هل نجح الإخوان في نفي صلتهم بالعنف والاغتيالات؟.. حادثة المنشية أنموذجاً

هل نجح الإخوان في نفي صلتهم بالعنف والاغتيالات؟.. حادثة المنشية أنموذجاً
12512
عدد القراءات

2018-04-15

تحقيقات

"الثورة أقوى من كل ما يظنون، إنّها ستسحقهم جميعاً"

"المُثُل التي تعرضها قيادة الثورة في هذه الأيام مُثُل نادرة في تاريخ البشرية كلّها، مُثُل لم تقع إلا في مطالع النبوءات" (سيد قطب/ مجلة روز اليوسف عدد 26 آب 1952)

تبقى محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر، من أصعب "الأحداث" التي طبعت التاريخ المصري عموماً، وتاريخ جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، لاعتبارات بحثية وأكاديمية وأخرى مرتبطة بالبنية السلوكية للتنظيم الإخواني، الذي "تطرّف" في رفض إلصاق هذه الجريمة بالجماعة؛ بل ووصل الأمر بالعديد من القيادات إلى اعتبارها من "المسرحيات" التي أحكم إخراجها عبدالناصر من أجل توجيه ضربة قاصمة للإخوان، خصوصاً في أجواء التصعيد بين الطرفين التي ميزت مرحلة ما بعد نجاح "ثورة" الضباط الأحرار ليلة 23 تموز (يوليو) 1952.

العلاقة بين الإخوان والضباط الأحرار

عرفت مرحلة ما قبل 23 تموز (يوليو) 1952، جواً من التوافق بين الإخوان المسلمين والتنظيم "العسكري" للضباط الأحرار، الذين كان العديد منهم قد مر على جماعة الإخوان إما بالانتساب أو التعاون أو التعاطف، لتعلن الجماعة مباركتها لنجاح الانقلاب الذي قاده الضباط الأحرار وأطلقوا عليها اسم "الحركة المباركة"، اعتقاداً منهم أنّ مقاليد الحكم ستؤول إليهم بشكل تلقائي لعدة اعتبارات ترتكز أساساً حول اعتبار جمال عبد الناصر عنصراً من الإخوان المسلمين، بادعاء أنّه أقسم على المصحف والمسدس وبالتالي فمسألة تسليم الإخوان زمام السلطة كانت بالنسبة لهم مسألة وقت ليس إلّا.

في هذا السياق، يروي حسين محمد أحمد حمودة في كتابه "أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين" الروايات الكلاسيكية حول مشاركة الإخوان في "الثورة"، حسب زعمهم، بالقول "ذهبتُ للقيادة العامة وقابلتُ جمال عبدالناصر وأخبرته بما دار بيني وبين اللواء أحمد طلعت حكمدار بوليس العاصمة، فقال جمال عبد الناصر: اطمئن جداً من ناحية الإخوان المسلمين فأنا (أي جمال عبد الناصر) متصل بحسن الهضيبي وأخذت موافقته قبل قيام الثورة، وأنا متفاهم مع الإخوان المسلمين على كل شيء"[1]. وقد حاول المؤلف جاهداً طيلة صفحات كتابه أن يؤكد على نقطة واحدة ووحيدة متعلقة بمشاركة الإخوان في الانقلاب على الملك فاروق؛ بل ويذهب إلى أبعد من ذلك في التأكيد على أنّه لولا الإخوان لما نجح الانقلاب الذي قاده جمال عبد الناصر.

تنسيق عبد الناصر مع الإخوان كان تكتيكاً مرحليّاً في إطار تعدد الحلفاء لإنجاح الانقلاب على الملك فاروق

من جهته يصف أحمد عادل كمال الجو العام لما بعد الثورة في كتابه "النقط فوق الحروف"، فيقول: "لقد أنشأت حكومة الثورة محكمة الثورة لمحاكمة رجال العهد البائد على إفساد الحكم في مصر، وكان من أوائل من قدم لهذه المحاكمة ابراهيم عبدالهادي العدو اللدود للإخوان، وقابل ذلك الإخوان بترحاب، وألغت الثورة الدستور القائم وتجاوب الإخوان، وحلّت الثورة الأحزاب ولم يعترض الإخوان"[2].

غير أنّ ما لم يكن يعلمه الإخوان أنّ جمال عبد الناصر كان له تخطيط آخر وتكتيك مخالف لما اعتقده الجميع؛ حيث إنّ تنسيقه مع الإخوان كان تكتيكاً مرحليّاً في إطار إستراتيجية متعددة الحلفاء من أجل إنجاح الانقلاب على الملك فاروق، وذلك ما جعله ينفتح على مجموعة من التيارات السياسية والتنظيمات السرية.

عد نجاح الانقلاب طالب "الإخوان المسلمون" جمال عبدالناصر بضرورة تسليمهم السلطة على اعتبار التنظيم عضواً في الحركة

إنّ استماتة الإخوان في التأكيد على مشاركتهم في "ثورة" 23 تموز (يوليو) 1952، تدحضها الوقائع والأحداث وتفندها المعطيات، وذلك للاعتبارات التالية:

أولاً: التحالف القوي والإستراتيجي للجماعة مع الملك فاروق جسده الاجتماع الشهير العام 1951 بين هذا الأخير وبين المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي، وحينها وصف هذا الأخير زيارته للملك فاروق بأنّها "زيارة كريمة لملك كريم".

ثانياً: عدم ثقة الإخوان بنجاح المشروع العسكري لجمال عبدالناصر؛ مما جعل المرشد العام للجماعة يبتعد بنفسه عن مجريات الأمور و"يعتكف" بالإسكندرية طيلة الثلاثة أيام التي أعقبت الانقلاب، ولم يعد إلى القاهرة إلا بعد تأكده من أنّ الأمور حُسمت لصالح الضباط الأحرار.

ثالثاً: تبنيهم، كالعادة، للمنطق الإستراتيجي لـ"المنطقة الرمادية"، حين عبروا عن ولائهم المطلق للمؤسسة الملكية، مع إرسال إشارات قوية للضباط الأحرار بمباركة أي انقلاب مرتقب ووعدوهم بالتحالف معهم في حالة نجاح الانقلاب.

على هذا المستوى من التحليل، يمكن القول إنّ مظاهر التعامل البراغماتي لجماعة "الإخوان المسلمين" مع حركة الضباط الأحرار، عبّرت عن خبث سياسي متأصل، إلا أنّه لم يصل إلى مستوى الفهم السيكولوجي للعقلية العسكرية؛ حيث حاولت الجماعة الاستيلاء على السلطة عبر اعتماد مجموعة من التكتيكات المرحلية يمكن بسطها كما يلي:

لجأ قطب للتنظير والتجييش لحل جميع الأحزاب السياسية عبر مقالاته الحماسية التي نشرها في مرحلة ما بعد الثورة

التكتيك الأول: مباشرة بعد نجاح الانقلاب طالب "الإخوان المسلمون" جمال عبدالناصر بضرورة تسليمهم السلطة على اعتبار التنظيم عضواً في الحركة، وتلزمه الطاعة للمرشد العام للجماعة، ويكفيه فخراً ما قام به للوطن وللدعوة وللإسلام.

التكتيك الثاني: بعدما يئس الإخوان من إمكانية تنازل عبدالناصر عن السلطة لمصلحتهم، لجؤوا إلى تكتيك أكثر خبثاً ودهاء، فدفعوا، من جهة بضرورة حل جميع التنظيمات الحزبية على اعتبار أنّها تنتمي إلى العهد البائد والنظام السياسي الفاسد الذي كان الملك فاروق رمزاً له، ومن جهة أخرى حاولوا اختراق مجلس قيادة الثورة وإحداث شرخ على مستوى القيادة من خلال دعم الرئيس محمد نجيب وتأييده ومهاجمة جمال عبد الناصر وانتقاد سياسته.

وهنا يتدخل مرة أخرى سيد قطب ليقوم بالتنظير والتجييش لحل جميع الأحزاب السياسية عبر مقالاته الحماسية التي نشرها في مرحلة ما بعد الثورة. وهنا يشار إلى المقال الذي نشره قطب في مجلة روز اليوسف –عدد 29 أيلول (سبتمبر) 1952- الذي يقول فيه "لم يخب ظني في هذه الأحزاب القديمة التي قامت في ظل ثورة سنة 1919. كنت أُدرك أنّها أحزاب انتهت، تجمدت، فقدت القدرة على الحركة والتماشي مع التطورات الجديدة، فلم تعد صالحة للبقاء ولا قابلة للبقاء".

ولعلّ مجلس قيادة الثورة كان يُمَنِّي النفس بحل الأحزاب السياسية، فوجد في كتابات سيد قطب، المستند الفكري والمسوغ الشرعي، وبالفعل أصدر محمد نجيب القائد العام ورئيس الوزراء قراره بحل الأحزاب السياسية بتاريخ  16 كانون الثاني (يناير) 1953.

قام الإخوان المسلمون، في الجزء الثاني من الخطة،  بدعم الرئيس محمد نجيب والرفع من شعبيته ومحاولة السيطرة عليه في مواجهة جمال عبدالناصر، وهذه الخطوة التصعيدية من طرف الإخوان كانت بمثابة النهاية العملية لعلاقة جمال عبدالناصر بالإخوان.

قام الإخوان بدعم الرئيس محمد نجيب والرفع من شعبيته ومحاولة السيطرة عليه في مواجهة عبدالناصر

في هذا الصدد، وبعد قيام محمد نجيب بتقديم استقالته من رئاسة الجمهورية ومجلس قيادة الثورة في 25 شباط (فبراير) 1954، خرجت مظاهرات حاشدة من تنظيم وتأطير الإخوان المسلمين تنادي بضرورة عودته إلى السلطة، واستمرت المظاهرات حتى يوم 28 من الشهر نفسه، حين رضخ جمال عبدالناصر لمطالب الجماهير ووافق على عودة نجيب لمباشرة مهامه كرئيس للجمهورية، فقام حينها القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، عبدالقادر عودة، بالصعود برفقة محمد نجيب، إلى شرفة قصر عابدين وقام بتهدئة الجماهير من خلال خطبة نارية معلناً من خلالها عودة الرئيس إلى الحكم.

إنّ العودة إلى محاضر جلسات مجلس الشعب التي خصصت لمحاكمة المتورطين في محاولة اغتيال جمال عبدالناصر فيما عرف إعلامياً بـ "حادثة المنشية"، تعطي صورة واضحة حول المخطط الانقلابي الذي حاولت أن تتبنّاه جماعة الإخوان من خلال تطابق جميع الشهادات الإخوانية من قيادات الصف الأول حول ضرورة تصفية جمال عبدالناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة، بتزامن مع تحرك الإخوان على الأرض لدعم الانقلاب وإصدار محمد نجيب بياناً رئاسياً يهدئ من خلاله من الاحتقان الشعبي في أفق تحييد هذا الأخير وتنصيب حكومة إخوانية خالصة.

في ظلّ هذا الصراع المعلن بين جماعة الإخوان المسلمين وجمال عبدالناصر، كان النظام الخاص للجماعة، الذي يرأسه آنذاك يوسف طلعت، يدبّر طريقة للتخلص من جمال عبدالناصر. وهنا قام الجهاز السري بتكليف القيادي الإخواني البارز، هنداوي دوير، من أجل نسج خطة محكمة لاغتيال عبد الناصر؛ وبالفعل قام دوير بتجنيد شخص يدعى محمود عبد اللطيف، أحد أبطال الرماية، من أجل اغتيال جمال عبدالناصر خلال إلقائه لإحدى خطبه بميدان منشية البكري بالإسكندرية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1954.

وقائع الحادثة

بينما كان جمال عبدالناصر بتاريخ 19 تشرين الأول (أكتوبر) 1954يخطب في حشد كبير من المصريين بميدان المنشية بمناسبة الاحتفال بتوقيع اتفاقية الجلاء التي وقعتها مصر مع بريطانيا، أطلق عليه محمود عبداللطيف 8 رصاصات، غير أنّها أخطأت هدفها لتستقر إحداها في رأس ميرغني حمزة، زعيم الطائفة الختمية بالسودان وأحد ضيوف الحفل ليلقى مصرعه في الحال، كما أصابت رصاصة أخرى كتف أحمد بدر، سكرتير هيئة التحرير في الإسكندرية فأدّت إلى وفاته، فيما باقي الرصاصات استقرت في سقف المبنى الذي كان يخطب فيه عبدالناصر.

حاول عبداللطيف الفرار من مكان الجريمة، غير أنّ المواطنين والبوليس الحربي تمكّنا من إلقاء القبض عليه، بالإضافة إلى خليفة عطوة المتهم السادس في جريمة الاغتيال وأنور عبد الحافظ اللذين كانا في مسرح الحادث.

ولأنّ أوقات الأزمة، غالباً، ما تكون مناسبة لإصدار قرارات إستراتيجية، فقد كان حادث المنشية فرصة لجمال عبد الناصر لقصم ظهر الإخوان من خلال عمليات اعتقال واسعة شملت منفذي العملية والمخططين لها، بالإضافة إلى المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي. ومن بين من شملهم الاعتقال كل من: محمود عبد اللطيف (منفذ العملية)، هنداوي دوير (المخطط الرئيسي)، محمد فرغلي، يوسف طلعت (رئيس التنظيم الخاص)، المستشار عبدالقادر عودة، صالح أبو رقيق، إبراهيم الطيب، عبدالمنعم عبدالرؤوف، منير الدلة، كمال خليفة، سيد قطب، عمر التلمساني، صالح عشماوي، وغيرهم في ضربة أمنية لن ينهض منها الإخوان إلا مع وفاة جمال عبدالناصر العام 1970 وتولي محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية.

اعترف محمود عبداللطيف بالاتهامات الموجهة  إليه وبأسماء المتورطين في محاولة الاغتيال، كما اعترف باقي الإخوان باشتراكهم في المحاولة إما فعلياً أو عن طريق إعطاء تعليمات ومعلومات، أو عن طريق تسهيل محاولة الاغتيال، فيما اتّهم آخرون بعدم التبليغ بالمحاولة مع علمهم بتفاصيلها وتاريخ تنفيذها. وبهذا أصدرت محكمة الثورة أحكامها بإعدام ستة أعضاء من التنظيم وهم: محمود عبداللطيف، محمد فرغلي، يوسف طلعت، ابراهيم الطيب، هنداوي دوير، عبدالقادر عودة، بالإضافة إلى المرشد العام حسن الهضيبي الذي خُفّف عنه الحكم إلى المؤبد.

شهادات إخوانية

رغم أنّ "الإخوان المسلمين"، وكعادتهم، ينكرون أيّ تورط لهم في محاولة الاغتيال ويعتبرونها "مسرحية" بطلها جمال عبدالناصر، غير أنّ شهادات موثقة لقيادات إخوانية تؤكد تورط الجهاز الخاص في التدبير لعملية الاغتيال بحادثة المنشية، وستميط اللثام عن حقيقة هذه الجماعة وتكشف بالملموس عن طبيعة هذا التنظيم الدموي العنيف.

شهادة يوسف القرضاوي

يعترف القيادي الإخواني، وعضو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يوسف القرضاوي، في مذكرات "ابن القرية والكتاب" بمسؤولية "خلية من الإخوان" يتزعمها هنداوي دوير في محاولة الاغتيال، وقد أعاد التأكيد عليها في أحد البرامج التلفزيونية بالقول: "الذي أراه أنّ هذا الأمر مسؤول عنه هنداوي دوير ومجموعته من أربعة أو خمسة أشخاص وهم الذين دبروا هذا الأمر".

 

 

ويواصل القرضاوي شهادته التي تعتبر صك اتهام للتورط المباشر للإخوان في حادثة المنشية؛ بل وتَورُّطِه هو شخصياً في الجريمة عبر علمه بها وعدم التبليغ عنها، أو على الأقل محاولة إيقافها، فيقول "ولم يفكر المحامي الذكي المعجب بنفسه (يقصد هنداوي دوير)، ما العمل إذا أخفق هذا الحل، وفشلت هذه الخطة؟ لم يسمح لنفسه أن يفكر في الوجه المقابل، بل افترض النجاح أبداً"[3]. من هذا المنطلق، يتبين أنّ موقف القرضاوي من محاولة اغتيال عبدالناصر لم يكن مرتبطاً بمدى شرعية عملية الاغتيال أم لا، بقدر ما هو مرتبط بصعوبة نجاح العملية والآثار الخطير التي ستترتب عنها في حالة فشلها.

شهادة أحمد رائف

يُطلق عليه لقب "مؤرخ الإخوان" وقد ألف مجموعة من الكتب أهمهما على الإطلاق كتاب "البوابة السوداء" و"سراديب الشيطان" اللذان حاول رائف من خلالهما التأكيد على أنّ حادث المنشية هي من وحي تدبير عبدالناصر نفسه. غير أنّ المؤرخ الإخواني سيعود بعد سنوات طويلة ليدلي بالحقيقة التاريخية حول الحادث فيما يشبه صحوة ضمير، ويعترف بضلوع الإخوان في حادثة الاغتيال.

في هذا الصدد يقول أحمد رائف للصحفي صلاح الدين حسن في حوار نُشر في جريدة "الدستور" المستقلة: "إنّ أول من نبهني إلى أنّ حادث المنشية ليس مفبركاً هو حسن الهضيبي عندما التقيت به في السجن العام 1965، وحين تتبعت خيوط كل من له علاقة بهذه القصة، وصلت إلى أنّ الإخوان دبروا محاولة القتل، أمّا فكرة أنّها تمثيلية فهذا مما يستهوي الإخوان حتى تظهرهم بمظهر المجني عليهم والمغلوبين على أمرهم".

وهناك شهادة قيادي آخر من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، بل وممن جاوروا حسن البنا لمدة طويلة وعاصروا جميع حوادث الاغتيال وجميع المحن التي مر منها الإخوان وهو فريد عبد الخالق (توفي يوم 12 نيسان (أبريل) 2013 عن سن يناهز 98 عاماً)، الذي أكّد في شهادته للموقع الإعلامي "العربي" أنّه علم بالتحضير لمحاولة الاغتيال العام 1953 عن طريق تحرك فردي لبعض رجال الإخوان وأنّ هذه التحركات تهدف لاغتيال جمال عبدالناصر.

موقف المرشد من محاولة الاغتيال

هذه النقطة الحساسة ستظلّ من مناطق الظل التي يستميت الإخوان في التعتيم عليها، ورفض أي ربط لمحاولة الاغتيال برغبة صريحة أو ضمنية من المرشد العام للجماعة آنذاك حسن الهضيبي؛ فهل يا ترى يُطمأن للطرح الإخواني ويستكان لهذا الدفاع عن مرشدهم، أم لا بد من محاولة البحث بين تراب المخازن لاكتشاف بعض السراديب السرية المؤدية إلى المخططين الشرعيين، وكذا المباركين لمحاولة الاغتيال؟. هذا التساؤل يجد ما يبرره عند استحضار النقاط التالية:

- العلاقة العدائية بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة، وكذا العداء الشخصي الذي كان يكنّه حسن الهضيبي لجمال عبدالناصر وصلت إلى حد طرد هذا الأخير من منزله بعد الجملة الشهيرة "الزيارة انتهت".

- حجم الولاء الذ كان لدى قيادات التنظيم الخاص تجاه المرشد العام؛ حيث لم يكونوا يتنفسون إلا بأوامر مباشرة من الهضيبي، وبالتالي لا يمكن أن يتم التحضير لهذه المحاولة ويعلم بها كبار الإخوان باستثناء مرشد الجماعة. هذا المعطى تؤكده أقوال وشهادات رئيس التنظيم يوسف طلعت ونائبه إبراهيم الطيب أمام هيئة محكمة الشعب التي أقرّوا من خلالها بأنّ محاولة الاغتيال كانت بعلم ومباركة من المرشد العام للجماعة.

- شهادات إخوانية تقطع بعلم المرشد العام بالتخطيط للجريمة وحتى بيوم تنفيذها، على هذا المستوى، يخبرنا القرضاوي في مذكراته برفض المرشد العام حسن الهضيبي لأيّ عمل عنيف تجاه النظام، مما يؤكد أنّ المرشد كان على علم بمخطط عنيف ضد عبدالناصر، وسيعرف بعدها أن جميع الترتيبات كانت بمباركته شخصياً.

 

 

يقول القرضاوي: "أجاب الهضيبي إنّ مكتب الإرشاد يرغب في أن يبقى مختفياً، كما أخبره (يقصد أخبر يوسف طلعت رئيس التنظيم الخاص للجماعة) أنّه أحس بالقلق في الأيام القليلة الماضية من خشية احتمال وقوع عنف واغتيال، وأضاف: إذا أردتم القيام بمظاهرة تؤيدها جميع طبقات الشعب، فذلك هو الصواب، ومع ذلك فيجب أن تقتصر المظاهرة على المطالبة بحرية الصحافة، وبمجلس نيابي، وبعرض اتفاقية الجلاء على الشعب، كما يجب أن تكون مظاهرة شعبية، وأكد: أنّه يرفض قبول أي "عمل إجرامي"، مشدّداً على أنّه يعتبر نفسه بريئاً من دم أي شخص كان"[4]. هذه الشهادة، ورغم أنّ صاحبها حاول أن ينكر أي علم للمرشد بمحاولة الاغتيال، إلا أنّها دليل ضد صاحب الشهادة وتؤكد أنّ الهضيبي كان على علم بمخطط إجرامي ضد عبدالناصر.

شهادة عبدالمنعم عبدالرؤوف المرجع العسكري للتنظيم الخاص

شهادة أخرى يمكن اعتبارها، صك اتهام يورط الهضيبي في التدبير لمحاولة الاغتيال؛ الشهادة يرويها الفريق طيار والقيادي الإخواني عبدالمنعم عبدالرؤوف في كتابه "أرغمت فاروق على التنازل على العرش"، ويؤكد من خلالها، دون أن يشعر، "رغبة" المرشد القيام بعمل انتقامي ضد عبد الناصر.

يقول عبدالمنعم عبدالرؤوف: "سألت فضيلته: هل يحق للحكومة من الناحية القانونية قطع معاشي عن أولاد؟ فأجاب: لا أعرف. (لاحظوا مستشار سابق في محكمة النقض لا يعلم مدى قانونية هذا الإجراء). قلت: وما خطتكم التي وضعتموها إذا لم تعد الحياة النيابية وحُشرتم زمراً في السجون؟ قال: عندك يوسف طلعت وإبراهيم الطيب اسألهما. (لاحظوا أنّهما المسؤولان الرئيسيان عن التنظيم الخاص لجماعة الإخوان). قلت، إنني أريد سماعها من الشخص المسؤول عن الدعوة، وهل أعددتم الإخوان لمجابهة الموقف من كافة النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية؟ فهبّ (يقصد المرشد) واقفاً دون إجابة، واندفع نحو باب الغرفة يفتحه"[5].

يُستدل، من خلال هذه الشهادة، على أنّ الهضيبي، عندما سأله عبدالمنعم عبدالرؤوف عن الإجراءات التي تعتزم الجماعة اتخاذها ضد النظام في حالة اندلاع المواجهة بين الطرفين، أحاله على الجهاز السري للجماعة الذي يبقى من مهامه تدبير العمليات العسكرية والاغتيالات السياسية والتصفيات الجسدية التي لا تريد الجماعة التورط فيها علناً لكنها تبقى المنظرة والمباركة لها سراً.

شهادة خليفة عطوة: المتهم رقم 3 في القضية

شهادة أخرى لا تقل خطورة، لكنها أكثر وضوحاً وتتهم الهضيبي مباشرة بالضلوع في التخطيط لمحاولة اغتيال عبد الناصر، يرويها خليفة عطوة، أحد المشاركين في محاولة الاغتيال والمتهم رقم (3) حسب محاضر محكمة الشعب؛ حيث يقول في لقاء صحفي على قناة المحور بالنص: "كلهم (يقصد أعضاء مكتب الإرشاد) كانوا على علم بالتدبير لمحاولة الاغتيال...وأنا أسأل: لماذا ظل الهضيبي مختفياً في فيلا بـ "بلوكلي" ثلاثة أيام تحت اسم  "الدكتور حسن صبري"...كان ينتظر ساعة اغتيال جمال عبد الناصر".

 

 

نفس الشاهد يروي في الكتاب الذي سطّره محمد أمين، وهو عبارة عن حوار مع خليفة عطوة، بالقول "بدأ الهضيبي تنفيذ مخطط للإطاحة بعبد الناصر، فبدأ يجري اتصالات مع السفارة الإنجليزية للتحريض ضد عبدالناصر ويطالبهم بتأجيل توقيع الاتفاقية –الجلاء- لحين الإطاحة بناصر مع وعد باستمرار وجود الإنجليز في مصر في حال صعود الإخوان لمنصة الحكم وعودة الملك... كما قام الهضيبي بعقد عدة جلسات مع اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت لتحذيره من نجومية ناصر وطموحه السياسي، وأنّه يخطط للقضاء عليه، والاستيلاء على كرسي رئاسة مصر، وهو ما استجاب له نجيب وأعطاهم الضوء الأخضر للتخلص من ناصر"[6].

ويضيف عطوة في نفس الكتاب "وهنا صدر قرار مكتب الإرشاد بضرورة اغتيال عبدالناصر وتم تكليف مجموعة من الجناح السري العسكري بالذهاب إلى الإسكندرية في مساء يوم الأربعاء الساعة الثامنة إلا خمس دقائق، أثناء خطاب احتفالية توقيع اتفاقية الجلاء في 26 أكتوبر سنة 1954، وتخفى الهضيبي في الاسكندرية في فيلا بـ "بلوكلي" تحت اسم د. حسن صبري لحين تنفيذ العملية"[7].

من خلال ما تقدم سرده، يتبين أنّ الإخوان تورطوا في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر؛ بل وأمكن تتبع كيف أنّ أعضاء مكتب الإرشاد والمرشد العام للجماعة كانوا على علم بالتحضير والتنفيذ لهذه الجريمة، غير أنّ التنظيم ظلّ، كعادته، يتبنّى منطق "المنطقة الرمادية" تفادياً لأية مواجهة مباشرة مع نظام عبدالناصر يمكن أن تقصم ظهر الجماعة وتقضي على وجودها السياسي والجماهيري آنذاك، وذاك ما كان.

*خبير في شؤون جماعة الإخوان المسلمين

____

الهوامش:

[1]- حسين محمد أحمد حمودة. أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين. ص 84

[2]- أحمد عادل كمال. النقط فوق الحروف. ص 238

[3]- مذكرات يوسف القرضاوي: ابن القرية والكتاب. ج 2 ص 54

[4]- يوسف القرضاوي: ابن القرية والكتاب. ج 2 ص 53

[5]- عبدالمنعم عبد الرؤوف: "أرغمت فاروق على التنازل على العرش". ص 126

[6]- محمد أمين: الإخوان المجرمون". كتاب يرصد شهادة المدعو خليفة عطوة، المتهم رقم 3 في حادث المنشية. ص 18

[7]- المرجع السابق. ص 19

اقرأ المزيد...
الوسوم:



دروس مجانية من روما: كيف تعود حدائق الحيوانات العربية للصدارة؟

2020-01-26

أقدم حديقة حيوان في أفريقيا، والأشهر من نوعها في الشرق الأوسط؛ حيث تشاركت أجيال وراء أجيال من محافظات مصر المختلفة لحظات بهجتها الأولى في الحياة، أمام الأسود والزرافات وفرسان النهر؛ حيث اجتمع عشاق شكلوا فيما بعد أسراً ممتدة، لكنّهم لم يشاركوا حينها سرّ عشقهم إلا أمام حيوانات كتومة، وحيث جلس الطلاب الفقراء يحفظون كلمات دروس اللغة الإنجليزية في المدرسة القريبة، يرددونها على مسامع القردة أمامهم ليثبت الحفظ، سيصيرون فيما بعد أطباء ومهندسين وقادة وزعماء ومناضلين.


إنّها حديقة الحيوانات المصرية في الجيزة، التي تمّ استبعادها من عضوية الاتحاد الدولي العام لحدائق الحيوان (waza) عام 2004، بعد اتهامات بتجاهل توصيات الاتحاد فيما يخصّ معاملة الحيوانات، بسبب تفاقم مشكلات عدّة فيها، وانبعاث الروائح الكريهة، وإهمال النظافة، والأعطال المتكررة في موتورات ضخّ المياه في البحيرات الصناعيّة، وإهمال تغذية الحيوانات على النحو المقبول، وقد وصل الأمر إلى حدّ إقدام بعض الحيوانات في الحديقة في الأعوام الماضية على الانتحار، هذا كلّه إلى جانب الإهمال الطبي، والحالة الرديئة لدورات المياه.

اقرأ أيضاً: كيف تساعد الحيوانات الأليفة المسنين على تخفيف آلامهم؟
بشكل عام؛ حين يبدأ الحديث، على استحياء، عن ضرورة تطوير حدائق الحيوان في البلدان العربية، يتجه التفكير مباشرة إلى أنّ هذه ليست أولوية في مجتمعات فقيرة تعاني من مشكلات لا حصر لها في قطاعات أهم كثيراً من حدائق الحيوان، ثم تتحول دفّة الحديث مباشرة إلى أنّ هذا الأمر يتطلب أموالاً كثيرة، وفكراً استثمارياً، بل وأن يوكل الأمر برمّته إلى رجال المال والأعمال بعيداً عن الدول، حتى تتحول تلك المشروعات إلى مشروعات استثمارية نافعة، تفيد زائر الحديقة والدولة والمستثمر في ذات الوقت.


ثمة مجموعة حلول مجانية قد تستطيع تبديل حال حدائق الحيوان العربية من حال إلى حال، دون الحاجة إلى المستثمر، بل بالأحرى مع ضرورة عدم التوجه إلى هذا الحلّ.

هناك حاجة إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار بأخرى زجاجية ومساحات أوسع

الهدف هنا ليست الرغبة في رؤية حدائق الحيوانات العربية تتصدر المؤشرات العالمية الخاصة بتصنيف هذا النوع من الحدائق، وليس تطويرها على النحو الذي يجذب السياحة ويحقق عوائد للمجتمعات والدول العربية، هذه كلّها فوائد مهمة بالطبع تنتج عن تطوير حدائق الحيوان، لكنّ الحديث سيكون عن شيء مختلف عن ذلك، والصدارة التي يبتغيها لحدائق الحيوان العربية، ليست في تصنيف كلّ عام على موقع "trip advisor"؛ فحدائق الحيوان العربية مهما ارتقت لن تلبي طموحات تلك المؤشرات التي تحتاج تلبيتها إلى ملايين الدولارات.

لا السياحة ولا السياح.. الأهمية الحقيقية لحدائق الحيوان
عادة حين يكتب الناشطون في الغرب، سواء هؤلاء المؤيدون لما تسمى حقوق البيئة وحقوق الحيوان، أو أولئك اليمينيون الذين لا يعيرون قضية البيئة والتغير المناخي والأجيال القادمة أيّ انتباه، فهؤلاء لا يقتربون من الاتفاق إلا في أمر واحد؛ وهو أنّ حدائق الحيوان، ويشددون هنا على الحديث عن الحدائق المتحضرة لا تلك المفتقدة لأدنى درجة من المعايير في الدول النامية، تلعب دوراً مهماً كمخزن للحيوانات المهددة بالانقراض في البرية، فتلك الأنواع تزداد قوة وقدرة على البقاء في حدائق الحيوان بالأرقام والإحصاءات، رغم كلّ الدعوات التي يرفعها البيئيون حول حقّ الحيوان في الحرية.

اقرأ أيضاً: حيوانات مختلفة استخدمت في عمليات التجسس.. تعرف إليها
يأتي هذا التشديد على دور حدائق الحيوان في ظلّ الهجوم البشري الشرس من أجل الانتفاع الاقتصادي، أو نتيجة للزحف السكاني باتجاه الغابات ومواطن الحيوان، على أعداد مهولة من الحيوانات؛ إذ أصبح من الصعب أن تسمع عن حيوان في برامج التلفاز أو في إحدى المطبوعات دون أن تتوقع جملة "لكنّ هذا النوع شهد نقصاً كبيراً في أعداده في الأعوام الأخيرة". 


يجادل آخرون من علماء الحيوان والناشطين في العالم الغربي أيضاً بأنّ هناك فائدة أكبر، غير مباشرة، من حدائق الحيوان، تحمي هي الأخرى الحيوانات من الانقراض، هذه الفائدة بحسبهم أنّ الناس لن تهتم بخبر في التلفاز حول احتمالية انقراض الدب القطبي إذا لم يدخلوا في تجربة حقيقية مع هذا الدب، ويشاهدوه وهو يلعب على بعد أمتار قليلة منهم، وهو يقوم بحركاته المدهشة، وأنّه بهذا النحو فقط يمكن تشكيل وعي لدى زائر الحديقة يجعله يهتمّ حين يختار مرشحاً سياسياً إن كان هذا المرشّح سيساهم بسياساته في قتل هذا الدب أم إنّه سيحميه.

اقرأ أيضاً: مشاعر مشتركة بين الإنسان وبعض الحيوانات.. هل تعرفها؟
في الواقع؛ كلّ ما سبق نقاشه مقبول ومتفهم في السياق الغربي، لكن على مستوى دولنا العربية فإنّ حدائق الحيوان، لها دور أكبر لتلعبه في تشكيل الأمة، دور لا علاقة له في الأساس بالحفاظ على البيئة أو حماية أكبر أعداد ممكنة من الشمبانزي كي تحيا، فهذه الأدوار البيئية ربما يكون من الإجحاف بمكان مطالبة فقراء العالم بالقيام بها.


قال الفيلسوف اليوناني كزينوفانيس، قبل ميلاد المسيح بأربعة قرون: إنّك لو أعطيت الخيول قلماً لترسم الإله كما تتخيله لرسمته فرساً عظيماً، والأسود لرسمته أعظم القساور، أما في منطقتنا العربية فنحن حين عرفنا الإله وأردنا أن نتعبده تعبدناه عبر الحيوانات، فالمصريون القدماء تخيلوا الآلهة حيوانات، وحين جاءت الرسالات الإبراهيمية وبزغت في منطقتنا ودعت لعبادة إله واحد فوق القدرة على التخيل، ضربت القصص والعبر دوماً بالحيوانات، ولا تكاد تخلو قصة رجل صالح أو نبي في القرآن، دون إشارة إلى حيوان يلعب دوراً أساسياً في قصته، ويكون وسيطاً لفهم الرموز الإلهية من خلاله؛ فمن حوت يونس إلى ناقة صالح، وصولاً إلى ذئب يوسف وكلب أهل الكهف، كانت الحيوانات دوماً وسيطاً بين الإنسان وطلب الحكمة في الدنيا.


فهم المتصوفة ذلك بشدة، فكان بعضهم يقول "لا نقبل مريداً لم يصاحب حيواناً"! وبشكل عام كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات من تلك التي كانت تلقاها في الحضارة المسيحية بالقرون الوسطى؛ إذ إنّ الوصايا في الإسلام على مراعاة الحيوان قد وصلت إلى حدّ قول الرسول ﷺ ذات مرة؛ إنّ امرأة بغياً من بني إسرائيل قد غفر الله لها كلّ ذنوبها لأنّها سقت ذات يوم كلباً.

اقرأ أيضاً: 7 حيوانات حظيت بمكانة خاصّة في الأديان والثقافات.. تعرّف عليها
بالنسبة إلى كاتب هذه السطور؛ فإنّه لم يكن ليكتب هذه السطور، أو أيّة سطور، لولا زيارة أسبوعية على مدار أعوام الطفولة، ولّدت العديد من الأسئلة حول الطبيعة والوجود والحق والخير والعدل، استعصت على الإجابة لكنّها كانت تلين حين تتحول إلى كتابة على ورق.


حديقة الحيوانات هي، باختصار، مكان مثالي، إذا ما تم تنظيمه على النحو التثقيفي الأمثل، لتوليد الأسئلة الكبرى في عقول النشء بطريقة سلسة، ولتفجير طاقات الخيال والرحمة ومقاربة القضايا الكبرى في العالم في آن واحد، على سبيل المثال؛ تعرض الآن شبكة "نتفليكس" على شاشتها سلسلة أخطر 72 حيواناً في قارة آسيا، وفي الواقع، إضافة إلى المتعة والاحترافية والمعلومات المهمة التثقيفية التي تطرحها السلسلة والتي تناسب الصغار والكبار، فإنّها لو عُرضت على أطفالنا في الصفوف الابتدائية ستكون درساً أكثر إثارة عن التنوع وتقبل الاختلاف والتعددية، من محاضرات مطولة تقليدية ينام في أثنائها الطلاب عن الموضوعات نفسها، حينها لن يتسابق الطلبة على الهروب من الدروس، إنما سيتسابقون على الحضور من أجل المتعة أولاً، ومن بعد المتعة يأتي كلّ شيء.
إذاً، ما هي دروس روما المجانية؟  
اتفقنا إذاً في أنّ حديقة الحيوان، خاصة في بلداننا الفقيرة، قبل كلّ شيء، هي وسيلة تعليمية وتثقيفية يسيرة، بإمكانها أن تفجر داخل العقول الصغيرة أسئلة اندهاش قد تقود فيما بعد لأسئلة أكبر فأكبر، ثم إجابات لعلّها تغير مستقبل أمتنا وتمنحها غداً أفضل من أمسها، لكن هل يحتاج تحقيق ذلك إلى أموال كثيرة واستثمارات ضخمة؟ الإجابة مدعومة بالصور، وهي "لا" لحسن الحظ، كلّ المطلوب هو رغبة حقيقية في التطوير بأقل الإمكانات وتحقيق الهدف المرجو.

اقرأ أيضاً: تعرّف على أشهر 8 حيوانات أصبحت رموزاً لدول

بإمكاننا هنا أن نتخذ من حديقة حيوانات روما، وهي بالمناسبة ليست مصنفة وفق المؤشرات العالمية ضمن العشرة الكبار في عالم حدائق الحيوانات، لكنّها تعدّ نموذجاً فريداً في ربط التسلية عند الطفل بالمتعة، أنموذجاً جيداً ندرسه ونطوره.


كما هو موضح بالصور؛ فإنّ كلّ بيت لحيوان ما حوله مجموعة كبيرة وبديعة من الصور التثقيفية الشيقة، وكما هو موضح، فكلّ لوحة من اللوحات قد صممت بإتقان فنّي ليكون عامل الجذب فيها على أعلى درجة ممكنة لتتمكن من جذب الأطفال، كلّ لوحة تتضمّن معلومات جذابة ومهمة عن حياة الحيوان، والأماكن التي يعيش فيها بخرائط تفاعلية، ودرجة تعرضه لخطر الانقراض، ومعلومات عن سلوكه وأطعمته المفضلة.

كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات

هذه اللوحات الجذابة التي تتضمن في بعضها أيضاً قصصاً قصيرة يكون بطلها هو الحيوان محلّ الزيارة نفسه، لا تضمن فقط تعريف الطفل على معلومات جديدة تنشط خياله، وإنّما هي وسيلة فعّالة لربط الطفل بالقراءة، ولك أن تتخيل تأثير قراءة هذا الكمّ من اللوحات والقصص الميسرة على قدرات الطفل اللغوية، في زمن يشكو فيه كلّ الآباء من أنّ أطفالهم لا يقرؤون. هذه اللوحات غير مكلفة بالطبع، ويمكن ببساطة أن يصنعها، على هذا النحو التفاعلي والجذاب، طلاب الكليات العربية من أقسام الآداب والفنون الجميلة وعلوم الحيوان ومعهد السينما، على نحو يكون هذا الأمر فيه هو مشروع تخرجهم تحت رعاية الدولة، وبذلك سيكون النفع العائد على الدولة والطلاب والأطفال أكبر بكثير مما يمكن تخيله، ولن يحتاج إلى مستثمر غني يشتري حدائق الحيوان العربية ليطورها، أو شيء من هذا القبيل، هو فقط يحتاج إلى تخطيط يمكّنك، كفرد، من تحقيق أكبر استفادة ممكنة من القدرات الكامنة في شباب وطنك، وغني عن القول إنّ هذه اللوحات ستكون أفضل بكثير من تلك الأوراق الخضراء القاتمة التي عهدناها بجوار أقفاص الحيوانات في حدائقنا، والتي لا تتضمّن إلا معلومات قصيرة مملة عن الحيوان.


على جانب آخر؛ هناك ألعاب تفاعلية أيضاً لا تحتاج إلى إنفاق سوى اليسير جداً من المال، أمام بيت كلّ حيوان، فإذا ذهبت أمام الذئب وجدت مجسماً على هيئة رأس ذئب، وإذا فتح فمه يجد معلومة عن الأطعمة المفضلة لهذا الذئب، على سبيل المثال، وإذا وقف أمام بيت النمر يجد مجسمات على شكل أعضاء جسم النمر، كتِبت على كلّ عضو عبارات عن الاستفادة الطبية التي تتحقق منه، إلى جانب الأساطير التي يعتقدها الناس فيه والحقائق العلمية، كذلك تستغل الحديقة بيت القرد لتحكي للأطفال بشكل مبسط عن نظرية التطور، وتوفر معلقاً صوتياً أمام هذا البيت المهم، ليحكي قصصاً شيقة عن هذا الكائن الذي يتشارك معنا في العديد من الصفات.
أما على صعيد الاتهامات التي توجه دوماً لحدائق الحيوان العربية بسوء معاملة الحيوان، فالحلّ هنا أيضاً لا يحتاج إلى الكثير من المال، فقط يحتاج إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار، بأخرى زجاجية، ومساحات أوسع جغرافياً للحيوان ليمارس حياته الطبيعية بحرية، مع إضافة ألعاب زهيدة السعر لكلّ حيوان في بيته الزجاجي الواسع، بما يتلاءم مع طبيعة تكوينه المتفردة.

للمشاركة:

هكذا عزّزت شركة "سادات" التركية القدرات العسكرية لحماس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

تغريد علي

في محاولة لإيجاد موطئ قدم له على الساحة العربية؛ يسعى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى استغلال القضية الفلسطينية سياسياً، على أمل تحقيق الوهم باستعادة الخلافة الإسلامية والإمبراطورية العثمانية الزائلة؛ حيث تتلاعب حماس وتركيا بالقضية الفلسطينية باعتبارها من القضايا التي تشغل العالم الإسلامي والدولي، لتحقيق مكاسب ذاتية على حساب الشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني حماس بإعادة جدولة "مسيرات العودة"؟
وترتبط حركة حماس بعلاقات وثيقة مع تركيا، في ظلّ الزيارات المتبادلة، التي كانت آخرها زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في 8 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والتي تعدّ الأولى من نوعها منذ انتخابه رئيساً للحركة في عام 2017، إضافة إلى تقديمها ملاذاً آمناً لبعض قياداتها السياسيين والعسكريين، رغم اعتبار حركة حماس من قبل بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا بأنّها منظمة إرهابية.

يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى استغلال القضية الفلسطينية سياسياً
وتعدّ تركيا أحد أبرز الداعمين لحركة حماس، منذ تولّي حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002؛ حيث انتقدت أنقرة القرار الأمريكي بإدراج رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، على لائحتها السوداء لـ "الإرهابيين"، وبات الدعم التركي مهماً للغاية لحركة حماس، بعد أن تحطمت آمال أنقرة بالاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي أطيح بها بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.

المحلل السياسي تيسير الريماوي: عدم جدية السلطة الفلسطينية في معالجة الانقسام يعطي الذريعة لحماس للاستمرار في ذلك

واتّهمت إسرائيل، في 12 شباط (فبراير) 2018، "مقربين" من الحكومة التركية بمساعدة حركة حماس، بعد اعتقال وطرد مواطن تركي من إسرائيل، في أعقاب تحقيق أجراه جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشين بيت" عن الأنشطة العسكرية والاقتصادية واسعة النطاق التي تقوم بها حماس في تركيا دون أيّة معوقات، متهماً السلطات التركية بغض الطرف عنها بمساعدة مواطنين أتراك بعضهم مقربون من الحكومة التركية لحركة حماس.

وأفادت تحقيقات "الشين بيت"؛ بأنّ تركيا تساهم في تعزيز قدرات حماس العسكرية من خلال الكشف عن نشاط واسع النطاق تقوم به حركة حماس لغسيل الأموال في تركيا، يقدَّر بملايين الدولارات، وتمّ نقل هذه الأموال إلى الضفة الغربية المحتلة، وساعدت في تجنيد مواطنين عرب، إضافة لمساهمة تركيا في القدرات العسكرية لحماس عبر شركة "سادات" التي أنشأت "بتوصية من عدنان باشا، وهو مستشار قريب من مسؤولي الإدارة التركية".

اقرأ أيضاً: هل أساء ولاء حماس لإيران وتركيا للقضية الفلسطينية؟

وبحسب ما هو منشور على موقعها على الإنترنت؛ فإنّ "سادات" هي شركة لاستشارات في الدفاع الدولي، وأنّها "الشركة الأولى والوحيدة في تركيا التي تقدّم خدمات الاستشارات والتدريب العسكري على المستوى الدولي في قطاع الدفاع والأمن الداخلي، وتأسست تحت رئاسة العميد المتقاعد، والمقرَّب من أردوغان، عدنان فردي، وبدأت أنشطتها، في شباط (فبراير) 2012.

وتقول الشركة؛ إنّ هدفها "تأسيس تعاون بين الدول الإسلامية في مجال الصناعات العسكرية والدفاعية"، فيما يتضح من أنشطتها، داخل تركيا وخارجها، إنّها إحدى أذرع أردوغان لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية، الذي يأمل تنفيذه من خلال الهيمنة على الدول العربية والتلاعب كذلك بالقضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: إيران وحماس.. حبل لن ينقطع

المؤشرات تظهر أنّ "سادات" تتبنى أيديولوجيا "سلفية جهادية"، ولعبت دوراً في قمع المعارضين الأتراك، في تموز (يوليو) 2016، فضلاً عن أنّ هناك تقارير تشير إلى أنّها تتورط في توفير السلاح للميليشيات الإرهابية المتحالفة مع نظام أردوغان، في سوريا وليبيا، إضافة إلى دورها في إنشاء ميليشيات جديدة مؤيدة للرئيس التركي، بحسب تقرير لموقع تحليل قضايا الإرهاب "تيروريزم أناليستس".

دعم تركيا لحركة حماس

وفي تعليقه على ذلك، يقول المحلل السياسي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، غيث العمري، لـ "حفريات": إنّ "الدعم التركي لحركة حماس ينبع من عاملَين رئيسَين: أولاً الدعم التركي لمشروع الإخوان المسلمين إقليمياً؛ حيث تعدّ حماس التجربة الإخوانية الوحيدة المتبقية في السلطة في العالم العربي بعد انحسار الربيع العربي، وثانياً: تشكل حماس المدخل لتركيا للانخراط في الموضوع الفلسطيني بكل ما يحمله من أهمية رمزية وسياسية، مبيناً أنّ هذا الدعم يتجلّى أحياناً في محاولة تقديم حماس كبديل عن منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني، كما تمّ في مؤتمر كوالالمبور، على سبيل المثال، الأمر الذي من شأنه، بلا شكّ، تعميق الانقسام".

اقرأ أيضاً: محللون لـ "حفريات": تركيا تدعم حماس لتقوية التواجد الإخواني في غزة

ولفت إلى أنّ "العلاقة بين حماس وتركيا ترتكز على اشتراكهما في تبني رؤية الإخوان المسلمين، غير أنّ هذه العلاقة تعمقت إثر أزمة سفينة "مافي مرمرة"، وخروج حماس من سوريا مع بدايات الأزمة السورية، أثناء الربيع العربي؛ حيث استضافت تركيا بعض قيادات حماس، ومنحت الحركة دعماً سياسياً، وفي بعض الأحيان لوجستياً، ورغم إبعاد تركيا لبعض قيادات الحركة لاحقاً، فإنّ العلاقة لم تتأثر سلباً؛ حيث يستفيد الطرفان من استمرار العلاقة، مشيراً إلى أنّ تركيا تستفيد من استخدام الورقة الفلسطينية، وحماس تستفيد من الدعم السياسي التركي، وسماح تركيا لبعض عناصر حماس بالعمل داخل أراضيها".

تغليب المصالح التركية

وتابع العمري: "زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأخيرة إلى تركيا تندرج تحت مسمَّى الزيارات الروتينية، لا البحث عن ملاذ آمن لقيادتها في الخارج، لعلم حركة حماس بأنّ تركيا على استعداد لطرد جميع عناصرها وقياداتها عندما تستدعي المصلحة التركية ذلك، كما حصل عند طرد القيادي بالحركة، صالح العاروري، من قبل السلطات التركية خلال العام 2015، إثر الاتفاق التركي الإسرائيلي في ذلك العام".

الباحث غيث العمري: حماس تدرك بأنّ تركيا على استعداد لطرد جميع عناصرها وقيادتها عندما تستدعي المصلحة التركية ذلك

وبيّن أنّ "رهانات حماس الإقليمية كانت سبباً في قطيعتها مع المملكة العربية السعودية، باعتبار أنّ حماس جزء من المحورَين الذين تعدّهما السعودية تهديداً لأمنها ومصالحها، أولهما: المحور الإخواني بقيادة تركيا وقطر، وثانيهما: هو المحور الإيراني، كما ظهر في مشاركة وفد رفيع من حماس في جنازة قاسم سليماني، وقد أوضحت السعودية موقفها من حماس قبل عدة أعوام؛ حيث طلبت منها الخروج من هذَين المحورين، إذا ما رغبت في بناء علاقات معها، الأمر الذي ترفضه حماس، مما يبقيها في حال قطيعة ليس فقط مع السعودية بل مع دول عربية أخرى، في الخليج العربي وخارجه".
وعن إمكانية أن تخاطر تركيا بعلاقاتها الاقتصادية القوية مع إسرائيل، بدعمها لحركة حماس، يقول العمري: "تركيا لم تخاطر بعلاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، حتى في أوج الأزمة السياسية بين البلدين، إثر حادثة سفينة "مافي مرمرة"، وعندما اشترطت إسرائيل إبعاد قيادات من حماس، وبشكل خاص صالح العاروري، كشرط لتطبيع العلاقات الدبلوماسية امتثلت تركيا للشرط الإسرائيلي".

 

القضية الفلسطينية لتسويق السياسات التركية
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي، تيسير الريماوي أنّ "حركة حماس هي مدخل تركيا لاستخدام الورقة الفلسطينية، كإحدى أدوات تسويق سياساتها الإقليمية، إضافة إلى أدوات كثيرة أخرى منها السياسية، كاستغلالها الأزمات الليبية والسورية والخليجية، ومنها الأدوات الناعمة؛ كمحاولتها إعادة كتابة التاريخ، خاصة المتعلق بالفترة العثمانية، وأثرها في العالم العربي".

اقرأ أيضاً: حماس والأعرابي: ما الذي كشفه مقتل قاسم سليماني؟

ويضيف الريماوي، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "زيارات قادة حركة حماس لتركيا يضرّ بالتمثيل الفلسطيني، فهي تطرح نفسها كبديل عن منظمة التحرير"، مبيناً أنّ "حماس استغلت ضعف المنظمة والضرر الذي ألحقته السياسة الأمريكية الحالية بالتمثيل الفلسطيني، من أجل تقديم نفسها كبديل عنها، غير أنّه، وعلى المدى البعيد، تبقى المواقف والأهداف الأمريكية متعارضة تماماً مع مواقف وأهداف حماس".
ولفت إلى أنّ "حركة حماس تسعى إلى فصل قطاع غزة عن القضية الفلسطينية، وتقديم نفسها بديلاً عن الشرعية"، مؤكداً أنّ "ممارسات حماس على الأرض منعت السلطة الفلسطينية من ممارسة مهامها، وممارسات الحركة سياسياً، كما ظهر مؤخراً في تصريحات رئيسها، إسماعيل هنية، خلال تقديم واجب العزاء في السلطان قابوس، كلّ هذه الممارسات تشير إلى أنّ حماس تحاول تقديم نفسها كبديل عن الشرعية، بالتالي؛ فإنّ عدم جدية السلطة الفلسطينية في معالجة الانقسام يعطي الذريعة لحماس للاستمرار في ذلك".

للمشاركة:

حقائق مريرة عن العراق يقدمها رئيسه للعالم.. ما هي؟

2020-01-25

في الكلمة بالغة الأهمية للرئيس برهم صالح، أمام دافوس، كان هناك إقرار بجملة حقائق مريرة عن العراق، فهو "في عين العاصفة"، بحسب الرئيس، في كلمته المنشورة على موقع رئاسة جمهورية العراق، لا بل إنّه أكد "لن يندهش أحد في هذه القاعة حين أقول بكل صراحة: هذه أوقات عصيبة بالنسبة للعراق".

برهم صالح: يتظاهر المحتجون ومعظمهم من الشباب العراقي من أجل حياة أفضل ووطن ووضع حد للفساد الذي أصاب بلادنا بالشلل

هذا الاعتراف "الصادم" لم يأت كملمح وحيد في خطاب صالح بل موقفه المؤيد الضمني للاحتجاجات الشعبية، فثمة حديث الإعجاب عن المتظاهرين السلميين وعبر التوصيفات التالية:
*تأييد الفكرة التي قامت عليها التظاهرات بقوله: "يتظاهر المحتجون، ومعظمهم من الشباب العراقي، في الشوارع منذ نحو أربعة أشهر، واضعين حياتهم على المحك للمطالبة بالتغيير". فهم يحتجون "من أجل حياة أفضل، ووطن، ومزيد من الوظائف، وتحسين الخدمات، ووضع حد للفساد الذي أصاب بلادنا بالشلل منذ فترة طويلة. إنني أريد الشيء ذاته لهم".
* التعارض الكلي مع كل الاتهامات التي وجهها مسؤولون عراقيون في الحكومة والبرلمان، ناهيك عن معظم قادة المجموعات المسلحة بكون المتظاهرين ينفذون "أجندات خارجية" فهو وصف المحتجين السلميين على هذا النحو "لديهم رغبات عميقة ومطالب بفرص اقتصادية وأخرى لوطن، وأن يجعلوا أصواتهم مسموعة ومستجابة".

خلال الكلمة للرئيس برهم صالح أمام دافوس
*وحتى الصدام الأمريكي- الإيراني الذي وضع العراق في "عين العاصفة"، كان له موقف واضح من الشباب المحتج عبّر عنه صالح في الحاجة الماسة إلى إبعاد البلاد عن هذا الصراع "وهذا ما يطالب به عشرات الآلاف من الشباب العراقي في احتجاجات سلمية في شوارع بغداد وغيرها من المدن، والتي بدأت منذ نحو أربعة أشهر".
* ثنائه على إحياء المتظاهرين لفكرة الوطنية العراقية التي كادت 14 عاماً من الطائفية أن تقلتها "إنّهم يريدون أن تكون الوطنية العراقية شاملة، ولا تنقسم وفقاً للهوية الطائفية".

اقرأ أيضاً: استهداف ساحات الاعتصامات في العراق.. من وراءه؟
*الشباب المتظاهرون هم الأمل بعافية لـ "الديمقرطية" العراقية " إنّهم يريدون نظاماً سياسياً ديمقراطياً يعكس هويتهم الجامعة ويستعيد كرامتهم. إنهم يريدون انتخابات حرة ونزيهة".
* إدانة الرئيس الواضحة للعنف الوحشي والواسع الذي مارسته سلطات العراق بحق المتظاهرين "إنّه لأمر مدمر ومؤلم من أنّ أعمال العنف التي يرتكبها الخارجون عن القانون أدت إلى مقتل أكثر من 600 من المتظاهرين الأبرياء السلميين". هذا وإن بدا إدانة ضمنية حتى لموقعه كرئيس للبلاد، فهو يكشف وجود سلطات أقوى من الدولة العراقية هي من تقول كلمتها، بل تبدو استغاثة أمام العالم إن أنقذوا العراق من قتلة أبنائه فنحن غير قادرين على ذلك!

جوهر التهديد والوعيد؟

ست حقائق توفر ستة أسباب لتعرض الرئيس لهجوم، بل تهديد من المجموعات المسلّحة (الشيعية) الخارجة على القانون ومنها "كتاب حزب الله"، وفق موقع "عواجل برس"، حتى وإن تذرعت بكونه صافح ترامب "قاتل الشهيد أبو مهدي المهندس وضيفه المجاهد قاسم سليماني" على حد وصف تلك المجموعات. اللافت أنّ رئيس الوزراء وكل أركان حكومته لم يوفروا احتجاجاً على التهديدات الموجهة للرئيس صالح، وجاءت المواقف المؤيدة له من شخصيات سياسية بارزة خارج الحكومة، كما فعل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي شدد على أنّ رئيس الجمهورية هو "حامي الدستور وحامي الثوار"، لا بل إنّه وعلى لسان الناطق باسمه زاد على ذلك بكون برهم صالح "أعاد الاعتبار لموقع رئاسة الجمهورية وعلى حساب سلطة الأحزاب"، وفق ما أورد موقع "التحريرنيوز"
هنا كانت الحاجةُ ماسةً لردع المجموعات الشيعية المسلّحة الخارجة على القانون ولا أحد قادرٌ على مثل هذا الردع مثلما يوفره زعيم التيار الصدري.

هشاشة النظام السياسي العراقي
كشفت تلك المواقف والمؤشرات هشاشة النظام السياسي الممعن في فساده؛ المادي والمعنوي، ففي التقرير الصادر الأسبوع الماضي جاء العراق، وفق ما أورد موقع "الحرة"، في المركز 16 عربياً (162 عالمياً) في لائحة النزاهة التي أصدرتها مؤخراً منظمة الشفافية العالمية، مثلما تحوّل نظامه السياسي من "ديمقراطي هجين" إلى "استبدادي" كما ذكر  تقرير "مؤشر الديمقراطية" الذي أصدرته مؤخراً "وحدة الاستخبارات الاقتصادية" التي تتبع مجموعة مجلة الإيكونوميست البريطانية الشهيرة.

مقتدى الصدر: رئيس الجمهورية هو حامي الدستور وحامي الثوار، وأعاد الاعتبار لموقع الرئاسة وعلى حساب سلطة الأحزاب

ويشير التقرير إلى أنّ العراق "تحول من نظام هجين إلى نظام استبدادي نتيجة الإضرابات العنيفة التي اندلعت في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 ضد الفساد والبطالة".
اللافت أنّ المؤشرين الآنفي الذكر (الفساد والتحول إلى الاستبداد) كانا حاضرين في خطاب الرئيس صالح كأنّه، وإن ظل متفائلاً بقدرة البلاد على الخروج من أزماتها، يرثي نظامه السياسي فهو قال في دافوس "يجب القضاء على الفساد مرة واحدة وإلى الأبد ويجب إرساء الحكم الرشيد وسيادة القانون في الممارسة العملية، بدلاً من أن تكون مجرد كلمات وبلاغة تكرر مراراً وتكراراً إلى ما لا نهاية"، مثلما قال مراراً وتكراراً بحاجة البلاد إلى "انتخابات حقيقية تتولاها مفوضية مستقلة بكل معنى الكلمة"، وفي ذلك إقرارٌ في أنّ الانتخابات السابقة لم تكن نزيهة وأدارتها هيئات غير مستقلة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يستغل داعش التظاهرات في العراق؟
لكن ثمة من يرى أنّ "طبيعة النظام السياسي في العراق لم تعد أمراً يعني الأمريكيين" كما يهب إلى ذلك الكاتب والباحث العراقي د. حيدر سعيد بقوله في مقال له منشور في موقع "العربي الجديد": "لم يعد يعني الولايات المتحدة ما إذا كان النظامُ في العراق ديمقراطياً أم لا، ليبرالياً أم لا، يصون حقوق الإنسان والحريات أم لا، ولم يعد يعنيها تقويمُ هذا النظام ودعمه ليتقدم في هذا المجال، بقدر ما تعنيها مواجهة إيران، وتبعية النظام في العراق لإيران، ونفوذ أتباعها فيه"، لا بل إنّه يشدد "لا ينبغي أن ننسى أنّ الولايات المتحدة كانت مع بقاء عادل عبد المهدي في منصبه رئيساً للوزراء، لولا شجاعة الحراك الثوري، الذي دفعه مرغماً على الاستقالة، على الرغم من اتفاق إيران والولايات المتحدة على بقائه".

صوت حزين في دافوس لدم مسفوح ببغداد
ولو أضفنا تعبيرأ نفسياً يمكن من خلاله قراءة كلمة الرئيس صالح، وتحديداً ما خص أهوال العنف الممارس بحق المتظاهرين السلميين في بغداد الأسبوع الماضي، لوجدناه يمثل "استغاثة دامعة"، شجعت هيئات رسمية عراقية على قول ما لم تكن قادرةً على قوله سابقاً فقد أكدت "مفوضية حقوق الإنسان" العراقية أنّ الجماعات المسلّحة المجهولة التي تستهدف المحتجين تظهر أنّ قوات الأمن غير قادرة على حماية المواطنين".

اقرأ أيضاً: ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟
وقال عضو المفوضية علي البياتي "أشّرنا مقتل أربعة متظاهرين في بغداد، وواحد في ديالى، واثنين في كربلاء، وخمسة في البصرة"، مشدداً على أنّ "العنف ضد المتظاهرين مستمر بشكل واضح".
هنا جاء تصريح البياتي لجهة أنّ "الجماعات المسلّحة المجهولة التي تستهدف المحتجين تظهر أنّ قوات الأمن غير قادرة على حماية المواطنين"، متوافقاً مع تعبير الرئيس صالح في إدانة العنف الوحشي والواسع الذي مارسته سلطات العراق بحق المتظاهرين "إنه لأمر مدمر ومؤلم من أنّ أعمال العنف التي يرتكبها الخارجون عن القانون أدت إلى مقتل أكثر من 600 من المتظاهرين الأبرياء السلميين".

للمشاركة:



انتهاكات إيرانية جديدة في القطاع النووي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أعلنت هيئة الطاقة النووية الإيرانية؛ أنّها الآن في وضع يسمح لها بتخصيب اليورانيوم إلى درجة لا حدود لها.

وقال نائب رئيس الهيئة، علي أصغر زاريان، أمس: إن ّ الهيئة ستقوم بتخصيب اليورانيوم بلا حدود، إذا أعطت القيادة السياسية الضوء الأخضر لذلك"، وفق ما نقلت الوكالة الألمانية عن وكالة "إيرنا" الإيرانية.

وأضافت الوكالة: "الهيئة تنتج حالياً جيلاً جديداً من أجهزة الطرد المركزي تسرع عملية التخصيب بصورة هائلة، وتقوم منذ فترة باختبار أجهزة الطرد المركزي".

هيئة الطاقة النووية الإيرانية تعلن أنّها مستعدة لتخصيب اليورانيوم إلى درجة لا حدود لها

وكانت إيران قد قررت، تخصيب اليورانيوم بلا قيود، في خامس خطوات تخفيض التزاماتها، المنصوص عليها ضمن الاتفاق النووي المبرم مع قوى عالمية عام 2015.

وقالت حكومة الرئيس حسن روحاني، في بيان: "هذه الخطوة هي آخر خطوات تخفيض الالتزامات النووية، التي بدأتها طهران في أيار (مايو) الماضي، ولن نضع قيوداً على عمليات تخصيب اليورانيوم بعد الآن".

وذكر البيان الذي أوردته وكالة "تسنيم"؛ أنّ الخطوة الخامسة تنهي أيضاً القيود التي فرضها الاتفاق النووي على مستوى الاحتفاظ بالمواد النووية المخصبة، وكذلك البحث والتطوير نووياً.

ولفت البيان إلى أنّ هذه الخطوة بمثابة مفتاح للقيود التشغيلية المفروضة في الاتفاق النووي الإيراني، الموقَّع قبل 4 أعوام، وذلك بدعوى الردّ على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وإعادة فرضها عقوبات على طهران، في أيار (مايو) ٢٠١٨.

كما رأى البيان؛ أنّ إيران مستعدة للتراجع عن خفض التزاماتها النووية في حال رفعت واشنطن العقوبات المفروضة عليها منذ العام الماضي.

هيئة الطاقة النووية تنتج حالياً جيلاً جديداً من أجهزة الطرد المركزي لتسريع عملية التخصيب

ويلزم الاتفاق النووي المبرم بين إيران ومجموعة دول "5+1" في العاصمة النمساوية فيينا، الموقّع في حزيران (يونيو) عام 2015، طهران بتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب المستخدم في صنع وقود المفاعلات النووية وأسلحة الدمار الشامل، في غضون مدة تصل لنحو 15 عاماً، وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي لديها لـ ١٠ أعوام.

ودخل النظام الإيراني مرحلة جديدة من الانتهاكات النووية، في أيار (مايو) 2019، بدعوى مرور عام على انسحاب الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق النووي المثير للجدل.

ولم يصدر أيّ تعليق عن الدولة الأوروبية، المتشبثة بالاتفاق النووي مع إيران، على اانتهاكها كلّ يوم لبنود ذلك الاتفاق.

 

 

 

 

 

للمشاركة:

هل نجح الصدر في اختراق الحراك العراقي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أثار قرار الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، بسحب أنصاره من مظاهرات العراق الكثير من ردود فعل الغاضبة من قبل المحتجين؛ حيث هاجمت اللجنة التنسيقية للتظاهرات في العراق، أمس، موقف الصدر بسحب انصاره من ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات ووصفته "بالخزي والخيانة".

وذكر بيان للجنة المركزية العليا لتنسيقيات احتجاجات العراق؛ أنّ "مقتدى يغدر بالأحرار"، مضيفاً: "لم نخرج بفتوى دينية، ولم نخرج بتغريدة صدرية، فلا يراهن مقتدى وأنصاره على نفاد صبرنا ونهاية ثورتنا"، وفق ما نقلت وكالات أنباء محلية.

متظاهرون يهاجمون الصدر بسبب سحب أنصاره من ساحات التظاهر ويصفوه "بالخزي والخيانة"

وجاء في البيان: "نحن باقون في الساحات حتى تحقيق أهداف الثورة، ولن نخذل دماء الشهداء، ولن يكونوا ورقة على طاولة المتاجرة السياسة كما فعل الصدر"، وجاء فيه أيضاً: "ما فعله هو خزي وخيانة للثوار وسيكون ثمنه رئاسة الحكومة القادمة، كما وعدته إيران".

من جانبهم، توقّع نشطاء في الحراك الشعبي في السابق أن يتراجع مقتدى الصدر عن مواقفه، التي ادعى فيها دعمه للمحتجين؛ حيث ظهر أنّ تلك الدعوات محاولة لاختراق الحراك من الداخل ما يصبّ في النهاية في مصلحة ايران.

والتقى الصدر في الفترة الأخيرة بقيادات إيرانية عديدة، في مؤشر واضح إلى وجود تقارب بين التيار الصدري والسلطات الإيرانية التي تدعم طبقة سياسية متهمة بالفساد.

نشطاء توقعوا بأن يتراجع الصدر عن مواقفه الداعمة للمحتجين مؤكدين أنّه حاول اختراق الحراك لمصلحة ايران

وكان الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، قد أعطى الأوامر لأنصاره بمغادرة ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات؛ مما سهل على القوات العراقية اقتحام ساحات التظاهر وإحراق خيم الاعتصام، وتفريق المتظاهرين واعتقال عدد منهم.

وقد نزل الآلاف من أنصار التيار الصدري في مسيرة في بغداد، الأول من أمس، للضغط من أجل إخراج القوات الأمريكية من العراق، وسط دعم من الميليشيات الموالية لإيران، في وقت هتف فيه المحتجون ضدّ الصدر، على خلفية تقربه مؤخراً من تلك الفصائل وعدم انتقاده للتدخلات الإيرانية.

 

 

للمشاركة:

وثائق سرية تكشف علاقة أردوغان بتنظيم القاعدة في ليبيا.. هذا ما ورد فيها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشفت وثائق استخباراتية جديدة، نشرها موقع "نورديك مونيتور" السويدي، وجود علاقة أنقرة بتنظيم القاعدة الإرهابي.

وأوضحت الوثائق السرية، مشاركة مجموعة بن علي الجهادية، بقيادة الليبي المتشدد المقرّب من تنظيم القاعدة، عبد العظيم علي موسى بن علي، في نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا، حسبما نقلت صحيفة "العرب" اللندنية.

وعمل قائد مجموعة بن علي مع فداء المجذوب، الذي كان على اتصال مع مستشاري أردوغان السابقين، إبراهيم كالين (المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الآن)، وسفر طوران (كبير المستشارين الرئاسيين الآن)، أثناء تنظيم سفر المقاتلين الأجانب وتزويدهم بالأسلحة.

وكان مدير موقع "نورديك مونيتور"، عبد الله بوزكورت، قد تحدث، في نيسان (أبريل) الماضي، خلال جلسة عقدها البرلمان الهولندي في لاهاي، عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة وداعش في سوريا والعراق وعدد من دول البحر المتوسط، من خلال تزويدها بالأسلحة والأموال، وتقديم الدعم اللوجستي لها.

وقال بوزكورت: "أردوغان اتبع سياسة خبيثة تقوم على التحذير من التهديد الإرهابي، حيث استخدم المخاوف كورقة ضغط ومساومة في أيّة مفاوضات دولية عن أنقرة وحلفائها وشركائها"، وتابع: "سيكتشف أولئك الذين يتابعون العمليات الإرهابية الكبرى التي يشنها تنظيم داعش في أوروبا وآسيا؛ أنّ معظم المهاجمين والمفجرين الانتحاريين قضوا بعض الوقت في تركيا".

تقرير استخباراتي جديد يكشف علاقة تركيا ببعض القيادات الإرهابية المقربة من تنظيم القاعدة

وبحسب ما جاء في التقرير، الذي نشره "نورديك مونيتور"، بتاريخ 20 كانون الثاني (يناير) 2020، تولّت مجموعة بن علي استقبال المقاتلين الأجانب القادمين من ليبيا، ونقلهم إلى مقاطعة هاتاي التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، والاتصال بعائلاتهم إن لزم الأمر.

كما تضمن تقرير الشرطة وثائق سرية من جهاز المخابرات الوطني التركي، فيها معلومات عن علاقات تنظيم القاعدة في ليبيا بتركيا، والتي ترجع إلى تموز (يوليو) 2012.

ووفق التقرير؛ كان بن علي يعمل بمساعدة جهادي ليبي آخر يدعى المهدي الحاراتي.

 ويذكر أنّ الحاراتي كان من بين المتطوعين الذين كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية تركية، كانت متوجهة إلى غزة قبل أن تتعرض إلى هجوم إسرائيلي، عام 2010. ونُقل إلى أحد المستشفيات التركية، وقد زاره أردوغان، وتوثّق صورة متداولة على شبكة الإنترنت هذا اللقاء، ويظهر فيها الحاراتي وهو يقبّل جبهة أردوغان.

بحسب التقرير، كان بن علي يعمل مع فداء المجذوب الذي تعاون مع عدد من مساعدي أردوغان، لتنسيق أنشطته غير القانونية مع حسين أوروك، الذي يترأس مجموعة خيرية تركية مثيرة للجدل (هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات)، ومنسق عمليات شرق الأناضول وجنوبه التابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات صلاح الدين أوزر، وقائد الجيش السوري الحر، مالك الكردي.

وتُعرف هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات كأداة يوظفها جهاز المخابرات التركي، وساهمت الهيئة في نقل مقاتلي الدولة الإسلامية والقاعدة المصابين بسيارات إسعاف من سوريا إلى تركيا.

بوزكورت تحدث عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة في سوريا والعراق وليبيا

ويذكر التقرير؛ أنّ روسيا قدمت تقريراً استخباراتياً يؤكّد ضلوع تركيا في دعم الجهاديين، إلى الأمم المتحدة، في 10 تشرين الثاني (فبراير) 2016، هذا إضافة إلى سرد العديد من الحوادث التي توضح كيفية تورط جهاز المخابرات الوطني التركي مع الجماعات الجهادية، وتولّى التقرير الروسي تفصيل أنشطة الحاراتي غير القانونية التي تمكن من تحقيقها بمساعدة جهاز المخابرات.

وجاء في التقرير: "في آذار (مارس) 2014، عمل رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي، هاكان فيدان، على تنسيق نقل وحدة كبيرة تابعة لتنظيم داعش بقيادة الحاراتي، وهو مواطن ليبي، وجرى نقل المقاتلين من ليبيا إلى سوريا بحراً عبر المعبر الواقع على الحدود التركية السورية".

وأشار تقرير سابق نشره موقع "نورديك مونيتور"، عن علاقات تركيا بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى اجتماع قيادتها مع قادة الجيش السوري الحر في إسطنبول، وعلى الحدود التركية السورية، عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:



من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

يقظة أمنية ووعي شعبي.. فشل دعوات الإخوان للفوضى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

رشا عمار

فشلت آلة التخريب الإخوانية في مصر في تحقيق مآربها بنشر دعاوى الفوضى والتخريب في ربوع البلاد، بفضل يقظة الأجهزة الأمنية ووعي الشعب المصري.

وعلى مدار ست سنوات لم تتوقف خلالها محاولات التنظيم الإرهابي لبث الفوضى بالداخل المصري، واستغلال الأحداث لإعادة الجماعة المطرودة بأمر الشعب إلى المشهد السياسي. 

وبالتزامن مع ذكرى أحداث الخامس والعشرين من يناير، سعت الجماعة الإرهابية بكل قوة لاستعادة أجواء الفوضى لخدمة مصالحها والضغط على المصريين، أملا في العودة.

ويقول مصدر أمني مصري إن بلاده رصدت تحركات لعناصر إخوانية موجودة بالخارج تحاول تقويض حالة الاستقرار التي تشهدها مصر حاليا.

وأوضح المصدر الذي تحدث لـ"العين الإخبارية"، شريطة عدم ذكر اسمه، أن الجماعة حاولت خلال الفترة الماضية تغيير مخططاتها، بالاعتماد على تسييس المطالب الاقتصادية لبعض الفئات، وتحويلها إلى أزمات من خلال نشر الشائعات وقلب الحقائق باستخدام عشرات اللجان من عناصر "الذباب الإلكتروني".

وتابع المصدر أن الجماعة دشنت صفحات عدة لاستقطاب الشباب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحمل أسماء ليس لها أي صلة بالتنظيم مثل صفحتي "الجوكر، الحركة الشعبية، الثورة المصرية، الحراك الثوري".

وكلفت الجماعة الإرهابية، حسب المصدر، شباب التنظيم باستقطاب أكبر عدد من الشباب خاصة ممن يعانون من أوضاع اقتصادية غير مستقرة، ودعوتهم للمشاركة في المظاهرات.

وكشفت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها، الأسبوع الماضي، مخطط الجماعة لإثارة الفوضى بالبلاد بالتزامن مع ذكرى 25 يناير، يدار من تركيا.

وأكد البيان أن العناصر مهمتها استقطاب وفرز العناصر المتأثرة بتلك الدعوات يعقبها ضمهم لمجموعات سرية مغلقة على تطبيق "تليجرام" تتولى كل منها أدوارا محددة تستهدف تنظيم المظاهرات وإثارة الشغب وقطع الطرق وتعطيل حركة المواصلات العامة والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت الدولة".

وأقر الإرهابي سامي جمال جاد الرب، أحد عناصر الخلية، بأنه تلقى تعليمات هو ومجموعته من قيادات الإخوان الموجودة في تركيا، بالتحرك على مواقع التواصل الاجتماعي، استعدادا للنزول في مظاهرات يوم 25 يناير المقبل، وبدأت بالفعل استقطاب الشباب من خلال صفحة الحركة الشعبية على "فيسبوك".

وأضاف، خلال اعترافاته أمام النيابة المصرية، أن الصفحة الشعبية هي من صنع الإخوان، ويدخل عليها الشباب والمهتمون، وتم تكليفنا بالدخول عليها واختيار الشباب الذين يتأثرون بالكلام السلبي الذي يتم ترويجه عن أوضاع البلد ونبدأ في ضمهم إلى مجموعات أخرى على موقع "تليجرام".

ويواصل في اعترافاته: "نقوم بتقسيمهم إلى مجموعات ونحدد هدف ودور كل شخص فيهم في حالة نزولنا للشارع في يناير، فهناك مجموعة تكون مسؤولة عن قذف الحجارة، ومجموعة تقوم بقطع الطرق، ومجموعة تقوم بأعمال الشغب، وأخرى تقوم باستعمال أسلحة الخرطوش".

وأكد الإرهابي الإخواني أن دور جماعته في حالة النجاح يتم النزول للشارع والمشاركة وتوزيع الأموال والسيطرة على هذه المجموعات، وفي حالة الفشل وإلقاء القبض على أي منهم تضمن الجماعة عدم وقوع عناصرها في قبضة الأمن.

وشهدت مصر خلال السنوات الست الماضية موجة من أشرس موجات الإرهاب الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، حتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وخلال السنوات الماضية فشلت جميع دعوات التنظيم الإرهابي في دعوة المصريين للتظاهر.

ويرى المفكر الإسلامي المنشق عن التنظيم ثروت الخرباوي أن الجماعة تعيش حالة من الإفلاس الكبير، وهي غير قادرة على الحشد لثلاثة أسباب، الأول أنها فقدت السيطرة المركزية على قواعدها بعد أن تكشفت قيادات التنظيم أمام الشباب بعد وقائع الاختلاس والفساد المالي المتكررة، وعصيان الشباب لأي قرارات أو تعليمات تصدر عن الإدارة المركزية، وانشقاق المئات منهم خلال الفترة الماضية.

والسبب الثاني، بحسب حديث الخرباوي لـ"العين الإخبارية"، هو حالة الارتباك والانهيار التي يعيشها التنظيم الدولي بعد تساقط أوراقه في مصر وتونس، وفشل المشروع التركي "الأردوغاني" في تحقيق أهدافه، وتراجع شعبيته بشكل غير مسبوق في تركيا.

ويرى أن السبب الثالث في فشل قدرة تنظيم الإخوان على الحشد هو قدرة الأمن المصري على إحباط مخططات التنظيم الإرهابي كافة وتوجيه الضربات الاستباقية له، ووأد أي محاولة لإثارة الفتنة أو إشعال الأزمات.

ووصف الخرباوي دعوات الجماعة للتظاهر بأنها ضجيج خارجي ليس له أي تأثير على الأرض أو في الداخل المصري، وأن التنظيم يعاني من هشاشة كبيرة وفقدان تام لقدرته على توجيه قواعده وهو ما دفعه للدعوة للتظاهر من خلال وسائل الإعلام بشكل علني وهو ما يختلف مع قواعد العمل التنظيمي القائم على توجيه الأفراد عبر قنوات داخلية سرية.

ويرى المفكر الإسلامي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتا إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقا أمام استمرارية الجماعة أصلا".

ويقول الخرباوي: "جماعة الإخوان الإرهابية فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلا ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها دول عدة، وليس أمامها خيار بديل".

واعتبر الخرباوي أن خطاب الجماعة الإعلامي موجه بشكل كبير لنساء التنظيم، لاستغلالهن بالعاطفة لتصدر مشهد المظاهرات، لأنهن ورقة رابحة للمتاجرة أمام المجتمع الدولي، كما أن الشباب والرجال أعلنوا العصيان على القيادة التاريخية للجماعة الإرهابية ولن يستجيبوا لدعوات الجماعة.

وأضاف "أما المصريون، فيعلمون ألاعيب الجماعة جيدا ولم يستجيبوا لأي دعوات سابقة ولن يحدث ذلك أبدا، لأنه من غير المعقول أن يتعاون المصريون مع من حمل السلاح في وجههم".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تجارة تهريب البشر في أفريقيا.. أرباح خيالية ومعاناة لا تنتهي

2020-01-25

ترجمة: علي نوار


تنشط شبكات التهريب التي تعمل في مجال الهجرة بشمال أفريقيا منذ عدة عقود. لكن تسارع وتيرة موجات الهجرة فضلاً عن عسكرة إقليم الساحل الأفريقي تجعل مسارات الهجرة عملاً أكثر إدراراً للربح، وخطورة في الوقت ذاته أيضاً.

حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين

إنّ حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين. ويسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا مثل؛ الجزائر وليبيا ومصر أو حتى يقرّروا عبور البحر المتوسط من أجل الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، والفرار من النزاعات أو الفقر أو التغيّر المناخي. وحتى وقت وجيز مضى كان المهاجرون يتّجهون نحو الشمال على متن شاحنات مقابل أثمان منخفضة إلى حد ما مع دفع رشاوى في بعض المنافذ الحدودية. وكانت هذه الهجرة غير قانونية ولا تخضع لأيّ رقابة، لكنّها لم تكن رغم ذلك غير شرعية أو سرية. وفي العام 2000 قرّرت أوروبا البدء في تطبيق استراتيجية إعادة تعيين الحدود بشمال أفريقيا في خطوة أولى نحو وقف تدفّق المهاجرين.

يسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا

ومنذ ذلك الوقت باتت هذه المسارات أصعب ما أدّى بالتالي إلى ظهور شبكة كاملة وسرية من الأشخاص الذين يؤمّنون الجوانب اللوجستية لهذه المسارات والمهاجرين، وهو الأمر الذي عنى تحقيقهم لمكاسب خيالية فاقت حتى في بعض الأحيان الأرباح التي يدرّها تهريب الأسلحة والمخدّرات. بل إنّ أرباح عصابات تهريب المهاجرين تقُدّر بين 255 مليوناً و300 مليون دولار في ليبيا وحدها عام 2015. ولقد أضحت هذه العصابات فاعلاً رئيساً في فهم حركة الهجرة عبر أفريقيا: فـ80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر.

اقرأ أيضاً: الهند وخطر"قانون الهجرة"

وبالوصول إلى هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة من هذه المنظمات. حيث يُطلق عليها أحياناً عصابات وفي مواضع أخرى شبكات متخصصة في إدخال المهاجرين بشكل غير قانوني إلى دول أخرى وبصورة طوعية مع عصابات حقيقية لتهريب الأشخاص. ورغم أنّ المسمّيات تتباين كثيراً على مدار الرحلة، فإنّنا هنا بصدد التركيز على النوع الأول: الشبكات السرية لتهريب المهاجرين التي تدبّر رحلة السفر. ورغم أنّ كل مسار مختلف في حد ذاته، إلّا أنّ هناك أسلوباً مُعمّماً ومشتركاً بين جميع هذه الشبكات التي لا تتّسم بالترتيب الهرمي في بنيتها أو المركزية لكنّها تقوم في الحقيقة على مجموعة من الاتفاقات الغامضة بين الأطراف المتداخلة في مسار الهجرة، والتي تتغيّر وتشهد تعديلات بشكل مطّرد. بالتالي تكون النتيجة هي أنّ مسارات الهجرة تتغيّر بدورها بحيث يكون الثابت الوحيد في كل هذه العملية هو نقطة الانطلاق والوجهة التي يرغب المهاجر في الذهاب إليها.

اقرأ أيضاً: ظاهرة هجرة الأوروبيين من بلادهم تنتشر في الدول الآتية.. لماذا؟

وتكون نقطة الانطلاق عادة هي المتعهّد الذي تتمحور مهمّته حول تنظيم المراحل المختلفة والوسطاء أو الميسّرين الذين يتولّون كل مرحلة. وفي أغلب الأحوال يكون هذا المتعهّد من نفس جنسية باقي المهاجرين، ويكون هؤلاء المتعهّدون في بعض الأحيان هم الذين يحصلون على المبلغ المالي المُستحق نظير الرحلة بكاملها على أن يدفعوا للوسطاء. وتتشابه فكرة المتعهّد هذه ربما مع شركات السفر التي تقدّم المساعدة طوال الرحلة وتضمن وصول جزء لا بأس به من عملائها إلى أوروبا، وهو شيء يُقابل بالاستحسان في المجتمعات المُصدّرة للهجرة. بينما تتّسع قائمة الوسطاء لتشمل كلاً من الوصلات بين مراحل الطريق وحتى سائقي الشاحنات مروراً بأصحاب الـ"التجمّعات" ومراكز استقبال المهاجرين في دول المعبر.

وترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا قد يصل عدد الوسطاء إلى سبعة على سبيل المثال. كما أنّ جنسية المهاجر لها دور أيضاً في تحديد سعر الرحلة، حيث يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم. بالمثل، أصبحت الرحلة مكلّفة بسبب وقائع الاعتداء والرشاوى والاختطاف التي تدفع المهاجرين لبذل المزيد من الموارد المالية؛ لأنّه في حال امتنعوا عن الدفع فقد ينتهي بهم الأمر إلى العمل بالسخرة أو الاستغلال الجنسي في حالة النساء. وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الرحلات على خلفية الحرب في سوريا ونزوح السوريين بأعداد كبيرة لا سيما وأنّ قوتهم الشرائية أعلى بكثير. ويُقدّر أنّ السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار، وأنّ نفس الرحلة قفز سعرها بعدها بعام واحد فقط ليصبح 20 ألف دولار.

وصحيح أنّ المسارات متنوّعة وتشهد تعديلات مستمرّة، إلّا أنّ هناك تقليدياً طريقين رئيسين: أولهما ذلك الذي يبدأ من دول غرب أفريقيا ليعبر النيجر أو مالي، وثانيهما هو طريق الشرق الذي ينطلق من القرن الأفريقي. ويستهدف المساران في الوقت الحالي على الأغلب بلوغ الأراضي الليبية رغم أنّ المهاجرين لا يقرّرون مغادرتها والعبور إلى أوروبا كما هو الاعتقاد الشائع. فدول مثل؛ المغرب والجزائر ومصر أصبحت وجهات مُختارة من قبل المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء والذين يرتحلون إلى تلك البلدان سنوياً لامتهان أعمال موسمية في قطاع الزراعة.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر

طريق غرب أفريقيا

نظرياً يُعد هذا الطريق أيسر؛ لأنّه يخلو من كثير من التعقيدات الروتينية بفضل مروره عبر أراضي الدول الأعضاء في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي أنشأت منطقة حركة حرة فيما بينها عام 1979. ويسمح هذا الأمر مبدئياً بالسفر دون الحاجة لاستصدار تأشيرات ويُكتفى فقط بوثيقة سفر وشهادة صحية لأغلب محطّات الطريق، باستثناء ليبيا التي هي الوجهة النهائية لهذا المسار. بيد أنّ الواقع مختلف كلّية؛ ففي بعض الأحيان قد تصل كلفة استخراج وثيقة سفر لأسعار باهظة للغاية، كما قد يضطّر المسافرون لدفع رسوم غير رسمية عند عبور الحدود، ما يضطرّ المهاجرين لتجنّب المرور من المنافذ الحدودية الرسمية.

80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر

ويلتزم جميع المهاجرين القادمين من هذه المنطقة بالمرور عبر الأراضي المالية أو النيجرية؛ أي بؤرة نشاط عصابات الجريمة المنظمة. ومن هناك يتم اتّخاذ الطريق الأوسط نحو الجزائر ثم إلى ليبيا أو حتى المغرب. وتنشط في هذه المنطقة شبكات تهريب البشر التي بدأت العمل منذ عام 1995 بالتزامن مع ثورة الطوارق التي اندلعت في النيجر ودول الجوار الأخرى مع بداية حقبة التسعينيات. وتحوّل قدامى المحاربين المتقاعدين بعد انتهاء الصراع إلى سائقين ومرشدين للمهاجرين بفضل معرفتهم الجيّدة بالصحراء، وشرعوا في إنشاء وكالات مهمّتها التكفّل ببنود الإقامة ومختلف وسائل النقل حسب المبلغ الذي يدفعه المهاجر. وقد أصبحت مدينة أجاديس في النيجر نقطة أساسية في الطريق الغربي قبل الدخول إلى الصحراء وهي واحدة من أخطر مراحل الرحلة والتي يصبح اللجوء إلى الوسطاء فيها أمراً محتوماً خاصة مع غياب وسائل النقل التقليدية.

كان هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات في النيجر حتى أربعة أعوام مضت تقريباً، وبالتالي تأثّر اقتصاد المدينة. لكن وفي 2016 صدر قانون في البلاد بتمويل من صندوق التنمية الأوروبي ليضع إطاراً قانونياً للاعتقال في المنطقة بحيث أُلقي القبض على 282 ميسّراً ومصادرة 350 شاحنة، الأمر الذي نتج عنه تراجع بنسبة 75% في حركة تهريب المهاجرين بأجاديس عام 2017 ومعاناة الاقتصاد المحلّي. إلّا أنّه وبعيداً عن مواجهة تهريب المهاجرين، فقد دفعهم هذا المنع للبحث عن مسارات أخرى أخطر حيث يعانون مزيداً من الانتهاكات لحقوق الإنسان والرشاوى والاكتظاظ داخل المخيمات وبالتالي ارتفاع معدّل الوفيات. كما أنّ تكلفة الرحلة ارتفعت كثيراً، فإذا كانت الرحلة في 2013 من أجاديس إلى سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية تكلّف 100 دولار، فقد قفزت بحلول 2017 ليصبح سعرها 600 دولار.

طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي بسبب الإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة

أما الفاعلون الأساسيون المكلفون بعملية تهريب المهاجرين في الطرق الجديدة السرية فهم عادة التجمّعات البدوية بالمنطقة مثل؛ الطوارق والتبو والأوباري. وبفضل معرفة هذه القبائل الجيدة بالصحراء على جانبي الحدود، فقد نجحت في السيطرة على جزء من الأراضي الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وتتّسم العلاقات بين هذه القبائل بالتوتّر نظراً لتنافسها فيما بينها للاستئثار بسوق المهاجرين. وتتواجد قبائل التبو والزغاوة بشكل رئيس بين تشاد وليبيا، بينما تتولّى قبيلة أولاد سليمان العربية أمر المهاجرين منذ دخولهم مدينة سبها الليبية، ويهيمن الطوارق على جزء كبير من تجارة المهاجرين في الجزائر. لكن العلاقات بين هذه القبائل والجماعات المحلّية الأخرى مُبهمة: فمن جانب تتآزر في تهريب المهاجرين، لكنّها تقدّم نفسها أيضاً كأطراف فاعلة قادرة على ضبط الحدود وبالتالي الحصول على أموال أوروبية. ووصل الأمر لدرجة التأكيد بأنّ فرنسا دفعت إلى الميليشيات والقبائل لوقف دخول المهاجرين.

وكما هو الحال في مسارات أخرى، لا يكون الطريق مباشراً على الدوام، وفي كثير من الأحيان يقضي المهاجرون فترات طويلة من الوقت بإحدى المدن محاولين جمع المال اللازم لمواصلة المراحل المقبلة من الرحلة. ويُعتقد أنّ المهاجرين يضطرون للبقاء في أجاديس لفترة تتراوح بين سبعة أشهر وعام كامل. وفي تشاد، الدولة التي تُعدّ ملتقى المسارين الغربي والشرقي، توجد مناجم الذهب في شمال شرقي البلاد، لذا يتّجه الكثيرون للعمل في التعدين لفترة ما قبل الاستمرار. وفي أسوأ الأحوال ينتهي بهم الأمر مُختطفين أو مُجبرين على العمل بالسخرة.

هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات

طريق القرن الأفريقي

يبدأ الطريق الشرقي بأفريقيا من منطقة القرن الأفريقي من دول مثل؛ الصومال وأثيوبيا وإريتريا، مروراً عبر السودان والصحراء الليبية، حتى يلتقي مع الطريق الغربي عند سواحل ليبيا. وتخصّ طلبات اللجوء سواء في ليبيا أو مصر غالباً مواطنين وافدين من دول القرن الأفريقي. لكن طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي، على خلفية الاعتقالات والإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة ضد هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والتي نتج عنها الحدّ وبشكل كبير من تدفّق المهاجرين عبر الأراضي المصرية اعتباراً من العام 2017.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء والأمر يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا يصل عدد الوسطاء لسبعة

وترى منظمة الهجرة العالمية أنّ طريق القرن الأفريقي هو الأكبر من حيث حركة تهريب المهاجرين. وبالفعل تسيطر على الطريق عصابات محلّية صغيرة، باستثناء بعضها التي تتكوّن من شبكات أكثر تعقيداً. وبحسب تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنّ عبور الجانب الأكبر من المنافذ الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا والسودان يستلزم تدخّل المهرّبين والوسطاء، وبالكاد توجد فئة محدودة للغاية من المهاجرين تجرؤ على سلوك الطريق بمفردها.

وتبدأ العقبات في وجه المهاجرين بصعوبة الحصول على التأشيرات. وإذا كان بوسع الأثيوبيين دخول الأراضي السودانية بشكل قانوني عن طريق تأشيرة مؤقّتة، لكن الموقف ليس عينه بالنسبة للإريتريين والصوماليين الذين يمنحهم المهرّبون جوازات سفر إثيوبية زائفة. وبعد تجاوز التعقيدات الروتينية، تظهر الجوانب اللوجستية وهي مُعضلة بالنسبة للمهاجرين وموضع استفادة شبكات التهريب. ويمكن للإريتريين دخول السودان سيراً على الأقدام أو داخل شاحنات، ويتكلّف سعر هذه المرحلة بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهو مبلغ قد يعادل قيمة الرحلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: إيطاليا: محاكمة 7 سماسرة هجرة

ومن أجل عبور السودان بلا مشكلات، يعمل المهرّبون على إلباس المهاجرين داخل الحافلات ملابس تقليدية سودانية، بعد تجاوز مدينة ميتيما الإثيوبية وهي نقطة ذات أهمية استراتيجية على الحدود مع السودان. ولدى الاقتراب من الحدود الليبية يظهر وسطاء جدد يكونون غالباً من القبائل في الصحراء، والذين يسهمون في عملية المرور عبر شاحنات. وفيما يخصّ الشرق السوداني، تسيطر قبائل الرشايدة التي تنشط في مجال رعي الجمال، على شبكات تهريب المهاجرين، رغم أنّ هناك مجموعات أخرى تسعى بقوّة للحصول على جزء من هذا العمل على الحدود مع تشاد.

بالمثل، يبعد طريق القرن الأفريقي تماماً عن فكرة كونه مساراً يتّسم بالسهولة، وتتكرّر فيه بكثرة حالات وفاة المهاجرين لأسباب عديدة تتنوّع بين الجفاف والسقوط من أعلى العربات المكتظّة أو تعطّل الشاحنات في وسط الصحراء. وذلك دون احتساب هؤلاء الذين يتعرّضون للاختطاف بغرض طلب فدية أو الاتجار بهم كعبيد أو هؤلاء الذين يعانون الاستغلال الجنسي.

الوصول للساحل الأفريقي على المتوسط

فور عبور الصحراء الأفريقية بأي من هذه الطرق، تصبح ليبيا هي الوجهة الرئيسة حيث تبدأ شبكات التهريب في اكتساب درجة أكبر من التعقيد والتنظيم. وقد صار البلد العربي الواقع على البحر المتوسط نقطة مركزية تعمل منها العصابات المتخصّصة في تنظيم الرحلات على متن القوارب إلى أوروبا أو حتى اختطاف أشخاص وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما تفرض شبكات التهريب سيطرتها أيضاً على عدد كبير من مراكز إيواء اللاجئين حيث يجرى احتجازهم انتظاراً لدورهم في استقلال قارب نحو أوروبا. وأكبر المدن التي توجد بها مثل هذه المراكز هي طرابلس وبني وليد، فضلاً عن وجود مراكز في مدن أخرى مثل طبرق أو سرت.

يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم

ويحوّل النظام الساري على مراكز احتجاز اللاجئين هذه الأماكن إلى منجم تستفيد منه الميليشيات المسلّحة وشبكات التهريب التي ظهرت في إطار غياب الاستقرار في ليبيا الغارقة في مستنقع الفوضى منذ 2011. وقد توصّلت الوكالة الأوروبية لضبط الحدود (فرونتكس) إلى أنّ الجيش الليبي نفسه ربما يكون متورّطاً في إدارة مراكز المهاجرين. هناك معلومة مهمّة كذلك وهي أنّ 20% من المراكز تحمل صفة رسمية؛ أما البقية فتتبع شبكات التهريب. ومثل كل تجارة وعمل، تقدّم العصابات خدمات خاصة لهؤلاء الذين يستطيعون دفع المزيد، مثل تقليص وقت الانتظار لأقل حدّ ممكن. كما أنّه من الشائع طلب رشاوى أو فديات من أجل الخروج. وبعد المرور عبر هذه المراكز، تتقاضى العصابات ألفاً و800 يورو تقريباً نظير الرحلة على متن قارب إلى صقلية. وتوجد حالة من المنافسة بين العصابات على أولوية انطلاق القوارب التابعة لها، ويصل الأمر في حالات نادرة إلى إبلاغ ذوي المهاجرين الذين يلقون مصرعهم غرقاً ودفع تعويضات مالية لهم بهدف الحفاظ على سمعتها في سوق الهجرة.

السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار

ورغم عدم وجود شبكات على نفس الدرجة من التنظيم على أراضيها، إلّا أنّ بعض دول شمال أفريقيا باتت كذلك قاعدة لأسواق مختلفة. ففي الجزائر، ترتبط أغلب عمليات مهرّبي البشر وإسهاماتهم في إدخال المهاجرين إلى المغرب أو ليبيا، بتزوير الوثائق الرسمية. فجواز السفر الجزائري يتكلّف 50 يورو، بينما يبلغ سعر وثائق المفوضية الأممية للاجئين التي تمنح صفة اللاجئ في الجزائر 10 يورو. كما تقرّ السلطات المغربية بوجود شبكات التهريب بطول حدودها الشرقية منذ مطلع الألفية، وتتكرّر وبشكل متزايد حالات اختطاف المهاجرين من أجل طلب فدية أو إجبارهم على العمل بالسخرة سواء في الجزائر أو المغرب.

لكن تجارة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي تدرّ أرباحاً هائلة لا تتوقّف عند السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. فقد تمكّنت شبكات التهريب من الامتداد ولا تزال تزاول نشاطها على الجانب الآخر من البحر عن طريق مسار أوروبي جديد. وفي إيطاليا، على سبيل المثال، تعمل العصابات التقليدية على انتزاع موطئ قدم لها في هذا السوق الجديد عن طريق بسط نفوذها إلى مخيمات اللاجئين في البلد الأوروبي. وهناك توجد أنماط مختلفة من التنظيم وجنسيات أخرى وأسعار متباينة، وفي نهاية المطاف يبدو أنّ هذه التجارة هي ذاتها، ما يشير بجلاء إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القارة السمراء.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/36jGe8P

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية