هل تعبر فلسفة اللاإنجاب عن نظرة تشاؤمية؟

هل تعبر فلسفة اللاإنجاب عن نظرة تشاؤمية؟
صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
5816
عدد القراءات

2019-12-10

"لم تكن لديه هموم كثيرة، كانت تكفيه هموم يومه، فأنجب هو هماً جديداً إلى العالم، فالمسؤولية هم، ألا يكفيني أن أكون مسؤولاً عن نفسي"؟

هكذا أطل الفنان عبد السلام النابلسي (1899-1968) على جمهوره من خلال برنامج نجوم على الأرض، في ستينيات القرن الماضي على شاشة التلفزيون المصري.
وحين سألته مذيعة البرنامج ليلى رستم أليست هذه أنانية؟ فقال "الأنانية هي الإنجاب لأعيش من خلال ابني، الحكيم منا يقول يكفي العالم هذا القدر من البشر".

المعري أشهر شاعر عربي نُسبت إليه فلسفة اللاإنجابية وهو صاحب العبارة الشهيرة "هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد"

أما الفنانة المصرية سناء جميل (1930-2002) ففاجأت جمهورها في التسعينيات بتصريحها حول القرار الذي كانت اتخذته بعدم الإنجاب منذ شبابها، وقد كان قراراً مشتركاً مع زوجها الصحافي والناقد لويس جريس (1928-2018)، بعد أن اعتقد جمهورها أنّها عاقر؛ "كنت أرفض أي عمل فني يتضمن كلمة لا ترضيني، فليس لدي مسؤوليات مادية ولا أولاد، فلا شيء عندي أخاف عليه سوى زوجي ومنزلي وهذا أمر يمكن تدبيره". 
كلمات الفنانين عن اللاإنجابية قد تكون أسرع انتشاراً بين جمهور عريض غير متبحر في هذه الفلسفة بالضرورة، أو قطاع من الجمهور يرى في اللاإنجابية دعوة مارقة مهرطقة، لهذا كانت أفكار عبد السلام النابلسي وسناء جميل غريبة على مسامع غالبية الجماهير التي تراءى لها أنّ اللاإنجابية أو (فلسفة رفض التناسل) Antinatalism  صيحة غريبة دخيلة على مجتمع محافظ، إلا أنّ فلسفة اللاإنجابية ليست صيحة مستحدثة بل فلسفة كاملة لها جذور تاريخية منذ الحضارة اليونانية.

بين المعري وشوبنهاور

أبو العلاء المعري (973-1058م) أشهر شاعر عربي نُسبت إليه فلسفة اللاإنجابية، ففي كلمات بسيطة وصف نفسه بـ"رهين المحبسين"؛ محبس البيت الذي لم يبرحه سوى للمسجد، ومحبس العمى الذي أصابه في الرابعة من عمره.
كان المعري من رواد النباتية تضامناً مع آلام الحيوان، وصُنف من فلاسفة التشاؤمية العرب، وهو صاحب العبارة الشهيرة "هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد"، وكان يقصد أنّ وجوده وآلامه لم تكن بيده، وإنما بيد من أتى به إلى الدنيا.

اقرأ أيضاً: نخاف الإنجاب في هذا المكان الآن.. سوريّات يخشين الأمومة
لم يتزوج المعري ورفض تخليد اسمه بالإنجاب، وتعد أفكاره نواة للفلسفة اللاإنجابية في التاريخ العربي، فيقول في قصائده "وإذا أردتم للبنين كرامة/ فالحزم أجمع تركهم في الأظهر" (اللزوميات 1/472) ويقول أيضاً "وألقاك فيها والداك فلا تضع/ بها ولـداً يلقى الشدائد والنكرا" (اللزوميات 1/397).

بنتار أعلن أنّ فلسفة رفض التناسل ليست نابعة من كراهيته للأطفال وإنما شفقة على ما قد ينتظرهم

في ذهنية كثير من البشر، اقترنت اللإنجابية بفلسفة التشاؤمية، قد يعزو البعض هذا الأمر إلى تبني الفيلسوف الألماني أرثر شوبنهاور (1788-1860) لفلسفة اللاإنجابية وقد لُقّب بفيلسوف التشاومية، وكانت حياته الشخصية وفي صغره قاسية، فانتحار والده وخلافه مع والدته فيما بعد أثر سلباً عليه في علاقته بالحياة و بالنساء.
وهنا يعترض الباحث المعاصر ووزير التعليم الفرنسي الأسبق لوك فيري Luc Ferry ليقول إنّ فلسفة شوبنهاور استندت للدراسة والتفكير المنهجي، ورؤيته لمعاناة العالم وليس لتجارب شخصية مأساوية.
اعتبر شوبنهاور أنّ الإرادة التي تدفع الإنسان للمثابرة هي إرادة الحياة، أو كما وصفها بالألمانية Wille Zum Leben وهي الدافع الذي يجعلنا نتمسك بالوجود ونقدم على التكاثر مهما كلفنا الأمر، فيقول في مقال بعنوان آلام العالم (1862) إنّ "البشرية لكان مصيرها الفناء لو لجأ البشر للمنطق وإعمال العقل والتفكر العميق بشأن الإنجاب، فالحكمة تقتضي تعاطف الإنسان مع الأجيال القادمة ليرحمها من عبء الوجود وآلامه"، فذهب إلى أنّ الإنجاب فعل قاسٍ يتم بدم بارد في حق المولود الذي لا حول له ولا قوة.

اقرأ أيضاً: "كفر ناحوم": توقفوا يا فقراء عن الإنجاب!
وحتى وإنّ اختلف البعض مع لوك فيري في قوله إنّ فلسفة شوبنهاور لم تتأثر بمأساته وآلامه الشخصية وحدها، وحتى وإن اختلف البعض الآخر في أنّ فلسفة أبي العلاء المعري لم تكن نابعة من مأساته الشخصية وحدها، فالقراءة المتأنية -بالرغم من هذه الآراء- تجعلنا نتساءل هل فعلاً اقترنت فلسفة اللانجابية بالنظرة التشاؤمية؟
رفض التناسل كفلسفة أخلاقية تفاؤلية
الأمر المثير للانتباه في دراسة فلسفة شوبنهاور، أنّ تأثره كان واضحاً بـبوذا الذي عانى بسبب الألم والبؤس في العالم، إلا أنّ بوذا لم يوصف بالتشاؤم، وإنما اقترنت فلسفته بالخلاص.
يُنظر لفلسفة بوذا كفلسفة أخلاقية في معناها الشامل، بل تُنسب له ولأتباعه القدرة على خلق سلام نفسي وسلام مع العالم المحيط، بالرغم أن حكمة بوذا تمحورت كثيراً حول رفض التناسل، فيرى بوذا أن "كثيراً من الألم يصنعه الإنسان لغيره حين يتكاثر، فهكذا يصنع الموت والعجز الذي هو مصير الإنسان " (روح البوذية The spirit of Buddhism  - 1929- هاري سينج جور).

فلسفة اللاإنجابية قد يتبناها من يعاني أزمات مادية أو أناس ظروفهم المادية ليست بائسة بالضرورة

بالرغم من ذلك لم تكن فلسفة بوذا سوداوية، بل كانت منبعاً لفلسفة التفاؤل، وأسّست لما يعرف بقوة الطاقة الإيجابية في العصر الراهن، فتراءى لبوذا أنّ العقل الإيجابي يجد الفرصة السانحة في كل عقبة وهي فلسفة تتنافى مع التشاؤمية.
أما ديفيد بنتار  David Bantar الجنوب أفريقي (المولود العام 1966) وهو من أشهر فلاسفة اللاإنجابية المعاصرين والمتهم كثيراً بالتشاؤمية على غرار شوبنهاور، فلا يدافع عن نفسه ضد اتهامات التشاؤم، وإنما يعلن أنّ فلسفة رفض التناسل ليست نابعة من كراهيته للأطفال وإنما شفقة على ما قد يواجهونه في المستقبل، خاصة هؤلاء الذين يولدون في ظروف عسيرة من الفقر والمرض، ويعتبر أنّ الواقعية ليست تشاؤماً، وإنّما يرى أنّ التفاؤل المفرط انفصال عن الواقع كما ورد في كتابه Better Never to: have been born: The Harm of coming into Existence  "الأفضل ألا نولد: الضرر الكامن في المجيء إلى الوجود".

اقرأ أيضاً: الإنجاب هو الحل..ما رأي الإسلاميين؟
ويقول Bantar "لن يغير كتابي رأي الناس فهذه منهجيتي الفلسفية"؛ أي إنّه لا يتبنى الدعوة الممنهجة إلى رفض التناسل، كما أنّه يقول إنّ الطيبين الذين ينجبون هم من يسعون لدرء الأذى وحماية أبنائهم من المعاناة؛ أي إنّه لم يتبنَّ وجهة نظر عدائية لمن ينجب بالرغم من نظرته الحاسمة، بل والحادة في طرح فلسفة اللاإنجابية بشكل عام، بل إنّه بالرغم من تأكيده على آلام البشرية وما فيها من مجاعات وأمراض وحروب، إلا أنّه لا يروج ولا يتبنى لفكرة الخلاص بالانتحار.
في فلسفةBantar  إنّ غياب البشر عن الأرض ليس أمراً سيئاً على الإطلاق، لكن في ذات الوقت يؤكد رفضه لتحجيم البشر أو قتلهم، ويضيف: يمكن لشخص أن يحزن لكونه لا أطفال له، ولكن ليس لأنّ الأطفال الذين كان يمكـنه أن ينجبهم تم حرمانهم من الوجود، الندم على عدم الإنجاب هو ندم لأنفسنا، هو حزن على ضياع تجربة حمل الأطفال وتربيتهم، لكننا من ناحية أخرى نندم إذا جـئنا للوجود بطفل حياته تعـيسة.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة يشجع إقليم صيني على إنجاب الأطفال
الموضوعية هنا لا تقودنا لدرء التشاؤمية عن (رفضة التناسل) خاصة في رؤيتهم لمعاناة البشرية، ولكن تقودنا إلى الأخذ في الاعتبار أنّ رفض التناسل ليست بالضرورة فلسفة تشاؤمية، كما أنّ فلسفة التشاؤمية ذاتها مختلف عليها وغالباً ما تُعد نظرة واقعية يراها المتفائلون نمطاً من أنماط التشاؤم، بل يرى كثير من رافضي التناسل أنّ انحسار الإنجاب يقود العالم إلى مستقبل أفضل يقل فيه ضحايا المرض والمجاعات، ويرون أنّ تبنّي طفل بلا مأوى، أو ولد في ظروف قاسية هو فعل أخلاقي. 

يتعرض كثير ممن يعبرون عن تبنيهم فلسفة اللاإنجابية من العرب لحملات وصم مجتمعية

ومن بين أشهر هؤلاء، أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة كاليفورنيا تينا رولي Tina Rulli التي أسست لضرورة التبني كفعل أخلاقي في كتابها The Ethics of Procreation and Adoption (أخلاقيات الإنجاب و التبني).
أما الفيلسوف البلجيكي المعاصر Théophile de Giraud  تيوفيل دي جيرو، مؤلف كتاب De l'Impertinence de procréer, أو (قصور في مسألة الإنجاب)، فهو يعتمد على أسلوب ساخر في تناوله كثيراً للقضية، ويروج الضرورة الأخلاقية للتبني من أجل عالم أفضل، ويُلقب بنجم اللاإنجابية popstar of Antinatalism بسبب مظهره الأشبه بنجوم الغناء.
مثلت فلسفة رولي ودي جيرو أفكاراً رائجة انتشرت بين الجماهير خاصة في حركة رفض التناسل المعاصرة في الهند الداعية للتبني، بدلاً من خلق الحياة بالإنجاب، وهنا يتبادر سؤال ضروري للأذهان؛ ألا تُعد هذه فلسفة تفاؤلية لا تشاؤمية، فمن يسعى لتغيير حياة غيره للأفضل قد يكون  متفائلاً بقدرته على إحداث تغيير في ظروف عسيرة، حتى لو كان لاإنجابياً برغم قدرته على الإنجاب فسيولوجياً ومادياً؛ أي إنّ رفضه التناسل في هذه الحالة يسعون لأنسنة اللاإنجابية؛ أي إضفاء طابع إنساني غير عدواني على الفلسفة التي يتبنونها. 
لاإنجابية بدون تفلسف
رفض التناسل ليس فكرة يحتكرها الفلاسفة الدارسون وحدهم، بل انتشرت بين جموع من الجماهير غير المتبحرة في الفلسفة، أو بين جمهور اطلع على فلسفة اللاإنجابية بعدما اتخذ قراراً شخصياً بعدم الإنجاب بدون تبني التبشير للفكرة.
فلسفة اللاإنجابية قد يتبناها من يعاني أزمات مادية، أو أناس ظروفهم المادية ليست بائسة بالضرورة، بل يعتبر بعض اللاإنجابيين أنّ الإنجاب مسؤولية فوق احتمالهم أو يعدون الإنجاب شيئاً مناسباً لغيرهم ولكنه ليس مناسباً لهم.

اقرأ أيضاً: المرأة كما تصوّرها حسن البنا: مكانها المنزل ووظيفتها الإنجاب
كما أنّ كثيراً من اللاإنجابيين غير كارهين للحياة، ولا يصارعون الاكتئاب المزمن ولا راغبون في الخلاص بالانتحار، ولا معادون لفكرة الرومانسية والحب والزواج، ولهذا ظهر مصطلح جماهيري في الولايات المتحدة تحت شعار (اللاإنجابية الودودة Friendly Antinatalism )؛ أي فلسفة لاإنجابية غير معادية لمن لا يتبنى الفلسفة، وهؤلاء اللاإنجابيون الودودون يتعرضون أنفسهم للوصم الاجتماعي لمجرد أنهم يعلنون عن عدم رغبتهم في الإنجاب، ويرفضون ما يُعرف باسم فطرة التكاثر وفطرة الأمومة والأبوة.
اللاإنجابيون العرب والوصمة الاجتماعية
المرض النفسي ليس وصمة اجتماعية، لكن عادة يُتهم من يسير في اتجاه معاكس للجموع بالمعاناة من المرض النفسي، هذا قد يحدث في مجتمعات ترى في الاختلاف جموحاً (من دون تعميم)، بل يتبنى الإعلام والخطاب الديني والاجتماعي في عديد من الحالات توجهاً ممنهجاً لوصف صاحب الرأي المختلف بالمريض النفسي، وفي هذا الصدد تُعد فلسفة رفض التناسل في المجتمعات التي تتبنى موروثاً دينياً قائماً على التكاثر، شكل من أشكال المرض النفسي خاصة إن تبنته امرأة ترى أنّ الأمومة دور اجتماعي وقرار عاقل يغلب على الفطرة، فعادة يتم التشكيك في أنوثتها وليس فقط في سلامتها العقلية.
في هذا الصدد يتعرض كثير ممن يعبرون عن تبنيهم فلسفة اللاإنجابية من العرب، خاصة المسلمون منهم، لحملات وصم مجتمعية، واللافت للانتباه أنّ المنددين بظاهرة رفض التناسل لأسباب شرعية حسب كلامهم،  لا يبذلون نفس مجهود التنديد تجاه ظاهرة الإنجاب بدون حساب في مجتمعات ينهشها الفقر والعوز والمرض بل والحروب أحياناً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حول تصدع كتلة أردوغان ودفاتر أوغلو المفخخة

2020-01-23

ما الذي يحدث تماماً في تركيا..؟

أردوغان يحارب في كل مكان خارج تركيا، فيما يحاربه كثيرون داخل تركيا، ذهب إلى سوريا وحارب في العراق بلا جنود، ووصل إلى تخوم ليبيا، محاولاً استعادة مجد غزوات الأجداد وفتوحاتهم، يهرول خارج الجغرافيا التركية، ويمشي ببطء داخلها حيث فشل في سياسة "تصفير مشاكل تركيا" بل العكس تماماً هو ما حدث، عمل على تأزيم المشاهد المحلية والإقليمية بتدخلات مبررة فقط داخل نصف عقل "العدالة والتنمية"، فيما النصف الآخر يتوجس خيفة من هذه السياسات التي تذهب إلى مجهول شرس.

أردوغان يحارب في كل مكان خارج تركيا، فيما يحاربه كثيرون داخلها، ذهب لسوريا وحارب بالعراق بلا جنود، ووصل لتخوم ليبيا

ربما استطاع أردوغان تجاوز مسألة المقدس الديني، بأن أعلن منذ البداية عن تركيا علمانية، كان الإعلان رسالة تطمين للخصوم الداخليين والخارجيين، لم يمارس القمع وفق اعتبارات وتصورات دينية، لكنه مارسه وفق اعتبارات سلطوية بحتة، فتحول إلى رجل يحاول أن يتماسك سلطوياً عبر آلة القمع وتحييد الخصوم والمعارضين وإلقاء التهم لهم لاغتيالهم سياسياً، لكنه ومع ذلك لم ينجح في تحييدهم، بل نجح في صناعة خصوم استراتيجيين من رحم دائرته الضيقة التي كانت تجمع الأصدقاء.

يمثل أحمد داوود أوغلو حالة حرجة، بوصفه كان عقل أردوغان الاستراتيجي، ولأنه كذلك من الصعب جداً أن يمارس عليه القمع، وأن تجدي معه سياسة الدسائس والتآمر، فهو رجل عرف كيف يكون سياسياً محنكاً، حتى عندما هدد بفتح "دفاتر الإرهاب" وسجلات الفساد، وجه إليه أردوغان تهديداً موازياً عنوانه "ستدفع الثمن"، والسؤال الأكثر أهمية من الثمن الذي سيدفعه أوغلو، هو سؤال "الدفاتر" تلك، ما الذي يمكن أن تكشفه ..؟

اقرأ أيضاً: تركيا.. حين يُصنع التاريخ زوراً

من الصعب جداً تصديق أنّ تركيا وأردوغان لم يكن يعلم حقيقة تنظيم "داعش"، وأنّه صنيعة الأجهزة المخابراتية الإيرانية بالتنسيق والدعم من دول أخرى، ومع ذلك حقق نسبة تعاملات مع "داعش" بإمكانها أن تؤشر إلى أولى صفحات دفاتر دعم الإرهاب.

الحديث ليس عن داوود أوغلو، ولا عن أردوغان فقط، بل عن تركيا التي تعيش حالة حرجة تكاد تعصف بكل المنجز الاقتصادي الضخم الذي تحقق، ويعود الفضل في جزء منه لأردوغان، لقد كان ناجحاً جداً في العمل داخل تركيا، ولكن قبل أن يتورط في قناعات متفجرة مثل القناعة بالمقدس السياسي، وأنّ سلطته المقدسة تبيح له أن يمارس أية أعمال وأن يناوئ من يشاء ويعزل من يشاء ويتهم من يشاء ويهدد من يشاء مقابل أن يبقى على رأس هرم السلطة.

اقرأ أيضاً: ما قصة مسلسل "بابل" الذي فتحت تركيا التحقيق فيه؟

يتعامل أردوغان مع السلطة السياسية بوصفها حالة مقدسة بما أنّه على رأسها، لا يجوز لأحد أن ينتقدها ولا أن يعاديها ولا أن يخاصمها ولا أن ينافسها، ومن هذا التوصيف يخرج أردوغان بتصريح يكشف عن حجم القداسة التي أشبع بها أردوغان نفسه وحزبه حين قال: "من يخرج من حزب العدالة والتنمية فهو حتماً ذاهب إلى مزبلة التاريخ"، الفكرة هذه ذات فكرة "المؤمنون والكافرون"، وذات فكرة "إن لم تكن معي فأنت عدوي"، إنّها صناعة الأعداء والخصوم، وصناعة بمداخن أيضاً، حيث أزكم دخانها أنوف الكثيرين ممن خرجوا من جدران هذا المصنع الممتلئ بالدخان لكي يكتشفوا، على الأقل، إلى أين هم ذاهبون، وأزعم أنّ كثيراً من الذين يمكثون مع أردوغان داخل مصنعه لا يعلمون إلى أين هم ذاهبون. إلى حرب هنا وهناك أم إلى تراجع اقتصادي خطير يحطم الآمال التي حشرها أردوغان في وجدان الأتراك وأحلامهم، أم إلى أين..؟

اقرأ أيضاً: "التويتريون" العرب في مواجهة تركيا

تصدع الكتلة السياسية التي يمثلها أردوغان، والانشقاقات التي حدثت وتحدث داخل حزبه، ليست هي المعضلة الوحيدة التي يواجهها، بل يواجه أيضاً معضلة "الشرق الأوسط"، إنّه الورطة التركية في مستنقع الدم، قد تكون عدوى الطموح وتنافس المصالح بين تركيا وإيران من جانب والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من جانب آخر، لكن ما هو الطموح التركي في ليبيا، وما هو العائد المربح لتركيا من أزمات العراق وسوريا، الغاز أم البترول أم المشروع التوسعي الموازي للمشروع التوسعي الإيراني..؟، كل ما سبق لا يبرر ولا يعد ثمناً معقولاً للدم والإرهاب.

يتعامل أردوغان مع السلطة السياسية بوصفها حالة مقدسة بما أنّه على رأسها لا يجوز لأحد أن ينتقدها ولا أن يعاديها

وجود تركيا في ليبيا لن يمنع الأزمة، ولن يوقف الدم، كما أنّه لم يحفظ دم السوريين، ولم يحل الأزمة، لقد أخذت الأزمة السورية مداها الطبيعي، ومرت في سياقاتها المبرمجة، وصولاً إلى الحالة التي هي عليها اليوم، سواء أكانت تركيا أم لم تكن.

لا بأس أن نعود مجدداً لـ "أحمد داوود أوغلو"، فهذا الرجل يفسر حالة الصعود لأردوغان وحالة التراجع على حد سواء، ففي عام 2013 قال بأنّ تركيا بصدد انتهاج سياسة خارجية جديدة قائمة على مبدأ "صفر مشاكل"، عبر بوابة العلاقات الجديدة مع الجيران والمجتمع الدولي، ووفق ستة أسس محددة هي ستة مبادئ هي "التوازن في معادلة الأمن والحريات، صفر مشاكل مع دول الجوار، سياسة خارجية متعددة الأبعاد، سياسة إقليمية استباقية ونشطة، أسلوب دبلوماسي جديد ودبلوماسية إيقاعية". ظلت هذه الأسس حاضرة في السياسة التركية إلى أن غادر أوغلو منصبه بحكم "الضرورة" كما قال، لكنها مع صعود أردوغان عام 2014 تراجع كل ذلك، أما الآن فقد تحطمت هذه الأسس على صخرة الطمع السياسي المصحوب بحالة القداسة السياسية التي يعيشها أردوغان.

للمشاركة:

مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2020-01-23

تتفقُ المعاجم العربية على أنّ السرّ، "هو كل ما نكتمه ونخفيه"، ولكن ما لم تُشِر إليه المعاجم، أنه لا بدّ من اجتماع عاملَي الخوف وعدم الثقة كي يتواجد السرّ؛ فمنذ البداية يحمل السرّ طابعاً مأزقياً لمن يبوح به ولمن يحمله؛ فهناك شيءٌ خطير يجب ألّا يعرفه أحدٌ، وكتمان السر، بحسب الدراسات النفسية الحديثة، ينشّط المراكز العصبية الحسيّة الحركيّة الخاصة بالجهد البدني ويحفّزه، لذا فمشاعر القلق والخوف والكبت الناجمة عن هذا الكتمان، تتسبب بأعراضٍ كثيرة يعاني منها الفرد؛ كالتعب والإرهاق وضيق النفس وعدم انتظام دقات القلب والتوتر العام، والتي يصطلح الطب العام على تسميتها بالأمراض (النفس جسميّة)، ولكن هل حقاً الأسرار بهذه الخطورة؟

الرقابة المتطرفة التي يمارسها المجتمع على الفرد تضعه تحت التهديد المباشر وتدفعه إلى الاغتراب عن ذاته وفي ذاته

قد لا يبدو السرّ خطِراً ما لم نعترف بالرغبة المُلحّة في نبشه ومعرفته؛ فالجاذبية التي تغلّف الأسرار، تتناسب طرداً مع حجم الإغراء المتولّد عنها، لذا يصبح كتمانها أصعب كلما ازدادت خطورتها، وهذه الصعوبة تتأتّى من التهديد المباشر الذي يمكن أن تحمله الأسرار، خاصة في المجتمعات المغلقة؛ فالحظوة التي ينالها السرّ في مجتمعاتنا، والمبالغة بشأن أهميته، تكشف بنية وعيها التي تقوم على (ما خفي كان أعظم)، وهذا ما قد يفسر جزءاً من غياب الوضوح والشفافية عن علاقاتنا، وعدم إمكانية الانفتاح على الآخر وقبوله؛ فالرقابة المتطرفة التي يمارسها المجتمع على الفرد، والتي تضعه تحت التهديد المباشر، من شأنها دفعه إلى الاغتراب عن ذاته وفي ذاته؛ حيث تتهيأ سيكولوجيا الفرد لقبول وإنتاج العنف والتطرّف.

اقرأ أيضاً: ماذا ستطلب لو التقيت بجنيّة الأمنيات؟

ويمكن لتقصّي الأسرار في عالم الأطفال، أن يكشف بوضوح عن المفاعيل التي ينتجها السرّ وكتمانه؛ إذ إنّ مجموع التابوهات النشطة، التي ترافق الأسرار، تلقي على الطفل تبعات الكبار، فنحن نساهم من حيث لا ندري بقذف أطفالنا خارج طفولتهم؛ حيث تُشكّل لهم هذه التبعات، التي لا يستطيعون تحملّها، مصدر قلقٍ وخوف دائمين، وهذا بالضبط ما تمكّن الكاتب "بيدرو بابلو ساكريستان" أن يقصّه علينا عبر قصته "هرباً من الأسرار".

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟

"في بلد المفاجآت، كان الصغار والكبار دائماً يحضّرون المفاجآت بحماسٍ لليوم الكبير، وحين تنكشف المفاجآت، يملأ الجميع فرحٌ غامرٌ، ولكن على الضفة المجاورة للقرية، كان سيّد الصمت يشعر بالغيرة من سعادتهم، فقرر أن يقوّض هذه السعادة باستخدام أسوأ أسلحته (الأسرار)، والأسرار ـــ كما يروي الكاتب ـــ شديدة الشبه بالمفاجآت، ولكنها تكره الأعياد والأفراح، كما تكره الخروج من مخابئها، تتنقل متخفيّة، وتتسلل إلى القلوب مستخدمة أفضل حيلها (الخوف)، لتجعلنا نعتقد بحدوث أمورٍ رهيبةٍ إذا انكشفت.

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا
تمكنت أشباح سيد الصمت من ملئ القرية بالأسرار، وحين لم يبقَ طفلٌ إلا وقبض على قلبه سرٌّ، جفّت المفاجآت، ولكنّ لورا الطفلة الصغيرة التي شعرت بأنّ قلبها الصغير أخذ يضمر ويزداد حزناً، قررت أن تتغلب على خوفها الذي لم تعد تحتمله، فباحت لأمها بالسرّ علّها تساعدها، طار السرّ إلى قلب الأم وبمجرد ملامسته لقلبها، انفجر السرّ إلى ألف قطعة محرراً الطفلة، وحذا بقيّة الأطفال حذوها، فتشظّت أسرارهم وتحرروا من الخوف، وأرغموا زارعي الأسرار على الهرب إلى مملكتهم المظلمة".

إنّ الأنظمة والعقائد المتفسخة التي تحكمنا هي من حوّلت الوضوح إلى أسرار وأجبرت المجتمع على التنازل عن النور

هذه القصة التي تحمل بين تضاعيفها بعداً تربوياً يشجع الأطفال على البوح لذويهم بأسرارهم، قوبلت بسخرية مبطنة حين قرأتها لأطفال بعمر 13 عاماً، كما فجّرت نكاتاً مؤلمة فيما بينهم؛ "إذا حذوت حذو لورا فليس سرّي من سينفجر إلى ألف قطعة، بل أنا من سيحولني أهلي إلى ألف قطعة"، "إذا حذوت حذو لورا فسوف تجدون مقعدي فارغاً في الدرس القادم"، "إذا حذوت حذو لورا فإنّ الأغصان اليابسة ستمنح جسدي الاحمرار بدل احمرار المدفأة"، "إذا حذوت حذو لورا سأحلّ بديلاً عن ممسحة المنزل"، المؤلم في هذه النكات أنّها واقعيّة، تعكس عدم الثقة المتبادل في أغلب أسرنا، فبدل أن تكون الأسرة ملاذاً نفسياً آمناً للطفل، فإنّها تلعب دوراً سلبياً يقوّض الدعامات التربوية، ويساهم في جرّ الطفل إلى انحرافٍ ما.

اقرأ أيضاً: الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات

تفعل الأسرار فعلها دائماً؛ إنّها تقبض على القلوب الصغيرة وتعيق تفتّحها، فالخوف الذي تؤصّله فيها، يجعل من الظلمة مستقبلاً إجبارياً لهم، ويجعل الخفاء مسرح الوقائع، وكل ما سيدور في هذا الخفاء، يترك بصمات العنف وراءه، هناك سيلعب تراجع التحصيل العلمي والإخفاق والتنمّر والانتحار والتحرّش الجنسي، الأدوار الرئيسة، وسيشكّل المسكوت عنه الجانب الأقوى في مجتمعاتنا، ففي ظلّه وتحت مسميات شتى، ستحدث الكثير من الجرائم، وسيفلت الجُناة الحقيقيون من العقوبة دائماً، مجتمع الأسرار ماءٌ آسن، يسمح لجميع الطفيليات والعوالق والطغاة بالنمو والازدهار.

الصيحات التي ضجّت بها مجتمعاتنا وخرجت على المسكوت عنه هي لورا التي لم تعد تحتمل الخوف وما يجرّه

إنّ الأنظمة والعقائد المتفسخة التي تحكمنا، هي من حوّلت الوضوح إلى أسرار، لقد أجبرت المجتمع على التنازل عن النور، بينما بذرت في ظلمته الخوف والفقر والمرض؛ فالأطفال الذين تهكّموا على قصة "هرباً من الأسرار"، ونكاتهم التي عبّرت عن توقعاتهم بردود أفعال ذويهم على أسرارهم، تتقاطع مع ما كان ينتظر حناجر المحتجّين في مجتمعاتنا، فجذور التسلّط متشابهة، وإن اختلفت فهي تغذي الخوف عينه دائماً، نعم هناك حناجرٌ قُطعت، وجلودٌ سُلخت، ولكنّ هناك رغبة عارمة بالبوح، لم تسمح للعتمة أن تحجب عنها الضوء، فالصيحات التي ضجّت بها مجتمعاتنا وخرجت على المسكوت عنه، هي "لورا" التي لم تعد تحتمل الخوف وما يجرّه، ومع أنّ هذه الصيحات لم تجد كـ"لورا" قلباً يفجّر أسرارها إلى ألف قطعة، لكنّ هذا لم يجفف صوتها.      

إذا كان السرّ هو المرادف الفعلي للتكتم والإخفاء، فإنّ الوضوح الذي يقف على نقيضه، هو الدرس الأول في تلقّي الحياة؛ فالشجاعة والثقة اللتان تسفران عنه، هما السمتان الأبرز في بناء الشخصية المستقلّة، واللتان بدورهما تؤسسان للاختيار الحرّ، مما يجعل من أيّ تجربة إنسانية فضاءً مفتوحاً على الإمكان والوفرة، ومن المسؤولية الفردية شرطاً لازماً من شروط الحرية، وسيصبح الحق في التعبير فضاء الاختلاف الجامع، وعلى هذا الغصن سنتمكن للمرة الأولى من رؤية ثمار الاختلاف تزهر، ولن يقطع الخوف أنفاسنا ونحن نسير تجاه أنفسنا، وعندما نبلغ أنفسنا سنبلغ الحياة.

للمشاركة:

التبرع بالأعضاء: هل يصطدم بالشريعة؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
2020-01-22

حوّلتُ أسوأ يوم في حياتي إلى يوم سعادة ونجاة لأطفال آخرين وذويهم"، بهذه الكلمات واجه الأب المكلوم خبر وفاة ابنته ذات الستة أعوام بعد حادث أليم وقع في الـ11 من كانون الثاني (يناير) العام 2020، وعلى الفور وبدون تردد قرر الأب والأم معاً التبرع بأعضاء ابنتهما لأطفال آخرين، حيث تجلّت قيمة الحياة وسط آلام الفقدان.
الحادث الذي وقع في تكساس بالولايات المتحدة في مطلع العام سلب حياة الطفلة (ريفن غوف)، لكن إرادة الأم والأب تحولت إلى الرغبة في استمرار حياة ابنتهما بشكل مختلف، وهو أن تكون أعضاؤها نابضة حية في أجساد أطفال آخرين في أشد الاحتياج لبارقة أمل لهم ولذويهم.

تقبل هذا الفتح الطبي الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عالمنا العربي بتلك السهولة

لا يختلف موقف أسرة الطفلة الصغيرة (ريفن غوف) عن موقف الشاب المغربي (إسماعيل سلطان) الذي لم يتجاوز العشرين ربيعاً ويصارع السرطان منذ أربعة أعوام، هو أيضاً شعر بقيمة الحياة ومنحها للآخرين، بالرغم من آلام المرض وشبح الموت، فسجّل وصيته في المحكمة الابتدائية المدنية في بلاده بالتبرع بأعضائه السليمة من المرض لمن يحتاجها من بعده.
بالرغم أنّ هناك معايير طبية على تبرع مرضى السرطان بأعضائهم إلا أنّ لفتة إسماعيل سلطان كانت رغبة في منح الحياة لمن يعاني من أنين المرض الذي واجهه.
في كلتا الحالتين كان الإيثار والشعور بالآخر جزءاً من الإيمان الفطري الذي يفوق شكليات التدين؛ فالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة لأشخاص غير معلومين ولا صلة قرابة بينهم وبين المتوفى أياً كانت أصولهم العرقية أو عقائدهم، أصبح واحدة من أكبر اللافتات في الحراك الإنساني حول العالم، وكأنّه صرخة تمرد في وجه البشرية الممزقة بالحروب والنزاعات.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
لكن تقبل هذا الفتح الطبي، الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عقلنا الجمعي بتلك السهولة؛ إذ اصطدم بمعيقات مجتمعية انطلقت في مجملها من فتاوى متعجلة، كما أثبت شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي عندما أعلن تبرعه بقرنية عينه بعد وفاته، بعد أن استقرت معظم الهيئات الفقهية على رفض التحريم بالمطلق كما كان شائعاً.

ثورة نقل الأعضاء
عمليات وأبحاث نقل الأعضاء لها تاريخ مديد، ففي العام 1912، منحت لجنة نوبل جائزتها لعلوم الطب للجراج الفرنسي أليكسي كاريل (1873- (1944)، الذي هاجر من بلاده إلى كندا في مقتبل حياته ليعمل في الزراعة وتربية الماشية اعتقاداً منه أنّه لا يصلح طبيباً، قبل أن تأخذ حياته منعطفاً جديداً ويعود لممارسة الطب بعدما تم تعيينه العام 1906 في معهد حديث العهد حينها ألا وهو معهد روكفلر للأبحاث الطبية في نيويورك.

أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء جاءت على لسان الشيخ الشعراوي في الثمانينيات

ومن خلال عمله هناك طوّر (كاريل) أساليب علاجية لخياطة الأوعية الدموية وجراحة الصدر ونقل الأنسجة، وكذلك قام بعمليات تجريبية لنقل الأعضاء على الكلاب بما فيها عملية نقل الكلى، فكان بذلك أول من اكتشف مشكلة طرد الأجسام الغريبة والتي ُتعرف طبياً بـ "رفض الطعم" Transplant Rejection، وهكذا فتح مجالاً لدراسات بحثية تضمن تثبيت العضو المنقول، واشتهر (كاريل) بلقب "رائد جراحات نقل الأعضاء".
تطور علم نقل وزراعة الأعضاء منذ ذلك الحين بالرغم من الاعتراضات المجتمعية وبعض الآراء الدينية الكاثوليكية على أبحاث كاريل في مطلع القرن العشرين والتي تراءى لها أنّ الحفاظ على الجسد كاملاً من متطلبات البعث من جديد.
لكن العلم والتطور الطبي والتشريعات المدنية استطاعت هزيمة أي آراء أو قيود من هذا النوع تعرقل العمل على منفعة البشر على الأرض، وأصبحت الشروط والمعايير التي تحيط بأبحاث نقل الأعضاء هي معايير مهنية وطبية وإنسانية، يعاقب من يخالفها بحكم القانون، خاصة فيما يخص الاتجار بالأعضاء والتلاعب بحياة البشر واستغلال الفقر الذي يوعز للبعض بيع أعضائهم، وتربص المتاجرين بالفقراء.

اقرأ أيضاً: مؤشر الفتاوى: استراتيجيات الإخوان تقترب من الجماعات المتطرفة
وتفيد البيانات الدولية أنّ هذا الاتجار يزداد في ظرفين أساسيين:
الأول: في خضم الحروب والنزاعات، فيصبح اللاجئون فريسة للاتجار بالبشر وأعضائهم، وهو الأمر الذي رصدته المنظمات الحقوقية العربية والأجنبية على حد سواء في مخيمات الحرب في سوريا، وأصدرت الأمم المتحدة تقريراً يفيد بهذا الوضع الماسأوي في العام 2017. ولعل هذه المأساة هي التي دفعت عدداً من اللاجئين السوريين الناجين إلى التبرع بأعضائهم بعد الوفاة كما فعلت الأم (ميديا محمود) بعد وصولها لاجئة إلى ألمانيا.
الثاني: عدم وجود قوانين تسمح بنقل الأعضاء ما يفتح مجالاً أوسع للسوق السوداء والاتجار الذي يستغل حاجة البشر سواء المتبرعين أو المتبرع لهم، وغالباً ما تتعثر التشريعات المُنظمة لنقل الأعضاء بسبب الفتاوى الشرعية في بعض البلدان.
ذريعة تحريم نقل الأعضاء
"طالما لا تملك ذاتك فلا حق لك التصرف فيها"، هكذا كانت أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء في ثمانينيات القرن الماضي، على لسان الشيخ المصري محمد متولي الشعراوي (1911-1998) وهي الفتوى التي انتشرت بين الجماهير بكافة أطيافهم كالنار في الهشيم حينها وظلت مسيطرة على الوعي الجمعي لعدة أعوام لاحقة.

استند عدد لا بأس من المُحرّمين إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر

أما تعقيباً على كلمة "التصرف" فيؤكد الشيخ الشعراوي أنّه يقصد البيع أو الهبة بلا مقابل سواء في حياة المتبرع أو بعد وفاته، والفتوى تذرعت بتأويل "المُلك لله"، وأنّه فليس من حق الإنسان أن يهب ما لا يملكه؛ لأنّ الله يسترد وديعته.
وكان الشيخ الشعراوي أطلق هذه الفتوى على شاشة التلفزيون المصري الرسمي من خلال برنامج (من الألف إلى الياء) الذي كان يقدمه الإعلامي الراحل طارق حبيب، وحينها لم يطلب فتوى بخصوص الاتجار بالأعضاء من خلال البيع، بل كان السؤال عن الهبة والتبرع، فلم تكن فكرة تحليل البيع مطروحة أصلاً، إلا أنّ إقحام تعبير "تحريم البيع" مثّل مدخلاً نفسياً للشحن الضدي ضد الفكرة من أساسها، فانتقى الشيخ الشعراوي مفردات حولّت قضية التبرع - من خلال الهبة من إنسان لإنسان بدون بيع ولا اتجار- إلى خطاب استعداء على ملكية الله تعالى المالكة لجسد الإنسان ليجد المتبرع والمتبرع له في موقف المعصية.

اقرأ أيضاً: مطالبة آبل بحذف تطبيق يحوي فتاوى للقرضاوي تروّج للتطرف والكراهية
ظلت هذه الفتوى حاضرة لأعوام، واستند عدد لا بأس من المُحرّمين، بمن فيهم الشعراوي، إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر فيقول: "يَحْرُم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يُدْفَن شعره وظُفُره وسائر أجزائه" (المجموع شرح المهذب، في الفروع للنووي ج3، ص149، شرح مسلم ج14، ص103)
إلا أنّ تلك الفتوى بالتحريم في حد ذاتها لم تكن العقبة الوحيدة على المستوى التشريعي؛ فالإشكالية الأكبر كانت وماتزال، حضور المسألة الفقهية في ذهنية المشرعين المدنيين، بل وفي عقل بعض الأطباء الذين اعتمروا عمامة الفقيه دون علم. وهذه الظاهرة ليست حكراً على مسألة نقل الأعضاء وإنما كذلك ظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث، فنجد طبيباً (أحمد الطحاوي) وعضواً بمجلس النواب المصري يطلب الرأي الشرعي في ختان الإناث (العام 2016) بعد تجريمه قانوناً وتحريمه من الأزهر بحوالي ثمانية أعوام في العام 2008.
الفتاوى وتشريع نقل الأعضاء
علمياً، ثمة تصنيفات متعددة لعمليات نقل الأعضاء، حيث تطورت تلك العمليات تطوراً مذهلاً منذ زراعة القرنية العام 1905 حتى زراعة الوجه كاملاً العام 2010 ولازالت تتطور عاماً بعد عام، وتم إدراجها في عدة تصنيفات ومن بينها: أعضاء مُتبرع بها من أحياء مثل عمليات نقل الكلى وجزء من الكبد أو جزء من الأمعاء وتعرف علمياً بـsplit Transplant (زراعة الأعضاء بالتقسيم)؛ أي تقسيمها بين المتبرع والمتبرع له الأحياء، وأخرى بعد الوفاة (مثل القلب والبنكرياس والمعدة).

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
وقد تطورت الفتاوى الدينية، على مدار العقود الماضية، من حالة رفض نقل الأعضاء إلى الإجازة خاصة في حالات نقل العضو من متبرع حي لآخر حي، بالرغم من اعتراض عدد محدود من المشايخ على الأمر برمّته بحجة عدم امتلاك الإنسان لجسده على غرار فتوى الشعراوي.
كما يمكن نقل العضو من المتوفى سواء سريرياً أو المتوفى بفعل هبوط الدورة الدموية حسب المعايير المهنية والطبية، وهنا تتجلى أزمة الفتاوى الدينية في الوقت الراهن في معظم البلاد العربية؛ حيث تتمحور حول نقل الأعضاء من المتوفى إلى الحي؛ حيث ُيعد الأمر جائزاً لكن في ضوء التعريف الفقهي للموت، وقد يختلف هذا التعريف مع التعريف الطبي، هنا يذهب بعض الفقهاء أنّ الموت يصبح معترفاً به في حالة توقف التنفس، فلا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يعرف بموت جذع المخ؛ لأنّه لا يعد موتاً شرعاً، لبقاء بعض أجهزة الجسم حية.
في هذه الحالة، نجد أنّ الفتوى تدخلت في العمل الطبي ومهنيته وتمسكت برأي فقهي غير دارس للطب، أو استعانت برأي طبيب يضع العلم الفقهي قبل التشريحي والطبي، وهي مثال على الحالات التي تعرقل البحث العلمي في مجمله.
حراك التبرع بالأعضاء
بالرغم من ذلك، هناك حالة حراك طبي في العالم العربي يسعى لتطوير مثل هذه الأبحاث وتقنين العمليات بالفعل وتقليل الحصار حول إجرائها بما لا يمتهن كرامة الإنسان ولا يعرضه للاتجار، وكل تلك المساعي تتم بالرغم من بعض الأزمات التشريعية والشرعية والجمود الذي لا يتناسب مع التطور العلمي الهائل.

ظاهرة التحريم لم تقتصر على نقل الأعضاء فظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث

وربما ما يلفت الانتباه أكثر، هو ذلك الحراك المجتمعي (غير المنظم حكومياً) والذي يتبنى قضية التوعية بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة.
تجلّى هذا الحراك من خلال التدوينات، ثم تتطور إلى تسجيل بعض الأشخاص لوصية موثقة بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة في بلدانهم، مما يُعد بمثابة حركة تنويرية تسعى للتمرد على الأفكار المجتمعية الرافضة أو على بعض الأصوات المتشددة التي تعد جسد الإنسان غير مملوك له.
هذا الحراك انطلق من خلال أشخاص طوّعوا إيمانهم وتدينهم لخدمة الغرض الإنساني، واعتبروا أنّ التبرع يقع في إطار فلسفة من أحيا نفساً كمن أحيا الناس جميعاً، وبالرغم من الاختلافات العقائدية للراغبين في التبرع، يبقى الإيثار وتعاطفهم مع المريض إنسانياً هو ما جمع بينهم مما يعد مؤشراً لتغير الذهنية والثقافة العامة.

للمشاركة:



هل يتحوّل فيروس "كورونا" الجديد إلى وباء عالمي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

أكّد التلفزيون الصيني، اليوم، ارتفاع عدد حالات الإصابة بفيروس "كورونا" الجديد إلى 571 حالة.

وقررت بكين فرض الحجر الصحي على مدينة هوانغانغ، لتعزل بذلك أكثر من 18 مليون مواطن، بهدف منع انتشار وباء كورونا المستجدّ الذي دفع السلطات حول العالم لاتخاذ تدابير وقائية طارئة.

وأعلنت بلدية هوانغانغ؛ أنّ حركة القطارات ستتوقف في المدينة، التي يقطنها  7.5 مليون نسمة، والواقعة على بعد 70 كيلومتراً نحو شرق ووهان، حتى إشعار آخر، وفق ما نقلت "فرانس برس".

الصين تعزل 18 مليون مواطن في مدينتين وتتخذ إجراءات احترازية لمنع انتقال فيروس كورونا الجديد

وعزلت السلطات الصينية أكثر من 11 مليون مواطن، الخميس، في مدينة ووهان، في محاولة وقف تفشي فيروس جديد قاتل أصاب المئات، وانتشر في مدن عدة، ودول أخرى، خلال عطلة السنة القمرية الجديدة، التي تشهد ازدحاماً في السفر داخل وخارج الصين.

وقامت فرق من الشرطة وقوات التدخل السريع والأمن بإغلاق محطة قطارات ووهان، حيث سمح للركاب الذين يحملون تذاكر سفر فقط بدخول المحطة.

وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت الصين سدت القضبان المعدنية مدخل المحطة، ليعود المسافرون أدراجهم، وهم يشكون من أنهم لا يملكون ملجأ آخر يمكنهم الذهاب إليه.

كما أعلنت كوريا الشمالية عزمها إغلاق حدودها أمام السياح، كإجراء وقائي، لمنع وصول الفيروس من الصين المجاورة، وفق ما أعلنت وكالة "سفر"، أمس.

بيد أنه تم اكتشاف حالات أخرى في تايلاند والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، تمّ تأكيد حالة واحدة في إقليم هونغ كونغ الصيني الجنوبي.

اكتشاف حالات مصابة في تايلاند والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وفي إقليم هونغ كونغ الصيني

وتوفَّى 17 شخصاً، جميعهم في ووهان والمناطق المحيطة بها، وكان متوسط عمر الضحايا 73 عاماً، وأكبرهم سناً يبلغ من العمر 89 عاماً وأصغرهم 48 عاما.ً

وعززت المطارات على مستوى العالم فحص الركاب القادمين من الصين، ورجح المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، في تقييم لمخاطر انتشار الفيروس بدرجة أكبر على مستوى العالم.

وفي السياق، قالت مصادر في مطار القاهرة الدولي، اليوم: إنّ المطار بدأ في فحص الركاب القادمين من الصين، بحثاً عن أعراض لفيروس "كورونا" الجديد الذي انتشر هناك.

وقالت المصادر، الذي نقلت عنه "سكاي نيوز": "بدأت سلطات الحجر الصحي بمطار القاهرة في اتخاذ إجراءات احترازية لفحص الركاب القادمين من الصين، تنفيذاً لتعليمات منظمة الصحة العالمية، لمنع تسلل فيروس "كورونا" المستجد وسط الركاب".

وأضافت المصادر؛ أنّ هناك أطباء ومراقبين طبيين في صالات الوصول مزودين بالمعدات الطبية المطلوبة لفحص الركاب القادمين من الصين، وأنّ المضيفين على الطائرات تلقوا توجيهات كذلك بالإبلاغ عن أيّة حالة بين المسافرين ،وسيجري عزل أيّ حالة اشتباه ونقلها إلى مستشفى.

مطار القاهرة الدولي يبدأ في فحص الركاب القادمين من الصين بحثاً عن أعراض لفيروس "كورونا"

من جهتها، أكدت بريطانيا، على لسان الوزيرة المعنية بقطاع الأعمال، أندريا ليدسوم، اليوم؛ أنّ انتشار فيروس كورونا الجديد في الصين يمثل مصدر قلق كبير للعالم.

ونشرت منظمة الصحة العالمية، على موقعها، بعض الاحتياطات التي يجب على المسافرين أخذها بعين الاعتبار لحماية ووقاية أنفسهم من "كورونا".

وقالت المنظمة العالمية؛ إنّ احتمالات وطرق ‏انتقال هذا الفيروس ما تزال غير واضحة، مشيرة إلى أنّه من شأن تقليل خطورة الإصابة ‏بالالتهابات التنفسية الحادة أثناء السفر إلى مناطق متضررة بالمرض (مدينة ووهان حالياً) أن يكون أمراً رشيداً.

ونصحت المنظمة بتجنب مخالطة المصابين بالتهابات تنفسية حادة وحيوانات المزارع أو الحيوانات البرية مخالطة حميمة، إلى جانب المواظبة على غسل اليدين مراراً وتكرارا.ً

كما جرى التشديد على ضرورة تزويد الممارسين في مجال الصحة وسلطات الصحة العمومية المسافرين بمعلومات ‏تقلل خطورة إصابتهم عموماً بالالتهابات التنفسية الحادة عن طريق الاستعانة بالعيادات ‏الصحية والوكالات المعنية بشؤون السفر.

 

للمشاركة:

آخر تطورات المعارك في اليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

أفادت مصادر محلية في مدينة مأرب بسقوط صاروخ حوثي جديد، أمس، على حيّ سكني، ما أسفر عن مقتل امرأة وإصابة ستة مدنيين آخرين بجراح.

وأكّدت المصادر أنّ الصواريخ الحوثية تأتي ردّاً على الخسائر التي تكبّدتها الميليشيات الإرهابية خلال الأيام الثلاثة الماضية؛ حيث قتل قتل وجرح وأسر مئات العناصر الإرهابيين، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن مصادر يمنية عسكرية.

وذكرت المصادر العسكرية اليمنية؛ أنّ قوات الجيش استطاعت تحرير مناطق واسعة في السلاسل الجبلية في مديرية نهم، ومن بينها سلسلة جبال جرشب، بعد معارك ضارية شهدتها ميمنة الجبهة، التي تمتدّ على مسافة أكثر من 60 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب.

وبينما تحاول الجماعة تجاهل المعركة في وسائل إعلامها، أكّدت مصادر إعلامية يمنية وأخرى سعودية؛ إصابة عبد الخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، المعين قائداً من قبلها، لما كانت تسمى قوات الحرس الجمهوري، الأول من أمس، إصابة بالغة جراء قصف جوي لمقاتلات التحالف في مديرية نهم.

سقوط صاروخ حوثي جديد على حي سكني في مأرب يسفر عن مقتل امرأة وإصابة ستة مدنيين

وذكرت مصادر طبية في صنعاء؛ أنّ الجماعة المتمردة أعلنت حالة الطوارئ القصوى في المستشفيات الحكومية كافة الخاضعة لها، لاستقبال جثث القتلى والجرحى الذين سقطوا في معارك الأيام الماضية في جبهات نهم، بالتزامن مع استنفار قادة الجماعة في أحياء صنعاء بحثاً عن مزيد من المجندين.

 وأوضحت مصادر عسكرية يمنية؛ أنّ الجماعة الحوثية أقدمت على الزجّ بالمئات من عناصرها تحت غطاء ناري عنيف في الجهة الشمالية من جبهة نهم، في سياق سعيها لقطع طريق مأرب الجوف، غير أنّ قوات الجيش اليمني صدّت الهجوم وشنّت هجوماً مضادّاً شاملاً على امتداد الجبهة، من الشمال وصولاً إلى صرواح، ومنطقة "حريب نهم" في الجهة الجنوبية، مع استمرار التوغّل في قلب الجبهة.

ولم تعلن القوات الحكومية عن الخسائر في صفوفها، إلا أنّ مصادر عسكرية يمنية أكدت مقتل العميد في الجيش اليمني، قائد "اللواء 203"، زيد الشومي، خلال المعارك الضارية.

قوات الجيش تحرر مناطق واسعة في مديرية نهم وتكبد الميليشيات الحوثية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد

ومع استمرار المعارك التي كانت قد اندلعت عقب استهداف الحوثيين لمسجد في أحد معسكرات الجيش اليمني في مأرب، وقتل أكثر من 100 جندي وإصابة العشرات، أكّد الناطق الرسمي باسم المنطقة العسكرية السابعة، العقيد عبد الله الشندقي، في وقت سابق، أنّ 72 حوثياً قتلوا خلال المواجهات في جبهة نهم شرق صنعاء.

وتزامنت المعارك في نهم مع اشتعال المواجهات أيضاً في محافظة البيضاء المجاورة، وفي صرواح غرب مأرب، وجبهات العقبة والمصلوب والمتون في محافظة الجوف، شمالاً.

من جهته، قال قائد المنطقة العسكرية السابعة في الجيش اليمني، اللواء الركن محسن الخُبّي: إنّ "أبطال الجيش الوطني يسطرون حالياً بطولات خالدة في جبال مديرية نهم، شرق العاصمة صنعاء، ويلقّنون العدو دروساً لن ينساها".

وأضاف، وفق ما نقله عنه مركز إعلام الجيش، أنّ "العدو (الميليشيات الحوثية) منهار ومعنوياته تحت الصفر".

إصابة شقيق زعيم الجماعة، عبد الخالق الحوثي، إصابة بالغة جراء قصف جوي لمقاتلات التحالف

وأوضح الخبي؛ أنّ "عدداً كبيراً من قيادات ميليشيات الحوثي لقيت حتفها في المعارك الأخيرة، وأنّ أسراهم بالعشرات من الذين سلموا أنفسهم بمجرد وصول قوات الجيش الوطني إلى مواقعهم"، وأنّ "أغلب جثث الميليشيات ما تزال مرمية في الجبال والشعاب".

كما عبّر اللواء الخبي عن "شكره وتقديره للقيادة السياسية والعسكرية، ولقيادة تحالف دعم الشرعية على ما قدموه ويقدمونه من دعم وإسناد لقوات الجيش الوطني في مختلف الجبهات".

في السياق ذاته؛ دعا قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، اللواء الركن صغير حمود بن عزيز، الجيش الوطني إلى "التقدم نحو العاصمة صنعاء لاستعادتها من قبضة الميليشيات الحوثية الانقلابية المدعومة من إيران".

وقال اللواء بن عزيز، مخاطباً الجيش في رسالة صوتية بعثها للمقاتلين: "يا أبطال الجيش اليمني المغاوير، تقدّموا على بركة الله نحو صنعاء، من أجل حقن دماء اليمنيين، وعودة النازحين إلى منازلهم، وتأمين الأطفال والنساء من بطش الميليشيات".

عدد كبير من قيادات ميليشيات الحوثي لقوا حتفهم في المعارك الأخيرة وأسِر العشرات من قبل قوات الجيش

وكان عضو قيادة القوات المشتركة في الساحل الغربي، قائد ألوية حراس الجمهورية، العميد طارق محمد صالح، أبدى، الأول من أمس، الاستعداد لإسناد المعركة في مديرية نهم، وقال طارق صالح، وهو نجل شقيق الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، في تغريدة له على تويتر: "جاهزون لدعم وإسناد المعركة الوطنية التي يخوضها أبطال اليمن في نهم، بكلّ ما نستطيع وكلّ ما نملك".

إلى ذلك، قال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن عبده مجلي: إنّ "القوات المسلحة تخوض معارك ميدانية ضدّ ميليشيات الحوثي المتمردة على امتداد مختلف الجبهات، في صنعاء والجوف والبيضاء وصرواح، بإسناد من طيران تحالف دعم الشرعية، وقد تكبّدت الميليشيات المتمردة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد".

وأوضح مجلي، بحسب ما نقله عنه الموقع الرسمي للجيش "سبتمبر. نت"؛ أنّ "القوات المسلحة تمكنت خلال الساعات الماضية من القضاء على مجاميع ميليشيا الحوثي بعد عملية عسكرية، وأهمها استعادة السيطرة على سلسة جبال جرشب، وكذلك عملية استدراج محكم في (حريب – نهم)، ومواقع أخرى شرق العاصمة صنعاء، وإفشال محاولات تسلل لبعض المواقع في جبهة الغيل بمحافظة الجوف، والتعامل مع محاولة عناصر الميليشيا التسلل إلى قرب نقطة الكسارة، لعرقلة الطريق العام الرابط بين مأرب والجوف؛ حيث تمّ القضاء على تلك العناصر التي سقطت بين قتيل وجريح، وتمّ القبض على عدد آخر وفرار البقية".

العميد طارق محمد صالح يبدي الاستعداد لإسناد المعركة في مديرية نهم بكلّ ما يملك من قوات وعتاد

وذكر أنّ "الدفاعات الجوية تمكّنت من إسقاط طائرتين مسيرتين تابعتين لميليشيا الحوثي على أطراف محافظة مأرب، وأخرى في جبهة نهم بصنعاء".

وأكّد العميد مجلي "إلقاء القبض على عدد من المغرر بهم من عناصر الميليشيا، وأنّه تمّ نقل بعضهم لتلقي العلاج في المستشفيات"، في الوقت الذي دعا فيه "منظمة الصليب الأحمر الدولية" إلى انتشال جثث الصرعى من ميليشيا الحوثي.

وفي سياق متصل، ذكر مصدر الجيش اليمني؛ أنّه جرى ضبط خليتين تعملان لصالح ميليشيا الحوثي في مأرب، ونقل موقع وزارة الداخلية اليمنية عن مصدر أمني قوله؛ إنّ "الخليتين كانتا تعملان على رصد تحركات الجيش، وتصحيح إحداثيات لصواريخ العدو"، موضحاً أنّ "الخليتين ضُبط عناصرهما متلبسين وبحوزتهم خرائط إحداثيات وأجهزة اتصالات مرتبطة بالميليشيات في صرواح."

 

للمشاركة:

الإمارات تواصل إغاثة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

واصلت دولة الإمارات العربية، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، تسيير قوافل الإغاثة إلى أهالي مديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت، ومدينة حبان القديمة في مديرية حبان بمحافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة لمساعدة اليمنيين والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

 

 

 ووزّع فريق الهلال الأحمر الإماراتي 400 سلة غذائية، تزن 33 طناً و128 كيلوغراماً، على 2050 فرداً من الأسر الفقيرة والمحتاجة في مناطق قصيعر، والحافة، وعسد الفاية، وسرار"، بمديرية الريدة، وقصيعر بمحافظة حضرموت، إضافة إلى 200 سلة غذائية تزن 16 طناً، استهدفت 1400 فرد من الأسر المحتاجة والفقيرة وذوي الدخل المحدود في مدينة حبان القديمة، بحسب وكالة "وام".

الهلال الأحمر يوزّع 400 سلة غذائية بمحافظة حضرموت و200 سلة غذائية في مدينة حبان القديمة

من جهته، أعرب مدير عام مديرية الريدة وقصيعر، العقيد صالح حسن العمقي، عن تقديره لدولة الإمارات وفريقها المتواجد على الأرض، الذي يبذل جهوداً كبيرة للوصول إلى الفئات المحتاجة، وحرصه على تخفيف وطأة المعاناة الناجمة عن نقص الغذاء نتيجة الظروف الراهنة التي يعيشها أبناء المديرية مترامية الأطراف.

وعبّر المستفيدون من القوافل الإغاثية عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على دعمها المتواصل لمختلف المحافظات اليمنية المحررة، استمراراً لنهج الخير والعطاء المتأصل في نفوس أبناء زايد الأوفياء.

جدير بالذكر؛ أنّ عدد السلال الغذائية، التي تمّ توزيعها منذ بداية العام الجديد (2020)، بلغ 1210 سلال، تزن 97 طناً و768 كيلوغراماً، استهدفت ستة آلاف و50 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة حضرموت .

بينما بلغ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية 2020، في محافظة شبوة، 510 سلال، استهدفت ثلاثة آلاف و570 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة بمعدل 42 طناً.

الهلال الأحمر الإماراتي يفتتح أكبر مركز إنزال سمكي في منطقة الفازة مديرية التحيتا التابعة لمحافظة الحديدة

إلى ذلك قامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، أمس، بافتتاح مركز إنزال سمكي في الساحل الغربي منطقة الفازة مديرية التحيتا التابعة لمحافظة الحديدة.

المشروع الذي يعدّ من أكبر المراكز في اليمن زوِّد بمنظومة طاقة شمسية متكاملة، وساحة كبيرة لبيع الأسماك، ومخزن بحجرات متعددة، ومبنى إداري وقاعة اجتماعات، وكلّ ما يحتاج إليه أيّ مرفق.

الصيادون عبروا عن شكرهم وفرحتهم بافتتاح المشروع، إذ سيستفيد منه نحو 3000 صياد، على الأقل.

تجدر الإشارة إلى أنّ هذا واحد من عشرات المشاريع التي تمّ إنشاؤها وتأهيلها من قبل الهلال الأحمر الإماراتي على امتداد الساحل الغربي.

 

للمشاركة:



السويحلي يدق إسفينا في تحالف إخوان ليبيا ومصراتة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

منى المحروقي

يسعى رئيس مجلس الدولة الليبي السابق عبدالرحمن السويحلي لقيادة مشروع محاربة الإخوان المسلمين في مدينة مصراتة ذات الثقل السياسي والعسكري المهم غرب ليبيا، مستغلا حالة السخط الشعبي من التنظيم داخل المدينة وتراجع التأييد الدولي له.

ويقول مراقبون إن السويحلي الذي يتمتع بثقل مهم داخل مصراتة يحاول استغلال حالة الغضب الشعبي من سياسات الإخوان الذين زجوا بالمدينة في عدة حروب قطفوا هم ثمارها، لعل أبرزها انقلاب فجر ليبيا الذي نفذته ميليشيات من المدينة ضد البرلمان المنتخب في 2014 وحكومته في طرابلس وهو ما قاد إلى حوار أعادهم للحكم عن طريق اتفاق الصخيرات.

وينظر البعض لتصعيد السويحلي المتحالف مع تنظيمات إسلامية أكثر تشددا داخل المدينة، ضد الإخوان المسلمين كخطوة تصب في صالح الجيش باعتبار أن هذه المعركة ستستنزف قوة تيار الإسلام السياسي المسيطر على المدينة.

لكنّ مراقبين يرون أن من شأن هذه الخطوة قطع الطريق على شخصيات من المدينة مؤيدة للجيش وتقبل به وقائده المشير خليفة حفتر في أيّ تسوية سياسية تنهي حالة الاقتتال لقيادة مشروع مناهضة الإخوان وباقي التنظيمات المتطرفة التي تعتبر المدينة ملاذا آمنا لها.

وتوعّد السويحلي في تسجيل مصور نشره مساء الثلاثاء، تنظيم الإخوان في ليبيا “بإعادته إلى حجمه الحقيقي الذي لم يمثل سوى 7 بالمئة من أصوات الناخبين عام 2012، ونزع عباءته عن مدينة مصراتة والمنطقة الغربية، التي يمثلها تيار مدني وطني”، داعيا الليبيين إلى “توحيد الصف من أجل وضع حد لتغوّل الإخوان واستئصال شرورهم من مؤسسات الدولة”.

واتهم السويحلي حزب العدالة والبناء “بإعلاء مصلحته على المصلحة الوطنية، واتّباعه لمنهج إقصائي يقوم على ضرورة بسط سيطرته على أغلب مؤسسات الدولة من خلال زرع عناصره فيها بطرق مشبوهة وغير ديمقراطية”.

كما اتهمّه بالهيمنة على حكومة الوفاق وتدخل قياداته في كل صغيرة وكبيرة من أعمالها “بشكل غير مقبول”.

وقال عضو في مجلس الدولة الليبي، رفض الكشف عن هويته لدواع أمنية، إن الأزمة بين السويحلي وحزب العدالة والبناء ليست وليدة اللحظة، بل تعود للعام 2011 وما بعده حيث تختفي حينا لتعود إلى الواجهة من جديد.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “‎بعد وصول السويحلي إلى مصراتة في العام 2011 وجد أمامه ائتلاف 17 فبراير وكان قد أصبح الواجهة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين بالمدينة، ولم يجد السويحلي له مكانا فيه، فاتجه لعقد لقاءات مفتوحة مع المقاتلين وقادة المحاور وبدأ في تشكيل تحالفاته معتمدا على إرث عائلته بالمدينة”.

وتابع “عمل السويحلي منذ اليوم الأول على إحياء العنصرية الاجتماعية، وكان يهمس لأبناء عمومته بضرورة إعادة أمجاد الكراغلة، ومبكّرا تربّع على عرش هذا التيار المناوئ لأيّ حديث عن عروبة ليبيا وتلخص مشروعه في ‘الثورة والعرق’ وعندما ‎انتبه الإخوان لمشروعه عملوا على ذات الفكرة بمبدأ مختلف وهي الشريعة الإسلامية والعرق الكرغلي”.

وعبّر السويحلي في خطابه الأخير عن امتعاضه من ترويج الإخوان لفكرة استمالة تركيا للتدخل في ليبيا.

وقال “لطالما أكّد لي كافة المسؤولين الأتراك خلال محادثاتي معهم أن تركيا تدعم حكومة الوفاق الشرعية وإرادة الشعب الليبي ولا تدعم جماعة الإخوان المسلمين أو حزب العدالة والبناء أو أيّ حزب آخر كما يُروّج بعض أبواق الحزب”، مشددا على أن “تركيا دولة حليفة وصديقة تجمعها مصالح مشتركة مع الدولة الليبية وليس مع جماعات أو أحزاب”.

وفي هذا السياق قال عضو مجلس الدولة لـ”العرب”، “عمل السويحلي بالتوازي مع عمله في المؤتمر الوطني على تشكيل المجلس الأعلى للكراغلة وجمع هذه الأقلية من المدن المختلفة وسعى إلى أن يحوله إلى مجلس دولي، على غرار الكونغرس الأمازيغي، وزار البوسنة وبعض دول البلقان لأجل ذلك بدعم تركي غير معلن”.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال مطلع الشهر الحالي “في ليبيا ثمة إخوة لنا من العرب ضد حفتر، الذي يريد القضاء عليهم. ومن يستهدفهم حفتر في هذا البلد إخوتنا الأمازيغ والطوارق، وأحفاد بربروس (خير الدين بربروس) وتورغوت رئيس (الأميرال العثماني فاتح طرابلس الغرب)”.

ويسيطر تحالف بين تيار الإسلام السياسي ورجال الأعمال على مدينة مصراتة منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وتعد المدينة رأس حربة في معركة التصدي لسيطرة الجيش على العاصمة طرابلس حيث تقود كتائب من المدينة المعركة.

وسبق للجيش أن هدد باقتحام المدينة بعد أن منحها مهلة لسحب أبنائها من محاور القتال في طرابلس وهو ما قوبل بالرفض والتحدي.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

عامان على الغزو التركي لعفرين.. الجريمة مستمرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

خورشيد دلي
عندما بدأت بكتابة هذا المقال، لا أعرف لماذا قفز إلى ذهني فجأة، تلك العبارة الشهيرة للروائي الفرنسي الشهير فيكتور هوغو، عندما قال: "من هنا مر الأتراك، أصبح كل شيء خرابا".. ما قاله هوغو قبل مئة وخمسين عاما، ينطبق حرفيا على ما جرى ويجري في مدينة عفرين الكردية السورية، ولعل نظرة بسيطة لمجريات العدوان التركي الذي بدأ في العشرين من يناير/كانون الثاني عام 2018 على هذه المدينة، تضعنا أمام حقيقة ما قاله هوغو، بل وربما أكثر.

يصف سكان عفرين اليوم الأول لاحتلال المدينة بيوم الجراد، نظرا لزحف آلاف المسلحين الذين قاموا بعمليات نهب وسرقة للمنازل والمزراع والمحال التجارية والسيارات، وما رافق ذلك من هدم وتكسير لمعالم المدينة، ولعل الجميع يتذكر هدم تمثال كاوى الحداد، الذي شكل عبر التاريخ رمزا للحرية والثقافة لدى الكرد، قبل أن تبني السلطات التركية مكانه تمثالا لرجب طيب أردوغان.

لم تشكل عفرين قبل الغزو التركي تهديدا لتركيا أو لغيرها، وكان أهلها يعيشون بأمان مع قرابة نحو ربع مليون سوري نزحوا إليها من محافظات أخرى، حتى أضحت المدينة رمزا للتعايش، خصوصا أنها لقبت بمدينة الزيتون لكثرة أشجار الزيتون فيها، إلى جانب غنى عفرين بالآثار التاريخية والدينية والحضارية والأثرية، إذ فيها كنيسة جوليانوس التي تعد من أقدم الكنائس في العالم والتي فيها ضريح مار مارون الذي تعرض للتدمير في قصف جوي تركي.

وإلى جانبهما، هناك كثير من المعابد الأثرية كمقام نبي هوري والمسجد التاريخي الذي أقيم باسمه، ومعبد زيوس والمسرح الروماني.. وغيرها من الآثار التاريخية التي تعرضت للتدمير وما تبقى منها للسرقة والنهب.

إلى جانب تدمير الهوية التاريخية للمدينة، ثمة تغيير ديمغرافي ممنهج، فالمدينة التي كان أكثر من تسعين بالمئة من سكانها كرد، تحول الكرد فيها إلى أقلية، إذ تشير التقارير الواردة من هناك إلى أن الكرد لم يعودوا يشكلون أكثر من عشرين بالمئة من سكان المدينة، بعد أن استوطنت تركيا آلاف المسلحين مع عائلاتهم فيها، وكثير من هؤلاء ليسوا سوريين، وإنما من الأويغور والتركستان وغيرهم من المسلحين الذين استقدمتهم تركيا من دول آسيا الوسطى والقوقاز، في المقابل هناك قرابة ربع مليون نسمة نزحوا من ديارهم في عفرين هربا من القتل والقصف، وبات هؤلاء يسكنون في مخيمات أقيمت معظمها بريف حلب، حيث لا تسمح سلطات الاحتلال التركي لهم بالعودة إلى منازلهم. 

ومن بقي في عفرين يعاني من شتى أنواع الظلم والانتهاكات، فعمليات الاعتقال مستمرة، والخطف بهدف الفدية متواصل، ومصادرة المواسم لا سيما الزيتون قائمة على قدم وساق، والاستيلاء على المنازل والمحال والسيارات بات من الأمور اليومية، وخطف النساء لا سيما الإيزيديات منهن على غرار "داعش" بات من سلوك المسلحين الذي يعملون تحت الرعاية التركية، حيث الوالي التركي الذي يدير المجموعات المسلحة، حيث لا شكوى تنفع، ولا اعتراض على أمر ما، له مكانة عند الحاكم التركي، بل نصيب من يعترض المزيد من القمع والتعذيب بتهمة التعامل مع المسلحين الكرد والانفصال، رغم الجدار العازل الذي أقامه الجيش التركي، وعليه لا أحد يعرف بالضبط أعداد الضحايا من شهداء ومعتقلين في الداخل حيث التكتم الشديد على كل شيء، وبسبب كل ذلك، يتحدث البعض عن رغبة من تبقى في الداخل بالنزوح عن مدينتهم، لأنه لم تعد لديهم القدرة على تحمل كل هذه الجرائم والانتهاكات، فالمجموعات المسلحة قسمت عفرين إلى مناطق نفوذ، والانتقال من منطقة إلى أخرى مغامرة، ومقومات الحياة شبه مفقودة، وفوق ذلك أعلام تركيا وصور أردوغان في كل مكان، والتعليم باللغة التركية وإصدارات جديدة للهويات (البطاقة الشخصية) تجري على أساس أن المسلحين هم من أهل عفرين، وكذلك الأمر بالنسبة لواقعات الزواج والولادة، حيث سياسة التتريك جارية على قدم وساق.

ما ذنب أهل عفرين في كل ما جرى ويجري لهم؟ ولماذا الصمت الدولي على الجرائم التي ترتكب بحقهم؟ حجة تركيا في احتلال عفرين كانت طرد المسلحين الكرد منها وإنهاء خطرهم المزعوم، لكن الحقيقة أن الذي جرى هو تهجير أهل عفرين من خلال عمليات تطهير عرقي وتغيير ديمغرافي وجرائم وانتهاكات لا تتوقف، كل ذلك بهدف القضاء على الهوية الكردية للمنطقة، وإمكانية سلخها عن سوريا على غرار ما جرى لمنطقة لواء اسكندرون التي تحتلها تركيا بعد أن أطلقت عليه هاتاي.

من إدلب إلى عفرين وصولا إلى رأس العين - سري كانيه، الجريمة واحدة، والمجرم يواصل جريمته، مستفيدا من انقسام السوريين وتحاربهم، ومن عقده الصفقات مع الكبار على أجساد السوريين، ومن الصمت الدولي الممهور بالمصالح، ما جرى لعفرين جريمة موصوفة في وضح النار، جريمة شجع السلطان التركي أردوغان على المزيد، فمنها توجه إلى رأس العين – سري كانيه، وهو ما شجعه على الاستعداد للعدوان على ليبيا وإرسال قواته ومرتزقته إلى هناك، وربما التفكير بالعدوان على دولة أخرى، والثابت أنه ما لم يتم ردعه وتحرير المناطق التي احتلها، فإنه في جعبته المزيد والمزيد. إنه الحاكم الذي يريد إعادة بناء إمبراطورية أجداده البائدة على دمانا، تارة باسم مكافحة الإرهاب، وثانية باسم الشعارات الإسلامية ودعم المظلومين، وثالثة باسم حق بلاده في الطاقة، وهكذا فإن حروبه لا تنتهي إلا بوضع نهاية لإرهابه وفكره ومرتزقته.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

شوكة أردوغان ستنكسر في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

مهرة سعيد المهيري

من سوريا إلى العراق ثم ليبيا، تمتد أيادي تركيا لتتدخل فيما لا يعنيها، لتشعل أزمات وتدعم جماعات على حساب أخرى، حتى وإن كان هذا يعني انتشار الإرهاب والدمار.
قد يفهم البعض دوافع تركيا للتدخل في سوريا أو العراق، فهناك حدود تجمعها مع البلدين، وأزمات طاحنة تدور فيهما، قد تشكل ذريعة لتدخلها، رغم أن القانون الدولي لا يجيز ذلك بل يجرّمه. ولكن ماذا بشأن ليبيا؟ البلد البعيد آلاف الكيلومترات عن الأراضي التركية، والذي يعاني أصلاً من مشكلات تمزقها.
لا نحتاج إلى الكثير من التمعن لندرك أن مشروع الإخوان هو المحرك الحقيقي لإردوغان. لكننا لا نستطيع إلا أن نلاحظ أن مشروع الإخوان هذا هو عجلة يحمل عليها اليوم مشروعه الإقليمي في منطقة البحر المتوسط. إردوغان الموهوم بالتاريخ، يريد أن يستعيد عصر السلطنة العثمانية الذي استنزف العالم العربي لقرون.
الهدف من تدخل تركيا في الشأن السوري، هو نفسه الذي يحرّكها للتدخل في ليبيا. دعم مشروع الإخوان تحول إلى دعم بواسطة الميليشيات المسلحة. إردوغان يبعث جيشه الانكشاري الجديد إلى مناطق الاضطرابات ويستفيد منه. الانكشاريون الجدد هم المتشددون الذين كانت حرب سوريا ساحة تدريب لهم، وها هم يستثمرون في أزمات أخرى، ستعود عليهم بالخسران.
هناك مصالح تركية في ليبيا متمثلة بعقود تم توقيعها منذ عام 2010 في مجالات اقتصادية وتنموية، وبالتالي فإن تركيا تخشى على مصالحها في ليبيا، من دون أن تدرك أن ما تقوم به يضر بعلاقاتها مع ليبيا، وبالتالي فإنه سيضر باقتصادها المتضرر أصلاً. التدخلات التركية لا تعود بالنفع على البلاد أو الشعب التركي بأي شكل من الأشكال.
سعت تركيا إلى تمكين الإخوان من حكم البلاد والسيطرة على مقدرات الدولة الليبية. منحت عناصر الجماعة الإرهابية في ليبيا، ممن يمثلون حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فرصة الاستيلاء على مقدرات البلاد. وحين تصدى لهم الجيش الليبي، وصار واضحاً اقتراب النهاية، تم الإعلان عن إرسال قوات تركية إلى ليبيا أولاً، ولكن الحقيقة هي إرسال الانكشاريين الجدد ممن تم تجميعهم في ساحات التدريب السورية على أسس عرقية ودينية.
الانكشارية الآن في ليبيا، وإردوغان يقول إنهم هناك لمحاربة الإرهاب. كيف يستقيم هذا؟ إرسال الإرهابيين لمحاربة إرهابيين، على افتراض تصديق هذا التضليل بأن الجيش الليبي غطاء؟ ننصت يومياً لتصريحات المسؤولين الأتراك. هم يريدون أن يكرروا التجربة الإيرانية نفسها بالتمدد في المنطقة. وكما صار الفشل الإيراني ظاهراً اليوم، فإن فشل إردوغان لا يمكن أن يختبئ من وراء دعاية إخوانية صارت أكثر من مفضوحة. شوكة إردوغان مكسورة. لعله يتعظ من التاريخ الذي يحاضر على المنطقة من كتبه الكثيرة والتجارب الفياضة فيه.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية