لماذا يصبغ المغاربة رأس الكبش بالحنّاء قبل ذبحه؟

11450
عدد القراءات

2019-08-13

لعيد الأضحى في المغرب طقوس وأقنعة عدة؛ فهو احتفال يمتزج فيه المقدّس والمدنّس، يُمارس فيه المغاربة طقوساً ترجع إلى العصور القديمة قبل ظهور الإسلام، للاحتفاء بالأرض والخصوبة والحياة، في جوّ لا يخلو من العبادة وأداء شعائرهم الدينية.

اقرأ أيضاً: تكحيل الأضحية وخطف الخروف.. أغرب عادات الشعوب في عيد الأضحى
ولا تكتمل فرحة العيد دون ممارسة طقوس مثل: "بوجلود"، أو "بولبطاين"، أو "هرما"، أو "بيلماون"، وهي عبارة عن احتفالات لشباب يجولون الشوارع ليلة عيد الأضحى، ويرتدون جلود الأضاحي على إيقاع الطبول.
نقدّم الفرجة والمتعة للناس
يُشارك معاد دويري، البالغ من العمر 24 عاماً، كلّ عام، في احتفالات "بوجلود" في إنزكان، بمدينة أكادير جنوب المغرب، يصف تجربته قائلاً: "لا يمكن أن أتخيّل عيد الأضحى دون احتفالات بوجلود، نتجول من حي إلى حي، لنقدّم الفرجة والمتعة للناس".

بوهضر بوجمعة لـ "حفريات": "في ليلة العيد أصافح جميع سكان القبيلة، وأطلب الصفح منهم؛ فعاداتنا وتقاليدنا تحثّنا على ذلك

يضيف معاد في تصريحه لـ "حفريات": "ننظم أنا وأبناء الحي حفلة "بيلماون" من خلال جمع جلود الأكباش، عقب نحرها، صباح يوم العيد، نقوم بتنظيفها، ثم نرتديها".
ويعدّ مهرجان انزكان "بيلماون-بودماون" بمدينة أكادير، قبلة لعدد من المواطنين ومحبّي الفرجة، ويُشارك فيه حوالي 400 شخص، ويستقطب بين 1500 و2000 متفرّج.
ويهدف هذا المهرجان إلى الحفاظ على  التراث الشعبي الأمازيغي، عبر تجسيد شخصيات من الموروث الأمازيغي القديم.
وتختلف طقوس احتفال "بوجلود" أو "بيلماون، من منطقة إلى أخرى؛ ففي بعض المناطق يظهر "بيلماون" بشخصية عدوانية، ويُحاول الاعتداء على المارة بذراعه التي تحمل جلد الكبش، وتسيل منها الدماء، وتعتقد بعض النساء أنّ مسح بعض الصغار بهذه الدماء يقيهم من الأمراض والأزمات النفسية، على حدّ تعبير معاد.
يرتدون جلود الأضاحي على إيقاع الطبول

امتزاج المقدَّس بالمدنّس
وفي مناطق أخرى؛ يتقمّص "بيلماون" شخصية محبوبة، ويقوم ببعض الحركات المضحكة، كما يرقص على إيقاعات شعبية، ويقترب منه الأطفال لالتقاط الصور والرقص معه.
"في "بيلماون" يمتزج المقدَّس بالمدنّس"؛ هكذا يصف الأنثروبولوجي المغربي، عبد الله حمودي، طقوس "بيلماون" في كتابه "الأضحية وأقنعتها".

اقرأ أيضاً: الأضحى في الجزائر.. طقوس خارج حسابات السياسة
يشير حمودي في مؤلَّفه؛ إلى أنّ "بيلماون" يرجع إلى عصور قديمة، قبل مجيء الإسلام، ويُمارسه الأمازيغ كطقس وثنيّ يرتبط بالقرابين، التي كانت المجتمعات القديمة تضحي بها من أجل خصوبة الأرض والنسل، وعندما جاء القربان الإبراهيمي (عيد الأضحى)، اندمج الطقسان معاً، وأصبحا يشكلان احتفالاً واحداً، بمرجعيات مختلفة ومتناقضة.
ويُضيف مؤلّف كتاب "الشيخ والمريد": "عيد الأضحى وعاشوراء كانا يؤرخان للزمن قديماً: الأول يختم السنة المنقضية، والآخر يفتتح السنة المستهلة، وكلاهما يشهدان احتفاليات يهيمن عليها اللعب والضحك والضوضاء، مغلفة بطقوس دينية، تختلف بحسب المجتمعات".
مهرجان بيلماون في إنزكان  يُشارك فيه حوالي 400 شخص ويستقطب بين 1500 متفرج و2000

احتفالات تستمر أسبوعاً
ويرى حمودي أنّ طقس "بيلماون" تقليد شعبي لا يكفّ فاعلوه عن خرق القواعد نفسها التي يقوم عليها العيد الإسلامي.
وتستمر احتفالات "بيلماون" إلى غاية أسبوع، وتُختم بمأدبة عشاء، يدعو الحاضرون فيها الله أن يرزقهم بالمطر، ويعدّ الأنثروبولوجي المغربي أنّ انتهاء طقوس "بيلماون" بدعاء يضفي عليها طابع القدسية، ومن الخطأ اختزالها في الفرجة والمتعة.
ويقول حمودي، في كتابه "الأضحية وأقنعتها": "يرمز "بوجلود" إلى الانبعاث الجديد، أو البداية، كما أنّ النساء باقترابهن منه يمنحهن الخصوبة وأطفالاً بصحة جيدة، الموت والتجدد السنوي لقوى الطبيعة، والحزن الذي يعقبه الفرح الكرنفالي المميز لهذا العيد، يتطابقان مع لحظتَي قتل وبعث الإله".
منتقدو طقوس "بيلماون"
في المقابل، يرى منتقدو طقوس "بيلماون"؛ أنّه تحوّل إلى فوضى، ولم يعد يحقق أهدافه الأساسية، المتمثلة في التضامن الاجتماعي ومساعدة الفقراء عبر جمع الشباب للمال، عقب تجولهم في الأحياء؛ بل تحوَّل إلى مناسبة لملاحقة المارة والتحرش الجنسي بالفتيات.

اقرأ أيضاً: عيد الأضحى.. زمن التسامح الإبراهيمي
وفي هذا الصدد، تروي عائشة اليماني، ربّة بيت تبلغ من العمر 45 عاماً: "لقد أصبح الشباب يجمعون المال من المارة لشراء المخدرات، وبعضهم يستغلّ ارتداءه جلد الكبش وتنكره، للتحرّش بالفتيات أو ضرب الأطفال".
وتتابع عائشة، التي تعيش في انزكان، في تصريح لـ "حفريات": "كنا في السابق نحتفل في أجواء يسودها الفرجة والمتعة، ولا نخاف شيئاً، لكنّ بعض الشباب اليوم منحرفون، وغير واعين بقيمة هذا الاحتفال، ويستغلونه لأغراض تتنافى مع أخلاقنا وتربيتنا".
يرى منتقدو طقوس "بيلماون" أنّه تحوّل إلى فوضى ولم يعد يحقق أهدافه الأساسية

وضع الحنّاء على رأس الكبش
ولا تقتصر طقوس عيد الأضحى بالمغرب على طقوس "بوجلود"؛ بل هناك عادات وتقاليد أخرى ما تزال بعض النساء المغربيات تحافظ عليها.
زهرة طاهري، ربة بيت في عقدها الخامس، ترى أنّ من واجبها نقل طقوس عيد الأضحى لأبنائها، مثل تزيين الكبش ليلة العيد بالحناء، تقول زهرة: "أقوم بوضع الحناء على رأس الكبش، ونضع الملح على الدم المتدفق من الخروف صبيحة العيد، ليباركنا الله وتحلّ البركة علينا طيلة العام، وليحمينا الله من كلّ شرّ".

زهرة طاهري ترى أنّ من واجبها نقل طقوس عيد الأضحى لأبنائها، مثل تزيين الكبش ليلة العيد بالحناء

وتضيف زهرة: "في صبيحة يوم العيد نضع مناديل بيضاء نغطي بها شعرنا، ونملأ فم الكبش بالقمح والماء، قبل ذبحه، وذلك ليحلّ عام من الخير وتزدهر الفلاحة".
وعقب نحر ربّ الأسرة للأضحية؛ تقوم الزوجة بجمع أولى قطرات الدم في قنينة تحتفظ بها إلى أن تجفّ، وتوضح زهرة، في تصريحها لـ "حفريات": "نقوم بحسب معتقداتنا بتبخير الأطفال الصغار ببعض منه، درءاً للعين الشريرة والسحر".
طقوس نساء الحوز
وفي جهة الحوز، قرب مراكش، تقربنا زينب من أجواء عيد الأضحى، ومن الطقوس الشائعة في هذه المناطق.
تقول زينب، ربة بيت بالغة من العمر 45 عاماً: "في يوم العيد تقوم النسوة والبنات بطلاء رؤوسهن بالحناء، وتسمى هذه العملية (النفقة)".
وعقب صلاة العيد ينحر ربّ الأسرة الأضحية، وقد يقوم مقامه ابنه البكر، ومن عادات بعض النسوة في منطقة الحوز، بحسب زينب، الاحتفاظ بقليل من دم الأضحية لقراءة المستقبل.
وتضيف زينب، لـ "حفريات": "وفي المساء تكون وجبة العشاء عبارة عن كتف الأضحية اليمنى، يتمّ طهوه، وتجتمع العائلة لتناوله".
وعن العادات التي ما تزال بعض النساء تمارسها، تتحدث زينب: "نحتفظ بعظم الكتف بعدما يتم أكل لحمه لقراءة المستقبل، وبعض النساء يتخوّفن من ظهور خطّ أبيض على عظم الكتف، بحسب معتقداتهن، فإنّ ذلك يرمز إلى إنذار بموت أحد أفراد العائلة خلال العام".

وتستمرّ النساء في ممارسة عاداتهن إلى اليوم الموالي لعيد الأضحى، وتقول زينب في هذا السياق: "بعد تناول رأس خروف العيد نقوم بدفن عظام الرأس في مكان بعيد عن الأنظار، حتى لا تستعملها نساء أخريات لإلحاق الأذى بالعائلة عن طريق السحر".
وترى زينب أن ضياع هذه العظام، بحسب اعتقادهن، يتسبّب في تكسير أواني المنزل.
يشهد العيد تكافلاً اجتماعياً بين السكان

أصافح جميع سكان القبيلة
ومن الحوز، تنقلكم "حفريات" لأجواء العيد في منطقة تماسينت، نواحي مدينة ورزازات جنوب المغرب؛ حيث يعدّ عيد الأضحى فرصة لسكان المنطقة لإحياء صلة الرحم والتضامن الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يقول بوهضر بوجمعة، فاعل جمعوي،  لـ "حفريات": "في ليلة العيد أصافح جميع سكان القبيلة، وأطلب الصفح منهم؛ فعاداتنا وتقاليدنا تحثّنا على التصالح يوم العيد، وحلّ المشاكل العالقة بين الناس".
ويضيف بوجمعة: "العيد أيضاً فرصة لأبناء المنطقة المهاجرين خارج المغرب لزيارة عائلاتهم وقبائلهم".

اقرأ أيضاً: الأضحى في تونس: طقس للتواصل والمتعة وطرد الجن والشياطين
ومن جهته، يشير إدريس إسلفتو، فاعل جمعوي بمدينة ورزازات، في تصريحه لـ "حفريات": إلى أنّ "المدينة تعرف رواجاً كبيراً خلال فترة العيد، وتكافلاً اجتماعياً بين سكان المنطقة، لمساعدة الفئات الهشّة على اقتناء أضحية العيد".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أقام الانتداب البريطاني وطناً قومياً لليهود في فلسطين؟

2019-08-20

بما يقل عن 2% من مساحة البلاد، وبـ (44) مستوطنة زراعية، كانت ما تزال مبعثرة ومتفرقة، في محيط من القرى والبلدات والمدن العربية الفلسطينية، بدأ المشروع الصهيوني، مع بداية مرحلة الانتداب البريطاني، بعيداً عن تحقيق غاياته، فكيف انتهت أعوام الانتداب الثمانية والعشرون باقتراح قيام دولة يهودية، عام 1947، على نحو 57% من أرض فلسطين؟!
إعلان بلفور يدخل مرحلة التنفيذ
نصّت المادة الثانية من صكّ الانتداب البريطاني على أن تكون الدولة المنتدَبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإداريّة واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي لليهود فيها؛ وذلك تنفيذاً لإعلان بلفور، الصادر عن الحكومة البريطانيّة عام 1917، خلال الحرب العالميّة الأولى، وجاء فيه الإعلان عن التزام بريطانيا بتأسيس وطن قومي لـ "الشعب اليهودي" في فلسطين، وكان التفكير البريطاني آنذاك متمحوراً حول إيجاد كيان موالٍ يخلف الدولة العثمانية في حكم فلسطين، المتاخمة لقناة السويس، الممرّ الإستراتيجي بالنسبة إلى الإمبراطورية البريطانية.

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون في لبنان: أيتام على مائدة الممانعة
ومع بدء حكم الانتداب البريطاني على فلسطين، عام 1920، بحثت الحكومة البريطانيّة عن حاكم يضمن تنفيذ إعلان بلفور، فوقع الاختيار على هربرت صموئيل، وهو اليهوديّ المنتسب للحركة الصهيونيّة، ليكون أول حاكم للانتداب في فلسطين.

من اليمين هربرت صموئيل مع بلفور والجنرال اللنبي في الجامعة العبرية بالقدس عام 1925

أعوام هربرت صموئيل.. لحظة التأسيس
بدأ هربرت صموئيل ممارسة سلطاته عبر إصدار سلسلة من القرارات الداعمة للمشروع الصهيوني، وكان في طليعتها الاعتراف بالمؤسسات الصهيونية، وعلنيّة نشاطها في فلسطين، والاعتراف باللغة العبريّة كلغة رسميّة في فلسطين.
وعلى صعيد الأرض؛ أصدر صموئيل أمراً بتأسيس دائرة جديدة للأراضي، وعيّن اليهوديّ الصهيونيّ، نورمان بنتويش، رئيساً لها، ومباشرةً؛ قامت الدائرة بإصدار قانون انتقال الأراضي لعام 1920، والذي تضمّن النصّ على منع انتقال الأراضي إلّا لمن كان مُقيماً في فلسطين؛ وكان الهدف من ذلك الحدّ من الطلب والمنافسة على الأرض، وبالتالي تخفيض ثمن الأراضي وطرح المعروض منها للبيع بين أيدي الأفراد والمؤسسات الصهيونية لشرائها بأقل الأسعار دون منافسة من الخارج.

كان تصاعد انتقال حيازة الأراضي لليهود مقترناً بتزايد أعداد المعدَمين من الفلسطينيين

انعكس كلّ ذلك عبر تضاعف معدّلات اكتساب وحيازة اليهود للأراضي، فبحسب أريه أفنيري، في كتابه "دعوى نزع الملكية؛ الاستيطان اليهودي والعرب"؛ فقد ارتفع مجموع ملكية اليهود للأراضي في نهاية عهد صموئيل، عام 1925، إلى نحو مليون دونم، كما تضاعفت معدلات الهجرة؛ وبعدما كان عدد اليهود قد انخفض إلى نحو خمسة وخمسين ألفاً في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فُتحت أبواب الهجرة من جديد، وتدفق المهاجرون اليهود.
ووفق ما أورده مركز المعلومات الفلسطيني؛ فقد هاجر نحو ستة وسبعين ألف يهودي إلى فلسطين خلال حكم صموئيل (1920-1925)، ليصل عدد اليهود إلى نحو (131) ألفاً، مشكلّين ما نسبته نحو 12% من مجموع سكان البلاد، وترافق ذلك مع زيادة عدد المستوطنات خلال الفترة ذاتها من (44) إلى (100) مستوطنة.

اقرأ أيضاً: القفز فوق الجدار.. وسيلة العمال الفلسطينيين لتجنب عذاب الحواجز
كلّ ذلك جعل قطاعاً من أعضاء المؤسسات الصهيونية يصفون صموئيل بأنّه "أول حاكم يهودي لفلسطين منذ خراب الهيكل عام سبعين للميلاد"!
ردّة الفعل.. تصاعد الحراك السياسي الفلسطيني
كانت عمليات تملّك الأراضي من قبل اليهود ذات آثار اجتماعيّة واقتصاديّة بالغة على المجتمع الفلسطيني، ومن ذلك؛ أنّها كانت مقترنة بممارسات الإخلاء وطرد السّكان الأُجرَاء من الفلاحين، ويوثّق أكرم حجازي، في كتابه "الجذور الاجتماعيّة للنكبة؛ 1858-1948"، أنّه خلال حكم الانتداب جرى طرد (2746) أسرة من (22) قرية في سهل "مرج بني عامر"، وطرد (15,500) فلسطيني من وادي الحوارث، و(25) ألفاً من سهل الحولة، إضافة إلى طرد الألوف من أراضي غور بيسان وقرى الساخنة، والزبيدات، والمنسيّ، وغيرها.

اقرأ أيضاً: أردوغان واللعب على الحبال الإسرائيلية والفلسطينية
وإثر هذا النمط غير المعهود للفلسطينيين من الاستعمار والاستيطان الزراعي، المقترن بابتلاع المُلكيّات وتهديد الفلاح في وجوده، أخذت تتبلور حركة سياسية وطنية فلسطينية؛ فتأسس عام 1922 "المجلس الإسلامي الأعلى" الذي عُنيَ أساساً بمقاومة عمليّات بيع الأراضي لليهود، كما وبدأت المؤتمرات الفلسطينيّة العامة بالتركيز على مسألتيْ الهجرة اليهوديّة للبلاد وبيع الأراضي لليهود، باعتبارهما تهديداً غاية في الخطورة للوطن الفلسطيني، وأساساً لتنفيذ وعد بلفور الذي أخذ الفلسطينيون يدركون أبعاده الحقيقية الملموسة على الأرض أكثر فأكثر.

اقرأ أيضاً: الأسرى الفلسطينيون.. نضال خلف قضبان الاحتلال
وعام 1929؛ امتلك اليهود قرابة (1.2) مليون دونم، منها مليون دونم صالحة للزراعة، وهو ما شكّل آنذاك نحو (14.4%) من الأراضي الصالحة للزراعة في فلسطين (أريه أفنيري، دعوى نزع الملكية)، وكان تصاعد انتقال حيازة الأراضي لليهود مقترناً بتزايد أعداد المعدَمين من الفلسطينيين، وعلى هذه الخلفيّة اندلعت أحداث هبة البُراق، عام 1929، والتي أعقبها إصدار سلطات الانتداب البريطاني الكتاب الأبيض لعام 1930، وكان الهدف منه بالأساس وضع ضمانات حماية للأجراء الفلاحين من الطرد.

العسكر الإنجليزي يقمع الاحتجاجات الفلسطينية في هبة البراق عام 1929

الثلاثينيات.. جذور الثورة
مع دخول عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، وإثر صعود النازيين إلى الحكم في ألمانيا، عام 1933، ارتفعت أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، وارتفعت معها وتيرة شراء الأراضي. ويُظهر الجدول التالي مساحات الأراضي التي انتقلت إلى حيازة اليهود خلال الثلاثينيات بالدونم، كما يوثّقها سامي هداوي، في كتابه "الحصاد المرّ؛ فلسطين بين عامي 1914 و1979":

ويظهر من الجدول ارتفاع حجم الشراء ابتداءً من عام 1933، وهو ما ترك آثاراً اجتماعيّة بالغة على المجتمع الفلسطيني؛ حيث إنّ عدد الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون من زراعة الأرض والأعمال المتصلة بها عام 1931 كان حوالي (481,093) (سوى البدو وسائر أهل المدن)، وفي آخر عام 1934 ارتفع العدد إلى (527,960) بسبب الزيادة الطبيعية، إلّا أنّ تلك الزيادة تزامنت مع تزايد معدل تراجع مساحة الأرض الزراعية المُتاحة للفلسطينيين؛ بسبب عمليات الشراء من اليهود، وكان لهذه الآثار الاجتماعيّة والاقتصاديّة مضاعفات وتبعات سياسية مهمّة، بلغت ذروتها مع اندلاع ثورة عام 1936، حين نجح زعماء الفلسطينيين في رأب الصدع بينهم، وتمكّنوا من تشكيل "اللجنة العربية العُليا" برئاسة الحاج محمد أمين الحسيني، لتقدم الغطاء السياسي للعمل النضالي المقاوم على الأرض.

عمل الحكم البريطاني على تمكين رأس المال اليهوديّ من السيطرة على البُنية التحتية للاقتصاد

ويُلاحظ من الجدول أيضاً؛ تأثير الثورة عبر تراجع عمليات الشراء منذ عام 1936، ويعود ذلك بالأساس إلى صعوبة اتصال المؤسسات اليهوديّة بالملّاكين أثناء الثورة وخشيتهم من الثوّار.
وإثر أحداث الثورة، وبعد ثلاثة أعوام من اندلاعها، شكّلت الحكومة البريطانيّة اللجنة الملكيّة (لجنة بيل) لتقييم الوضع في فلسطين، والخروج بالتوصيات اللازمة لإرساء السلام، وهو ما نجم عنه إصدار اللجنة "الكتاب الأبيض" لعام 1939، والذي جاء فيه فرض القيود على عمليّات بيع الأراضي لليهود، وقابلت الحركة الصهيونية ذلك بالرفض ومحاولات الالتفاف.

تراجعت عمليات شراء الأراضي بعد اندلاع الثورة عام 1936

الامتيازات.. تمكين رأس المال اليهوديّ
لم يكن الدور البريطاني منحصراً في سنّ القوانين وفتح باب الهجرة والاعتراف بالمؤسسات الصهيونيّة، فإضافة إلى كلّ ذلك؛ كانت السُلُطات تطرح نسباً من الأراضي المملوكة للدولة للبيع في المزاد، وهو ما كان تصعب على العرب المنافسة فيه، فكان أحد أسباب زيادة حيازة اليهود من الأرض، وإضافةً إلى ذلك؛ عمل الانتداب على تمكين اليهود من امتلاك حيازات مهمّة، عبر الحصول على الامتيازات والعطاءات الكبرى في البلاد، وخاصّة للقيام بمشاريع البُنية التحتيّة، وكان الحكم البريطاني حريصاً على تمكين رأس المال اليهوديّ من السيطرة على البُنية التحتية للاقتصاد في فلسطين، ومن أهم الامتيازات التي حصلت المؤسسات الصهيونية عليها: امتياز شركة الكهرباء الفلسطينية (مشروع روتنبرغ الكهربائيّ) عند نهر الأردن، والذي تقدّر مساحته بنحو (108) ألف دونم، وامتياز شركة البوتاس الفلسطينيّة، جنوب البحر الميت، ومساحته (64) ألف دونم، إضافة إلى امتياز تجفيف بحيرة الحولة شمال فلسطين، والاستفادة من زراعة سهولها، وهي الأخصب زراعياً في البلاد.

محطة توليد تابعة لشركة الكهرباء الفلسطينية عند نهر الأردن

مَن الذي باع؟
بلغ مجموع الحيازات اليهودية مع نهاية حكم الانتداب، وفق تقرير لجنة الأمم المتحدة، نحو (1,588,000) دونم، ووفق ما يورده محمد عبد الرؤوف سليم في كتابه "نشاط الوكالة اليهودية في فلسطين" (ص319)؛ فإنّ (461,250) دونماً باعها كبار المُلّاك من غير الفلسطينيين خلال حكم الانتداب، من هؤلاء مُلّاك لبنانيون باعوا نحو (388,800) دونم، وسوريون باعوا (56,400) دونم، وآخرون (مصريون وإيرانيون وغيرهم) باعوا (16,000) دونم. وكان من أشهر عمليات البيع وأكبرها بيع آل سرسق اللبنانيين ممتلكاتهم في مرج بني عامر، خلال الأعوام (1921-1925)، وبيع عائلة الطيّان اللبنانيّة أراضي وادي الحوارث عام 1929.

عشية قرار التقسيم عام 1947 شكّل مجموع حيازات اليهود نحو 6% من مساحة فلسطين

ويشير سامي هداوي في كتابه "الحصاد المرّ؛ فلسطين بين عامي 1914 و1979" إلى أنّ حجم مبيعات الأراضي التي اشتراها اليهود من ملّاك فلسطينيين، خلال حكم الانتداب، بلغ نحو (250,000) دونم (وهناك زهاء 181 ألف دونم حازها اليهود عبر الامتيازات، وباقي الحيازات جاء عبر شرائها من الدولة في المزادات)، وهنا نذكر بعض أسماء العائلات الفلسطينية التي ذكرها أفنيري في كتابه "دعوى نزع الملكية؛ الاستيطان اليهودي والعرب" (بالرجوع إلى المصادر الصهيونية)، والتي كان عدد من أفرادها قد شاركوا في عمليات البيع لليهود: عائلة الدجاني من يافا، وعائلة الناشف من الطيبة، وعائلة مقدادي من طولكرم، وعائلة أبو لبن من يافا، وعائلة حنّون من طولكرم، وعائلة الحُسيني من غزّة، وعائلة النشاشيبي من القدس، وفرعا عائلة عبد الهادي في نابلس وجنين، وعائلة العلمي المقدسيّة، وفرع غزة من عائلة العَلمي، وعائلة الشوّا من غزة.

اقرأ أيضاً: فلسطين تقرر وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل
وكانت النسبة الأقلّ من عمليات البيع بين الفلسطينيين واليهود (أقل من 10%، حوالي 25 ألف دونم)، قد جاءت من قبل الفلاحين، ولم يكن البيع للفلّاحين خياراً بقدر ما كان اضطراراً بسبب ممارسة الضغوط من قبل المقرِضين ومن سلطات الانتداب على الفلّاح لدفع أقساط الديون، والذي لم يكن يجد خياراً سوى بيع أرضه، أو قسم منها، للمشتري الوحيد؛ اليهودي، أو كان يضطر للاستدانة من مرابين يهود، والذين كانوا بدورهم يلجؤون إلى محاكم الأراضي عند عجز الفلاح عن السداد، والتي كانت تقضي بنزع الأراضي وتمليكها للمرابين.
الحصيلة
قُدرّت مساحة فلسطين الكليّة، وفق ترسيمات الانتداب، بما يساوي (27,027,023) دونماً، وبإسقاط مساحة البحر الميت، وبحيرة الحولة، وبحيرة طبريا، يتبقى منها مساحة (26,323,023) دونماً، منها، بحسب إحصاء الانتداب عام 1945، نحو (9,205,538) دونماً هي أراضٍ زراعية، والباقي إما أراضٍ قابلة للزراعة، ولكنّها غير مستغلّة، أو أراضٍ غير صالحة للزراعة.

اقرأ أيضاً: الإمارات والسعودية تدعوان لحماية الفلسطينيين ووضع حدّ لانتهاكات إسرائيل
وبحسب تقرير "لجنة الأمم المتحدة الخاصّة بفلسطين" المعدّ عام 1947؛ فإنّ مجموع حيازات اليهود قد بلغ (1,588,000) دونم؛ أيّ ما نسبته 6% من مجموع مساحة أراضي فلسطين عموماً، وهو ما يشكل قرابة خمس الأراضي الزرعيّة في فلسطين (باعتبار أن جميع الأراضي التي امتلكها اليهود كانت زراعيّة)، في حين أنّ مجموع ما امتلكه العرب كان يساوي (12,574,870) دونماً بنسبة 47.7% من مجموع أراضي فلسطين، منها (6,039,237) أراضٍ زراعية، والباقي أغلبها أراضٍ قابلة للزراعة، لكنّها غير مستغلَّة، أما باقي أراضي البلاد (نحو 46%) فكانت مسجلة كأملاك دولة، ومعظمها من الأراضي غير الصالحة للزراعة الواقعة في منطقة النقب جنوب البلاد.

مواقع حيازات اليهود (بالأزرق والأخضر).. وعلى اليسار: نسب توزيع الحيازات بين العرب واليهود بحسب المحافظة

وبعد زيارة لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، ووضعها تقريرها الشامل وخروجها بالتوصيات، التي تمثلت بصياغة قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، قفز القرار المقترح بملكيات اليهود من حوالي الـ 6% من مساحة البلاد إلى اقتراح دولة يهودية على 56,47% من فلسطين.
وبحسب تقارير الانتداب البريطاني؛ فقد بلغ عدد السكان عام 1947 في فلسطين (1,845,560) نسمة، منهم (608,230) من اليهود، والباقي فلسطينيون، وجاء قرار التقسيم ليضع (407) آلاف من العرب الفلسطينيين داخل حدود الدولة اليهودية المقترحة.

اقرأ أيضاً: هكذا تنتهك إسرائيل الحقوق الرقمية للفلسطينيين
ومع اندلاع أحداث حرب عام 1948 (النكبة الفلسطينية)؛ توسّع اليهود على حساب المزيد من الأراضي التي من المفترض أن تكون ضمن حدود الدولة العربية المقترحة، ليتمّ ضمّ نسبة إضافية، تقدَّر بحوالي 21% من البلاد، كان يقطنها نحو (400) ألف عربي فلسطيني، ولتستقر الدولة اليهودية عام 1949 على نحو 78% من أرض فلسطين، وترافق ذلك مع عمليات إبادة وتهجير؛ حيث أشارت إحصاءات دولة "إسرائيل" عام 1949 إلى أنّه من أصل نحو (809) آلاف عربي، تواجدوا قبل الحرب داخل حدود الدولة بعد تثبيتها عام 1949، كان هناك ما مجموعه (160,000) نسمة فقط، فكان هذا الرقم وحده كافياً لشرح حجم النكبة والمأساة الفلسطينية، وما تبع ذلك من مأساة اللجوء والشتات.
وخلال الأعوام التالية لإعلان قيام "دولة إسرائيل"؛ استمرت عملية مصادرة مئات الآلاف من الدونمات التي كان يملكها عرب فلسطينيون قبل التهجير، وجاء ذلك أساساً بموجب قوانين خاصة، تمّ سنّها لهذه الغاية، كقانون أملاك الغائبين، وقانون تقادم العهد، وقانون الأوقاف الإسلامية.

للمشاركة:

مدرب بساق واحدة يعلّم السباحة لمبتوري الأطراف في غزة

2019-08-20

داخل منتجع الهدى السياحي، غرب مدينة غزة، وفي مشهد أقرب للخيال منه للحقيقة، يجتمع 40 شاباً من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين فقدوا أطرافهم السفلية خلال الاعتداءات الإسرائيلية على سكان قطاع غزة، يتلقون تمارين اللياقة البدينة، استعداداً للنزول إلى بركة السباحة، لممارسة الرياضة التي حرموا من ممارستها قسراً.

الجريح عنان النجار: لم أكن أتخيّل في يومٍ من الأيام أن يكون بمقدوري ممارسة السباحة بقدم واحدة

وقد تعرّض المئات من الفلسطينيين إلى إصابات كثيرة في الأعوام الماضية، خلال الحروب الإسرائيلية ومسيرة العودة، كانت الغالبية العظمى منها في النصف السفلي من الجسد، مما أدّى إلى بتر أطرافهم السفلية، ليحولوا تلك الإصابة إلى نقطة أمل جديدة، ويتحدّوا الإعاقة من خلال ممارسة الرياضة، ومن بينها السباحة.
ويتولى مهمة تدريب مبتوري الأطراف شخص فقد قدمه خلال حادث مروري، عام 1990، قرر أن يدمج تلك الشريحة داخل المجتمع، وإدخال السعادة إلى قلوبهم، لإيصال رسالة دلالية على مدى صمود الفلسطيني، وقدرته على تخطي العقبات رغم الصعاب.
لم يقف الطرف الصناعي الذي حلّ مكان قدمه المبتورة بفعل رصاصة متفجرة، عام 2015، حائلاً بينه وبين حبّه للسباحة، فهو تخطى مصاعب الحياة بقوته وإرادته، وأراد أن يمارس الرياضة التي يحبّها منذ نعومة أظفاره.
مشهد أقرب للخيال منه للحقيقة

السباحة بقدم واحدة
يقول الجريح عنان النجار (25 عاماً)، لـ "حفريات" إنّ "السباحة من أكثر الرياضات التي أحبها، وكنت أتألم عندما أذهب إلى شاطئ البحر، ولا أتمكّن من النزول إلى الماء بفعل الإصابة، فلم أكن أتخيل في يومٍ من الأيام أن يكون بمقدوري ممارسة السباحة بقدم واحدة".

المدرب مجدي التتر: استطاع المتدربون تجاوز الأزمة وأصبح بإمكانهم ممارسة السباحة وكأنهم لم يفقدوا أطرافهم السفلية

ويضيف: "كنتُ من أول المشاركين في الدورة التدريبية، وفرحت فرحاً شديداً عندما تم الإعلان عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه الدورة منحتني الثقة بنفسي، وجعلتني أحقق حلماً طالما انتظرته في الأعوام الماضية، فمنذ إصابتي حاولت عدة مرات النزول إلى الماء، ولكنّي لم أتمكّن من ذلك، نظراً لفقداني قدمي".
ويواصل حديثه: "في الأيام الأولى للتدريب، شعرت بصعوبة بالغة عند النزول إلى الماء، وذلك بسبب انقطاعي الأعوام الماضية عن السباحة، إضافة لأنّني أسبح للمرة الأولى بقدم واحدة، ولكن بفضل توجيهات المدرب، والتمارين المكثفة تمكنت من تخطي تلك العقبة، واستعدت نشاطي الذي فقدته عندما فقدت قدمي، أما الآن فقد شعرت أنني لم أفقد قدمي".
أحد المشاركين: هذه الدورة منحتني الثقة بنفسي

ليسوا أشخاصاً معاقين
ويلفت النجار إلى أنّه استطاع الاندماج بالمجتمع، وتغيير النظرة المجتمعية السائدة التي تعتبر مبتوري الأطراف أشخاصاً معاقين، ويعجزون عن ممارسة الرياضات التي يحبونها، مشيراً إلى أنه كان يعاني كثيراً من نظرات الناس عند نزوله إلى شاطئ البحر.

اقرأ أيضاً: 17 لاعباً من غزة يغيّرون قواعد كرة القدم

ويخبر "حفريات" بأنّه سيستمر في رياضة السباحة، سعياً إلى تطوير مهاراته، ليتمكن من الغوص داخل أعماق البحار، وأن يشارك في مسابقات دولية، ويمثّل فلسطين في المحافل العالمية.
كان الشاب، ضياء أبو سمرة، يجلس على شاطئ بحر مدينة غزة بشكل يومي، متحسراً لعدم قدرته على السباحة، نتيجة فقدانه أحد أطرافه السفلى، بعد إصابته بطلق ناري متفجر أثناء مشاركته في فعاليات مسيرات العودة؛ فهو يهوى السباحة والغوص، وكان يتمنى أن يمارسها في يومٍ من الأيام، فهذا الحلم أصبح حقيقة، بعد التحاقه بالدروة التدريبية الخاصة بتعليم السباحة لمبتوري الأطراف".
هذا الحلم أصبح حقيقة

منافسة أشخاص أصحاء
يقول أبو سمرة لـ "حفريات" كانت دورة السباحة بالنسبة إليّ نقلة نوعية، فقد مكّنتني من تخطي مصاعب الحياة، والتغلب على الإعاقة التي سبّبها لي الاحتلال الإسرائيلي، فأنا اليوم أستعيد نشاطي السابق بقدم واحدة، فالمدرب يمتلك خبرات واسعة في هذا المجال، واستطاع أن ينقل لنا تجربته، فنحن نستطيع منافسة أشخاص أصحاء، والأمر لا يحتاج سوى إلى إرادة وعزيمة قوية".

الكابتن أحمد أبو راس: الاعتماد على الأطراف العلوية من الجسد خلال السباحة يكون بديلاً عن استخدام الأقدام

ويتابع: "كلّ بداية صعبة، وهذا ما واجهنا، خصوصاً أنّنا بقدم واحدة، ولكن مع مرور الوقت أصبح الأمر ممتعاً، وتمكنت وزملائي المصابين، من تحقيق نتائج متقدمة في السباحة؛ حيث تمكّنا من الاعتماد بشكل أساسي على الأجزاء العلوية من الجسد، كبديل عن الأقدام في الدفع والتنقل داخل الماء".
من جانبه، يقول مدرب الفريق، الكابتن مجدي التتر، في تصريح لـ "حفريات": "فكرة تنظيم دورة لتعليم مبتوري الأطراف السباحة، جالت في خاطري أثناء مشاهدتي عدداً من مبتوري الأطراف يمارسون السباحة في عدد من الدول الأجنبية، دون صعوبات، الأمر الذي أوجد لديّ حافزاً، ورغبة للإعلان عن دورة تدريبية تضم ضحايا الاحتلال الإسرائيلي، لتعليمهم السباحة، ورسم صورة مختلفة وجديدة من صور نضال الشعب الفلسطيني".
أبو سمرة لـ "حفريات":  كانت دورة السباحة بالنسبة إليّ نقلة نوعية

وكأنّهم لم يفقدوا أطرافهم
ويضيف التتر: "تدريب أشخاص بقدم واحدة يختلف بشكل كلّي عن تدريب الأشخاص الأصحّاء؛ ذلك لأنّ الاعتماد على ساق واحدة يعرّضها للتعب أثناء ممارسة السباحة، لذلك نتّبع تمارين معينة قبل النزول إلى الماء، كي لا يشعر المتدرّب بالتعب أثناء السباحة، وخلال فترة قصيرة حققنا نتائج رائعة، واستطاع المتدربون تجاوز الأزمة، وأصبح بإمكانهم ممارسة السباحة، وكأنّهم لم يفقدوا أطرافهم السفلية".

اقرأ أيضاً: في غزة: مساجد بملايين الدولارات وفقراء بلا مأوى
ويتابع: "تعليم السباحة لأشخاص مبتوري الأطراف السفلية، يشمل عدة جوانب، منها: تطوير البيئة الجسمية والعضلية لهم، وتقديم الإرشادات والنصائح لتفادي حالات الغرق، والتركيز على الأطراف العلوية أكثر من الأطراف السفلية، نظراً لفقدانهم إحداها، فتلك الدورة كانت فارقاً كبيراً في حياة هؤلاء المتدربين؛ حيث تحدّوا الصعاب، واستطاعوا ممارسة الرياضة التي حرموا من ممارستها".

يتم اتباع تمارين معينة قبل النزول إلى الماء كي لا يشعر المتدرّب بالتعب أثناء السباحة

وأعرب المدرب عن شعوره بفخر كبير أثناء تدريب مبتوري الأطراف على ممارسة رياضة السباحة، والتأقلم مع ظروفهم الصحية؛ لأنّه يسهم في رسم البسمة على شفاههم، ويساعدهم في الخروج من الحالة النفسية التي تعرضوا لها بعد الإصابة، إضافة إلى إعادة دمجهم بالمجتمع، وتغيير النظرة السائدة تجاه مبتوري الأطراف.
التتر حقق نجاحاً في تدريب مبتوري الأطراف؛ لأنّه كان يوماً من الأيام مثلهم لم يستطع السباحة بقدم واحدة، نتيجة فقدانه أحد أطرافه السفلية، واستطاع تعلّم السباحة دون صعوبات، إلى أن أصبح مديراً للمدرسة الفلسطينية لتعليم السباحة، وحاز على عدد من الميداليات الذهبية والفضية، في مسابقات دولية ومحلية.

اقرأ أيضاً: لأول مرة.. فلسطيني من غزة مرشح قوي لعضوية الكونغرس
من جهة أخرى؛ يقول الكابتن أحمد أبو راس، مدرّب سباحة، لـ "حفريات": "تعلم السباحة ليس بالأمر السهل؛ فهي تحتاج إلى قوة بدنية، وعزيمة إصرار على الاستمرار، وممارسة عدد من مبتوري الأطراف السفلية تلك الرياضة، يعدّ أمراً خارقاً للعادة، فليس من السهل ممارسة السباحة بقدم واحدة، كون التركيز يكون على القدمين بشكل أساسي".
ويضيف: "الاعتماد على الأطراف العلوية من الجسد، خلال السباحة، يكون بديلاً عن استخدام الأقدام؛ ولكن هذا يتطلب وجود قوة جسدية، وهؤلاء المتدربون لديهم لياقة بدنية مناسبة، الأمر الذي ساعدهم في السباحة بقدم واحدة"، لافتاً إلى أنّهم سوف يحققون نجاحات كبيرة في المستقبل "في حال الاهتمام بهم، وتوفير سائر المستلزمات التي يحتاجون إليها".

للمشاركة:

ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش

2019-08-20

يمثل "الإسلام السياسي" كمصطلح، الأزمة العميقة التي تصيب الذات حين تهبط من رحمها الطوباوي إلى مواجهة العالم، مما يجعلها مهووسة في تقديس أفكارها الطوباوية، والدفاع عنها أيديولوجياً وفعلياً في العديد من الأحيان.
وسرعان ما تأخذ هذه الذات بالتمدد، حتى تتسع إلى العالم وأفكاره الأخرى، وبغض النظر، سواء اتُخذت تلك الأفكار على أنّها دخيلة، صديقة، عدوة، فإنّها في النهاية تحدث تغييراً، ربما يؤدي في آخر الأمر إلى تحطيم الذات كما كانت تحاول أن تكون.

هبط الإخوان المسلمون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية إلى بنى الواقع والسلطة والرأسمالية

"الإسلام السياسي" يفصح عن هذه الحالة في تجليها اليوم، حيث يتم التعبير عنه مؤخراً، على أنه بلغ مرحلة النهايات، وهذا طرحٌ وجد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أنه يطفو من جديد على وجه المنطقة العربية بعد اشتباكاتها الكثيفة مؤخراً على صعد مختلفة اجتماعية وسياسيةٍ وثقافية ودينية، اختزلها "الربيع العربي".
واليوم، أصبحت؛ ما بعد الإسلام السياسي، هي الجملة الأكثر حضوراً، وصارَ التبشير بنهاية الإسلام السياسي كما نعرفهُ حالةً سائدة، غير أنّ السياقات المؤدية إلى هذه النهاية التي يتم التسويق لها، تظل محل اختلاف، فهل يمكن تقصي بعض هذه السياقات، وإلى أين قد تؤدي بالفعل؟

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا

المثالية التي تحطمت
يعود تاريخ العلاقة بين الفكرة والعالمِ عند جماعة الإخوان المسلمين منذ التأسيس، إلى رؤية فضفاضة أرساها شيخها المؤسس حسن البنا، الذي قال في إحدى رسائله "لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمرٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها".

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟
هذه الرسالة التي مضى عليها قرنٌ تقريباً، لم يكن ممكناً فهمها في سياقها التاريخي؛ كونها لا توضح أهدافها لا بزمانٍ ولا مكان، ولا تسعى إلى هيكلٍ واضح يمكن لجماعة الإخوان المسلمين اتخاذه سياسياً على الأقل، بحيث يفضي إلى نتائج مأمولة على المدى البعيد. لكن، تم تفسير هذه الرسالة لاحقاً أنها جاءت في سياق مشروعٍ نهضويٍ عربي إسلامي، أهم ما يميزه أنه ضد الاستعمار، وسيقوم بالعمل على إنجاز رؤية إسلاميةٍ في الحكم (رداً على سقوط الخلافة الإسلامية) كما أنه سينتج حملةً اجتماعيةً ثقافيةً من منظورٍ إسلامي، خارج مجال الاستعمار، وخارج المنطق الذي بدأت فيه الدول العربية بالظهور مستقلةً بعد انحسار القوى الاستعمارية، باعتبارها تمثل العروبة في استقلالها، وتخفي وضعاً ما بعد كولونيالي في واقعها الجديد، وتذهب الجماعة في تأسيسها أيضاً، إلى أنها تسعى للعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وكان هذا في صميم أعمالها خلال الثلاثينيات من القرن الماضي.

المشروع المناهض للاستعمار في أساسه كما طرحته جماعة الإخوان ضاع خلال الربيع العربي في متاهات التحول إلى جماعات حاكمة

الإخوان فيما بعد، ورغم كل ما واجهوه وواجههم في حقبة عبد الناصر، حملوا معهم إرثاً لثلاثةِ عقودٍ من الزمن، اتسم بالعمل الاجتماعي الدعوي، الذي سيبقى ويتطور لاحقاً، إذ تصفه الباحثة بيث بارون في كتابها الصادر عام 2014 بعنوان "فضيحة اليتيمة: الإرساليات المسيحية وصعود الإخوان المسلمين" بأنه "جاء نتيجة احتكاكٍ مع الإرساليات الدينية الغربية والأمريكية التي كانت في مصر، وما تقدمه من خدماتٍ دينية واجتماعية، رأى الإخوان أنهم أولى بتقديمها وفق هويتهم الدينية والعربية". وكان هذا تصرفاً لا استعمارياً مرةً أخرى، في سياقه الزمني الذي تحكمه ظروفه. وفي مقالتها المنشورة على موقع "حبر" في 2018 تشير الكاتبة دعاء علي، إلى أنّ ما قدمه الإخوان من خدماتٍ اجتماعية في تلك الفترة، لم يكن محتاجاً إلى أي انتماء أيديولوجي من المستفيدين من تلك الخدمات، ولا عرقي أو طائفي. كان نوعاً من محاولة خلق مزيجٍ اجتماعي مستفيد ومتسق، في حين "لم تكن الدولة قادرةً مثلاً على تقديم ذات الخدمات بذات الجودة".

وفيما بعد، لا بد أنّ هذا المشروع الذي هدف إلى عدة نتائج اجتماعية ‘يجابية، أخذ بالانحراف عن مساره، فلا توضيح لسبل جمع الأموال لقيادات الإخوان المسلمين الذين ظهروا منذ انتهاء حقبة جمال عبد الناصر، ولا أدلة تشجب أيضاً اختلاط العمل الدعوي بالاجتماعي بالسياسي. ألم يصبح تأييد الجماعة جالباً للعديد من المكاسب السياسية والاجتماعية إلى بعض الأفراد في المقابل؟

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
هذا المشروع الاجتماعي للإخوان، أخذ يتقلب، ويتشعب، ولعل كل الطرق الجانبية التي خاضها الإسلاميون في مصر تحديداً، أملاً منهم في الوصول إلى طريقهم الرئيسية وأهدافهم، تحولت إلى متاهةٍ معقدة. والمثال الأبرز، كان في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وذلك بعد تشكل الإخوان كقوةٍ اجتماعيةٍ في مصر خلال حكم جمال عبد الناصر، رغم ما حاق بهم من قمعٍ في عهده، إلا أنّ هذه الحقبة انتهت بصعود السادات وبدء مرحلةٍ جديدة، واجه فيها السادات معارضةً من مراكز قوى مصرية مختلفة، فقرر حينها "أن يستعين بجماعة الإخوان المسلمين وأن يتصالح معها؛ ليضرب بذلك التيارات اليسارية والقومية التي يستند عليها خصومه داخل مصر، حيث كان الصراع محموماً على السلطة"، وفق مقالٍ مطول نشره موقع "إضاءات" في 2015.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
وكانت قياداتٌ إخوانية مشهورة، مثل سعيد رمضان الذي كان خارج مصر، وعمر التلمساني من داخل مصر، وغيرهم، "التقوا السادات الذي عرض عليهم العودة للعمل بحريةٍ وعلنيةٍ في مصر بل والتحالف إن أمكن، مقابل مواجهة خصومٍ مشتركين يمثلون (الإلحاد والشيوعية)" وفق المقال ذاته.
الإخوان، خرج  معظمهم من السجون بين عامي 1971 و 1973، وصار السادات فيما بعد، الرجل الذي يحمل لقب "الرئيس المؤمن". ورغم كثرة وتعقيدات التفاصيل، فإنّ المقال يوجز أنّ الإخوان لم يتعلموا من حقبة الملكية في مصر، ولا من حقبة عبد الناصر، فكرروا وقت السادات ذات الخطأ، والمقصود به التحالف مع السلطة بالطبع.

اقرأ أيضاً: كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟
ربما كانت هذه التجربة طوال عقود في مصر، لها شبيهاتها في بعض الدول العربية، لكنها تشير إلى أول خللٍ في الطوباوية المتمثلة في مواجهة الحالة ما بعد الاستعمارية، التي تخيلها الإخوان في لحظة من الزمن في دولٍ مغلوبةٍ على أمرها تتبع الحداثة الغربية، كما تتبع خطاياها وآثارها الاستعمارية بعد الاستقلال، وتواجه تغييرات اجتماعية تمس الدين والهوية الإسلامية العربية عموماً، مما يجعل مشروع النهضة الإخواني في خطر. لكن هذه الفكرة تضعضعت، وبات التفاعل المباشر مع شؤون الدولة والسلطة ومسؤوليها (وفق رؤية السلطة) أمراً قائماً كما في مرحلة السادات، بل إنّ الإخوان أخذوا بالتمدد والتوسع في أوروبا وأمريكا وبعض دول العالم، بذات الأسلوب الذي بدأوه في مصر، وأخذ المسلمون حول العالم يشكلون محوراً أساسياً من محاور اهتمامهم.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
بالتالي، أصبح البحث عن مكانٍ واضح في الحكومة، أو في مجلس النواب أمراً طبيعياً وضرورياً، وتجلى هذا بوضوح في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتوالت مواضع الكر والفر بين مبارك والإخوان، فكانوا تارةً ضيوفاً على السجون، وتارةً أخرى ضيوفاً على البرلمان، وبقيت قوتهم الاجتماعية حاضرة، ومؤسساتهم المتنوعة دينية أم تجارية أم خيرية قائمة عموماً، فصار الإخوان سياسيين، واجتماعيين، وحاولوا بث رؤيتهم في الثقافة والفن حتى. كما عملوا عالمياً بكل ما هو متاح لهم تحت مظلة القوانين في دولٍ كبريطانيا وفرنسا وغيرهما. لقد انخرطوا في العالم الذي غيّرهم، أو بالأحرى، صاروا طبيعيين إن صح التعبير، منخرطين في مشاكل مختلفة وقضايا متشعبة، جعلتهم يهبطون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية، إلى بنى الواقع والسلطة والرأسماليةِ فيما بعد.

حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل

الذات يسرقها العالم
يمكن للحديث عن حركة الإخوان المسلمين أن يطول جداً، ويأخذ الكثير من الأمثلة والوقائع، خصوصاً بعد تجربة "الربيع العربي"، وبعد تجربة الحكم قصيرة الأمد في مصر، والمتقلبة في تونس، والأخرى الخاضعة للظروف السياسية بعد 2010 في المغرب، وقبل كل ذلك في السودان والجزائر.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
لكن، وتمهيداً لهذه المرحلة، يمكن القول إنّ نهاية التسعينيات شهدت رؤية جديدة عالمية، قادتها الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية التي ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل إلى الساحة السياسية الدولية، حيث أصبحت جماعة كالإخوان المسلمين ضمن ما أمكن تعريفه دولياً بجماعة معتدلة مناهضةٍ للعنف والراديكالية. وفي هذه النقطة، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، إنّ هذا التعريف الدولي لم يكن مرتبطاً تماماً بـ "أيديولوجية الجماعة وأدبياتها وهيكلها وإلخ" بل خضع إلى مصالح دولية.

تبدو الجماعة وقد انتهت كما عرفناها من قبل بعد أن صار ما بعد الإسلام السياسي عنواناً مفروضاً عليها

وربما كان أهم هذه المصالح، يكمن في أن تحديد ما هو معتدل، سوف يسهل في المقابل تعميم ما هو إرهابي وتحديده في أي مكان وزمان وفق مصالح السياسة الدولية. وهذه الفكرة لا يراد منها شيطنة الجماعة، إنما استيضاح ما يشير إليه أبو هنية، الذي يرى أنّ تغير السياسات الدولية تجاه الجماعة فيما بعد، أضعفها، وربما أدى إلى وضعها في قوائم الإرهاب نفسه أحياناً.
هذا التصور، أتى نتيجة للعديد من التحولات؛ فبعد العالمية التي خاضها الإخوان، وهي مرادف آخر لظواهر صعود العولمة، أخذت أفكار التنمية الفردية (خارج إطار الجماعة) وانفتاح سوق المال بالمعايير النيوليبرالية تؤثر في بنيتها بالطبع، وجعل التعامل الدولي أو العالمي معها يخضع لمصالح متبادلة أو غير متبادلة في العديد من الأحيان، أما هي، ووفقاً للباحثة هبة رؤوف عزت في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين"، فكانت لا تزال تطرح علناً سجالاتٍ من نوع "الفروقات بين الشورى والديموقراطية، إضافة للمراجعات التي تتحدث عن مدى إمكانية تقبل الجماعة للعمل الحزبي والتوجه نحو السياسة والسلطة" داخل ما تراه عزت دولة علمانية. وذلك رغم أنّ التنظيم الدولي لجماعة الإخوان يعمل على مستوى العالم وليس على مستوى دوله العربية والإسلامية فقط.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
وبالعودة إلى أبو هنية، صاحب رؤية "نهاية الإسلام السياسي كما نعرفه" فإنّ كل ما عصف في العالم العربي من تغيرات اقتصادية وسياسية لا بد أنه أثر على جماعة الإخوان، كما أنّ السيطرة الدولية ما بعد الكولونيالية جعلت من الجماعة قابلة للعديد من التغيرات على مستوى الأفراد والتوجهات العامة للجماعة ككل.
يقول أبو هنية: "تعاني جماعة الإخوان المسلمين اليوم من أزمة غير مسبوقة، ذاتية وموضوعية، فتبدل الظروف الموضوعية بالتعامل مع الجماعة كطريق نحو التطرف فالإرهاب؛ عمّق من مأزقها الذاتي التاريخي الذي يتمثل بالصراع بين أتباع النزعة المحافظية وأنصار النزعة الإصلاحية كمكونات بنيوية تاريخية مؤسسة لهوية الجماعة".

إذاً؛ تحولت الجماعة إلى صراعٍ منطقيٍ ومشروع بعد كل ما مرت به من ظروف وتحولات، ليتم وضع مشروعها الأساسي جانباً، وبدل التعبير عن مشروع نهضوي إحيائي ومضاد للاستعمار تأسست عليه، أصبح الجدل على القدرة في الاندماج مع الحياة السياسية في الدول والسعي لاعتلاء السلطة، وفهم التعددية، والنقاش داخل الجماعة بين الإصلاحيين والمحافظين، هو السائد.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟
وغير بعيدٍ عن أبو هنية، يرى الكاتب الأردني هشام البستاني أنّ الجماعة لم تنجح في حل مآزقها مع الإسقاطات الـ "ما بعد كولونيالية" التي تم رميها بها، سواء كانت تلك المتعلقة بالاعتدال، ومن ثم التهم المتعلقة بالإرهاب. وفي مقاله المنشور على موقع "حبر" في 2018، يعتقد البستاني أنّ تجربة حكم الإخوان في مصر بالذات، قوضت الكثير مما بنوه في زمنٍ سابق؛ حيث يطرح فكرة أنّ الإخوان خاضوا طريق الديموقراطية التي فرضها عليهم "الربيع العربي"، من أجل الاستبداد بالسلطة لاحقاً، كما إنهم "رفضوا أي تحالفاتٍ جدية مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى في مصر، معتمدين على ثقة في النفس اكتسبوها من نوعٍ من التعايش مع السلطة حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حيث استفاد السادات من التعايش معهم لتمرير لبرلة الاقتصاد المصري مثلاً، كما كانوا مهمين في مواجهة السلطة للتنظيمات اليسارية والقومية".
وبصورةٍ عامة، كانت قبضة الإخوان على السلطة في مصر ضعيفة، بسبب تراكم خلافاتهم مع القوى السياسية المصرية عموماً، ولسعيهم الانفراد في السلطة، من خلال العمل على التحول إلى مجموعةٍ حاكمة، ليس لها رافعة اجتماعية وشعبية كافية أو متفقٌ عليها عموماً.

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
لم تكن الديموقراطية الطريق الممهدة للوصول إلى السلطة، بل كان التعامل مع المجال العام والسياسة والاقتصاد على أنها مشاريع شراكة وطنية مستقبلية هو الأساس للاستمرار في السلطة.
بدوره، أسهم "الربيع العربي" أيضاً، في تغييرات وتحولات في الجماعة، التي تتجه إلى نهايتها كما أراد أبو هنية وغيره أن يقولوا، والقصد أنّ سياسة القوى العالمية الكبرى، ومشاريع الرأسمالية والسيولة في العلاقات والمفاهيم والتبادل التكنولوجي والثقافي، والثورات منذ 2010، أنهت شكل الإسلام السياسي كما نعرفه. لقد غير العالم في الجماعة أكثر بكثير مما أرادت أن تغير فيه، فهي ليست العدو التقليدي للتقدم مثلاً، وليست حركة رجعية. إنما اكتسبت براغماتية مع الزمن، ربما حولت مشروعها الأساسي إلى حلمٍ آخر من الماضي. أما قاعدتها الاجتماعية العريضة، وعملها على توظيف خدمة المجتمع، فكان من أجل التوسع شعبياً على الأقل، بين الإخوانيين وبين من لا ينتمون مباشرةً للجماعة. يمكن من خلال تجربة الحكم في مصر المذكورة آنفاً، فهم أنّ التحول إلى جماعةٍ حاكمة يعني التخلي عن الكثير من المكونات السياسية والشعبية هذه، حتى من داخل إطار الإخوان ذاتهم؛ لأنّ السلطة الاستبدادية ستؤدي بالضرورة إلى التفكك من أجل صراعٍ مستقبليٍ على السلطة.

 الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت
العديد من هياكل الجماعة تفككت، حتى التنظيمية منها أحياناً، كما أنّ الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت، إذ صار الطموح مقتصراً ربما، كما يرى أبو هنية عن "أمل عودة نظرية؛ مشمولية الإدماج/ الاعتدال، إذ تراهن الجماعة على استعادة منظورات التعامل مع الجماعة باعتبارها (جدار وقاية) ضد التطرف والعنف".

اقرأ أيضاً: التداعيات الإقليمية لسقوط الإسلام السياسي في السودان
وإذا كانت مشاريع الدول الكبرى (وتدخلاتها) في العالم سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً، أثرت في الجماعة إلى هذا الحد، فتأثرت بمعايير قوتها ومصالحها - تماماً مثلما انحسرت تجربة اليسار في العالم العربي من قبل -  دون أن تنقذ الخلفية الاجتماعية والدينية للإخوان مساعيهم ومشاريعهم الكبرى، إذاً، ماذا بقي في صراعها المزعوم مع الحداثة المفترض أنها ما بعد كولونيالية، والذي عبر عنه راشد الغنوشي ذات مرةٍ بقوله "يوجد صراع بين حداثتين، إسلامية تريد ذاتها، وغربية تفرض ذاتها".
يتراءى أنّ النهايات، ومقولات "الـ ما بعد" فُرضت على الجماعة، وأدت إلى ما سمي (ما بعد الإسلام السياسي، وما بعد الإسلاموية، وإلخ)، ولعل أطروحة الباحث الفرنسي فرانسو بورغا، عن أنّ الإسلام هوية مجتمع، تمثله جماعات كالإخوان يسقط وفق الرؤية آنفة الذكر. فكون الإسلام هوية مجتمعية، أو دين أمة، أو رسالة خيرٍ وسلام وغير ذلك، لا يعني أنّ ممثليه ذاتيون، أو أنهم استطاعوا تخليص ذواتهم من الحداثة التي تفرض ذاتها عليهم، كما قال الغنوشي.

للمشاركة:



متظاهرون جزائريون يردّون على قناة "الجزيرة".. صور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أثارت قناة "الجزيرة" القطرية، خلال الأسابيع الأخيرة، استهجان ورفض الجزائريين؛ بسبب الحملة الإعلامية التي تقودها ضدّ بلادهم وجيشهم، محاولة إشعال الأزمة السياسية في البلاد.

المتظاهرون الجزائريون حملوا لافتات كتب عليها ثورتنا سلمية ..الجزيرة قِدر الفتنة

وعبّر المتظاهرون الجزائريون عن موقفهم برفع لافتات ضدّ قناة "الجزيرة" في تظاهراتهم الأسبوعية.

واتّهم متظاهرون قناة "الجزيرة" بـ "الإرهاب"، ومحاولة التشويش على سلمية الحراك الشعبي، حيث حملوا لافتات كتب عليها: "ثورتنا سلمية.."، "الجزيرة قِدر الفتنة"، "أخي كن ذكياً أو تبقى فريسة للآخرين"، وفق ما نقل موقع "العين" الإخباري.

ولم تتوقف الحملة التي شنها الشعب الجزائري على المظاهرات؛ بل امتدّت لمواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ أكّد نشطاء أنّ قناة الجزيرة تحاول من جديدة لعب الدور نفسه في تخريب بلدهم، كما فعلت مع دول عربية أخرى، مثل ليبيا وسوريا واليمن، أو كما حاولت مع مصر وتونس.

وأظهرت منشورات وتعليقات جزائريين حجم الوعي الشعبي من الحملة الإعلامية لقناة "الجزيرة".

وقارن المتابعون بين تأثير تلك القناة في مجرى الأحداث بالجزائر، تسعينيات القرن الماضي، التي شهدت قتالاً دموياً بين متطرفين وقوات الجيش، فيما عرف بـ "العشرية الحمراء"، وانكشاف ما يصفونه بـ "أجندة الحقد على الجزائر وجيشها".

وأكّد عدد من المراقبين والمتابعين في تعليقات صحفية؛ أنّ قناة الجزيرة ما تزال تقتنص الفرص لتبث سموم الفتنة مجدداً في الجزائر، وتكشف حقدها الدفين تجاه جيش هذا البلد العربي.

وكانت القناة قد ركّزت، على مدار الأسابيع الأخيرة، وبشكل ممنهج، على استضافة شخصيات من المعارضة "المتطرفة" الجزائرية، المحسوبة على أحد أجنحة ما يعرف بالدولة العميقة، المتهمة بالعمالة لفرنسا التي تعرف بـ "حزب فرنسا في الجزائر".

ضيوف استغلتهم "الجزيرة" للهجوم على الجيش الجزائري، واتهامه بـ "قيادة انقلاب عسكري في البلاد"، إضافة إلى دعوة بعض منهم صراحة إلى "الانقلاب على قيادة الجيش" الحالية.

ومع بدء الحراك الشعبي بالجزائر، قبل 6 أشهر، حاولت القناة القطرية البحث عن مكان لها في الساحة الإعلامية الجزائرية، رغم غلق مكتبها وطرد العاملين فيه عام 2005.

نشطاء يؤكدون أنّ "الجزيرة" تحاول من جديدة لعب الدور نفسه في تخريب بلدهم كما فعلت في ليبيا وسوريا واليمن

وحاولت القناة، بحسب المتابعين، استغلال حالة الفراغ السياسي التي أعقبت استقالة عبد العزيز بوتفليقة، في نيسان (أبريل) الماضي، وانشغال مؤسسات البلاد بالأزمة السياسية، لتعيد فتح مكتبها بالجزائر بطريقة غير قانونية ودون إبلاغ السلطات الجزائرية، قبل أن تتخذ الأخيرة قراراً بإعادة غلقه، ومنع التعامل مع القناة، خاصة فيما يتعلق بالبث المباشر.

أيضاً طالت القناة حملات سخرية واسعة، بعد أن تمّ كشف أنّ مصادر أخبارها لم تكن إلا بعض صفحات الفيسبوك دون أن تكلف نفسها عناء التأكد من صحة الأخبار، بيد أنّ المتابعين أكدوا أنّ الهدف من وراء ذلك كان لزرع الفتنة، والترويج لصور نمطية مخادعة للرأي العام تحضيراً للسيناريو المفضل لها، وهو الفوضى والخراب.

وعلى مدار الأشهر الأخيرة؛ حاولت منصات الجزيرة الترويج لمزاعم "القمع الأمني لمتظاهرين"، وتعميم لافتات شخصية أو لبعض المجموعات في العاصمة تنتقد أطرافاً عدة على أنّها "تعبّر عن موقف الجزائريين"، خاصة تلك التي تحمل حقداً للجيش، والتي يقول مراقبون إنّ "الدولة العميقة المتأثرة من سجن رموزها تقف وراءها".

وشهدت الشهور الماضية إقالات وملاحقات قضائية لرجال أعمال وسجن شخصيات نافذة في نظام بوتفليقة، الذي أدار البلاد منذ عام 1999حتى 2019، وقد أكّد الجيش مواصلته تطهير مؤسسات الدولة مما وصفها "العصابة".

هذا وقد أجرت الأجهزة الأمنية في الجزائر، خلال الأسبوعين الأخيرين، تحقيقات معمقة مع قيادات إخوانية جزائرية بارزة دون أن تفصح عن أسمائها.

ورجّحت مصادر الأمنية لـ "العين" الإخبارية؛ أن يكون استهداف قناة "الجزيرة" القطرية للجيش الجزائري، عبر ضيوفها من المعارضة (المثيرين للجدل)، محاولة منها للضغط على البلاد "كدعم لتلك التيارات الإخوانية"، خاصة أنّ الأمر مرتبط بتمويل خارجي يصنفه الدستور في خانة "الخيانة العظمى".

 

للمشاركة:

دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

 كشف الكيان الصهيوني، على لسان بعض مسؤوليه؛ أنّه يعمد إلى التضييق على قطاع غزة حتى يهاجر أهلها إلى دول أخرى دون رجعة.

الكيان المحتل مستعد للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراته إذا وجدوا دولاً تستقبلهم

وقال مسؤول في الكيان، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الألمانية: إنّ "إسرائيل مستعدة للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراتها، إذا وجدوا دولاً تستقبلهم، وتحدثت مع دول بهذا الشأن، غير أنّ السفر سيكون بلا عودة، وهو ما وصفه نائب بالكنيست بـ "عملية ترحيل طوعية".

ونقلت هيئة البثّ الإسرائيلي، اليوم، عن مصدر سياسي؛ أنّ إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة "دون رجعة"، ووصفت الهيئة المصدر بـ "الكبير في حاشية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو".

وأضاف المصدر؛ أنّ إسرائيل مستعدة لتمويل هذه الرحلات على أن تنطلق من مطارات سلاح الجو في جنوب البلاد.

إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة دون رجعة

إلا أنّ المصدر كشف أنّ "أياً من الدول التي تمّ الاتصال بها بما فيها دول شرق أوسطية لم ترد على هذا الاقتراح إيجابياً".

ووصف النائب بالكنيست الإسرائيلي، أحمد الطيبي، ما يتردد عن تشجيع الهجرة طوعاً من قطاع غزة بأنّها "عملية ترحيل طوعية"، مضيفاً (باللغة العبرية) على صفحته في موقع تويتر: "غاندي حصل عليها في السابق وفي 48 كانت تسمى تطهيراً عرقياً".

 

للمشاركة:

الإمارات على طريق "الأخوة الإنسانية"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أعلنت الإمارات، أمس، عن تشكيل لجنة عليا لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها كلّ من قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف في أبوظبي، خلال شهر شباط (فبراير) الماضي.

تضمّ اللجنة كلاً من أمين سرّ المجلس البابوي للحوار بين الأديان، المطران ميغيل أنجيل أيوسو غيكسوت، ورئيس جامعة الأزهر، الدكتور محمد المحرصاوي، والأب الدكتور يوأنس لحظي جيد، والسكرتير الشخصي للبابا فرنسيس، والقاضي محمد محمود عبد السلام، المستشار السابق لشيخ الأزهر، ومحمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، والأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، الدكتور سلطان فيصل الرميثي، والكاتب والإعلامي الإماراتي ياسر حارب المهيري، وفق "وام".

الإمارات تعلن عن تشكيل لجنة لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها البابا فرنسيس وأحمد الطيب

وبهذه المناسبة، قال ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: إنّ إعلان تشكيل اللجنة يؤكد الحرص على تنفيذ رؤى مشتركة لبلورة المبادرات والأفكار الداعية إلى التسامح والتعاون والعيش المشترك، ووضعها موضع التنفيذ، مؤكّداً دعم دولة الإمارات العربية المتحدة الجهود والمساعي كافة الهادفة إلى تعزيز السلام ونشر مبادئ التعايش السلمي على مستوى العالم.

وتتولى اللجنة مهام وضع إطار عمل للمرحلة المقبلة، لضمان تحقيق أهداف الإعلان العالمي للأخوة الإنسانية، والعمل على إعداد الخطط والبرامج والمبادرات اللازمة لتفعيل بنود الوثيقة ومتابعة تنفيذها على المستويات الإقليمية والدولية كافة، وعقد اللقاءات الدولية مع القادة والزعماء الدينيين ورؤساء المنظمات العالمية والشخصيات المعنية لرعاية ودعم ونشر الفكرة التي ولدت من أجلها هذه الوثيقة التاريخية، من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، وكذلك حثّ السلطات التشريعية على الاهتمام ببنود الوثيقة في التشريعات الوطنية من أجل أن تترسخ لدى الأجيال القادمة قيم الاحترام المتبادل والتعايش كأخوة في الإنسانية، إلى جانب الإشراف على بيت العائلة الإبراهيمية، ويمكن للجنة إضافة أعضاء جدد بالاتفاق بين أعضائها، وفق ما يحقق أهداف تشكيلها وغايات الوثيقة.

وكان كلّ من فضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، قد قاما بزيارة تاريخية مشتركة إلى دولة الإمارات، في الفترة من 3 إلى 5 شباط (فبراير) 2019، ووقّعا معاً وثيقة "الأخوة الإنسانية ـــ إعلان أبوظبي" وأعلناها للعالم من العاصمة الإماراتية أبوظبي.

 

للمشاركة:



ما هي نقاط التشابه والاختلاف بين الإرهاب الأبيض و "القاعدة" و"داعش"؟

2019-08-20

ترجمة: علي نوار


لاحظ كثير من الأكاديميين المتخصصين في دراسة الإرهاب، قواسم مشتركة، بصورة تدعو للقلق بين صعود تنظيم داعش والإرهاب القومي الأبيض، الذي أسفر عن وجهه مؤخراً في مذبحة الباسو، بولاية تكساس الأمريكية.

يقول الخبير المرموق في هذا المجال الأكاديمي، ويل ماكانتس: "أوجه التشابه مذهلة إلى حدّ بعيد"، فضلاً عن أنّه تمكن ملاحظتها أكثر وأكثر في كلّ اعتداء جديد.

لاحظ كثير من المتخصصين بدراسة الإرهاب قواسم مشتركة بصورة تدعو للقلق بين صعود تنظيم داعش والإرهاب القومي الأبيض

ويتّفق الخبراء في أنّ وجود ملامح تشابه ليست من قبيل الصدفة؛ فإرهاب القوميين ذوي البشرة البيضاء يتتبّع المسار التصاعدي نفسه الذي مرّ به التيار الجهادي وتنظيم داعش قبل أعوام، الأمر الذي يسهم كثيراً في فهم أسباب وقوع هجمات الإرهاب القومي الأبيض وتكرارها وكثرة عدد ضحاياها.
ففي الحالتين؛ توجد أيديولوجيا كوارثية تتنبأ وتسعى لصدام بين الحضارات ستقضي على العالم، هناك أعمال عنف استعراضية وعشوائية بلا تمييز ستفضي نحو المعركة النهائية، والتي لا تكون نتيجتها غالباً سوى اهتمام لحظي بمنفّذ الحادث لعدة دقائق وشعوره بالسطوة.

فظائع ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي على المستوى العالمي
وهناك أشخاص ينخرطون في هذا النوع من الإرهاب بمحض إرادتهم؛ حيث يرتادون مواقع مختبئة في الجانب المظلم من شبكة الإنترنت؛ حيث يبحثون عن المحتوى الذي يحث على التطرّف من تلقاء أنفسهم، وبالنسبة إلى هؤلاء المجنّدين؛ فإنّ الأيديولوجيا التي يُروّج لها ليست سوى وسيلة للتعبير عن التيار الذي يؤمنون به، والذي يتمحور حول الكراهية والعنف.

اقرأ أيضاً: دولة جديدة تصنّف حزب الله منظمة إرهابية مثل داعش والقاعدة.. ما هي؟!
لكنّ الفوارق بين تنظيم داعش والقوميين ودعاة تفوّق العرق الأبيض، الذين يروّجون لفكرة أنّ الأشخاص ذوي البشرة البيضاء يجب أن تكون لهم الهيمنة السياسية والاقتصادية بشكل كامل، ما تزال كثيرة؛ فقد حاول زعماء تنظيم الجماعة الإرهابية توظيف حماسة أتباعها من أجل خلق حكومة ودولة ذات عمر قصير، بينما لا يحظى القوميون البيض بقيادة رسمية بالدرجة المطلوبة.
يقول جي إم بيرجر، مؤلّف كتاب "التطرّف"، وعضو مجموعة "فوكس-بول" للأبحاث: "أعتقد أنّ كثيرين ممّن يعملون على ملفات التطرف عبر الإنترنت، تنبّؤوا بحدوث هذا الوضع"، في إشارة إلى أوجه التشابه بين الحركات المتطرفة على اختلافها.

هناك أشخاص ينخرطون في صفوف الإرهاب بمحض إرادتهم حيث يرتادون مواقع مختبئة في الجانب المظلم من شبكة الإنترنت

وإذا نظرنا للوراء قليلاً، فيمكننا بسهولة رصد نقاط التشابه الواضحة.
أدّت الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي على المستوى العالمي، إلى ظهور متطرّفين ينظرون إلى المسلمين كافة على أنّهم العدو.
وأسهمت سلسلة من التغيّرات العالمية، خاصة تنامي دور شبكات التواصل الاجتماعي، في تسهيل سعي أيّة قضية إرهابية لا مركزية نحو ارتكاب أعمال عنف على أوسع نطاق ممكن، وبلا أدنى منطق.

ويوضح بيرجر: "من الناحية الهيكلية، لا أهمية إذا كان هؤلاء المتطرفون جهاديين أو قوميين بيض".

ومع تفشّي هذا العنف تتولّد دائرة مفرغة من التطرف اللانهائي تسفر عن اجتذاب مزيد من الأشخاص، ويبدأ الأمر في الوصول إلى درجة مرعبة؛ حيث يؤدّي كلّ هجوم إلى الترويج أكثر وأكثر للأصولية والأيدولوجية الكوارثية على الإنترنت، ما ينتج عنه بالتبعية مزيد من الاعتداءات.

ضباط أفغان مع أشخاص متهمين بالتخطيط لشن هجمات على قوات الأمن
ولعلّ الدروس المستفادة من تنظيم داعش تثير قدراً كبيراً من القلق، فيستحيل عملياً القضاء على مجموعة يحرّكها مثل هذا النوع من الأفكار، وتتغلغل في شبكات التواصل الاجتماعي بصورة لا مركزية، كما أنّه ليس من السهل على الإطلاق الوقاية من الهجمات حين تجعل أيديولوجية الشخص الذي يرتكبها أيّ هدف "جيداً"، وعندما لا يتطلّب الأمر مجهوداً كبيراً لتجنيد شخص ما، علاوة على أنّه من أجل توجيه الناس نحو شنّ هجمات لا يستلزم أحياناً سوى منتدى نقاش على شبكة الإنترنت.

اقرأ أيضاً: لماذا تحولت "القاعدة" إلى نمط الاندماج؟
وعاد بيرجر ليحذّر من أنّ التغيّرات العالمية التي أثرّت وسمحت بظهور داعش تسارعت وتيرتها، مثل انتشار الشبكات الاجتماعية، حيث قال: "حين تفتح مجالاً فسيحاً وجديداً للتواصل، يتحوّل على الفور إلى ناقل للعدوى".
أنماط جديدة من الإرهاب
لقد انبثقت العدمية الغالبة بصورة كبيرة على الإرهاب العالمي في الحقبة الحالية من المستنقع الطائفي بالعراق المحتل من قبل الولايات المتحدة.
استغلّ أبو مصعب الزرقاوي، حالة الفوضى الناجمة عن الغزو الأمريكي ليسقط القتلى في صفوف القوات المحتلة، والمسلمين العراقيين على حدّ سواء؛ ونشر وبثّ مقاطع فيديو للمذابح التي ارتكبها.
كان أبرز تنظيم إرهابي في تلك الفترة "القاعدة" قد قتل مدنيين، لكن بذريعة دينية، وبأهداف واضحة، على رأسها إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من الشرق الأوسط، إلّا أنّ الزرقاوي بدا أنّ لديه دوافع أخرى، خلافاً للأعمال الوحشية؛ حيث كان يبحث عن الشهرة وعن أيديولوجيا تتمحور حول نهاية العالم، لم يتمكّن مطلقاً من إعلائها.

مثلما فعل تنظيم داعش وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للمتطرّفين البيض يبثّون عبرها مقاطع الفيديو التي تخصّهم

وجّه تنظيم "القاعدة" في البداية انتقاداتها للزرقاوي؛ خشية أن يتسبّب في إبعاد المسلمين عن القضية، وأن يحدث نوعاً من تشتيت الأهداف التي كان التيار الجهادي يعمل في سبيلها وقتذاك.
لكنّ الأمر لم ينجح وتزايدت شعبية الزرقاوي بين المنخرطين في صفوف الجهاديين، ما دفع تنظيم القاعدة فيما بعد إلى منحه الحرية في شنّ حربه باسم التنظيم، وحين قُتل الرجل، وُلد التنظيم من جديد لكن باسم "داعش".

وقد تسبّب صعود ذلك التنظيم في نشأة منظور جديد فيما يخصّ الإرهاب، وهو ما يمنحنا خيطاً يمكن بواسطته التعرّف إلى العوامل المحدّدة لأهداف تيار القومية البيضاء، والذي يرتكب أفراده أعمال إرهابية، لا سيما أنّ الأخير تظهر عليه أفكار وممارسات الإرهاب الإسلاموي نفسها.
لا يولد أغلب الإرهابيين وبداخلهم الرغبة في القتل؛ بل يجري إعدادهم لذلك، نفّذت جماعات إرهابية أخرى هذا التأهيل عن طريق استغلال التطلّعات السياسية أو مشاعر الكراهية التي يكنّها أفرادها، إلّا أنّ الزرقاوي توصّل إلى طريقة يخرج بها الرغبة في القتل من البداية.

اقرأ أيضاً: هل أعاد تنظيم القاعدة بناء نفسه؟

فمع الغزو الأمريكي للعراق؛ انقلب العالم رأساً على عقب بالنسبة إلى كثير من الأشخاص في الشرق الأوسط، وبدلاً من العمل على إعادة الأمور لطبيعتها، صدّر الزرقاوي، ومن بعده تنظيم داعش، تفسيراً يقول: العالم يقترب من المعركة النهائية الكوارثية بين المسلمين والكفار.
وبهذه الحُجّة، برّر التنظيم هجمات لم يكن من الممكن تمريرها بطريقة أخرى، مثل قتل عشرات من المسلمين الآخرين الذين كانوا يرتادون مراكز تجارية، بداعي أنّ ذلك يسهم في تسريع وصول نهاية العالم، التي وردت في النبوءات القديمة.

ونظراً إلى أنّ التخطيط وتنفيذ هذه الهجمات كان أمراً يسيراً للغاية، فقد كان بوسع أيّ شخص القيام به، والشعور بالتالي بأنّه "جندي يخدم القضية".
بعبارة أخرى؛ ترسّخت أيديولوجيا يمكن بموجبها لأي شخص أن يقتل من أجل التنظيم، حتى لو لم يكن فرداً رسمياً فيه، وأنّ القتل هو الهدف الأهم، وبالتالي اكتسب العنف زخماً من تلقاء نفسه.

ويعتقد قطاع من الخبراء أنّ الشيء نفسه هو ما يحدث الآن مع عناصر الحركات القومية المتعصّبة التي تروّج لتفوّق العرق الأبيض والتي ظهرت على المستوى العالمي.

حرب عرقية عالمية النطاق
لقد شوهدت بوضوح هذه المكوّنات الفكرية وممارسات التجنيد ونشر الفكر الأصولي لدى تنظيم داعش، أثناء مرحلة صعوده، ويتكرّر الأمر بحذافيره تقريباً مع إرهاب تفوّق العرق الأبيض.
ووفق المؤمنين بهذه الأفكار؛ فإنّ العالم خرج عن مساره الصائب، ويتوجّه نحو حرب عرقية بين الأشخاص البيض والملوّنين.

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل تصدير الإرهاب وتعيد زراعة "القاعدة" في اليمن
فعلى سبيل المثال؛ توجد رواية فرنسية غريبة صدرت عام 1973، بعنوان "حقل القديسين"، للكاتب رونو كامو، والتي أضحت كتاب نبوءات بالنسبة إلى كثير من القوميين البيض، فالرواية تصف محاولة الأجانب من غير ذوي البشرة البيضاء السيطرة على الأوروبيين الذين يدافعون عن أنفسهم بحرب إبادة عرقية.
وقد دأب مرتكبو هجمات الباسو في الولايات المتحدة وكرايست تشيرش في نيوزلندا على التحذير، عبر منشورات يكتبونها، من هذه الحرب المقبلة، ولا يتوقّف الترديد بأنّ هذه الاعتداءات كانت بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من العنف العرقي كي تأتي المعركة الأخيرة في أقرب وقت.

تؤكّد الأستاذة في جامعة دبلن الإيرلندية، ماورا كونواي، الخبيرة في شؤون الإرهاب؛ أنّه من أجل نشر الأصولية يتطلّب الأمر ما هو أكثر من مجرّد مجتمع يتبنّى أفكاراً مماثلة؛ فالتحرّكات المناهضة للتغيّرات السكّانية والاجتماعية ليست بمستحدثة، لكن انتشار الشبكات الاجتماعية أسهم في وجود أشخاص من ذوي البشرة البيضاء في موضع المتلقّي للخطاب الأصولي الرافض لهذه التغيّرات.

ومثلما فعل تنظيم داعش الإرهابي، وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للمتطرّفين البيض يبثّون عبرها مقاطع الفيديو التي تخصّهم، والتي يظهِرون فيها أعمالهم، بنيّة أن يصبحوا من المشاهير وبطريقة يسير معها التغذّي على العنف بشكل متبادل.

الناس في حالة حداد بالقرب من متجر وول مارت حيث قتل 22 شخصاً
وفي كتابه "التطرّف"؛ الصادر عام 2015، يبرز بيرجر أنّ "تنظيم داعش كان أول جماعة تلجأ لهذه التكتيكات من أجل الانتشار عبر الشبكات الاجتماعية، لكنّه لن يكون الأخير".
ورغم أنّهما يبدوان كالماء والزيت، عالمان متناقضان ومعاديان، إلّا أنّ التحليل الفاحص للإرهاب العنصري الذي يمارسه دعاة تفوّق العرق الأبيض، والإرهاب الجهادي الذي يمارسه الإسلامويون الأصوليون، يظهر أنّهما يشتركان في جوانب عدة، تتجاوز مجرّد القتل العشوائي للمدنيين باسم الأفكار.
والناتج؛ أنّ أجهزة الأمن والخبراء يصبحون بصدد التهديدات نفسها، لا سيما مع ميل هذين القطبين نحو الأفكار الكوارثية وصدام الحضارات وفكرة التضحية بالنفس، والاستشهاد من أجل القضية، ودخول الفردوس، ودعوتهما لشنّ الهجمات العنيفة من أجل البقاء في المعركة الكبرى المقبلة.

اقرأ أيضاً: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب
لذلك؛ يتحدّث دعاة تفوّق العرق الأبيض عن "إبادة للبيض" أو "تغيير هائل" بدأ مطلع العقد الماضي، مثل رواية كامو الدستوبية، أو رواية الفرنسي أيضاً جان راسبيل، التي يصف فيها دمار الحضارة الغربية نتيجة وصول المهاجرين من العالم الفقير، وعلى الجانب الآخر؛ يتجاوز الهوس الجهادي فكرة تحرير الأراضي الإسلامية من سيطرة "الكفار"، وصولاً إلى استرداد الأمجاد الغابرة لحضارتهم.
ولعلّ الجزئية الأخطر في هذا الصدد؛ هو أنّ الجانبين يمتلكان ساحات معارك يصقلان فيها مهاراتهم وأساليبهم القتالية، فقد خاض الأصوليون الإسلامويون معارك دامية في أفغانستان خلال عقد الثمانينيات، ثمّ حروب البلقان خلال التسعينيات، قبل أن ينتقلوا لجبهات القتال في سوريا خلال الأعوام الماضية، على الناحية الأخرى؛ اشترك المؤمنون بتفوّق العرق الأبيض في النزاع الأوكراني منذ بدايته، الذي التحق به 17 ألف مقاتل أجنبي، يحملون جنسيات 50 دولة، طبقاً للباحث كاسبر ريكافيك، بينهم الكثير من النازيين الجدد، وقد كشف منفّذ هجوم كرايست تشيرش؛ أنّه سبق له القتال في نيوزلندا، وهي الحالة نفسها لأربعة أفراد جرى تقديمهم للمحاكمة عقب مشاركتهم في مسيرة عنصرية بمدينة شارلوتسفيل في ولاية فرجينيا الأمريكية، عام 2017.

بيد أنّ الفارق الأبرز، ربما، بين الطرفين؛ هو الرؤية التي يُنظر بها إليهما من قبل قوات الأمن ووسائل الإعلام، فحينما يفجّر شاب مسلم نفسه يوصف على الفور بالإرهابي، ويُنسب إلى داعش أو القاعدة، أما عندما يرتكب شاب أبيض ومسيحي مذبحة، فيكون التأنّي هو سيّد الموقف ويوصف بأنّه مضّطرب أو تفاحة فاسدة.


المصادر:

مقارنة بين صعود الإرهاب الأبيض والإرهاب الأصولي، للصحفي ماكس فيشر، نُشر بالنسخة الإسبانية من جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية

رابط: https://nyti.ms/2yP2U2t

مقال في الموضوع نفسه للصحفي ريكاردو مير، نُشر بجريدة "البريوديكو" الإسبانية
رابط:
https://bit.ly/2H9Yckr

للمشاركة:

العراق في ظل الأحزاب الميليشياوية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

محمد واني

الدولة تقام وتبنى بالقوانين والدستور والنظام وبناء المؤسسات الوطنية ورعاية حقوق المواطنين والدفاع عن مصالحهم، ولا تبنى بترديد الشعارات الطائفية وتصدير التفاهات الفكرية العقيمة الى الاخرين وتجيش الجيوش ضد المعارضين والدعوة الى الثأر والانتقام واثارة عواطف البسطاء واشغالهم بالحوادث التاريخية الغابرة الاليمة واقامة مواكب العزاء والزيارات للقبور واضرحة الاولياء والائمة والبكاء واللطم وشق الجيوب واعداد الولائم والاطعمة في المناسبات الدينية المكلفة على حساب الدولة واستنفار الوزارات الخدمية والامنية طوال فترة تلك المناسبات الكثيرة التي تستمر طوال السنة، كما اعتادت الحكومات الشيعية التي تعاقبت على الحكم بعد 2003 القيام به، وكأن العراق تحول الى ملك خالص للطائفة بمجرد ان تولوا الحكم. نفس الفكر الخاطئ الذي اعتقده وعمل به النظام البعثي السابق الذي اعتبر ان العراق "موطن العرب والعروبة" والبوابة الشرقية للوطن العربي دون ان يحسب اي حساب للقوميات والاثنيات الاخرى التي يشكل منها العراق.

مازال زعماء الشيعة يتصرفون وكأنهم يمتلكون العراق ارضا وشعبا فعلا ويصدرون القرارات وفق هواهم المذهبي ويصرفون الاموال من خزينة الدولة على الاصدقاء والاشقاء الطائفيين في العالم والمنطقة كنظام بشار الاسد وغيره، وكذلك من اجل تشكيل الميليشيات والمجاميع المسلحة الشيعية لمواجهة اعداء الطائفة، والويل لمن غضب منه هؤلاء الزعماء الفاسدون الاشرار، ومس جانبا من قداستهم المزيفة، فهم يقطعون عنه الميزانية ويفرضون عليه الحصار ويحاربونه اعلاميا وسياسيا كالشعب الكردي!

رغم ان الدستور يقضي بالشراكة السياسية وادارة الحكومة بشكل جماعي، فانهم يحتكرون كافة المناصب المهمة لانفسهم بحجة ان الشيعة هم الاكثرية السكانية في البلاد، دون الاستناد الى بيانات احصائية دقيقة تدعم زعمهم هذا، لعدم القيام باجراء احصاء سكاني منذ 2003 ولغاية اليوم. وكل ما يقال حول الاكثرية والاقلية مجرد ظن ليس الا والظن لايغني من الحق شيئا.

اذن، الدولة الجديدة بنيت على اساس ومنطلق طائفي رغما عن انوف العراقيين وارادتهم، عليهم تقبله برحابة صدر والا فليشربوا من البحر او يضربوا رؤوسهم بالحائط بحسب ما قالته النائبة السابقة حنان الفتلاوي صاحبة نظرية "سبعة مقابل سبعة" المشهورة (تقول "من ينقتلون 7 شيعة، اريد ان ينقتلون مقابلهم 7 سنة") عندما تحدت السُنة بصراحة متناهية وقالت "انا شيعية وافتخر ونرفع رايات ’يا حسين‘ فوق المباني الحكومية رغمأ عن انوفكم وان لم تعجبكم اضربوا رؤسكم بالحائط؟!" هذا بالضبط ما يسعى اليه النظام القائم ويحاول تكريسه وترسيخه في العراق؛ فرض الارادة المذهبية بالقوة!

ومن اجل الوصول الى هذا الهدف وفرض الامر الواقع على العراقيين، قام اقطاب النظام فور تسنهم مقاليد السلطة بالعمل على الهيمنة المطلقة على المؤسسات القضائية والمالية والنفط والتفرد التام في اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتشكيل الميليشيات العقائدية لدعم ومساندة نفوذهم السياسي.

الحقيقة التي مازلنا نؤكد عليها في كل مرة هي ان هؤلاء لم يأتوا ليبنوا البلد أو يعمروه او يرفعوا من مستواه العلمي والاقتصادي والثقافي او ينشروا بين ربوعه الاستقرار والمحبة والفضيلة والعدالة باعتبارهم مسلمين يقودون احزابا اسلامية، بدليل ان العراق في ظل حكمهم اللا "اسلامي!" الفاشل، وصل الى الدرك الاسفل في كل المجالات وانعدم فيه الامن والاستقرار تماما وانتشر فيه الفساد حتى وصل الى اسفل قائمة اكثر دول العالم فسادا وخطورة على حياة الانسان بحسب تصنيفات منظمة الشفافية الدولية. هؤلاء لم يأتوا من اجل العراقيين، بل جاؤوا من اجل اثارة الفتنة بينهم باسم الطائفة والمذهب وينهبوا ثرواتهم! وهذا يحدث الان في العراق بالضبط.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

صحيفة بريطانية: جماعة الإخوان تروج للفكر المتطرف داخل أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

حسين البدوي

كشفت صحيفة "ذا إنفستيجيتيف جورنال - تي آي جيه" الاستقصائية البريطانية، في تقرير موثق لها عن نشاط الجماعات المتطرفة في فرنسا، أن جماعة الإخوان المسلمين المدعومة من قطر والتي تم إدراجها جماعةً إرهابية من قبل مصر، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، وروسيا، والإمارات العربية المتحدة؛ تمتلك صلات مالية وثيقة بالمجتمعات والجماعات الإسلامية الوطنية والإقليمية في فرنسا.

وتروج جماعة الإخوان المسلمين لتيار شديد الخطورة من الفكر المتطرف داخل أوروبا، حيث اخترقت كيانات غير هادفة للربح عن طريق تقديمهم الدعم النقدي، وأيضاً من خلال زرع قادة الجماعة داخل تلك المنظمات.

وإحدى هذه المنظمات المجلس الفرنسي للإيمان الإسلامي - (سي أف سي أم) والذي يعتبر منظمة قوية تخدم كمستشار رسمي للحكومة الفرنسية في إدارتها للإسلام داخل فرنسا، وطبقاً لأحد الخبراء، فإن الرئيس السابق للمجلس أنور كبيبيش كان له صلات وثيقة بالإخوان المسلمين قبل أن يتبوأ منصبه في الهيئة الإسلامية الفرنسية التي عملت بشكل قريب جداً من الحكومة الفرنسية بقيادة نيكولا ساركوزي وقتها.

وعبرت زينب الرحزاوي - مستشارة الرئيس الفرنسي ماكرون، والناجية من هجمة شارلي إبدو الإرهابية في يناير 2015 - عن إيمانها بأن تكتيك الإخوان المسلمين باستخدام المنظمات غير الحكومية كحصان طروادة للتأثير على الثقافة الفرنسية لا بد أن يتم التعامل معه بحزم. وقالت الرحزاوي: إن المنظمات الإسلامية العاملة في فرنسا تحتاج لرقابة خاصة فيما يتعلق بمصادرها المالية، ولكنهم حالياً يعملون كمنظمات غير حكومية، ويفلتون من أي رقابة عمّا يجري داخل هذه المنظمات.

عن "الرياض" السعودية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية