ما الرابط بين جرائم الإنترنت والتجارة غير المشروعة والإرهاب؟

ما الرابط بين جرائم الإنترنت والتجارة غير المشروعة والإرهاب؟

مشاهدة

27/05/2021

ترجمة: محمد الدخاخني

في آذار (مارس)، نشرت الحكومة البريطانيّة مراجعتها لكافّة التّهديدات التي تُواجه البلاد، وكيف ستستجيب لها، من الأنظمة الأتوقراطيّة المعادية والجرائم الإلكترونيّة إلى الإرهاب والتّجارة، ومن خلال تصفّح أوراق هذه الوثيقة الضّخمة والمعقّدة على نحوٍ مجهد، تتكشّف نقطة ضعف مستمرّة: الأموال المشبوهة.

اقرأ أيضاً: تحقيق كندي: بهذه الطريقة يقوم حزب الله بغسيل الأموال وتهريب المخدرات

بغضّ النّظر عمّن نحدّده على أنّه خصمنا؛ جماعات المافيا، أو القاعدة، أو أيّاً كان، فإنّهم جميعاً يُخفون ثرواتهم في عَتَمات النّظام الماليّ: من خلال التّعتيم على الملكيّة عبر الشّركات الوهميّة، أو استخدام البنوك المشكوك فيها، أو عن طريق الاحتفاظ بالثّروة في شكل أصول مادّيّة، مثل الفنون الجميلة. وسيكشف إلقاء الضّوء على تلك العَتَمات أسرارها ويُساعد في جعلنا جميعاً أكثر أماناً، كما أنّه سيجعلنا أكثر ازدهاراً: يتمّ الإبلاغ عن أكثر من 2,200 عمليّة احتيال يوميّاً في بريطانيا، وتكلّفنا هذه الجرائم مليارات ومليارات الجنيهات، وغالباً ما تؤثّر على كبار السّنّ وغير المحصّنين.

كيف ستتعامل الحكومة مع التّهديد؟

ولذا، كان خطاب الملكة الأسبوع الماضي مهمّاً؛ كيف ستتعامل الحكومة مع التّهديد الّذي حدّدته؟ حسنٌ، إليك إجمالي ما طلب بوريس جونسون من جلالة الملكة قوله عن ذلك.

لا شيء.

بالنّسبة إلى أولئك الذين يُقلقهم الضّرر النّاجم عن تفشّي الاحتيال والفساد، هذا الغياب مُحبِط، لم نتوقّع الكثير، أيضاً.

 يُخفون ثرواتهم في عَتَمات النّظام الماليّ

خفّض المسؤولون بالفعل التّوقّعات قبل الخطاب، وأصرّوا على أنّ أولوية جونسون القصوى تتمثّل في إصلاح الضّرر النّاجم عن "كوفيد-19"، وصحيحٌ أنّ العديد من الإجراءات المقترحة في مراجعة آذار (مارس) مشمولة بالتّعبير المعتاد "عندما يسمح الوقت البرلمانيّ".

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال وتهريب النقد في العراق.. فساد الساسة والأحزاب وإيران

ومع ذلك، لم تتمثّل المشكلة فقط في رفض الحكومة تقديم التزامات جديدة، بل، في الواقع، في إسقاطها الالتزامات القديمة، وفي خطاب الملكة السّابق، في كانون الأوّل (ديسمبر) 2019، وعدت الحكومةُ بإجبار المالكين في الخارج لعقارات بريطانيّة يبلغ عددها 100,000 على الإعلان عن هويّتهم، وهي خطوة من شأنها أن تساعد في تمزيق الغطاء الّذي يستخدمه ناهبو المال العامّ منذ فترة طويلة عند شراء مخابئ لهم في بلغرافيا، لندن. تبخّر هذا الوعد منذ ذلك الحين. والخطّة التي طال انتظارها لفرض أوامر على كومبانيز هاوس، المكان الذي يستخدمه المحتالون البريطانيّون والأجانب، على حدّ سواء، لتسجيل شركاتهم الوهميّة والمراوغة، لن تُتَبنى قريباً، أيضاً.

فكرة سخيفة

بالطّبع، يجب التّركيز على قدر هائل من الأضرار المرتبطة بـ "كوفيد-19"، لكن فكرة أنّ الحكومة قد مُنِعَت من معالجة الأموال المشكوك فيها بسبب هذه الأولويّة السّاحقة تُعدّ سخيفة، فجونسون وجد وقتاً للوعد بأنّ الناس لن يكونوا قادرين إلّا على التّصويت ببطاقة هوية تحمل صورة، ووجد وقتاً لافتتاح موانئ حرّة، و"حماية حرّيّة التّعبير" في الجامعات، والحدّ من قدرة القضاة على مراجعة الحكومة، وكلّ ذلك لا علاقة له بالجائحة، لكنّه، أيضاً، يمثل حلولاً لمشكلات تكاد توجد إذا كانت موجودة أصلاً.

ميزانية وحدة مكافحة الفساد الدّوليّة تزيد قليلاً عن 4 ملايين جنيه إسترلينيّ، وهو المبلغ الّذي يمكن أن ينفقه ثريّ نافذ بسهولةٍ في رحلتين إلى هارودز

في رأيي، حرّيّة التّعبير مُهدّدة، ولكن ليس من قِبل الطّلّاب ذوي الميول اليساريّة الذين يقومون بإقصاء المتحدّثين اليمينيّين، عوضاً عن ذلك، حرّيّة التّعبير مهدّدة من قِبل الأثرياء، الذين يستخدمون المحاكم البريطانيّة لإغلاق التّحقيقات المفتوحة حول ثرواتهم.

 تواجه الصّحفية كاثرين بيلتون حالياً دعوى قضائيّة من قِبل أربعة من أصحاب المليارات الرّوس و"روزنيفت"، أكبر شركة نفط مملوكة للدّولة في روسيا، بسبب كتابها "رجال بوتين"، لا أعرف ما حقيقة المزاعم، لكن احتمال مواجهة هذا النّوع من التّهديد يمنع الصّحفيين من الكتابة عن فاحشي الثّراء، لم تَظهر هذه القضيّة ولا تتبع المليارات، ومن المحتمل أن يكون ذلك بسبب الادّعاءات المخادعة الخاصّة بإغاثة كوفيد، في خطاب الملكة.

جونسون في الاتجاه المعاكس

وتخزّن الحكومة مشكلات سياسيّة خارجيّة؛ فمن خلال تقييد الوصول إلى التّصويت والعدالة، وإنشاء موانئ حرّة، مناطق خالية من التّنظيم حتّى تقوم الشّركات بما يحلو لها، يتحرّك جونسون بالضّبط في الاتجاه المعاكس للولايات المتّحدة، حيث وعد رجل البيت الأبيض، جو بايدن، بإعطاء الأولويّة للمعركة ضدّ ناهبي المال العامّ والأموال غير المشروعة.

دفاعات المملكة المتحدة ضدّ الأموال القذرة متداعية

كانت حكومة جونسون تنوي بالفعل السّير على نهج أجندة بايدن الشّهر الماضي من خلال نظام عقوبات جديد، ووعدت باستهداف أصول المسؤولين الفاسدين، سُرّ البعض بمدى الحماس الّذي استُقبِلَت به الخطّة في واشنطن، ولكن في الواقع المخطّط عبارة عن كرز على كعكة غير موجودة.

إنّ العيوب في نهج المملكة المتحدة في مكافحة التّمويل غير المشروع أعمق بكثير من مجرّد بعض الوعود الكاذبة والتّشريعات المفقودة، لقد أدّى النّقص المزمن في تمويل وكالات الإنفاذ ذات الصّلة على مدى عقود إلى جعلها بالكاد قادرة على استخدام الأدوات الموجودة بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ينجح المغرب في محاربة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال؟

تدور إستراتيجيّة الوكالة الوطنيّة لمكافحة الجريمة لطرد الثروة القذرة من سوق الإسكان حول "أوامر الثّروة غير المبرّر"، الّتي قُدِّمت قبل ثلاثة أعوام، والّتي أعلنها الوزراء باسم "قانون مك مافيا"، وهذا قد دُمّر العام الماضي في هزيمةٍ مذلّة. وتواجه الوكالة الوطنيّة لمكافحة الجريمة الآن فاتورة تكاليف ضخمة، ممّا سيجعلها حتماً شديدة الحذر بشأن مواجهة الأثرياء مرّةً أخرى، واعترفت لين أوينز، مديرة الوكالة الوطنيّة لمكافحة الجريمة، بأنّها "قلقة بصراحة بشأن التّأثير على ميزانيتنا، لأنّ هؤلاء أثرياء ويتمتّعون بإمكانيّة الوصول إلى أفضل المحامين".

ميزانية شحيحة

إنّ قلقها مُحبِط، وإن لم يكن مفاجئاً، فوحدة مكافحة الفساد الدّوليّة التّابعة للوكالة الوطنيّة لمكافحة الجريمة لديها ميزانيّة سنويّة تزيد قليلاً عن 4 ملايين جنيه إسترلينيّ، وهو المبلغ الّذي يمكن أن ينفقه ثريّ نافذ بسهولةٍ في رحلتين إلى هارودز، وسئم ضبّاط الوحدة من رواتبهم المتدنيّة لدرجة أنّ معدّل تبدّل الموظّفين وصل إلى مستويات الأزمة.

تستخدم المؤسّسات الماليّة والمواطنون العاديّون أدوات، مثل تقارير الأنشطة المشبوهة وخطّ الشّرطة السّاخن، لمكافحة الاحتيال من أجل الإبلاغ عن الاشتباه في ارتكاب جرائم ماليّة، لكن لا يوجد عدد كافٍ من الضّباط لقراءة كافّة البلاغات، ولذا فإنّها تتراكم  دون قراءة.

يتحرّك جونسون بالضّبط في الاتجاه المعاكس للولايات المتّحدة

إنّ دفاعات المملكة المتحدة ضدّ الأموال القذرة متداعية، وذلك عندما لا تكون غائبة تماماً، وستتطلّب عمليّة إعادة بنائها سنوات من العمل الصّبور والمكلف والشّاقّ من كافّة أنحاء الحكومة. للأسف، بناءً على أدلّة الأسبوع الماضي، تفتقر حكومة جونسون إلى القدرة على التّحمّل أو الصّبر أو التّفاني في المهمّة.

هذه أخبار جيّدة للمحتالين والّلصوص في العالم، وأخبار سيّئة للغاية بالنّسبة إلى بقيّتنا، هناك فجوة عندما يتعلّق الأمر بالسّياسة البريطانيّة تجاه الأموال القذرة، وأكره أن أفكّر في من سيعبر من خلال هذه الفجوة قبل أن تلتفّ الحكومة لسدّها.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

أوليفر بولو، الغارديان، 18 أيار/مايو 2021

الصفحة الرئيسية