قطري بن الفجاءة.. حين يكون الناسك العابد دموياً

9754
عدد القراءات

2019-08-20

عندما اقترب الموت من قطري بن الفجاءة، رأس الخوارج الأزارقة، أقبل عليه، ولم يدبر، مردّداً قول الله تعالى: "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى".
لم يشكّ هذا الرجل لحظة في أنّه قد يكون على باطل، أو أنّ الدماء التي سفكها ستلاحقه في الآخرة، بل كان موقناً أنّه ذاهب إلى ملكوت ربه، ليتنعم في جنته.
قد لا تتفق عقائد فرق الخوارج، على تعدّدها وتنوعها، مع الجماعات الجهادية المعاصرة، لكن هناك مشتركات أُخَر، في الأداء والنفسية.
لم يكن الخوارج مجرد قتلة تكفيريين بل كانوا يملكون عواطف متدفقة

ازدواجية التطرف
لم يكن الخوارج مجرد قتلة تكفيريين؛ بل كانوا يملكون عواطف متدفقة، ومن هنا كانت تكمن إشكاليتهم، وتعقيداتهم المزدوجة، التي يصعب على الدول والمجتمعات تفكيكها.
يقول ليفي ديلافيدا، في دائرة المعارف الإسلامية: كان قطري بن الفجاءة، مثل عدد من مشاهير الخوارج، ذا موهبة حقيقية في الشعر والخطابة، ويتضح في القطع التي وصلت إلينا من شعره، أسلوب رفيع، واحتقار بطولي للموت.

اقرأ أيضاً: المهلّب بن أبي صفرة: كاسر شوكة الخوارج
لا يبرز الكثيرون من أمثال قطري، إلا عندما يكونون رقماً في المعادلة السياسية والدينية، ولذا فلا يعرف أحد عنه شيئاً، قبل أن يلمع نجمه في ساحات المعارك، والنزاعات السياسية.
وُلد في البادية، العام 30هـ، ويذهب البعض إلى أنّ ميلاده كان بموضع بين البحرين وعُمان، يقال له "الأعدان"، وهو مكان يُعرف اليوم بــ"المعدان"، في الجنوب الشرقي من قرية الخوير، شمال دولة قطر.
لكنّ الدار قطني ذكر في نسبه؛ أنّه قطري بن الفجاءة، واسمه الأصلي، جعونة بن عمرو بن تميم المازني، وهو ما يعني أنّ لفظة قطري هي اسم صريح له، وليست نسبة لبلدة في السواحل الشرقية من الجزيرة العربية، كما ذهب بعض المؤرخين.
شجاع مبتدع
في كتاب "تاريخ التراث العربي"، لفؤاد سزكين، ذكر أنّه كان يُكنَّى بـ "أبي محمد"، في زمن السلم، أما في زمن الحرب، فكان يكنى بـ "أبي نعامة"، نسبة إلى اسم فرسه، وتوفّي العام 78هـ.
ومع أنّ قطري كان رأساً للغلاة الأزارقة من الخوارج، إلا أنّ كتب التاريخ وصفته بصفات إيجابية، مثل؛ الشجاعة والزهد والتنسك، ولم تأبه إلى ما كان يؤمن به من أفكار متطرفة، ولم تنكر ما كان له من شيم، فقال عنه ابن كثير: "من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين".

كتاب "تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين
كما قال صاحب كتاب "سنا المهتدي" في وصفه: "كان طامة كبرى، وصاعقة من صواعق الدنيا في الشجاعة والقوة، وله مع المهالبة وقائع مدهشة، وكان عربياً مقيماً، مغرماً وسيداً عزيزاً، وشعره في الحماسة كثير".
كان قطري من أصحاب نافع بن الأزرق، الذي خرج على الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، بعد واقعة التحكيم، وعندما قتل نافع بدأت جماعته في البحث عن خليفة له.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
في البداية؛ وقع الاختيار على عبد الله بن هلال، وكان فارساً شجاعاً، وعندما ذهبوا إليه ليولّوه أمرهم، قال لهم: هل أدلّكم على من هو خير مني؟ من يطاعن في قُبُل، ويحمي في دبر؛ إنّه قطري بن الفجاءة، (كما أورد المبرد في الكامل).
التمدّد والسيطرة
تمدّدت ولاية ابن الفجاءة حتى سيطر على الأهواز، وأجزاء من خراسان، وبويع بالإمارة، ونودي أميراً للمؤمنين من قبل أتباعه.

لم يشكّ لحظة أنه قد يكون على باطل أو أنّ الدماء التي سفكها ستلاحقه في الآخرة

بعد موت يزيد بن معاوية، ضربت التصدعات الخلافة الأموية، واستقلّ الزبيريون بالحجاز، ثم العراق، بعد الانتصار على المختار بن عبيد الله الثقفي، وباتوا في مواجهة جيش قطري.
استعرت الحرب بين الزبيريين، والخوارج الأزارقة، لكنهم لم يحققوا نصراً عليهم، بل تعرضت جيوشهم لهزائم متلاحقة.
عند هزيمة جيش مصعب بن الزبير، أمام جيش عبد الملك بن مروان الأموي، بدأت الحرب بين قطري وعبد الملك، لكنّه ظلّ ما يربو على الثلاثة عشر عاماً صامداً، وألحق الهزيمة بجيوش الأمويين.
لم يكن الحجاج بن يوسف الثقفي قادراً على إلحاق الهزيمة بقطري

المهلب لا الحجاج
لم يكن الحجاج بن يوسف، والي ابن مروان، قادراً على إلحاق الهزيمة بقطري، لكن الوضع اختلف مع القائد الأموي المهلب بن أبي صفرة، وإن فشل في البداية عدة مرات.

لم يكن الخوارج مجرد قتلة تكفيريين بل كانوا يملكون عواطف متدفقة ومن هنا كانت تكمن إشكاليتهم

كان للمهلب قدرة على فهم عقل الخوارج وتحليل وجدانهم، وهو العالم الفقيه الحكيم، الذي فهم مبكراً أنّه في مواجهة خصم غير تقليدي، يؤمن بأفكاره بشدة، وعلى استعداد لأن يموت دونها، وهم بذلك يمثلون أشدّ الخطر على الأمة من غيرهم، كالروم المتربصين بحدود الدولة والرابضين على ثغورها.
آمن المهلب بأنّ الخوارج بأفكارهم، يمثلون خنجراً في ظهر الدولة، يمنع توسعها وتمددها، وعائقاً يحول دون استقرارها وأمنها، ولذا فإنّه نذر نفسه وبنيه لحربهم حتى القضاء عليهم قضاءً مبرماً، لكن في الوقت ذاته، كان ينظر إليهم نظرة يغشاها الاحترام، وعدم التقليل من شأنهم، ولذلك انتصر في نهاية الطريق الطويل.
بعد كرّ وفرّ في حروب طويلة، استطاع المهلب إزاحة قطري والذين معه من الأزارقة إلى أصفهان، وفي أرضها أقام قطري دولة، وجبى الأموال، فاجتمعت إليه جموع كبيرة فقوي أمره مرة أخرى، فتطلع إلى الاستيلاء على البصرة.
التصدع من الداخل
لا يكسر الخوارج القوة العسكرية الخارجية، لكن تكسرهم الخلافات الطاحنة التي تدب داخل تنظيمهم، ربما على أهون الأسباب، وهو ما حدث مع "الأزارقة".

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
دبّت الخلافات بينهم، وزاد في ذلك دهاء المهلب، الذي كان يدرك ثغرات الخوارج الفكرية، فانهزم جيش ابن الفجاءة بعدها هزيمة منكرة، بعد أن تفتتت قوته، وانفضّ كثير من أتباعه من حوله، بسبب مسألة فقهية.
كان قطري في حياته كلّها رمزاً للفتك والبطش والقوة، تشهد كتب التاريخ والسير على ذلك، لكنّه لم يدرك أن التفاف الجموع حوله كانت لأسباب عدة، منها الخوف منه ومن بطشه وجبروته.

حاول المهلب كبح جماح قطري
تقول كتب التاريخ: حاول المهلب كبح جماح قطري، فراح يكاتب أهل "إصطخر" والقرى المجاورة سرّاً، فعلم قطري بهذه المكاتبات، فهجم على إصطخر وهدمها على أهلها، وأراد مثل ذلك بمدينة "فسا"، فاشتراها منه أزاد مرد بن الهربذ بمئة ألف درهم، فلم يقربها.

اقرأ أيضاً: أدهم الشرقاوي: هل يمكن أن يتحول طالب مثقف وثري إلى لص وسفاح؟
تشبه هذه الواقعة، ما فعله أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش، بأهالي عشيرة الشعيطات، في دير الزور، بسوريا؛ إذ أمر بقتل المئات من رجالهم، بعد أن اتهمهم بخيانته، والتواصل مع خصومه من خلف ظهره، لكن القبيلة لا تنسى ثأرها، وتكمن حيناً من الدهر، حتى تحين الفرصة فتقتنصه.
أخذ الثأر
بعد قتال استمر ما يقرب من 20 عاماً لقي ابن الفجاءة مصرعه بعد أن تفرق أنصاره من حوله، وقضوا على يد مجموعات من العشائر المتطوعة لقتاله، الطالبة للثأر منه.
عندما اقترب من الموت، حدّث نفسه بهذه الأبيات:
"أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم.. على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبرا.. فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب الحياة بثوب عزّ.. فيطوي عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كلّ حيّ.. وداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لم يعتبط يهرم ويسأم.. وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة.. إذا ما عدّ من سقط المتاع".
إنّ ثقافة الموت تمكّنت من نفسية الرجل، كأنّه يحيا من أجل أن يموت ويميت، يستهين بالموت لنفسه، ويستهين به للآخرين أيضاً.
حكي عنه أنّه خرج في بعض حروبه، وهو على فرس أعجف وبيده خشب، فدعا إلى المبارزة فبرز إليه رجل، فحسر له قطري عن وجهه، فلمّا رآه الرجل تولّى عنه، فقال له قطري: إلى أين؟ فقال: لا يستحيي الإنسان أن يفرّ منك.
المهلب في مواجهة قطري
مع انتصاراته العديدة على بشر بن مروان، ومن قبله ابن الزبير، إلا أنّه كان يشعر بأنّ نهايته ستكون على يد المهلب "العنيد الماكر"، فيقول: "ألم يأتها أني لعبت بخالد.. وجاوزت حدّ اللعب لولا المهلب.. وأنّا أخذنا ماله وسلاحه.. وسقنا له نيرانها تتهلب.. فلم يبقَ منه غير مهجة نفسه.. وقد كان منه الموت شبراً وأقرب.. ولكن منينا بالمهلب إنّه.. شجيّ قاتل في داخل الخلق منشب".

كان قطري من أصحاب نافع بن الأزرق الذي خرج على الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

لقد كان قطري يحترم المهلب، ويعطيه قدره، بخلاف رأيه في الحجاج بن يوسف؛ أرسل له الحجاج رسالة كان هذا نصّها: "سلام عليك، أما بعد؛ فإنّك مرقت من الدين مروق السهم من الرمية، وقد علمت حيث تجرثمت، ذاك أنك عاص لله ولولاة أمره، غير أنّك أعرابي جلف أمّي، تستطعم الكسرة، وتستشفي بالتمرة، والأمور عليك حسرة، خرجت لتنال شبعة فلحق بك طعام صلوا بمثل ما صليت به من العيش، فهم يهزون الرماح، ويستنشئون الرياح، على خوف وجهد من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثم أهلكهم الله بترحتين. والسلام".
كانت رسالة عنيفة، تعبّر عن طبيعة الحجاج وقسوته وغلظته، لكن مثل هذا الأسلوب لم يكن ليجدي مع شخص مثل قطري، الذي ردّ عليه برسالة: "سلام على الهداة من الولاة، الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه، فالحمد لله على ما أظهر من دينه، وأضلع به أهل السفال، وهدى به من الضلال، ونصر به، عند استخفافك بحقّه، كتبت إليّ تذكر أنّني أعرابي جلف أمّي، استطعم الكسرة واستشفي بالتمرة، ولعمري، يا ابن أمّ الحجاج، إنك لمتيه في جبلتك، مطلخم في طريقتك، واه في وثيقتك، لا تعرف ولا تجزع من خطيئتك، يئست واستيأست من ربك، فالشيطان قرينك، لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك، فالحمد لله الذي لو شاء أبرز لي صفحتك، وأوضح لي صلعتك، فوالذي نفس قطري بيده، لعرفت أنّ مقارعة الأبطال ليست كتصدير المقال، مع أنّي أرجو أن يدحض الله حجّتك، وأن يمنحني مهجتك".
كان قطري يطمح في بناء دولة لجماعته، فاستعجل ذلك، وسرعان ما انهارت دولته، ولم تصمد في مواجهة النظام الأموي، القوي حينذاك؛ كان قطري أول من صكّ عملة للخوارج، اتخذت في رسمها النمط العربي الساساني، وقد حملت العملة الكتابة البلهوية "عبد الله قطري، أمير المؤمنين، رافع المجد الملكي"؛ وهي كلّ ما بقي من آثار جماعته إلى الآن.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب

2019-09-09

لم يجُل في خلد اليافع، ذي الستة عشر ربيعاً، أنّ تجربة اعتقاله، للمرة الأولى، وهو الابن الأصغر لعائلة تتحدّر أصولها من بلدة اليامون في فلسطين المحتلة، ستلقي بظلالها على ما سيتأتّى لاحقاً من خيارات ومسارات حياتية.

إبراهيم فريحات شخصية فلسطينية تجمع السياسة والثقافة ويعكف على مشروعه الأكاديمي والبحثي وظهوره الإعلامي بمثابرة تدعو للدهشة

حين يستذكر أستاذ النزاعات الدولية، إبراهيم فريحات، تلك التجربة، وما تلاها من اعتقال إبّان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، يملك الجزم بالتوقيت الذي خرج فيه من عباءة دلال الوالدين والأشقاء والبلدة الوادعة، نحو ميادين الحياة الأوسع والأقسى؛ إذ أفضت تلك التجربة إلى توق لم يفارقه حتى اللحظة؛ لسبر غور الدراسات السياسية وتحديداً ما يتعلق منها بنقاط التأزّم والنزاعات؛ بل حتى هواياته وُسِمَت لاحقاً بهذه الصبغة؛ إذ قلّما يرتحل لمكان لا يكون فيه حلّ النزاعات والتأمل في أسبابها نصب عينيه؛ بل هو طوال حديثه، الرسمي أو العادي، يهجس بألا يصل لنقاط الصِدام؛ لإيمانه بأنّ العرب لطالما احترفوا إحراق المراكب، عوضاً عن صبّ الجهد على تسييرها في قنواتها الطبيعية بهدوء ودِعة.
لفريحات، الذي يترأس حالياً برنامج النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، والذي عَمِلَ كزميل أول في السياسات الخارجية في معهد بروكنجز، باع طويل في حقل فضّ النزاعات الذي يعدّ مستجداً عربياً، رغم إرث المنطقة المثقل بالنزاعات؛ فهو إلى جانب امتهانه التدريس الأكاديمي في هذا الحقل، فإنّه قدّم خلاصة تأملاته في مطبوعات عدة، آخرها ما تبنّته جامعة إدنبرة البريطانية، والذي حَمَلَ عنواناً مبدئياً؛ هو "تسوية الصراع الإيراني – السعودي"، مجتازاً التحكيمات العلمية الرفيعة، بعد أن استغرقت كتابته ما يزيد على ثلاثة أعوام بواقع ستين مقابلة وأكثر من خمس عشرة ورشة عمل لخبراء دوليين وساسة سابقين.

كتاب "ثورات غير مكتملة"

الكتاب، الذي يصدر مطلع عام 2020، ليس الأول على هذه السويّة العالمية؛ بل كان هناك كتاب تبنّته جامعة "ييل" الأمريكية، والذي حَمَلَ عنوان "ثورات غير مكتملة".
الكتاب، الصادر عام 2016، مجتازاً تحكيمات علمية رفيعة هو الآخر، ناقَشَ الثورات العربية في كلّ من تونس واليمن وليبيا، مُذكياً نقاشاً علمياً غير ذات مرة في أكثر من محفل عربي معنيّ بتدارس الربيع العربي وارتداداته.
الكتاب، استندَ، آنذاك، لما يزيد عن مئتي مقابلة مع مسؤولين وضالعين في الثورات، في مدة زمنية تربو على ثلاثة أعوام.

اقرأ أيضاً: أكله الذئب: ناجي العلي وحنظلة الذي لم نره

إلى جانب ما سبق؛ فإنّ لفريحات مؤلفات أخرى تحت مظلات جامعية رائدة، من قبيل: "أزمة اللجوء الليبي"، والذي جاء برعاية من جامعة "جورج تاون" بمشاركة مؤلفين آخرين، عدا عن مقالاته وبحوثه المنتشرة في مطبوعات عالمية على سويّة موثوقية عالية مثل "اللاجئون الفلسطينيون المزدوجون"، المنشور في مطبوعة "هارفارد" لسياسات الشرق الأوسط، وكذلك "مساحة للاحتواء: الاتفاق النووي الإيراني والدول العربية المجاورة" عن الجامعة ذاتها، و"إدارة الانتقال في تونس" من جامعة "جورج تاون" أيضاً، و"التدخل الدولي وأزمة العدل والمساءلة في اليمن" من إصدار مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي، وغيرها من كتابات أوغلت في تفصيل صراعات عدة ومحاولة تفكيك مسبّباتها وتبعاتها.

يتناول فريحات القضايا بمبضع جرّاح وبترتيب أكاديمي يولي النقاط أهمية كبرى بلغة باحث لا يجنح نحو التعقيد والفذلكة اللغوية

نقاط الفرادة الآنفة لدى فريحات، ليست الوحيدة؛ إذ إنّه إلى جانب نيله درجة الدكتوراه من جامعة "جورج ميسن" الأمريكية، عام 2006، وتكريمها إياه في حقل النزاعات الدولية، عام 2014، وفوزه بجائزة "كوندراتييف الدولية" عام 2017، كأوّل عربي يتلقّاها من أكاديمية العلوم الروسية ومؤسسة "كوندراتييف" الدولية للعلماء الروس والأجانب، فإنّ منهجية التفكير والتناوُل لدى فريحات هي مكمن الموثوقية الأكاديمية التي يتمتع بها، والتي تنعكس على لغته المستخدمة، سواء كان هذا في الحديث التلفزيوني والتعاطي اللغوي، الإعلامي أو العادي، أو في الكتابات التي كان للمنصات العالمية نصيب وافر منها، مثل: "فايننشال تايمز"، و"نيويورك تايمز"، و"فورين بوليسي"، و"فورين أفيرز"، و"كريستيان ساينس مونيتور"، وغيرها.

لا ينساق فريحات وراء الشعبوية في كتاباته

لا يذهب فريحات، الذي درّس مساقات في النزاعات الدولية في كلّ من جامعتيّ "جورج تاون" و"جورج واشنطن" في أمريكا، شأواً بعيداً حاداً في تبنّي وجهة نظر بعينها؛ بل يتمتع إلى حدٍّ كبير بالمرونة وقابلية تطويع وجهة نظره، لكلّ ما يستجدّ من معارف متتالية. ومن الصعب بمكان أن تستشفّ وقوف فريحات مع طرف دون آخر، بل يفعل ما تقتضيه موضوعية الباحث: أن يقف بالمسافة ذاتها من كلّ الأطراف.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل
ما سبق يمنح المتلقي كثيراً من الارتياح عند قراءة وجهات نظر فريحات وسماعها؛ هو ينتقد بموضوعية كلّ الأطراف، النقد الذي يسلّط الضوء على الإيجابيات والسلبيات معاً، ويتناولها بمبضع جرّاح، وبترتيب أكاديمي يولي النقاط والتعداد أهمية كبرى، بلغة باحث لا يجنح نحو التعقيد والفذلكة اللغوية، وفي الوقت ذاته يمسك بتلابيب الإنجليزية والعربية باقتدار وتمكّن لافتَيْن، ما يجعله ضيفاً شبه دائم على القنوات التلفزيونية؛ ذلك أنّه يبدو للمتلقي كما لو كان يدير الجلسة بعصا مايسترو، وهذه الثقة ذاتها، التي يبدو عليها في أحاديثه العادية، بلهجته الفلسطينية الأصيلة ونبرة صوته المعتدلة ومخارج حروفه الواضحة، وأحاديثه التلفزيونية، تبدو تماماً في كتاباته، التي يقدّمها مرتاحاً من دون تكلّف فكري أو لغوي، بل بزخم الباحث والمحلّل السياسي الواثق والمطمئن لسويّة ما يقدّمه.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني

لا ينساق فريحات وراء الشعبوية في كتاباته، ولا يمسك بمكبّرات صوت الواعظ سياسياً وفكرياً، ولا هو في الوقت ذاته يهادن أيّ طرف سياسي، أو يسعى لخطب ودّه.
مقالات فريحات تتناول صراعات شتى دائرة على وجه البسيطة (وهذا بحدّ ذاته محسوب له؛ إذ لم يتمترس خلف القضية الفلسطينية ويركن للراحة، بل راح يبحث ويوغل في مكامن الصراع، القديمة منها والجديدة، في شتى أنحاء المعمورة)، ومن يقرأ تلك المقالات يلحظ تماماً الانسيابية التي تتحلّى بها، وفي الوقت ذاته الأفكار التي يرتبها الأكاديمي، ولا ينثرها كيفما اتفق، ولعلّ تناوله القيادة الفلسطينية، أو السياسة الأمريكية، أو الربيع العربي، على سبيل المثال لا الحصر، لهوَ البرهان الأبرز على ما سبق؛ إذ يتجرّد فريحات من الميول الذاتية وينحاز للأكاديمي والباحث فحسب، وهو يقدّم في المرات كلّها وجبة دسمة للمتلقي، الذي يريد معرفة المزيد عن أبجديات، ومن ثم تفاصيل، إدارة النزاعات.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

ومن يقرأ مقالات فريحات يلحظ سريعاً النزعة الأكاديمية التي تقف وراء النصّ، ليس هذا في كثافة المعلومات الواردة فحسب؛ بل ما يتعلّق بالحرص على شرح القضية التي يتحدّث عنها بشكل وافٍ، ومنذ المقدمة، كأنما هو يقف أمام طلبته، حريصاً على تقديم ما هو وافٍ، وهذا يبدو لافتاً كذلك في مقابلاته التلفزيونية التي يمنحها درجة عالية من التركيز، إلى حدّ تكون فيه لغة الجسد برهاناً آخر على درجة اندماجه في الحديث، وحرصه على شرح كلّ نقطة للمتلقي، ومن هنا تبرز الفرادة التي يُحدثها فريحات في دمجه بين الحضور الأكاديمي والبحثي الزخم، من جهة، وبين مهارات الظهور الإعلامي، من جهة أخرى، وهو الأنموذج الذي كثيراً ما يتطلّع إليه المتلقي العربي؛ ذلك أنّه في الغالب ثمّة تغوّل لأحد هذين الأمرين لدى من يظهرون للتحليل، تحديداً على شاشات التلفزة، لكن فريحات يجمع باقتدار بين الشقّين ويُحسب له هذا دوماً.

نال العديد من التكريمات

منذ أمد، خفت بريق الاحتفاء الشعبي الفلسطيني بالمثقفين والأكاديميين؛ ذلك أنّ فئة التكنوقراط تحديداً لم تملأ الفراغ وتسدّ الفجوات التي كان مُنتظَراً منها أن تملأها، ولعلّ الحكومة السابقة التي قادها الدكتور رامي الحمد الله، ومن قبله إمساك تكنوقراط بملفات المفاوضات والحوارات، وعدم الوصول في الحالات كلّها لنتائج ملموسة على مستوى التوقعات الشعبية، إلى جانب حديث هذه الفئة من النسيج الفلسطيني، في الداخل والمنفى، في أغلب الأوقات، بنبرة استعلائية أو بطابع إطلالة من برج عاجي، كلّ هذا أدّى لخفوت البريق، غير أنّ شخصيات فلسطينية باتت تحضر بقوة مؤخراً، من خلال تجنّب الثغرات الآنفة، وباستحضار جليّ لإرث الشخصيات الفلسطينية الأولى التي جمعت بين السياسة والإعلام والثقافة في عواصم عالمية شتى، ولعلّ البروفيسور إبراهيم فريحات واحد من بين أولئك، وهو إذ يعكف على مشروعه الأكاديمي والبحثي وظهوره الإعلامي، بمثابرة تدعو للدهشة، فإنّ الرهان الأكبر ينصبّ على مدى ذكاء القيادة الفلسطينية في استقطاب هذه الكفاءات ومنحها الفرصة للإمساك بكثير من مفاصل القرار الفلسطيني، عوضاً عن إعادة تدوير وجوه قديمة وسّعت الفجوة الحاصلة بين الشعب وقيادته.

للمشاركة:

عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-02

في مستهلّ سبعينيات القرن الماضي، بينما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بترسيخ عقيدة الصدمة فوق عجلات الدبابات التي اجتاحت دول أمريكا اللاتينية، تفرّغت المملكة المتحدة لمستعمراتها الإفريقية القديمة، فنصّبت "عيدي أمين"، ديكتاتوراً على أوغندا، بعد انقلابه على الرئيس ميلتون أوبوتي، وعلى غرار القذافي، الذي نصّب نفسه إماماً للمسلمين، وملك ملوك إفريقيا، نصّب أمين نفسّه قاهراً للإمبراطورية البريطانية، التي جلبته للحكم، معلناً أنّه "آخر ملوك إسكتلندا".

كتالوج الديكتاتورية
يبدو أنّ للديكتاتورية خطاباً يبدو موحداً، يتّسم بالنرجسية والتمحور حول الذات، درجات تصل إلى جنون العظمة، بداية من نيرون، وليس انتهاءً بأحد؛ فعقب انتهاء موجة "الربيع العربي"، وخلال انعقاد منتدى أوسلو للحريات، قدّم عالم النفس الأمريكي والمتخصص في علم وراثة الأمراض النفسية والصحة العقلية للسيكوباث، جيمس فالون، ورقته التي أخذت 18 عاماً من البحث والتنقيب في عقول الديكتاتوريين، والقتلة المتسللين، تصدّر دراسته؛ الليبي معمّر القذافي، والأوغندي عيدي أمين، والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، وكثيرون، تتبع فيها السمات المشتركة لكلّ ديكتاتور، والطبيعة الجينية التي تنشّط مناطق بعينها في الدماغ، فكانت مقاربته الأكثر اتساقاً، والتي عرضت، في أيار (مايو) 2011، أنّ الديكتاتوريين على الأغلب هم أشخاص أذكياء ومرحون، يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية والثقة بالنفس، تكسبهم روح المحارب لديهم إدماناً على الملذات الجسدية؛ من شرب الكحول، وممارسات الرياضات العنيفة، والجنس والشره للطعام، لكن مع حدوث تشوّه في الفصّ الجبهي للدماغ، المسؤول عن التفكير العقلاني، تنشط اللوزة الدماغية، المسؤولة عن تنظيم مشاعر الغضب والحزن.

اقرأ أيضاً: ديكتاتورية شبكات التواصل

أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف
ترتبط اللوزة الدماغية بمنطقة تحت المهاد، المسؤولة عن مراكز الشهية الغريزية، وجذع الدماغ الذي يتضرّر عند الأشخاص الذين عانوا من أزمات عاطفية، أو الذين يعانون من إجهاد أو طفولة صعبة؛ إذ تنشأ سلوكيات متضاربة من العنف والرغبة في القتل والتدمير،  والغريب أنّ ما قدّمه فالون ينطبق على ما حدث مع أمين، المولود في أوغندا، عام 1925، وبلاده تحت قبضة الاحتلال الإنجليزي، ومن نشأته في كوبوكو، شمال غرب البلاد، لأبٍ من قبيلة كاكوا، وأمٍّ من قبيلة لوغبارا، سرعان ما هجر الأب الأسرة، ولم يتعرَّف إليه أمين بعد، فربّته أمّه التي عملت كمعالجة شعبية، وتلقى تعليماً بدائياً في قريته ذات الأقلية المسلمة في أوغندا، تطورّت مهاراته في الملاكمة، منذ الصبا، وبحسب المؤرّخة الأمريكية من جامعة بنسلفانيا، في لقاءٍ لها على قناة "ناشونال جيوغرافيك أبوظبي"؛ فإنّ أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف، حتى يحكى أنّه لولا تدخّل الناس في ملاكمة بينه وبين صبيّ، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة، لأردي الطفل الآخر قتيلاً على يد الديكتاتور الصغير.

سحر الانقلاب العسكري
للتطور إلى ديكتاتور؛ يتمّ تفعيل جينات العنف لدى شخص ما، يستلزم الأمر طفولة قاسية، ومعاملة سيئة، وإحساساً بالدونية، لتكتمل عوامل التدمير لدى هذا الشخص؛ فبحسب بحث "جيمس فالون"، فإنّ الطفرات الجينية التي تُنشئ شخصاً ما بميول عدوانية، لا تتعدى 2% في مواليد البشر، وهم، بحسب رأيه، مَن يشكّلون الديكتاتوريين وأصحاب السلطة، المصابين بجنون العظمة، الذي شكّله شعورهم بالدونية، كلّ هذه الصفات، أهّلت أمين، الذي كان مساعد طبّاخ لجيش الاحتلال البريطاني، لأن يترقّى لرتبة عريف، وبمزيد من العنف تمّ تتويجه بطلاً لملاكمة الوزن الثقيل، واحتفظ بهذا اللقب تسعة أعوام، بين عامَي 1951 و1960، وبعد أن حصلت أوغندا على استقلالها، عام 1964، تمّ تنصيب الرئيس الأول للبلاد، ميلتون أوبوتي، الذي تقرَّب إليه أمين عن طريق جيش الاحتلال، وتحالفا معاً لتوسيع الجيش الأوغندي، وذلك قبل أن يعلن أمين انقلابه على الرئيس، في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1971، وبتأييد جماهيري، وخطابات شعبوية حملت طابعاً قومياً، منح الديكتاتور الشعب الأوغندي وعوداً برّاقة بالتنمية، وتجهيز البنية التحتية، وخطابات تعادي الأجانب، اتّخذها ذريعة لتصفية المعارضة، وقتل الحياة السياسية اليافعة في بلاده.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

غلاف كتاب"هتلر في إفريقيا"

في كتابه "هتلر في إفريقيا"، يحكي السفير الأمريكي السابق في أوغندا، توماس ميلادي، كيف نشر أمين الرعب في قلوب الأوغنديين، فأصبحت طلقات الرصاص تسمع طوال الوقت في الشوارع والأسواق، ومشاهد الجثث والدماء اعتاد الناس عليها، فأصبحت طقساً شبه يومي في حياتهم، وبينما يتوسع أمين في إقامة بنية تحتية للبلاد، كان عليه ألّا ينسى إقامة معتقلات ومعسكرات تعذيب، كان يشارك فيها أحياناً بنفسه؛ كطقس احتفالي، بينما يتناول الخمر وينتشي من تعذيب الآخرين، الذي يفضي في غالب الأحيان إلى موتهم، بينما خصّص سرداباً تحت الأرض في قصره الرئاسي للتعذيب، والذي كشف عنه فيما بعد، إضافة لمقابر جماعية تحوي رفات عشرات الآلاف من الضحايا، كما بدأ في أول أعوام حكمه بالقضاء على قبيلتي لانغو وأخولي، المواليتين لحكم ميلتون، فأباد قراهم عن بكرة أبيها، وعلى نهج الجيستابو في ألمانيا؛ بدأ أمين في نشر كلٍّ من مكتب أبحاث الدولة "SRB"، ووحدة السلامة العامة "Psu"، وأوكل إليهما أعمال القضاء على المعارضة ومراقبة النشطاء، وتنفيذ عمليات اغتيال سرية، في بعض الأحيان تكون علنية، للقضاء على أيّة نزعة تمرّد قد تنشأ من قبل المناهضين لسياساته.
آخر ملوك إسكتلندا
عام 2007؛ قدّم المخرج الإسكتلندي، كيفين ماكدونالد، فيلمه "آخر ملوك إسكتلندا"، المقتبس من رواية تحمل العنوان نفسه، للكاتبة الصحفية البريطانية، جيليس فودين، التي نشرتها عام 1998، فيما حاز الممثل الأمريكي من أصول إفريقية، فورست وايتاكر، جائزتَي "الأوسكار" و"البافتا"، كأفضل ممثل عن دور أمين دادا، كلاهما (الفيلم والرواية) يقدمان قصة لطبيب إسكتلندي حديث التخرّج، قرّر أن يبدأ حياته المهنية في أوغندا، كمتطوع إغاثة في بلاد تعاني من فقر الأطباء، يتوافق موعد وصوله مع قيام الانقلاب العسكري، يتحمّس الطبيب، الذي قام بدوره، جيمس ماكفوي، لخطابات أمين، ويرى التفاف الناس حوله، وفيما بعد تحوّله الصدفة إلى الطبيب الخاص لأمين، هنا تتداخل الأحداث الحقيقية مع أحداث من خيال الكاتبة؛ فطبيب أمين الخاص كان مسنّاً إسكتلندياً بالفعل؛ وذلك بسبب ولع أمين بنضال الإسكتلنديين، وروحهم القتالية العالية ضدّ الإنجليز، ومنح نفسه لقب آخر ملوك إسكتلندا، وكان يصرّح به في لقاءاته الصحفية، على غرار القذافي، الذي أعلن نفسه ملك ملوك إفريقيا.

اقرأ أيضاً: انتقد ديكتاتورية أردوغان .. نعوم تشومسكي يتضامن مع "أكاديميّي السلام"

بوستر فيلم "آخر ملوك إسكتلندا"

يروي الفيلم قصة مختلقة لعلاقة غرامية بين الطبيب الإسكتلندي وزوجة أمين الثالثة، كاي، التي نُبذت من زوجها؛ بسبب إنجابها طفلاً مصاباً بالصرع، لتحمل المرأة من الرجل الأبيض، فيكتشف أمرها أمين، ويقتلها، ويقطّع أوصالها، بينما الحقيقة؛ أنّ الزوجة قد أقامت علاقة مع أحد رجال أمين، وماتت إثر عملية إجهاض قامت بها في قرية نائية، ولم يعرف أمين بالقصة إلّا بعد وفاتها، فالديكتاتور المزواج، المحبّ للنساء، كانت له أربع زوجات، ويطلّق ويتزوج أخريات، له من الأبناء 60 ولداً وبنتاً، ينكر معظمهم اليوم نسبهم إليه، باستثناء ابنه جعفر، الذي يعيش في أوغندا، وأنشأ مؤسسة "أمين" الخيرية، بهدف التصالح مع ماضي والده الدموي، والذي ينكره، ويرى أنّ والده كان شوكة في حلق الإمبريالية البريطانية، وذلك بحسب وثائقي أعدته قناة "فرانس 24"، باسم "تذكرة عودة إلى كامبالا"، والذي يستطلع رأي الشباب الأوغندي اليوم، الذي يمثل 80% من السكان، كثيرون من شباب اليوم يرون في أمين إصلاحياً بارزاً يترحمون على أيامه، التي يرون أنّها حملت إصلاحات اقتصادية، وقدّمت بنية تحتية يستفيدون منها حتى اليوم.

ضربات قاضية
أوغندا، المستفيقة لتوّها من احتلال طال أمده، كانت تعتمد على الجالية الهندية، التي شكّلت اقتصادياتها في البلاد، قرابة 60%، والمقدَّر تعدادهم من 50 ألف إلى 70 ألفاً، قام أمين بطردهم ومصادرة ممتلكاتهم، وتوزيعها على رجاله المخلصين، وذلك بعد تصريحه بأنّ الله أخبره في منامه، أن يقوم بطرد الآسيويين من بلاده، كان لمثل هذا التصرّف أثره في الاقتصاد القومي، لتأتيه الضربة الثانية من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واختطافها لطائرة فرنسية تقلّ إسرائيلين في طريقها إلى باريس، لكنّها هبطت في أوغندا، ما جعلها محطّ أنظار العالم آنذاك، ليقرر أمين الإفراج عن غير الإسرائيليين، وتخصيص طائرة تقلهم إلى باريس، أمّا الإسرائيليون فاحتجزهم حتى باغتته قوات الاحتلال الصهيوني، بغارة مفاجئة من مطار عنتيبي الدولي، أفرجت فيها عن مواطنيها، ما تسبّب في إعدام غالبية موظفي المطار، الذين شكّ أمين بمساهمتهم في فكّ أسر المحتجزين، كان أمين من أنصار القضية الفلسطينية، معادياً لأمريكا وبريطانيا وإسرائيل، ما يدفع بعض الكتّاب للقول إنّ هذا العداء دفع الغرب إلى تشويه صورته، والإسراع في إطاحته، بدعم حلفائهم في تنزانيا وإثيوبيا.

للمشاركة:

أكله الذئب: ناجي العلي وحنظلة الذي لم نره

2019-08-29

ريشة.. مع الوطن دائماً

إذا كان الفيلسوف الفرنسيّ جان بول سارتر قد قال "إذا أردت أن تكون صادقاً في الفن، فلا بدّ أن تكذب"، فإنّ ناجي العلي، الفنّان والرسّام الفلسطينيّ الاستثنائيّ قد مثّل واقعنا المهدور تحت أيدي الاحتلال بصدق، حتى وإن استخدم رتوش الريشة وحلّق، نيابةً عن الذين نُبذوا وأُفقروا وهُجّروا، في مقاومة إبداعيّة للمحتلّ برسوماته التي أودت به إلى الاغتيال، دون أيّ عثور على اليد التي ضغطت على زناد كاتم الصوت حتى الآن.

تميّز ناجي العلي بإبداع الواقع من جديد على شكل رسمة لا تعبأ بمجاز الكلام والبلاغة

العلي الذي، كما يقول عن نفسه، متهم بالانحياز وهو يكتب بريشته، "أرسم.. لا أكتب أحجية، لا أحرق البخور، ولكنني أرسم، وإذا قيل إن ريشتي مبضع جراح، أكون حققت ما حلمت طويلاً بتحقيقه... كما أنّني لست مهرجاً، ولست شاعر قبيلة -أيّ قبيلة- إنني أطرد عن قلبي مهمة لا تلبث دائماً أن تعود.. ثقيلة.. ولكنها تكفي لتمنحني مبرراً لأن أحيا".

ناجي العلي، الذي تمر اليوم الذكرى 32 لوفاته، تميّز في وسطه الفلسطينيّ والعربيّ، وهو الذي كانت تُنتظَر رسوماته من البحر إلى النهر، بإبداع الواقع من جديد على شكل رسمة، فهو، خلافاً لممثلي جيل الكلمات الكبيرة كأحمد مطر ومحمود درويش، قد اختارَ الشعر بالريشة، لا بالكلمات هذه المرّة، فكانت إبداعاته كطلقة تستقرّ في صدر الذي يشاهدها مباشرة، بعيداً عن مجاز الكلام والبلاغة التي تأخذنا إلى هنا وهناك.

فلسطين كانت وما زالت الشرايين العربيّة المفتوحة التي نزفت شهداء ومهجّرين وأنتجت مبدعين أيضاً

لا مراء في أنّ فلسطين كانت، وما زالت، هي الشرايين العربيّة المفتوحة، التي مثلما نزفت شهداء ومهجّرين ومقهورين، أنتجت أيضاً مبدعين كباراً، كان على رأسهم ناجي العلي الذي لم يتوانَ عن الانضمام تحت راية الفقراء والمستضعفين في الأرض.

اقرأ أيضاً: احذروا ناجي العلي فالكون عنده أصغر من فلسطين

كاريكاتورات ناجي العلي استخدمت الأزمة لرسم المفارقة دون أيّ وقوع في مباشرة فجّة، فهي تسمح لرائيها/ قارئها أن يشتبك مع مساحات تأويل واسعة وأن يدخل إليها كعالم من التفاصيل الغاضبة والناقمة المنتصرة للحقّ والعدالة والخير.

تعامل مع فنّ الكاريكاتير بتجريبيّة منفتحة تراعي القواعدَ أحياناً لكنّها لا تَركن إليها

فـ "ناجي العلي هو من أولئك الفنّانين الذين تعاملوا مع هذا الفنّ بتجريبيّة منفتحة تراعي القواعدَ أحياناً، لكنّها لا تَركن إليها ولا تستمرّ على منهجيّة واحدة ثابتة مدرسيّة. فقد كان مسكوناً بالفكرة أكثر من غيرها؛ أيْ إنّه كان على استعداد لأن لا يلتزِم القواعدَ الفنّيّة أمام إلحاح الفكرة. إنّه -في كثير من أعماله- فنّانُ الفكرة والفطرة، قبل أن يكون فنّان المقاييس وموجبات الخطوط والنّسَب والتشريح والإضاءات والظلال"، على حد تعبير الكاتب الفلسطينيّ، سليمان الشيخ، صديق ناجي العلي.

 حفظ لنا ناجي العلي برسوماته الوعي والذاكرة الفلسطينيّة في كلّ محطاتها

بعضٌ من السيرة

وُلد ناجي العلي في فلسطين بقرية الشجرة العام ١٩٣٧، تلك القرية الواقعة بين الناصرة وطبرية، قد هُجِّر هو وأهله لمخيمات لبنان العام ١٩٤٨ بعد الاحتلال الإسرائيليّ وهيمنته على الأراضي الفلسطينيّة. عاش بعضاً من طفولته في مخيم "عين الحلوة" بلبنان، كلاجئ فلسطينيّ، لم يكتمل كفنان مبدع بعد.

اقرأ أيضاً: اغتيال محمود درويش

وفي نصّ خلّاب، ينمّ عن بلاغة وثقب نظر، يعرّف حاله: "اسمي ناجي العلي، ولدت حيث ولد المسيح، بين طبرية والناصرة، في قرية الشجرة بالجليل، أخرجوني من هناك بعد عشر سنوات، في 1948 إلى مخيم عين الحلوة في لبنان.؟. أذكر هذه السنوات العشر أكثر مما أذكره من بقية عمري، أعرف العشب والحجر والظل والنور، لا تزال ثابتة في محجر العين كأنّها حفرت حفرا، لم يخرجها كل ما رأيته بعد ذلك".

خلال فترة الإقامة ببيروت، والتي بحسبه قد تركت فيه أكبر الأثر، انتقل العلي من بيروت إلى طرابلس، فقد لوحقَ من السلطات العسكريّة الإسرائيليّة وأيضاً من السلطات اللبنانيّة، متهماً بالدفاع عن الوطن وعن مَن هم "تحت"، ورغم أنّه فنان أصيل، إلّا أنه لم يتمكن من الحصول على شهادة في الفن من الأكاديميّة الفنيّة في لبنان، وحصل على شهادة في تخصص ميكانيكا السيارات!

اشتهر ناجي العلي ببطل كاركاتيره الشهير الذي أطلق عليه حنظلة ليكون بمثابة قوّة الرفض

حنظلة يعطي ظهره للعالم

اشتهر ناجي العلي ببطل كاركاتيره الشهير الذي أطلق عليه حنظلة ليكون بمثابة قوّة الرفض، فلا ملامح تظهر له وهو يدير ظهره، كان العلي يريد من تأكيد عدم ظهور وجه حنظلة كأنّنا لا وجه لنا تحت الاحتلال الإسرائيليّ وتحت هذه المهانة المستمرّة بشكل يوميّ، حنظلة هو رمز للوقوف -بقدمين- بانتصاب دون أيّ شعور بالملل أو التعب من المقاومة.

لقد حفظ لنا ناجي العلي برسوماته الوعي والذاكرة الفلسطينيّة في كلّ محطاتها، مما مثّل حجة مواتية للسلطات لإيداعه السجن غير مرّة، فقد سُجن ناجي العلي، إلّا أنّ العلي ورفاقه القوميين الذين دافعوا باستماتة على اللاخيانة والانحياز للفقراء قد حوّلوا جدران السجن إلى ساحة للرسم، كمقاومة رمزيّة، وعلى علب السجائر.

لم يتمكن من الحصول على شهادة في الفن من الأكاديميّة الفنيّة في لبنان بل في تخصص ميكانيكا السيارات!

يقول سليمان الشيخ: "أتاحت توقيفاتُ السجن والاعتقال المتكرّرة لناجي وصحبه من حركة القوميّين العرب، الذين كانت السلطاتُ اللبنانيّة تعتبرهم من محرّضي سكان المخيّمات الفلسطينيّة على التظاهر ضدّ مشاريع مشبوهة، وقتاً وتفكيراً لناجي كي يوالي التعبيرَ عن المعاناة التي يعيشها هو وشعبه. فأخذت تخطيطاتُ الرسم تتوالى في التجسّد على أيّة وسيلة متاحة، ومن بينها جدرانُ السجن نفسه، أو عُلبِ السجاير، وأوّل رسم تمّ الاحتفاظُ به ونشره على علبة سجاير كان رسم زميله في النضال والاعتقال سعيد صالح الأسدي (أبو صالح). وحسب ما جاء في كتاب كامل التراب الفلسطيني – من أجل هذا قتلوني لمحمود كلّم، فإنّ الرسم أُنجز في شهر آذار (مارس) من العام 1961، ويظهر فيه وجهُ أبو صالح معلّقاً على صليب، كما يبرز فيه الهلالُ على جانب أُذنه اليسرى. وكانت تلك من اللوحات التعبيريّة الرمزيّة الأولى لناجي".

تماهى الفنان الفلسطينيّ مع رمز حنظلة كأنّه هو

وفي سؤال له عن متى نرى وجه حنظلة، ردّ ناجي العلي رداً بليغاً قائلاً: "إنّنا سنرى وجه حنظلة عندما تصبح الكرامة العربيّة غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربيّ شعوره بحريته وإنسانيته. ولد حنظلة في العاشرة في عمره، وسيظلّ دائماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين، وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعدُ في العاشرة، ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه، لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء".

اقرأ أيضاً: في ذكرى الغياب.. قصائد درويش جرس يذكّر بمآسي العرب

ونلحظ هنا كيف تماهى الفنان الفلسطينيّ مع رمز حنظلة كأنّه هو، كأنّ الزمن قد توقّف عند خروجه من بلاده فلسطين، تلك البلاد التي كتبَ فيها محمود درويش يوماً قائلاً:

لبلادنا،

وَهِيَ القريبةُ من كلام اللهِ،

سَقْفٌ من سحابْ

لبلادنا،

وهي البعيدةُ عن صفاتِ الاسمِ

خارطةٌ الغيابْ

لبلادنا،

وهي الصغيرة مثل حبّة سُمْسُمٍ

أُفُقٌ سماويٌّ... وهاويةٌ خفيَّةْ

لبلادنا،

وهي الفقيرةُ مثل أَجنحة القَطاَ,

كُتُبٌ مُقَدَّسَةٌ... وجرحٌ في الهويّةْ

كاريكاتورات ناجي العلي استخدمت الأزمة لرسم المفارقة دون أيّ وقوع في مباشرة فجّة

مَن أطلق النار على رأس ناجي؟

في قصيدة مميّزة للشاعر الفلسطينيّ مريد البرغوثيّ بعنوان "شهوات"، يقول بشعريّة رائقة: "شهوة أن يقول المحققُ/ من أطلقَ النارَ في رأس ناجي العلي/ شهوة أن يحذرني أحد الناس من طعنة في الظلامْ".

اقرأ أيضاً: الموت يغيّب أحد أبرز وجوه القضية الفلسطينية بسام الشكعة

ففي الثاني والعشرين من تموز (يوليو) ١٩٨٧، طالت يد الغدر ناجي العلي، ما أدى إلى وفاته، ونزيف الدم الفلسطينيّ منه، وهو مقتل محفوف بكثير من الغموض، ورغم الاتهام الذي وُجّه مباشرة إلى جهاز الموساد إلا أنّه لم يدلِ بمعلوماته للتحقيق، مما دفع الحكومة البريطانيّة حينها لإغلاق مكتبه في لندن، إلّا أنّ هناك أصابع اتهام أيضاً موجّهة لأطراف أخرى.

وخلاصة القول، إنّ مقتل ناجي العلي كان مدبّراً وواضحاً، واستفادت منه جهات، وفرحت أخرى بإسكات هذا الصوت "المشاكس"، عندما لم تعجبها طريقته بحمل هموم شعبه على كتفه، دون أن يعبأ بإرضاء هذا الطرف أو ذاك.

للمشاركة:



قمة روسية تركية إيرانية.. هذه المواضيع التي ستبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

يعقد زعماء روسيا وإيران وتركيا لقاء قمة في أنقرة اليوم؛ لبحث أهم ملفات الأزمة السورية وسبل تسويتها، بما فيها الوضع في إدلب وشرق الفرات.

وسيكون هذا الاجتماع الثلاثي هو الخامس لرؤساء الدول الضامنة لعملية أستانا، بعد أن استضاف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ،نظيريه؛ التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني للمرة الأولى بسوتشي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وفق ما ذكرت "روسيا اليوم".

أوشاكوف: القمة ستبحث تشكيل اللجنة الدستورية والوضع الإنساني وقضايا اللاجئين وإعادة إعمار سوريا

وتعقيباً على قمة اليوم، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إنّ الزعماء الثلاثة سيبحثون في أنقرة القضايا المتعلقة بدفع العملية السياسية التي يديرها السوريون بمساعدة الأمم المتحدة"، مضيفاً أنّ الانتهاء من "عملية تشكيل اللجنة الدستورية وإطلاق أعمالها سيكون خطوة هامة" في طريق تسوية الأزمة السورية.

وذكر أوشاكوف أنّ القمة ستبحث أيضاً الوضع الإنساني، وقضايا مساعدة اللاجئين، وإعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في سوريا، إضافة إلى استمرار إزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

ومن المتوقع أن يصدر عن القمة بيان مشترك، وأن يتحدث بوتين وروحاني وأردوغان لممثلي وسائل الإعلام في ختام لقائهم.

وقبل انطلاق القمة الثلاثية، سيعقد الرئيس الروسي لقاء منفصلاً مع نظيريه التركي الإيراني، يتناول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، إضافة إلى جوانب من الملف السوري، حسب أوشاكوف.

وعبرت موسكو عن أملها في أن تمهد قمة اليوم لعقد اجتماع قمة بـ "صيغة اسطنبول" التي تضم روسيا وتركيا وفرنسا وألمانيا.

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات قادرة على مواجهة الاضطراب المحتمل لإمدادات النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

طمأن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، أسواق الطاقة على إمدادات النفط، وذلك بعد تراجع إنتاج السعودية بنحو النصف جراء هجمات استهدفت منشآتها النفطية أول من أمس.

المزروعي: لدينا طاقة إنتاج نفط فائضة لتعويض الأسواق ومن المبكر الدعوة لاجتماع طارئ لأوبك

وقال المزروعي، في تصريح نقلته وكالة "رويترز" للأنباء، اليوم إنّ بلاده تملك طاقة إنتاجية فائضة للنفط لمواجهة اضطراب محتمل للإمدادات بعد الهجمات، لكنه أكد أنّ من المبكر للغاية الدعوة لاجتماع طارئ لمنظمة "أوبك".

وأضاف وزير الطاقة الإماراتي، أنّه إذا دعت السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لاجتماع طارئ للمنظمة "سنتعامل مع الأمر".

وكان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة مع السعودية، معبراً عن استنكاره لمثل هذه الأعمال الإرهابية، ومؤكداً أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية (واس).

محمد آل نهيان: الإمارات تقف مع السعودية والمملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية قد صرح، أول من أمس، بأنّه "عند الساعة الرابعة صباحاً، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة أرامكو حريقين في معملين تابعين للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون"؛ حيث تمت السيطرة على الحريقين والحد من انتشارهما".

 

 

 

للمشاركة:

عائلات فرنسية تقدم شكاوى ضد وزير الخارجية.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

قدّمت العشرات من عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا، شكاوى ضد وزير الخارجية الفرنسي، جان-إيف لودريان، بدعوى "إغفال تقديم الإغاثة" لهم عبر رفضه إعادتهم إلى فرنسا.

وقدّم المحامون؛ ماري دوزيه وهنري لوكلير وجيرار تشولاكيان، الشكاوى في تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) من العام الجاري، إلى محكمة عدل الجمهورية، الهيئة القضائية الوحيدة المخولة بمحاكمة الوزراء أثناء ممارسة مهامهم، حسب ما نقلت وكالة "فرانس برس".

عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين تتدعي ان لودريان رفض إعادتهم من سوريا إلى فرنسا

وتتّهم العائلات وزير الخارجية الفرنسي بأنّه رفض "طوعاً وعمداً" إعادة نساء وأطفال جهاديين فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا و"معرضين للخطر" .إلى فرنسا

وتقول العائلات في الشكاوى، التي كشفت عنها أيضاً صحيفة "لوموند"، إنّه "منذ أشهر عدة، لم يكفّ الأكراد عن حضّ الدول على تحمّل مسؤولياتها وإعادة مواطنيها".

لكن حتى الآن، لم توافق الحكومة الفرنسية على إعادة أطفال هذه المخيمات إلا بعد درس "كل حالة على حدة". وبعد أشهر من المماطلة وسط غضب الرأي العام، أعادت باريس في العاشر من حزيران (يونيو) الماضي 12 طفلاً معظمهم أيتام بعد إعادة خمسة أطفال في آذار (مارس) من العام ذاته.

ويشير أطراف الشكوى إلى أنّ "هذه السياسة التي أُطلقت عليها تسمية "كل حالة على حدة" تهدف، قبل كل شيء، إلى ترك أكثر من مئتي طفل وأمهاتهم معرضين إلى معاملة غير إنسانية ومهينة وإلى خطر الموت الوشيك".

وتصف العائلات الشاكية الظروف التي يعيش فيها الأطفال والأمهات والتي لا تكفّ عن التفاقم في المخيمات؛ حيث تسود "أجواء من انعدام الأمن" المتزايد مثل؛ درجات حرارة قصوى في الصيف والشتاء، نقص في المياه والمواد الغذائية، تفشّي وباء السلّ أو حتى الكوليرا، غياب الرعاية الصحية.

وحالياً ينبغي أن تعلن لجنة تلقي الشكاوى في المحكمة موقفها بشأن قبولها.

 

 

للمشاركة:



استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

غسان شربل

استهداف السعودية بندٌ ثابتٌ وقديمٌ على طاولة صاحب القرار في النظام الإيراني الحالي. إنها حقيقة أكدتها الأحداث على مدار عقود. استهداف السعودية ليس قراراً مؤقتاً أو عابراً. إنه خيار يتعلق بطبيعة النظام القائم في طهران ونظرته إلى الآخرين لا سيَّما الدول المجاورة.
حاولت السعودية على مدار عقود استكشاف أي إمكانية لتغيير هذا المسار. التقطت أي إشارة يمكن أن تعدَ بسياسة إيرانية عقلانية أو واقعية. اعتمدت سياسة اليد الممدودة حين تحدث البعض عن واقعية رفسنجاني. وحدث الأمر نفسه لدى شيوع الكلام عن مرونة محمد خاتمي. لم تتردد الرياض في اعتماد سياسة اليد الممدودة حيال أحمدي نجاد. وكانت التطورات تُظهر مرة بعد أخرى أن جوهر السياسة الخارجية موجود في مكتب المرشد لا في مكتب الرئيس. وثمة من وصل إلى حدِّ الاعتقاد بأن الواقعية العابرة التي يبديها الرؤساء أحياناً هي مجرد مساحيق لإخفاء حقيقة النظرة الإيرانية إلى السعودية، وهي نظرة المرشد الذي يأتمن «الحرس الثوري» على تنفيذ السياسات الراسخة في كتابه.
تعاملت السعودية بمسؤولية عالية مع اعتداءات أمنية حصلت على أراضيها أو استهدفت دبلوماسييها ومصالحها في الخارج. سعت إلى منع التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهات علنية تضاعف المخاطر في إقليم متوتر أصلاً. وكانت الرياض تراهن على أن يستنتج أصحاب القرار في طهران أن أوهام القوة مؤذية للجميع وليس فقط للآخرين. وأن لغة العداوة تصبُّ الزيت على النار وتضاعف التوتر المذهبي والسياسي والأمني.
حاولت طهران مراراً إخفاء حقيقة سياستها المعادية للسعودية عبر التحدث عن حسن الجوار والدور المشترك في تأمين الخليج وأمن الطاقة. لكن التحركات على الأرض كانت تدلل سريعاً على أن هذه الدعوات الإيرانية إلى أفضل العلاقات بين دول المنطقة كانت جزءاً من الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي لا بدَّ من أن تواكب الحملة المفتوحة على الأرض.
ثمة مشكلة عميقة في العلاقات بين إيران والسعودية. مشكلة حاضرة أيضاً بين إيران وغالبية دول المنطقة والعالم. في عالمنا الحالي تبنى العلاقات بين الدول استناداً إلى مبادئ القانون الدولي والمصالح المتبادلة. لإرساء ذلك لا بدَّ من أن يكون مفهوم الدولة هو الغالب. المشكلة أن إيران تتوكأ على منطق الدولة حين تجد مصلحتها في ذلك لكن جوهر سياستها يبقى كامناً في منطق الثورة التي ترفض العيش ضمن خريطتها وترفض الاعتراف بالحصانة التي يعطيها القانون الدولي لخرائط الآخرين. وما كان الأمر ليشكل معضلة لو أن إيران بنت على أرضها نموذجاً سياسيا أو اقتصاديا جاذباً يمكن استلهامه طوعاً ولا تروِّج له خارج لغة الدبلوماسية والإعلام. لكن الذي حدث هو أن طهران حاولت وبذرائع مختلفة التسلل إلى أراضي الآخرين لفرض قدر من نموذجها، وبما يكفي لجعل الدول المستهدفة تدور في فلكها. هذه الاختراقات القسرية وبوسائل من خارج أصول التخاطب بين الدول المستقلة والسيدة حولت التدخلات الإيرانية نهجاً لزعزعة الاستقرار. لا نحتاج هنا إلى سوق الأمثلة. تزايد النفوذ الإيراني في هذه العاصمة أو تلك لم يؤدِ إلى إشاعة استقرار أو التمهيد لازدهار، بل أدَّى إلى إشاعة التوتر وتجويف الدول من مقوماتها الأساسية وزرع أسباب التوتر في علاقاتها بالعالم.
دول كثيرة، وبينها السعودية، حاولت فعلاً بناء علاقة طبيعية مع إيران. لكن هذه الدول اصطدمت باكتشاف أن الدولة الإيرانية ومؤسساتها ما هي إلا عباءة تتحرك تحتها سياسة الثورة التي تجيز لنفسها اختراق خرائط الآخرين والسعي إلى تبديل التوازنات على أرضهم وفي عواصمهم. والواضح هو أن إيران تتصرف كأنها ثورة تخشى التحول إلى دولة، لأن مثل هذا التحول ينسفُ مشروع الانقلاب الكبير المبني على تصدير الثورة.
في إطار سعيها لتنفيذ برنامج الانقلاب الكبير في المنطقة، اعتبرت إيران السعودية عائقاً كبيراً أمام برنامجها وطموحاتها، عائقاً خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، عائقاً لما تتصف به السعودية من ثقل إسلامي وعربي ودولي. ثقل اقتصادي وسياسي تواكبه شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية مبنية على خيار الاعتدال والتعاون والحضِّ على الحوار والتفاهمات، وهو ما تجلَّى في أدوار الوساطة التي قامت بها في دول عدة. ولهذا السبب بالذات كان تطويق السعودية بنداً ثابتاً على طاولة الصانع الحقيقي للقرار في إيران. اعتبرت طهران الحالية أن إضعاف الحلقة السعودية يشكل مدخلاً ضرورياً للإمساك بقرار المزيد من العواصم أو على الأقل امتلاك القدرة على تعطيل قدرتها على القرار. وكانت الحلقة الأبرز التي كشفت على نحو لا لبس فيه برنامج تطويق السعودية بالميليشيات والجيوش الصغيرة العابرة للحدود بأفرادها أو صواريخها وطائراتها المسيرة، حلقة الانقلاب الحوثي. وأدركت السعودية منذ اللحظة الأولى أن إيران تحاول تحويل الحوثيين وكيلاً دائماً في زعزعة الاستقرار واختراق الخرائط، ولهذا تجاوبت مع نداء الشرعية اليمنية.
واضح أن السعودية مستهدفة بسبب حاضرها واعتراضها على سياسة تحويل خرائط عربية منصاتٍ لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة على أهداف عربية. والسعودية مستهدفة أيضاً بسبب ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها في ظل التحول الكبير الذي تعيشه.
في هذا السياق، يمكن فهم العدوان على منشأتي النفط السعوديتين التابعتين لشركة «أرامكو». إنه تصعيد واسع وخطر والبصمات على الرسالة واضحة مهما نفت طهران. يدلُّ هذا التصعيد على مدى التوتر الذي يعيشه النظام الإيراني بفعل سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية. إنه صبٌّ لمزيد من الزيت على نار المنطقة بهدف امتحان الإدارة الأميركية وتذكير واشنطن بقدرة طهران على تهديد إمدادات الطاقة، وجعلها رهينة إضافية في الأزمة المفتوحة. ردود الفعل العربية والدولية الداعمة للسعودية رداً على هذا العدوان تؤكد مرة أخرى حجم الهوة بين قاموس النظام الإيراني وقاموس القانون الدولي. بمضاعفة هذا النوع من الرسائل لا تترك إيران للسعودية إلا خيار توظيف ثقلها العربي والإسلامي والدولي لوضع المزيد من العوائق أمام الانقلاب الإيراني الكبير. وفي هذا السياق تملك السعودية الإرادة والقدرة، علاوة على ترسانة علاقات دولية مبنية على قاعدة دورها في إبقاء أمل الاستقرار والازدهار حياً في المنطقة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

إلى أين يأخذ الإخوان ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

أعادت تركيا الزخم لتحرك ميليشيا الاخوان المسلمين في الساحة الليبية تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج بدعم سخي ماليا وتسليحيا خاصة بالطائرات المسيرة التي تراهن عليها لقلب موازين القوى في المواجهة مع قوات الجيش الوطني الليبي التي تشن منذ أبريل/نيسان حملة عسكرية لتطهير العاصمة طرابلس من الإرهاب.

وتؤكد القوات الليبية التي كان لها الفضل في تحرير شرق ليبيا من الجماعات المتطرفة وإعادة الاستقرار لجزء مهم من الأراضي الليبية، أن عملية طرابلس تستهدف بالأساس تطهيرها من الجماعات المتشددة وفي مقدمتها جماعة الإخوان وأذرعها العسكرية التي ترتهن حكومة الوفاق.

ويعتبر متابعون لتطورات الأزمة الليبية أن الحكومة المعترف بها دوليا والتي عجزت منذ توليها السلطة في غرب ليبيا في مارس/اذار 2016 والمنبثقة عن  اتفاق سياسي جرى التوصل إليه في منتجع الصخيرات  بالمغرب في ديسمبر/كانون الأول 2015، عن إعادة الاستقرار ولجم انفلات سلاح الميليشيات وحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، تحولت في نهاية المطاف إلى أداة بيد جماعة الإخوان المسلمين التي تتخذ من الساحة الليبية ساحة مواجهة مفتوحة لتمرير مشروعها بغض النظر عن حمام الدم الذي تسببت فيه.

وحال اخوان ليبيا دون التوصل لأي اتفاق سياسي في السابق ينهي الأزمة القائمة بين السلطة في طرابلس بقيادة السراج والسلطة في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر والحكومة المؤقتة التي رفضت الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق ما لم تحصل على ثقة البرلمان.

وكان واضحا منذ البداية أن الإخوان يدفعون باتجاه التصعيد بإيعاز من الحاضنة التركية للتنظيم ليصل الوضع الراهن لما هو عليه اليوم حيث يدفع الشعب الليبي من دمه وماله وأمنه ثمن أجندة التمدد الاخوانية.

وكان لافتا في الفترة الأخيرة مع تحول الدعم التركي للميليشيات الاخوانية من السرّ إلى العلن ومع وصول شحنات من مركبات عسكرية وطائرات مسيرة لميليشيات الجماعة المهيمنة على حكومة الوفاق، توجه إخوان ليبيا إلى التصعيد العسكري باعتبار أن وجود الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أصبح تهديدا كبيرا لمشروعهم.

وحصل إسلاميو ليبيا من تركيا على نوعين من الطائرات المسيرة بما يمكنهم من شن هجمات على أهداف بشكل مباشر بمتفجرات خفيفة قادرة على قتل أشخاص.

وبالفعل قتل ثلاثة بينهم قياديان من قوات الجيش الوطني الليبي الجمعة في ضربة جوية بطائرة مسيرة يعتقد أنها تركية على مدينة ترهونة. كما نفذت طائرة تركية أخرى هجوما على القاعدة الجوية بالجفرة.

وأحبط الجيش الوطني الليبي اعتداءات متزامنة على قاعدة الجفرة من ثلاث محاور وأسقط ثلاث طائرات مسيرة تركية، في تطور سلط الضوء على مدى استعداد الإخوان للمضي قدما في ضرب الجيش الليبي دفاعا عن مشروعهم الذي يتجاوز الساحة الليبية.

والهجمات على قاعدة الجفرة التي قالت القيادة العامة للقوات الليبية العربية المسلحة إنه تم التخطيط لها في تركيا ومولتها قطر، ليست إلا فصلا من فصول معركة تبدو طويلة على ضوء استعداد الميليشيات الاخوانية لتحويل الساحة الليبية إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

وتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة يؤكد قراءات سابقة كانت أشارت إلى أن اخوان ليبيا غير حريصين على الساحة الليبية وعلى دم الشعب الليبي بل هم أحرص على تمرير مشروعهم أيا كان الثمن الذي سيدفعه الليبيون.

والعودة القوية للاخوان للساحة الليبية بعد هزائم وانكسارات سياسية لا يمكن النظر لها بمعزل عمّا تمثله ليبيا من شريان مالي حيوي سواء ذلك الذي تحت إدارة حكومة الوفاق أو المنفلت منه والبعيد عن كل رقابة والمقترن  أساسا بنشاط الميليشيات المسلحة والمهربين وهي معادلة أخرى في الصراع الليبي.

ويجني إخوان ليبيا إيرادات طائلة من هذه الأنشطة إضافة إلى ما تحصل عليه من تمويلات سخية من قطر وتركيا.

وتطرح كل هذه التطورات مجتمعة أسئلة ملحة هو الدور التركي في تأجيج العنف في ليبيا وأيضا مصير ليبيا ومؤسساتها وشعبها في ظل تنامي نشاط الإخوان في غرب البلاد.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟

2019-09-16

ترجمة: محمد الدخاخني


لا يختلف الإرهابيّون المحلّيّون اليمينيّون، مثل الرّجل المتّهم في عمليّة إطلاق النّار الّتي وقعت مؤخراً في مدينة إل باسو (تكساس)، كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين الرّاديكاليّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم - وليس فقط في تكتيكات نشر الإرهاب أو في طرق تجنيد الأتباع عبر الإنترنت. في الواقع، من المستحيل فهم عودة التّطرّف الرجعيّ في أمريكا دون إدراكه باعتباره ظاهرة دينيّة بشكل أساسيّ.

لا يختلف الإرهابيّون اليمينيّون كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم بنشر الإرهاب أو بتجنيد الأتباع

على عكس الجهاديّين الإسلامويّين، فإنّ مجتمعات العُزّاب المحافظين والاستعلائيّين البيض الموجودة على الإنترنت، وإلى جانبها مجتمعات أصحاب نظريّات المؤامرة المستندة إلى معاداة السّاميّة، لا تقدّم مزاعم بشأن أيّ حقيقة ميتافيزيقيّة ولا تقدّم أيّ وعد بحياة أخرى أو مكافأة. لكنها تؤدّي الوظائف الّتي ينسبها علماء الاجتماع عموماً إلى الدّين: إنّها تقدّم للمنتسبين إليها تفسيراً له مغزى عن الطّريقة الّتي يسير بها العالم. وتوفّر لهم شعوراً بوجود غاية، وإمكانيّة للقداسة. كما توفّر الشّعور بوجود مجتمع يمكن للمرء الانتماء إليه. وتؤسّس أدواراً وطقوساً واضحة تُتيح للأتباع أن يشعروا ويتصرّفوا بوصفهم جزءاً من كلٍّ أكبر. وهذه ليست مجرّد ثقافات فرعيّة؛ بل كنائس. وإلى أن ندرك وجود الجوع الدّينيّ إلى جانب الكراهية المدمّرة داخل هذه المجتمعات، فلدينا فرصة ضئيلة لإيقاف هؤلاء الإرهابيّين.

والآن أكثر من أيّ وقت مضى، نجد الوعود الّتي كان الدّين يقطعها بشكل تقليديّ (عالم له معنى، مكان قابل للحياة بداخل هذا العالم، مجتمع يشاركنا هذا المكان، طقوس لجعل الحياة العادية مقدّسة) غائبة عن المجال العام. والمزيد والمزيد من الأمريكيّين ينضمّون إلى صفوف غير المنتمين دينيّاً. وهناك لادينيّين أكثر من الكاثوليكيّين أو الإنجيليّين، و36 في المائة من المولودين بعد عام 1981 لا يرتبطون بأيّ دين. وهذه الحركات الرّجعيّة الجديدة، مع قدرتها على تقديم إجابات تسكينيّة وذَمّيّة لفوضى الوجود، تُعدّ طريقة - بين طرق أخرى عديدة - يسدّ بها الأمريكيّون تلك الفجوة.

تعطي الجماعات الدينية أتباعها الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً شعوراً بالانتماء إلى مجتمع

المتطرّفون الّذين ارتكبوا مذابح في الأعوام الأخيرة - جرائم القتل الّتي ارتُكبت في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا عام 2014، وهجوم الشّاحنة في تورنتو عام 2018، وإطلاق النّار في كنيس بيتسبرغ عام 2018، على سبيل المثال لا الحصر - لم يتشاركوا السّياسة نفسها. ففي حين عبّر معظمهم عن مزيجٍ من الرّؤى الاستعلائيّة البيضاء أو المعادية للسّاميّة أو الكارهة للنّساء، فإنّ القليل منهم كانوا جزءاً من حركات محدّدة أو منظّمة أو حتّى كانت لديهم وجهات نظر سياسيّة متماسكة. لكن ما شاركه كافّة هؤلاء الجناة تقريباً هو نظرة ذات بُعدٍ كونيّ تُصَنِّم العنف باعتباره ناراً مُطهِّرة: تدميرٌ ضروريّ "لإعادة ضبط" العالم وإخراجه من عطبه. وتؤمثِل هذه النّظرة العالميّة الرّجعيّة ماضياً متخيّلاً، ماضياً سابقاً على مِحَن النّسويّة والتّعدّديّة الثّقافيّة، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
عبر المنتديات الخاصّة باليمينيّين المتطرّفين، يكتشف هؤلاء الرّجال، أو يتمّ تلقينهم بمسبّبات مبسّطة بشكل مُسمِّم تدّعي أنّها تفسّر الفوضى الظّاهرة للحياة المعاصرة. وعوضاً عن الحديث عن معارك كونيّة لشرح مشكلة الشّرّ، وجدوا نظريّات المؤامرة: العالم تديره سرّاً شبكة يهوديّة تخطّط للقضاء على العرق الأبيض؛ تخطّط النّسويّات الرّاديكاليّات القامِعات لإبادة الرّجال.
وفي الوقت نفسه، تَعِد هذه المجموعات أعضاءها بوجود غاية في هذا العالم الفوضويّ: فرصة للمشاركة في إشعال حريقٍ مطهِّر. فهم مدعوون لارتداء عباءة المحاربين في سبيل القضّيّة. لم يعد هؤلاء الرّجال ضمن قائمة الـ "بيتا" [على عكس "ألفا"] (وتلك إهانة شائعة في دوائر اليمين المتطرّف) - إنّهم أبطال محتملون. ولننظر فقط إلى الّلغة المستخدمة في البيان الّذي كتبه الرّجل المتّهم بإطلاق النّار في مدينة إل باسو: لقد اعتبر نفسه بطلاً "تشرّف بأن يرأس المعركة لاستعادة بلدي من الدّمار". إنّ لغته، شأنها شأن لغة الجهاديّين، تأخذ شكلاً من أشكال صناعة الذّات الأسطوريّة: فهو يُعيد صياغة نفسه بوصفه شخصاً له دور حيويّ يلعبه في حربٍ كونيّة.

عندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى
لكن الجاذبيّة الاجتماعيّة والشّعبيّة لهذه الجماعات تكاد تكون مهمّة الفهم مثل جاذبيّاتها الأيديولوجيّة الّتي تشكّل العالم. فشأنها شأن كلّ الجماعات الدّينيّة تقريباً، تستخدم لغة مشتركة وطقوساً مشتركة. وعن طريق نشر أو إعادة تغريد محتويات بصريّة عنصريّة أو متحيّزة جنسيّاً أو عبر استخدام مصطلحات محدودة بمجموعة معيّنة...، يكرّر المنتسبون لهذه الجماعات سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ هذه الجماعات تُعطي أتباعها، الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً، شعوراً بالانتماء إلى مجتمع. وقد أصبحت منتدياتهم أشبه ما تكون بصورة غير متجانسة من "فرسان الهيكل". فعندما ينشر رجالٌ (وعادةً ما يكونوا رجالاً) شيئاً عن إحباطاتهم فيما يتعلّق بالمواعدة (بإلقاء الّلوم على... النّسويّات الّلاتي يصعب إرضاؤهنّ) أو سوق العمل (بإلقاء الّلوم على المهاجرين)، يكون في انتظارهم آلاف المدوّنين من ذوي العقليّة المشابهة لتهدئتهم. وتوفّر هذه الجماعات الإحساس بالمكانة الاجتماعيّة الّتي لا يستطيع العالم الخارجيّ توفيرها. ولا يصبح النّاشرون الآخرون، على مواقع مثل "رديت"، مجرّد أسماء على الشّاشة ولكن مصادر للطّمأنينة والأخوّة في السّلاح.

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟
هذه الأخوّة لها تسلسل هرميّ خاصّ بها ولها "سِيَر قدّيسيها". فغالباً ما يتمّ تكريم أولئك الّذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيّة باعتبارهم شهداء في سبيل القضيّة: فيُشار إلى إليوت رودجر، الرّجل المسلّح الكاره للنّساء الّذي يقف وراء عمليّات القتل في سانتا باربارا، في شبكات العزّاب المحافظين بأنّه "النّبيل الأعلى"؛ وخلال ساعات من إطلاق النّار الّذي وقع في مدينة إل باسو، اعتُبِر المسلّح "قديساً" في المنتديات القوميّة البيضاء. إنّ ارتكاب عمل إرهابيّ قد لا يُسفر عن المكافأة الميتافيزيقيّة نفسها الّتي يَعد بها الإسلام الرّاديكاليّ شهداءه، لكنّه مع ذلك يؤكّد للممارسين نوعاً معيّناً من وضعيّة الانتماء إلى جماعة. وطالما يوجد إنترنت، فإنّ إخوانهم المختارين سيتذكّرونهم.

من الضّروريّ إدانة جماعات الكراهية هذه وفظائعها. ولكن من التّبسيط، ومن غير المجدي، القيام بذلك في الفراغ. إنّ وصف هؤلاء القتلة بأنّهم رجال يعانون الوحدة والاستياء والسّخط، وبأنّهم متمرّدون يبحثون عن قضيّة، لا يقصد منه التخفيف من فظاعة أعمالهم، ولا تبريرها باعتبار أنّه "يُساء فهمهم". على العكس، نقوم بهذا التّوصيف من أجل تصوّر طريق مثمر إلى الأمام - فرصة لإزالة التّطرّف عن بعضهم قبل ارتكاب أعمال عنف، وتزويد النّاس بشكل مختلف من "وقود الحياة".

يكرّر المنتسبون للجماعات الدينية سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة

إنّ السّعي إلى حياة اجتماعيّة مترابطة وغنيّة بالمعنى - وهي أشياء مفقودة في عصرٍ متزايد التمزّق؛ حيث ثمّة إدارة رئاسيّة تزيد الانقسامات - يُعدّ احتياجاً إنسانيّاً حقيقيّاً للغاية. إنّنا بحاجة إلى الانتماء إلى كيانات أشبه بالكنائس، سواء كنّا دينيّين أو مدنيّين، مؤسّسيّين أو شعبيّين، على الإنترنت أو خارجه. وبالتّأكيد، يمكننا أن نرى في الارتفاع المتزامن لـ "الرّوحيّ ولكن ليس الدّينيّ" وجمهوره من حركات العصر الحديث - من عبادة الصّحّة والعافية إلى صعود السّحر والتّنجيم الحديثين - وفرةً من الجهود الجديدة النّاجحة بشكل متفاوتٍ لملء فجواتنا الرّوحيّة دون عنف أو كراهيّة.
وعندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة، نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى. وهذه ليست أرضاً أنا، على الأقلّ، على استعداد للتّنازل عنها.


المصدر: تارا إيزابيلا بورتون، النيويورك تايمز

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية