرا على تنفيذ القانون الجنائي بشكل واسع النطاق، في ظل تشديد هذه القواعد، وذلك لردع الجناة.

وبموجب القانون الذي أقره مجلس الوزراء الأربعاء، تلتزم المواقع الإلكترونية مثل فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام بإبلاغ المكتب الاتحادي للتحقيقات الجنائية عن منشورات بعينها فور نشرها، وهو ما ينطبق، على سبيل المثال، على الدعاية النازية والتحضير لجريمة إرهابية، ومنشورات العنف، إضافة إلى تهديدات القتل والاغتصاب ونشر صور الاعتداءات الجنسية الجسيمة بحق الأطفال. ورحب المدير التنفيذي لاتحاد القضاة بهذه الخطوة وقال إن الحكومة "صبرت كثيرا على فيسبوك وشركاه، وذلك من خلال سياستها المترددة ضد جرائم الكراهية".

واتخذت سلطات الأمن الألمانية في السنوات الأخيرة عدة إجراءات، بينها حظر بعض المجموعات اليمينية المتطرفة، إلا أن هذه الإجراءات على ما يبدو لم تأت بعد بمفعولها الرادع.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:

أردوغان واللعب مع الكبار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

محمد خلفان الصوافي
الدعم التركي العسكري والسياسي للتنظيمات الإرهابية التي تقاتل في سوريا تحت مظلتها منذ العام 2012 وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام" المصنفة إرهابيا على مستوى العالم والتي كانت معروفة بـ"جبهة النصرة"، هي قصة لها مغزاها العميق في العرف السياسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تعاملاته مع الدول الأخرى في العالم.

سيتطلب الأمر من أردوغان إعادة النظر في سياساته القائمة على الابتزاز والتهديد لكل من يتعامل معه من دول الجوار وغيرها، وسيتطلب منه تصحيح المسار الاستراتيجي له في المنطقة؛ لأنها مساحة لكل دول العالم.

وقد نجح هذا العرف التركي في عدد من المواقف خاصة مع الدول الأوروبية، حيث كان يمارس عليهم "لعبة الابتزاز" ويهددهم بتلك التنظيمات وبفتح باب الهجرة غير الشرعية، واستطاع أردوغان من خلالها تحقيق الكثير من المكاسب الاقتصادية والسياسية، ولكن هذه المرة تبدو "الحكاية" لها دلالة أخرى مع روسيا بوتين غير تلك التي يعرفها الجميع، فهي دليل أزمة وورطة أوجد نفسه فيها من خلال ممارساته غير محسوبة العواقب، وتمادى فيها لدرجة أنه اعتقد أن أسلوبه يمكن تمريره على الجميع.

وتشير الأنباء الواردة من موسكو إلى أن المحادثات الروسية-التركية التي تنتهي اليوم ستثبت أن روسيا مصرة على أن يقوم الجيش السوري بتطهير كافة أراضيه من الجماعات الإرهابية التي تقاتل بجانب الرئيس التركي ومثلت تهديداً لاستقرار المنطقة، وأن الرئيس التركي لم يعد بتلك القدرة على المناورة السياسية، حيث لا يوجد حليف غربي يستطيع دعمه نتيجة لمغامراته السياسية.

هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن نستنتجها من الدعم التركي للتنظيمات الإرهابية في هذا التوقيت الذي يبدو أنه الورقة الأخيرة في إنقاذ مشروع طموحاته السياسية، أبرزها: أن أردوغان بدأ يشعر بالقلق من أن يجد نفسه خارج المعادلة الاستراتيجية في المنطقة، خاصة أنه يدرك أن الجيش السوري يلقى دعما جويا من حليفه الجديد روسيا، وبسببه فإن السوريين يحققون نتائج إيجابية في تحرير بلادهم من هذه الجماعات.

ومن تلك المعاني أيضا أن "الفهلوة" التي اتبعها أردوغان مع الأوروبيين لم تنجح في ابتزاز الروس الذين باتوا يحفظون أسلوبه القائم على "التذاكي" على الأمريكان الحليف التقليدي، وقد استغله بوتين في زعزعة حلف الناتو، وبات يعاني سوء إدارة إلى أن عقد مع بوتين صفقات سياسية وعسكرية وشراء منظومة صواريخ روسية.

يصل قلق أردوغان إلى درجة أن تلك الجماعات التي قامت بلاده بتدريبها قد تنقلب عليه وتوجه أسلحتها تجاهه، وبالتالي فإن أردوغان يحاول أن ينقذ ما يمكن على الأقل ألا يخرج خالي الوفاض من سوريا، ومن المنطقة كلها بما فيها ليبيا.

النتيجة أن أردوغان حاليا يعيش مأزقا سياسيا حقيقيا، فهو مثلما كان في فترة ما يتولى مهمة استفزاز الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة من الدول العربية بطرق مختلفة مثل دعم الإخوان المسلمين وشن حملات إعلامية مغرضة وتوثيق علاقاته مع إيران، وكان يصب هذا في صالح استراتيجية بوتين وهدفه الكبير، وهو إضعاف الولايات المتحدة، والعمل على استغلال حماس بشكل جيد، فإنه الآن يحاول (أردوغان) أن يمارس اللعبة نفسها مع الغرب والتحول من روسيا بعدما تأكد أن الروس بدأوا يبحثون عن مصالحهم بعيدا عنه، ولكنه يبدو أنه لن ينجح هذه المرة، وأصبح عاجزا عن البقاء مع الروس أو العودة إلى الولايات المتحدة ليس فقط أنه بات مكشوفا، ولكن المصالح بين الولايات المتحدة وروسيا تتطلب التعامل المباشر بينهما وبعيدا عن تركيا التي عادت العالم.

السؤال: هل يمكن للغرب إنقاذ أردوغان من الغضب الروسي الذي ربما يضطر إلى المواجهة المباشرة مع تركيا في سوريا، وبالتالي إعادة أردوغان إلى الصف الغربي وإنقاذه من المأزق الذي وضع نفسه فيه بعدما تنكر له بسبب طموحاته؟!

في السياسة كل شيء قابل للحصول، ولكن هذه المرة سيتطلب الأمر من أردوغان إعادة النظر في سياساته القائمة على الابتزاز والتهديد لكل من يتعامل معه من دول الجوار وغيرها، وسيتطلب منه تصحيح المسار الاستراتيجي له في المنطقة لأنها مساحة لكل دول العالم، وسيكون عليه تبني سياسة عقلانية مع الحلفاء التقليديين، ومع ذلك تبقى الكلمة الأخيرة في الوضع الحالي بالنسبة لتركيا في يد كل من روسيا والولايات المتحدة وليس أردوغان.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان في المصيدة السورية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

حافظ البرغوثي
يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر حالياً؛ لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة الزحف السوري في إدلب.

يطالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحظر السلاح في ليبيا، لكنه ينتقد الخطة الأوروبية بمراقبة الحدود البرية والجوية والبحرية لمنع تدفق السلاح إلى ذلك البلد، فهو يريد حظراً على قوات الجيش الوطني الليبي فقط، في حين يرسل قواته وأسلحته ومرتزقته إلى طرابلس؛ بل قال في تجمع لنواب حزبه قبل أيام إنه سيواصل دعم حكومة السراج حتى تبسط سيادتها على كل الأراضي ليبيا، وأيضاً تحدى أروغان روسيا بانتقاده التدخل الروسي في معركة إدلب قائلاً، إن محادثات موسكو لم تسفر عما يرضي تركيا، وهدد الجيش السوري بهجوم مفاجئ في منطقة إدلب، وقال إنها مسألة وقت.

فالرئيس التركي يتحدى أوروبا وروسيا معاً في الشأنين السوري والليبي. فما الذي يجعله يتحدث من موقف التحدي؟ أغلب الظن أنه يراهن على علاقاته الخفية مع الرئيس الأمريكي ترامب، حيث إن العلاقات بين الرجلين أكبر من أن تكون دبلوماسية، وهي وثيقة جداً لدرجة أن أردوغان لم ينتقد ترامب بعد إعلانه عن صفقة القرن واكتفى بمهاجمة الأنظمة العربية، علماً بأنه أجرى اتصالاً مع الرئيس ترامب قبل إعلان الأخير صفقته بساعات يوم الثلاثاء 28 الماضي، وشن الإعلام التركي هجمة على الصفقة وأوعز للمعتمرين في مكة بالهتاف للقدس مع أن السفارة «الإسرائيلية» في مكانها بأنقرة والعلاقات مع تل أبيب في أوجها سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

فالرئيسان أردوغان وترامب لديهما قناة سرية للاتصال تتثمل في صهريهما جاريد كوشنر وبورات البيرق زوج ابنة أردوغان، يضاف إليهما رجل الأعمال التركي الأمريكي علي يلجينداع، وهو شريك تجاري لترامب. من هنا نفهم المواقف الحازمة التي يأخذها ترامب ضد تركيا، ثم سرعان ما يتراجع عنها كما في أزمة شراء الصواريخ الروسية «إس 400»، واجتياح شمالي سوريا. فبعد التهديد بفرض عقوبات قاسية على تركيا نجده يتراجع بسرعة. فقد استأجر يلجينداع اسم ترامب لإطلاقه على برجين في إسطنبول ودفع لترامب ملايين الدولارات لقاء ذلك، كما يقول الكاتبان الأمريكيان ديفيد كيرباتريك، واريك ليبتون. فالرئيس ترامب كما قال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية الأسبق إريك أيدلمان، يستبدل بالعلاقات الرسمية علاقات تجارية وصداقة بعيداً عن المؤسسات الرسمية، وهو ما يشكل قلقاً للأمريكيين. فالعلاقة الأردوغانية الترامبية تتخذ طابعاً عائلياً وتجارياً، حيث غفر ترامب لأردوغان الهجوم على القوات الكردية في سوريا، وهي قوات دربها وسلّحها وموّلها الأمريكيون، وتغاضى عن اجتياح شمالي سوريا لخلق منطقة آمنة تحت سيطرته.

من هنا نفهم سر العلاقة الخاصة التي يستند إليها أردوغان في تحديه لروسيا وأوروبا معاً في الشأنين السوري والليبي.

يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر حالياً، لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة الزحف السوري في إدلب، وسيطرة الجيش السوري بدعم من الطيران الروسي على معرة النعمان وسراقب، ومحاصرة نقاط مراقبة تركية وتجاهل حلف الأطلسي لطلب أنقرة بالمساعدة. فالروس ليسوا على استعداد لمنح تركيا موطئ قدم تفاوضياً على مستقبل سوريا بعد الذي بذلوه عسكرياً واقتصادياً لاستعادة فرض السيادة السورية على كل أراضيها، ويلومون تركيا؛ لأنها نقضت تعهداتها في الاتفاق على المنطقة الآمنة ولم تعزل تنظيم «النصرة» الإرهابي.

أما الخيار العسكري ضد الجيش السوري فهو يزيد الوضع التركي الداخلي تدهوراً، وينذر بمواجهة عسكرية مع روسيا وإيران معاً، ما يعني معركة طويلة الأمد لها عواقب خطرة، خصوصاً في الداخل التركي؛ لأن أنقرة ستغرق في المستنقع السوري ولن تستطيع الخروج سالمة.

موسكو ترى أنه يجب على أنقرة الرضوخ للأمر الواقع، وقبول تقدم الجيش السوري في إدلب ليستعيد أراضيه المحتلة من تركيا والإرهابيين، فهل يقبل أردوغان نصيحة بوتين؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية