"معالم في الطريق": شاعر يحلم بدولة خيالية ومجتمع من الملائكة

18550
عدد القراءات

2017-12-07

تكفي نظرة متفحّصة لطبيعة كتاب "معالم في الطريق"، لكي تُظهر لنا أنّه أقرب إلى أحلام شاعر، وأوهام قاصّ، وخيال روائي، وأبعد ما يكون عن فكر منظّرٍ سياسي، أو مخطّطٍ عسكري، لكنّ لغة الكتاب الشاعرية، المفعمة بالأحلام، تورث كلماتها أيّ قارئ مسلم بسيط، وغير مثقف، شعوراً بالانتشاء الكاذب، والخيلاء المضللة.
ولد سيد قطب في عام 1906، وعايش صعود المذاهب، والأيدولوجيات الأوروبية في بداية القرن العشرين، ودرس أغلب إنتاجاتها الفكرية التي كانت تصل إلى مصر تباعاً في ذلك الزمان، بحكم عمله في الصحافة والإعلام، والنقد الأدبي، والتدريس.
وقد يكون صحيحاً إلى حدّ بعيد، أنّ سيد قطب ألّف كتابه "معالم في الطريق"، بناءً على معرفته الغزيرة بالأيدولوجيات السياسية، والمذاهب الفكرية الأوروبية، وليس بناءً على فكر إسلامي وسطي مستنير، ومتعارف عليه بين المسلمين.

صورة لـ "سيد قطب" في زنزانته

اتهام المخالفين بالجهل
وكانت تلك المذاهب والإيدولوجيات الغربية، تحثّ أتباعها، في بداية القرن الماضي، على الاستعلاء فوق أي فكر مغاير، واتهام المخالفين لطرائقها، بالجهل والرجعية، تمهيداً لإقصائهم، وإبعادهم عن المشهد السياسي والاجتماعي.
انضمّ سيد قطب إلى جماعة الإخوان المسلمين في عام 1953، بعد أن طوّقوا عنقه بمناصب كثيرة لضمان ولائه لهم، وذلك عندما زارهم بدعوة منهم، لإلقاء محاضرة في مقرهم بالقاهرة.
ولم يلبث أن اعتقل في عام 1954، بعد حادثة المنشية، التي حاول بها الإخوان اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، وحكم على سيد قطب، إثر ذلك، بخمس عشرة سنة في السجن، قضى منها إحدى عشرة سنة، قبل أن يتدخل الرئيس العراقي، عبد السلام عارف، لإطلاق سراحه عام 1965. لكنّه أعيد إلى السجن، بعد احتجاجه على اعتقال أخيه محمد قطب، وبقي سجيناً حتى موعد إعدامه عام 1966، بتهمة التخطيط لتفجير القناطر الخيرية والجسور، ومحطات توليد الكهرباء، لإثارة الشارع ضدّ الحكومة المصرية.   

قد يكون صحيحاً القول إنّ "معالم في الطريق" لا يمت للإسلام بصلة، من حيث نشأة الفكرة والأساليب

أمضى سيد قطب سنين سجنه في تأليف عدة كتب، ربّما كان أشدّها خطراً كتاب "معالم في الطريق"؛ فمن الواضح أنّ عبارات هذا الكتاب صيغت في ظروف غير اعتيادية، وغير مريحة أيضاً؛ حيث مأزق السجن، والقسوة، والتضييق، فضلاً عن الحضور اليومي الملاصق، لزعماء جماعة الإخوان المسلمين وأتباعهم، وقد لازمه أثناء إعداد هذا الكتاب بعض الإخوان ملازمة الظل، مثل: محمد يوسف هواش، وغيره، وكانوا يشرفون على مسودات كتابه، ويدلون بآرائهم بالموافقة أو الرفض.

دولة خيالية، بلون واحد
ويهدف كتاب "معالم في الطريق" إلى إقامة دولة خيالية، بلون واحد، وإحساس واحد، وتطلعات واحدة؛ حيث يصبح المجتمع فيها كتلة بشرية، لها تصرفات محددة، وطعام وشراب، ولباس موافق عليه، وسلوكيات، وأحلام وآمال مكبلة بتعاليم عقيدة شمولية جبرية. ولا يحيد، بحسب الكتاب، عن هذا المنهج "القويم"، وهذا الفكر "السديد"، أو يغرد خارج هذا السرب المتجانس، إلا مارق، أو فاجر، أو كافر، يجب علاجه، أو تصفيته، معنوياً أو جسدياً.
ونظرة الاستعلاء والتيه هذه تمثل الحلم الطوبائي لسيد قطب، لإنشاء مجتمع الإسلاميزم (Islamism)، في تقليد صريح ومشابهة واضحة للفلسفات والأيدولوجيات السياسية، والنزعات القومية الشوفينية، التي ظهرت في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، من أمثلتها: الفاشية (Fascism)، والشيوعية (Communism)، والرأسمالية (Capitalism)، والنازية (Nazism)، والقومية (Nationalism).

جريمة سيد قطب الكبرى أنّه قسّم المجتمعات البشرية إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا كفر فيه، وفسطاط كفر وجاهلية لا إيمان فيه

وتلك الأيدولوجيات والمذاهب، أصبحت حينها ديانات في الدول الأوروبية، والأمريكية، والآسيوية؛ فنجد أنّ أفراد مجتمع "معالم في الطريق" يشبهون، إلى حدٍّ بعيدٍ، رعايا السلطة الشيوعية الأنقياء من لوثة الرأسمالية، أو الآري الأصيل في المجتمع النازي، أو الفاشي المستعلي على البرابرة القاطنين خارج سلطة روما، أو أعضاء كلو كلوكس كلان (Ku Klux Klan)، المعادين لكلّ إنسان غير أبيض في أمريكا.
وفي مجتمع سيد قطب المتخيل هذا، يتحرّك أعضاء جماعة الإخوان، والجماعات الموالية لهم، وينغمسون في تفاعلاته، أي المجتمع، لكنّهم لا يتمازجون معه؛ لأنّ هدفهم اجتثاث هذا المجتمع، الجاهلي بزعمه، وبناء مجتمع خيالي استعلائي تكبّري، يكون أفراده من أشباه الآلهة والملائكة، وهذا المجتمع "المثالي" يحارب شعوب الأرض كافة؛ لأنّها مجتمعات جاهلية تائهة، بزعم سيد قطب، تتقاذفها الشهوات، وتتلاعب بها الرغبات.
فكرة الاستعلاء والاستكبار
تبرز في كتاب قطب فكرة الاستعلاء والاستكبار، وهي ليست فكرة إسلامية، وقد يكون قطب استقاها من الكتاب المزعوم "بروتوكولات حكماء صهيون"، الذي أورد مقتطفات منه في "معالم في الطريق" في غير موضع؛ حيث يصوّر ذلك الكتاب، أعني البروتوكولات، مجموعة من زعماء الحركة الصهيونية، يتداولون أساليب خبيثة من أجل إخضاع "الجوييم"، أي غير اليهود، لسلطة ملكٍ عبرانيٍّ مستبدٍّ يحكم العالم.

خالف قطب المنهج الإسلامي كثيراً في كتابه هذا؛ حيث استبدل الرحمة بالإرهاب، واستبدل الأنسنة بالمواجهة مع البشرية كافة

ويعدّ الاستعلاء وتزكية النفس، الذين يمجدهما قطب هنا، من المفاهيم المخالفة للدين الإسلامي، ولصريح الآيات القرآنية أيضاً، كما في الآية القرآنية: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]، والآية {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: (49)]، وقد خالف قطب المنهج الإسلامي كثيراً في كتابه هذا؛ حيث استبدل الرحمة بالإرهاب، واستبدل الأنسنة بالمواجهة مع البشرية كافة، واستبدل أيضاً الموعظة الحسنة بالسيف، والقنبلة، والسطوة، والقهر.
وكانت جريمة سيد قطب الكبرى هنا؛ أنّه قسّم المجتمعات البشرية إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا كفر فيه، ويقابله فسطاط كفر وجاهلية لا إيمان فيه. وهذه فكرة تدفع الكثير من بسطاء المسلمين وشبابهم الغرّ، للاعتقاد بأنّهم يمثّلون مجتمعاً من الملائكة والأبرار، وأنّه يتوجّب عليهم أن يشنّوا حرباً شعواء لقتل المعارضين والمخالفين، من مجتمع الشياطين الجاهلي المحيط.
وقد يقول قائل: إنّ سيد قطب لم يذكر مفردة التكفير في "معالم في الطريق "، لكنّ تقسيمه الراديكالي للمجتمع العالمي إلى فريقين، أورث اعتقاداً راسخاً عند حركات الإسلام السياسي، بأنّهم هم المؤمنون فقط، ومن خالفهم كافر وجبت محاربته وإقصاؤه، وإن لزم الأمر تصفيته جسدياً. 
الحاكمية في كتاب المعالم
وترد فكرة الحاكمية أيضاً، في كتاب المعالم، وهي فكرة خارجية، نسبة إلى الخوارج، ولم تستخدم في التاريخ الإسلامي إلّا منهم، حين قالوا لعلي بن أبي طالب: "لا حكم إلّا لله، يا علي"، ورفضها علي، رضي الله عنه، في وقتها، وردّ عليهم بقولته المشهورة "كلمة حقّ أُريد بها باطل". وقد استقى سيد قطب هذا المصطلح الخارجي من المفكر الهندي أبي الأعلى المودودي، واستقى أيضاً منه مصطلح "مجتمع الجاهلية"، الذي ذكرناه سابقاً، وهذه مفردات استخدمها المودودي لوصف المجتمعات الهندية غير المسلمة في بلاده.

كُتِبَ بالعربية، واحتوى آيات قرآنية، لكنّه أقرب لمؤلفات "تروتسكي" عن الثورة الدائمة والثورات المتعددة للوصول لمجتمع شيوعي عالمي

وقد يكون صحيحاً القول إنّ كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" لا يمت للإسلام بصلة، من حيث نشأة الفكرة والأساليب، والأهداف، والتصورات، رغم أنّه كتب بالعربية، واحتوى آيات قرآنية، لكنّه أقرب لمؤلفات "تروتسكي" عن الثورة الدائمة والثورات المتعددة للوصول لمجتمع شيوعي عالمي، أو هو أقرب، لكتاب "كفاحي" الذي ألفه أدولف هتلر عن النظريات النازية، وهو في السجن عام 1926، أو أقرب لأدبيات الفاشية الإيطالية التي أرادت مجتمعاً أحادي اللون، بثقافة ومعتقدات واحدة، ويمتاز بالاستعلاء والزهو تحت قيادة الزعيم موسوليني.

يمكننا أن نستنتج أنّ سيد قطب، وهو الذي تتلمذ وتشرَّب المذاهب الأدبية والفنية والأيدولوجية الأوروبية، حاول في كتابه "معالم في الطريق"، أن يخلق ظاهرة "الإسلاميزم" من معين غير إسلامي، وقد تكون غايته المشتهاة من ذلك المسعى، أن يصبح الدين الإسلامي أيدولوجية، شمولية، قسرية، تتحكّم بمفاصل الدولة، وتوجهاتها، وتحبس أنفاس الناس، وتدجّنهم، وتستأصل أيّ مخالف، أو معارض، تماماً كما فعلت الإيدولوجيات، النازية والفاشية والشيوعية، في أوروبا.

اقرأ المزيد...

الوسوم: