لماذا يسعى الغنوشي إلى تغيير القانون الانتخابي في تونس؟

لماذا يسعى الغنوشي إلى تغيير القانون الانتخابي في تونس؟

مشاهدة

03/09/2020

أثارت دعوة زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، إلى تغيير القانون الانتخابي، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية في تونس، خصوصاً أنّها سبقت إعلان تشكيل الحكومة الجديدة بقليل، وأثارت تساؤلات كثيرة عن مدى ارتباطها بفرضية حلّ البرلمان، والذهاب إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، خصوصاً أنّ الحكومة الجديدة هي الثالثة التي ستعرض للتصويت في البرلمان، منذ آخر انتخابات تشريعية أفرزت البرلمان الجديد، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

الناشط الحزبي المعارض جيلاني الهمامي لـ"حفريات":  النهضة تحاول إقصاء الأحزاب الصغيرة والكتل غير الوازنة ليصبح البرلمان ممثلاً بحزبين أو ثلاثة على أقصى تقدير، وتكون هي صاحبة الأغلبية

ويبرِّر الغنوشي دعوته هذه  بضرورة تمكين الأحزاب من تحقيق أغلبية برلمانية تمكّنها من الحكم وتكريس الاستقرار البرلماني والحكومي، مؤكداً التوجه إلى عقد دورة برلمانية استثنائية خلال العطلة لتعديل قانون المحكمة الدستورية، بهدف تسهيل عملية انتخاب بقية أعضائها.

وأكّد الغنوشي أنّ النظام الانتخابي الحالي، الذي صادق عليه حزبه بالأغلبية، "أفرز مشهداً سياسياً متشتتاً متضرراً، وأنّه غير قادر على تكوين أغلبية، مهما كان الحزب قوياً، وهي من أهم أسباب ضعف الاستقرار في البلاد"، على حدّ قوله.

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. طرد الغنوشي من مسقط رأسه بهذه الهتافات

وبحسب القانون الانتخابي الحالي في تونس، يجري الاقتراع في الانتخابات البرلمانية على القوائم في دورة واحدة، وتوزع المقاعد في مستوى الدوائر الانتخابية على أساس التمثيل النسبيّ مع الأخذ بأكبر البقايا، وعدّه المشرّعون وقتذاك خطوةً لقطع الطريق ضدّ هيمنة أيّ حزب على الدولة والحكم وإعادة إنتاج نظام الاستبداد.

تصفية حسابات

ويرجع مراقبون تصعيد حركة النّهضة في تحركاتها السياسية والبرلمانية إلى تصاعد الخلاف بينها كحزبٍ أغلبي، وبين الرئيس التونسي، قيس سعيّد، الذي حرص منذ توليه رئاسة البلاد، على إظهار عدائه لها، واختلافه عنها، رغم أنّها دعمته خلال حملته الانتخابية، على حساب خصمه، قطب الإعلام، نبيل القروي.

أثارت دعوة الغنوشي إلى تغيير القانون الانتخابي جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية في تونس

وتحاول الحركة، التي سقطت حكومتها أمام البرلمان، إسقاط كلّ مبادرات الرئيس، بدايةً بإسقاطها حكومة إلياس الفخفاخ، الذي عيّنه بعد أشهرٍ قليلة من انطلاق عملها، وتسعى اليوم إلى عدم تمرير حكومته الجديدة، التي تبدو بحسب تركيبتها تقنيةً صرفةً، وقد تكشف كلّ أخطاء النّهضة، منذ دخولها الحكم عام  2011 إلى اليوم، خاصة أنّها الحكومة الأولى التي لا تشارك فيها النّهضة منذ الثورة.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يدفع باتجاه محكمة دستورية على مقاس النهضة

ويرى المحلل السياسي، محمد بوعود، في  هذا السياق، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الحركة لا ترغب جدياً في تغيير النظام  الانتخابي، لأنّها هي التي ساهمت في وضعه، واستغلّت ثغراته، منذ انتخابات 2011 إلى اليوم، وهي المستفيد الأوّل من هذا النظام الذي يتماشى مع النظام السياسي الذي وضعته هي نفسها خلال زعامتها للمجلس الوطني التأسيسي (البرلمان سابقاً)، والقائم على شعار يمكن تلخيصه في عبارة "الجميع يحكم ولا أحد يتحمّل المسؤولية".

ويضيف بوعود؛ أنّ النظام الانتخابي الذي وضعته الهيئة الانتخابية الأولى بعد الثورة تحت ضغط الشعارات الثورية والحماس الديمقراطي، خدم حركة النّهضة وجعلها تتزعم المشهد السياسي طيلة العقد الماضي.

اقرأ أيضاً: الغنوشي.. من "طلع البدر علينا" إلى "أسوأ" شخصية في عيون التونسيين

المحلل السياسي قال أيضاً؛ إنّ دعوات الغنوشي اليوم لتغيير النظام الانتخابي، لا تعدو أن تكون مزايدةً وتصفية حسابات مع "خصمه" رئيس البلاد، قيس سعيّد، الذي لا يخفي رغبته في حلّ البرلمان، وتغيير الدستور برمّته.

وكانت حركة النهضة قد فازت بالأغلبية، بواقع 54 مقعداً في انتخابات 2019، لكنّها فشلت في توفير الأغلبية المطلقة (109 أصوات) لحكومة الحبيب الجملي، الذي رشحته بعد الانتخابات، أثناء التصويت لمنح الثقة، في كانون الثاني (يناير) الماضي.

النّهضة تحاول استباق فرضية حلّ البرلمان

النسق السريع لتواتر الأحداث السياسية في تونس، ونجاح قيس سعيّد، حتى الآن، في إضعاف النّهضة وكسب الرهانات التي خاضتها معه، أربك حسابات الحركة وخلط جميع أوراقها الرابحة، وجعلها تفكّر في طريقةٍ للعودة إلى موقع القيادة من جديد، مع الأخذ بعين الاعتبار، كلّ تهديدات سعيّد السابقة، وفي مقدّمتها حلّ البرلمان، وتغيير الدستور.

وتسعى النّهضة، من خلال الحرص على تعديل قانون الانتخابات، إلى إقصاء خصومها، أو الحدّ من فاعليتهم داخل البرلمان، من أجل خلق أغلبية مريحة من نوابها قادرة على استقطاب كتل برلمانية أخرى، وفق ما أكّده الناطق الرسمي باسم حزب العمال التونسي المعارض، جيلاني الهمامي، الذي شدّد على أنّ حركة النهضة تحاول استباق إمكانية حلّ البرلمان، وهي فرضية مطروحةٌ بشدّة على الساحة السياسية، سواء تحصّلت الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان، أو لم تحصل عليها، مشدّداً على أنّ عام 2021 سيكون عام حلّ البرلمان.

ولفت الهمامي، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ الحركة تحاول تعديل النظام الانتخابي، لإضافة نقطةٍ وحيدةٍ، وهي تحديد عتبة انتخابية، لتضمن إقصاء الأحزاب الصغيرة، والكتل غير الوازنة، ليصبح البرلمان ممثلاً بحزبين، أو ثلاثة على أقصى تقديرٍ، وتكون هي صاحبة الأغلبية فيه.

الناطق باسم حزب العمال التونسي، رأى أيضاً أنّ الحركة الإسلامية تحاول من خلال الحصول على الأغلبية السيطرة على البرلمان، وأخذ السلطة كلّها، والانفراد بتشكيل الحكومات، وهو ما عجزت عنه منذ عام 2014، حين تصدّت لها أغلب الأطراف السياسية.

النهضة تسعى لتعميم حالة الفشل

هذه ليست المبادرة الأولى التي تطرحها الحركة، في أوقاتٍ حرجة، وخلال مراحل مفصلية، تحتاج فيها البلاد إلى نوعٍ من الاستقرار، فقد دأبت على طرح مثل هذه المبادرات في الوقت الذي يحبس الجميع أنفاسهم، من أجل المناورة وكسب المزيد من الوقت لتوجيه خيوط اللعبة إلى الاتّجاه الذي يخدم مصالحها.

اقرأ أيضاً: استطلاع رأي: راشد الغنوشي الشخصية الأسوأ في تونس

كما اعتادت النهضة منذ خروجها من السريّة إلى العلن، بعد ثورة يناير 2011، على البحث عن شركاء تحمّلهم مسؤولية الحكم، وتحاول خلال الأشهر الأخيرة التملّص من مسؤولية الفشل الذي سبّبته للبلاد، منذ توليها الحكم؛ إذ تعمل على تحميل النظام الانتخابي الذي صاغته ودعمته، وصادقت عليه، ثم أثنت عليه، مسؤولية عدم الاستقرار الحكومي والاقتصادي، خصوصاً أنّ البلاد دخلت فعلياً مرحلة محفوفة بالصعوبات الاقتصادية.

يعتقد المحلل السياسي باسل ترجمان، أنّ حركة النهضة تسعى من خلال دعوتها لتغيير النظام الانتخابي إلى تعميم حالة الفشل السياسي، دون منح الحقّ بمحاسبة أيّ طرفٍ

ويعتقد المحلل السياسي، باسل ترجمان، أنّ حركة النهضة تسعى من خلال دعوتها لتغيير النظام الانتخابي، إلى تعميم حالة الفشل السياسي، دون منح الحقّ بمحاسبة أيّ طرفٍ، خاصة أنّ الدستور يتضمّن عدّة ثغرات قانونية جعلته دستوراً معوّماً، ودعوات النّهضة لتغييره هي إقرار بوجود أخطاء أفقدت مجلس النواب دوره، وحوّلته إلى قوّة سياسيةٍ غير فاعلةٍ في المشهد.

ولفت ترجمان إلى أنّ النظام الانتخابي الذي تسعى النهضة إلى تغييره هي نفسها من وضعته وصادقت عليه، منذ عام 2011، وأصرّت على تمريره، لتمنع أيّة قوة سياسية من أن تحكم، أو أن تتحمّل مسؤولية الحكم ونتائجه.

وأشار إلى أنّ هذه الدعوات ليس لها أيّ عمقٍ سياسيّ؛ لأنّ أحداً لم يمنع النهضة من تغييره، لكنّها لم تفعل وظلت تهدّد فقط، لأنّها تعلم أنّها لو فعلت ذلك لن تجد لها حلفاء، داخل البرلمان أو خارجه، كما أنّ غايتها الوحيدة محاصرة الرئيس، قيس سعيّد، الذي لم يرضخ لها.

الصفحة الرئيسية