كيف أعادت سياسات الانفتاح تشكيل قطاع الزراعة في مصر؟

مصر

كيف أعادت سياسات الانفتاح تشكيل قطاع الزراعة في مصر؟

مشاهدة

01/08/2019

خلال قرابة العقدين أرست ثورة يوليو منظومة متكاملة للتعاون الزراعي ودعم الفلاح، ساهمت مع قوانين الإصلاح الزراعي، بتقليل نسب الفقر الريفي في البلاد، وتحقيق الارتقاء الاجتماعي لشرائح واسعة من الشعب المصري، لكنّ التحولات جاءت سريعاً، بالاتجاه المضاد مع بداية حقبة جديدة من سياسات التحرير والانفتاح الاقتصادي، والتي لم تكن معزولة عن التدخلات والعامل الخارجي.

السادات في الحكم... وبداية الارتداد

بدأت سياسة الارتداد عن الإصلاحات الزراعيّة، التي نفذت في مصر بعد ثورة تموز (يوليو) 1952، مباشرةً بعد وفاة جمال عبد الناصر، وتولّي أنور السادات منصب الرئاسة، عام 1971، فصدر قانون في العام ذاته يقضي بدفع تعويضات إضافية لكبار الملاك، عمّا فقدوه من أراضٍ إثر تطبيق الإصلاح، وجاءت الخطوة الأهم بعد ذلك بثلاثة أعوام مع إصدار القرار رقم (69) لعام 1974، والذي ألغيت بموجبه وصاية الدولة على الأراضي الزراعيّة غير المملوكة، وهو ما ترتب عليه تسليمها للملّاك وإخلاء الأراضي من المزارعين الذين كانوا يحوزونها بالإيجار من الدولة بشكل تدريجي، وتسارعت عملية طرد المستأجرين مع إقرار البرلمان المصري، عام 1975، قانوناً نصّ على إمكانية طرد المستأجر من الأرض حال تأخّره مُدّة شهرين عن دفع الإيجار.
توصيات خارجية وتفكيك منظومة التعاون
جاءت هذه الخطوات بمبادرة من الدولة المصرية الجديدة، مع بداية بروز توجّهات وسياسات اقتصاديّة واجتماعية جديدة للدولة، مخالفة لما كانت عليه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وعام 1975؛ بدأت التدخّلات الخارجيّة في الشأن الزراعي، مع وصول بعثة رئاسيّة أمريكيّة لمصر، بإشراف وتمويل من منظمة التنمية الأمريكية، والتي قدّمت تقريراً أكدت فيه أنّ النظام التعاوني الزراعي في مصر مُصاب بالخلل، وبناءً على هذه التوصية؛ صدر في العام التالي (1976)، القرار بحلّ الاتحاد التعاوني المركزيّ، كمقدمة لتصفية الحركة التعاونية الزراعيّة.

كانت الحركة التعاونيّة الزراعية قبل تفكيكها تضمّ ما يقارب ثلاثة ملايين فلّاح

وكانت الحركة التعاونيّة الزراعية، والتي أُرسيَت دعائمها خلال حكم عبد الناصر، قد وصلت إلى أن تكون حركة جمعيّة تضم ما يقارب الثلاثة ملايين فلّاح، ضمن حوالي خمسة آلاف جمعيّة منتشرة على امتداد البلاد، وينتهي بناؤها الهرمي بالاتحاد التعاوني المركزيّ، وكانت تقوم بأدوار مهمّة لإسناد ودعم الفلّاح؛ فتقدم مستلزمات الإنتاج (من بذور وأسمدة ومقويّات) بأسعار مدعومة، وتتولّى مهمة تسويق المحاصيل الزراعية حمايةً للفلاحين من استغلال التجار والسماسرة.
وتلت قرار حلّ الاتحاد التعاوني إجراءات أكملت تفكيك منظومة التعاون، بدايةً من إيقاف المؤسسة العامّة للائتمان الزراعيّ التعاونيّ، وجرى الانتقال بذلك إلى الاعتماد على بنك التنمية والائتمان وفروعه في القرى، مع تحرير سعر الفائدة على القروض المالية المقدمة للمزارعين، ثم تبع ذلك قرار إلغاء الهيئة العامة للتعاون الزراعي، ولحق ذلك حلّ اللجان المحليّة المخصصة لفضّ النزاعات حول الأراضي الزراعيّة، وأحيلت هذه النزاعات بعد ذلك إلى القضاء العادي.

اقرأ أيضاً: من الطابو العثماني إلى الإصلاح الزراعي.. تحوّلات ملكيّة الأرض في العراق الحديث

بدأت سياسة الارتداد عن الإصلاحات الزراعيّة مباشرةً بعد تولي السادات منصب الرئاسة

من جديد.. إعادة تركيز المُلكيات
مع نهاية حكم السادات، عام 1981، أُقرّ قانون رفع الحدّ الأقصى لمُلكيّة الفرد إلى ألفيْ فدّان، وللأسرة إلى ثلاثة آلاف فدّان، والشركات إلى عشرة آلاف فدّان، وجاء هذا القرار تلبيّةً لمصالح شركات القطاع الخاص ذات النفوذ المتنامي خلال عقد السبعينيات، ولتبدأ بذلك حقبة جديدة من تركيز الأراضي في أيدي قلّة من رجال الأعمال والشركات الصاعدة خلال حقبة الانفتاح، وهو ما سيستمر ويتصاعد خلال عهد الرئيس حسني مبارك.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الزراعي في مصر.. لماذا انحاز الضابط إلى الفلاح؟
وقد أثّرت السياسات التي تمّ انتهاجها في عهد السادات بشكل بالغ على نسب الحيازة للأراضي الزراعيّة؛ فانخفضت نسب الحيازة الزراعية لصغار الفلاحين، والذين يشكّلون 90% من إجمالي الحائزين، إلى نحو 53%، بحسب تقرير "التعبئة والإحصاء" لعام 1981 عن المساحات المزروعة، وذلك مقارنةً بـ 57.1% عام 1965.
زمن مبارك.. شروط وإملاءات الخارج
خلال حكم الرئيس حسني مبارك، وفي مطلع الثمانينيات، تصاعدت سياسات التحرير الاقتصادي، وجاء ذلك بالأساس كنتيجة لضغوط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وخاصّة بعد القرضَين اللذيْن حصلت عليهما مصر بداية التسعينيات.

تدهورت الأوضاع الزراعية في مصر بشكل متزايد مع انضمام مصر لاتفاقية التجارة الدوليّة

بدأت سلسلة التدخّلات الخارجيّة مع وصول البعثة الأمريكية إلى مصر، عام 1982، والمُوفدة لدراسة مشاكل مصر الزراعيّة وتقديم الحلول لها والتوصيات بشأنها، وذلك كشرط للحصول على المعونات من قبل هيئة المعونة الأمريكية، وقد تركزّت توصياتها على هدف إخضاع الزراعة المصرية لآليات السوق الحُرّة.
وكانت الولايات المتحدة قد قدمت مساعدات زراعيّة لمصر وصل مجموعها، خلال الفترة (1975-2000)، إلى ثلاثة مليارات دولار، ولكنّها كانت مشروطة بشروط وإملاءات؛ كاستيراد مصر الآلات والسلع الزراعية من الولايات المتحدة، مهما زاد سعرها عن بدائلها، كما عملت هذه المساعدات على إجهاض زراعة محاصيل إستراتيجية، كالقمح، مقابل الحصول إليها كمساعدات.

اقرأ أيضاً: هكذا استفادت الحركة الصهيونية من تحولات قوانين الأراضي العثمانية
تصاعدت التدخّلات بعد توصّل مبارك، عام 1991، لاتفاق مع صندوق النقد الدولي من أجل الإصلاح وإعادة الهيكلة الاقتصادية، وتركّزت توصيات إعادة الهيكلة على تحرير السوق والتخلّص من التكلفة للتدخل الحكومي في القطاع الزراعي، وهو ما عنى، إضافة إلى تفكيك منظومة التعاون الزراعي بشكل نهائي، تنفيذ خطوات كالتراجع عن السياسات التسعيريّة (تحديد الأسعار من قبل الحكومة)، وخفض الدعم على مدخلات الإنتاج الزراعي (من البذور والأسمدة)، وصولاً إلى إلغاء الدعم نهائياً، وترك الفلاح في مواجهة التاجر والسمسار.

بدأت سلسلة التدخّلات الخارجيّة في القطاع الزراعي مع وصول البعثة الأمريكية عام 1982

القانون يعزّز مسار التحوّلات
وتعزّزت هذه التحوّلات مع إصدار قانون "إصلاح العلاقة الإيجاريّة بين المالك والمستأجر"، عام 1992، الذي جاء ليكمل الإجهاز على ما تبقى من مكتسبات المزارعين من الإصلاح الزراعي الخاصّة بالأمان الإيجاري؛ فسمح القانون بتحرير أسعار إيجار الأراضي الزراعية، وإمكانية استعادة الملاك الأراضي المؤجرة في حال عجز المزارعين عن السداد.

اقرأ أيضاً: ما أبرز تحوّلات مُلكيّة الأرض في مصر قبل ثورة يوليو؟
وعام 1995؛ ووفق ما تمليه سياسات التكيّف الهيكليّ، صدر قانون يبيح للأجانب مُلكيّة أيّة مساحة من الأراضي الزراعيّة في مصر، ليتم بذلك إلغاء العمل بالقانون رقم (15) لعام 1963، بشأن حماية الأرض المصريّة من هيمنة الأجانب؛ حمايةً للاقتصاد الوطني.

الانفتاح والعولمة... وتهديد الأمن الغذائي

تدهورت الأوضاع الزراعية في مصر بشكل متزايد مع انضمام مصر لاتفاقية التجارة الدوليّة (الجات)، عام 1995، ما عنى المزيد من الانخراط في العولمة الاقتصادية، وما تقتضيه من رفع وإزالة للحواجز الجمركيّة على البضائع والمنتجات المستوردة ومن ضمنها الزراعيّة، وهو ما أدى سريعاً إلى تدهور الإنتاج المحليّ الزراعي والصناعات المرتبطة به، وتجسّد ذلك بوضوح في انهيار زراعة القطن وما يرتبط بها من صناعة الغزل والنسيج، وذلك كنتيجة لفتح الباب على مصراعيه لاستيراد القطن الأمريكي مهما كانت الأضرار والخسائر الاقتصاديّة، فتقلصّت المساحة المزروعة بالقطن من ما يزيد على مليون ونصف فدّان، منتصف الثمانينيات، إلى ما لا يزيد عن نصف مليون فدّان عام 2000، وهو ما صاحبته تصفية شركات كبرى لصناعة الغزل والنسيج، وتأجير شركات أخرى لمستثمرين أجانب، ويشير عريان نصيف، في دراسته "تحرير الزراعة المصريّة؛ الأبعاد المحاور الآثار"، إلى أنّ عدد المصانع تقلّص من (1575) عام 1985 إلى مئتين فقط عام 2000، مع إفلاس آلاف المصانع والمغازل المتوسّطة والصغيرة. وكذلك حصل في صناعة السُّكّر بعد إغراق السوق المصريّ بالسُّكّر المستورد، الأرخص والأقل جودة، ما نجم عنه كساد كميّات كبيرة من السّكّر المصري، وبالتالي تقليص مساحات زراعة القصب كمحصول رئيس؛ اقتصادياً وغذائيّاً وصناعيّاً.

اقرأ أيضاً: من التجارة إلى الإقطاع... كيف حصلت الانعطافة الكبرى في التاريخ الاقتصادي للمشرق؟
وإضافة إلى ذلك؛ أدّت سياسات الانفتاح إلى تهديد الأمن الغذائيّ للبلاد، مع التوجّه للاعتماد على زراعة المحاصيل المطلوبة للتصدير (مثل: الفاكهة، وأنواع من الخضار، والنباتات العطريّة) على حساب المواد الأساسيّة (كالقمح، والشعير، والأرز، والذّرة، والبقوليات، والقطن) والتي اضطرت الدولة إلى استيراد احتياجاتها منها.

أدى الانخراط في العولمة الاقتصادية إلى تدهور الإنتاج المحليّ الزراعي والصناعات المرتبطة به

وهكذا، أدّت سياسات الانفتاح والتكيّف الهيكليّ إلى تردي الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة للفلاحين، بعد تفكيك منظومة التعاون والدعم، ليصبح الفلاح عارياً أمام رياح التحرر الاقتصاديّ، وفي مواجهة مباشرة مع شركات القطاع الخاص، وتُجّار وسماسرة المدخلات الزراعيّة.
ويشير الدكتور صقر عبد الصادق، في دراسة له بعنوان "الأرض والفلاح والمستثمر؛ دراسة في المسألة الزراعيّة والفلاحيّة في مصر"، إلى أنّه "بعد أن ساهمت سياسات الإصلاح والتعاون الزراعي في تقليص الفقر الريفيّ في مصر، من 50% عام 1952 إلى 24% عام 1970، عادت معدّلات اللامساواة والفقر للارتفاع مجدداً منذ السبعينيات، وانتهى الحال عام 2000 إلى أن عاد 65% من أهل الريف ليصبحوا فلاحين معدمين بلا أرض، أو بأرض تقلّ مساحتها عن فدّان واحد".

الصفحة الرئيسية