كيف سافر زعيم البوليساريو إلى إسبانيا بهوية جزائرية مزورة؟

كيف سافر زعيم البوليساريو إلى إسبانيا بهوية جزائرية مزورة؟

مشاهدة

28/04/2021

غضب شعبي ورسمي مغربي من استضافة إسبانيا الأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، للعلاج على أراضيها، بعد أن دخل البلاد بهوية مزورة، قادماً من الجزائر على متن طائرة خاصة.

وواجه غالي سابقاً دعاوى قضائية منظورة أمام المحاكم الإسبانية مرفوعة من مواطنات صحراويات، اتّهمن غالي فيها بجرائم الاغتصاب وانتهاك حقوق الإنسان، وتسبّبت الحادثة في أزمة دبلوماسية بين البلدين، ورأى البعض فيها أمراً مقصوداً للإيقاع بين الدولتين، باستغلال ملفّ الصحراء الشائك.

هوية مزورة

اندلعت أزمة سياسية بين المغرب وإسبانيا على خلفية تسريب معلومات عن وصول زعيم البوليساريو، إبراهيم غالي، إلى الأراضي الإسبانية لتلقّي العلاج، بعد تفاقم حالته الصحية عقب إصابته بكورونا.

وكانت وزارة الخارجية الإسبانية قد أعلنت أنّ الأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، نُقل إلى إسبانيا لتلقي العلاج، وعلّلت ذلك "لأسباب إنسانية بحتة"، وذلك في 22 من نيسان (أبريل) الجاري، بعد أن نشرت مجلة "جون أفريك" خبراً عن وصوله بصحبة فريق من الأطباء الجزائريين  إلى سرقسطة على متن طائرة طبية استأجرتها الرئاسة الجزائرية.

وزير الخارجية المغربي ونظيرته الإسبانية

وعقب يومين، صرّحت وزيرة الخارجية الإسبانية، ماريا أرانتشا غونثاليث لايا، بأنّ العلاقات مع المغرب لن تتأثر بعد أن استقبلت بلادها أمين عام جبهة البوليساريو الانفصالية، لتلقّي العلاج على أراضيها، وقالت إنّ "ذلك لا يمنع، أو يربك، العلاقات الممتازة التي تربط إسبانيا بالمغرب"، مضيفة أنّ المغرب "شريك مميز" لإسبانيا على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والهجرة والشركات ومكافحة التغير المناخي، مشددة على أنّ ذلك لن يتغير.

يستثمر الإسبان في الخلاف السياسي بين الجزائر والمغرب لتحقيق مكاسب على المستوى الاقتصادي عبر هذا الملف الذي يشلّ المنطقة المغاربية

وبحسب وسائل إعلام دولية، نقلاً عن مصادر إسبانية، دخل غالي إلى إسبانيا بهوية جزائرية مزورة، تجنباً للملاحقة من القضاء الإسباني، وفي أول ردّ رسمي مغربي، استدعت وزارة الخارجية المغربية، سفير إسبانيا بالرباط، ريكاردو دييز هوشلايتنر، وطلبت منه توضيحاً بشأن استقبال بلاده لإبراهيم غالي، لتلقي العلاج على أراضيها، وذلك في 25 من الشهر الجاري.

ودان رئيس حكومة المغرب، سعد الدين العثماني، استقبال إسبانيا لرئيس جبهة البوليساريو الانفصالية، إبراهيم غالي؛ للاستشفاء بجواز سفر واسم مزورَين، معتبراً أنّ الاستقبال "فضيحة كبرى".

محاكمة غالي

وطالب نشطاء من المغرب بمحاكمة غالي أمام القضاء الإسباني، بتهمة دخول البلاد بهوية مزورة، وإعادة محاكمته في القضايا التي رفعها نشطاء صحراويون اتّهموا غالي فيها بجرائم اغتصاب وتعذيب.

وعام 2007، قبلت المحكمة الوطنية الإسبانية دعوى ضدّ غالي والأمن الجزائري وعسكريين صحراويين بتهم ارتكاب جرائم تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان واغتصاب داخل مقرّ سفارة الجمهورية العربية الصحراوية، المعلنة من طرف واحد، في الجزائر.

اقرأ أيضاً: جبهة البوليساريو تحيي آمال إرهابيي المنطقة.. تفاصيل

وعام 2019، نشرت مواطنة صحراوية، تدعى خديجتو محمود، فيديو على "تويتر": "اتّهمت غالي فيه باغتصابها في مقرّ السفارة في الجزائر".

وفي حديثه لـ "حفريات"، قال الإعلامي الجزائري، ورئيس الجمعية المغاربية للسلام والتعاون والتنمية بالمغرب، وليد كبير: إنّ "الجرائم المتورط فيها غالي متعلقة أساساً بانتهاك حقوق الإنسان من تعذيب واغتصاب، وأهم قضية تم رفعها ضدّه من طرف خديجتو محمود، التي اتهمته باغتصابها بمقرّ ما يسمى "سفارة الجمهورية الصحراوية بالجزائر العاصمة" سنة 2010".

الإعلامي الجزائري، ورئيس الجمعية المغاربية للسلام والتعاون والتنمية بالمغرب، وليد كبير

وكانت السلطات القضائية حفظت التحقيقات بحقّ غالي، وذكر مسؤول أمني إسباني لوكالة "أسوشيتد برس"؛ أنّ غالي "غير مطلوب أمنياً".

نجاح أمني مغربي

ويرى الباحث المغربي في العلوم السياسية والكاتب الصحفي نور الدين اليزيد؛ أنّ خبر الكشف عن تواجد زعيم البوليساريو على التراب الإسباني بهوية مزورة، ما كان ليجد طريقه للإعلام لولا "ضربة معلم" نفّذتها المخابرات المغربية، وهزمت بها، بذلك، نظيرتيها في إسبانيا والجزائر، إلى الدرجة التي لم تجد فيها مدريد من بُدّ غير الاستسلام لابتلاع طعم الهزيمة، والاعتراف أمام الرأي العام بحقيقة الخبر، حتى إن كان ذلك سيخلق وابلاً من الانتقاد بحقّ الحكومة.

اقرأ أيضاً: ملك المغرب: بهذه الطريقة سنرد على انتهاكات ميليشيا البوليساريو

وأضاف اليزيد، لـ "حفريات": "بل لربما ستتطور الأمور إلى أكثر من ذلك؛ كالإطاحة بالأجهزة الأمنية المسؤولة عن هذه الكبوة، وقد يصل الأمر إلى حدّ الإطاحة بوزراء، لا سيما في ظلّ التدخل السافر الذي أبان عنه المسؤولون الذين أداروا ملف إدخال زعيم الانفصاليين الصحراويين، بهذه الطريقة البليدة، وهو ما يتنافى مع احترام دولة المؤسسات والقانون، واستقلال السلطة، ومنها السلطة القضائية، التي لديها ملفات وصكوك اتهام ثقيلة لزعيم البوليساريو، تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وبالاغتيال خارج القانون، وبالإبادة".

ورغم عدم وجود ملاحقة رسمية لغالي في إسبانيا، إلا أنّ الإعلامي الجزائري، وليد كبير، يشكّك في ذلك، قائلاً: "لو لم تكن هناك ملاحقة قضائية لما احتاج غالي إلى هوية مزورة".

ويرى الإعلامي كبير؛ أنّ هناك فرضيتَين حول الكشف عن زيارة غالي؛ الأولى أنّ المخابرات المغربية قامت بنجاح برصد تحركاته، والثانية: أنّ الجزائر هي من سرّبت المعلومات بهدف التخلص من غالي، بعد إخفاقه في إدارة أزمة الكراكات، وتصعيد قيادة جديدة، وفي الوقت نفسه تحقيق مكاسب سياسية.

لماذا إسبانيا؟

وأثار اختيار غالي دولة إسبانيا للعلاج تكهنات حول ذلك، وعدم اختياره لدولة أخرى لا توجد فيها قضايا بحقّه، أو دولة تتحكم حكومتها في القضاء، وتتيح حصانة تامّة بسهولة لغالي، مثل روسيا.

الباحث المغربي في العلوم السياسية والكاتب الصحفي، نور الدين اليزيد

ويرى الإعلامي وليد كبير؛ أنّ النظام الجزائري أراد الاستثمار في مرضه عبر إحداث أزمة دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، "نظام الحكم في الجزائر يدرك أنّ تواجد إبراهيم غالي فوق التراب الإسباني سيغضب الرباط، وسيؤدي ذلك إلى أزمة دبلوماسية، وهذا ما حدث بالفعل".

وأضاف: "الموقف الإسباني ثابت ولم يتغير بخصوص ملف الصحراء المغربية، وهو يدعو دوماً إلى حلّ سياسيّ ترعاه الأمم المتحدة، لكن يستثمر الإسبان في الخلاف السياسي بين الجزائر والمغرب لتحقيق مكاسب على المستوى الاقتصادي عبر هذا الملف الذي يشلّ المنطقة المغاربية".

الكاتب نور الدين اليزيد لـ "حفريات": خبر الكشف عن تواجد زعيم البوليساريو على التراب الإسباني بهوية مزورة، "ضربة معلم" نفذتها المخابرات المغربية

ولفت الإعلامي كبير إلى أنّ الجالية المغربية في إسبانيا، التي تصل إلى مليون مواطن، قد تحرّك فعاليات داخل المجتمع المدني هناك، من أجل الضغط ومساءلة الحكومة الإسبانية حول قبول إبراهيم غالي للعلاج فوق أراضيها، وكيف قبلت دخوله بهوية مزورة، بما يمسّ بسمعة إسبانيا كدولة تحترم القانون.

واندلعت أزمة الصحراء الغربية بعد انسحاب دولة الاحتلال الإسبانية من المنطقة، عام 1975، وتنازعت المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر على المنطقة، ونشب صراع مسلح توقف عام 1991، وصدر قرار من مجلس الأمن باتفاق الطرفين على تسوية للقضية، تنصّ على إجراء استفتاء حول حقّ تقرير المصير.

قوات عسكرية تتبع البوليساريو

وطرح المغرب خطة تسوية جديدة تقوم على منح المنطقة حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، ولاقت الخطة قبولاً محدوداً في البداية، ومع مضي الوقت يزداد عدد الدول المرحبة بها.

وأعلن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء، وافتتاح قنصلية في مدينة العيون، ووافقت إدارة بايدن، التي خلفت ترامب، على القرار.

وفي 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أعلن زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، مرسوماً يقضي بإنهاء الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، الموقَّع عام 1991 مع المغرب، وهاجمت الجبهة معبر الكراكات، وتصدّت لها القوات المغربية بنجاح.

الصفحة الرئيسية