هل يعود "حلّ الدّولتين" للحياة من جديد؟

هل يعود "حلّ الدّولتين" للحياة من جديد؟

مشاهدة

23/12/2020

بعد توقّف مفاوضات السلام الفلسطينيّة الإسرائيليّة، منذ نيسان (أبريل) عام 2014، لأسباب متعددة، غدا التقدم نحو عقد مؤتمر دوليّ للسلام لإنجاز حلّ الدّولتين كأساس لحلّ الصراع مطلباً فلسطينياً يجابه بالعديد من التحديات، في ظلّ التعنّت الإسرائيلي، والانحياز الأمريكيّ والغربيّ للاحتلال، وعجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها، وهو ما يهدّد بفشل تلك المفاوضات، مثلما حصل مع مثيلاتها منذ ما يزيد عن عقدين ونصف من الزمن.

اقرأ أيضاً: الرصاص الإسرائيلي يطفئ نور عيون أطفال العيسوية بالقدس

وكان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قد طلب من أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، البدء بخطوات عملية لعقد مؤتمر دولي للسلام، مطلع 2021، لإنجاز حلّ الدولتين، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق استقلال الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشرقية.

وجاء ذلك في كلمة مسجّلة للرئيس الفلسطينيّ، في 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، أمام الدورة 75 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة،  وقال: "أدعو الأمين العام للأمم المتحدة، وبالتعاون مع (اللجنة) الرباعية الدولية، ومجلس الأمن أن يبدأ في ترتيبات عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، بمشاركة الأطراف المعنية كافة ابتداء من مطلع العام القادم".

 الرئيس الفلسطيني، محمود عباس

 وخلال مشاركته في الدورة الخمسين للاجتماع السنويّ للمنتدى الاقتصاديّ العالميّ، في دافوس، بسويسرا، في كانون الثاني (يناير) 2020، أوضح  رئيس الوزراء محمد اشتية، أن السلطة الفلسطينية تريد من الاتحاد الأوروبي جملة إجراءات، هي "العمل بشكل جماعي على حماية حلّ الدولتين والقرارات الدولية التي تنتهكها إسرائيل يومياً، ومحاولتها فرض أمر واقع قائم على سلب الأراضي الفلسطينية وقتل إمكانية إقامة الدولة، وأن تقود أوروبا جهداً دولياً لمرحلة ما بعد مشروع ترامب".

السلطة الفلسطينية ارتكبت خطأً فادحاً عندما لجأت لتجميد وتأجيل قضية الاستيطان الإسرائيلي إلى مفاوضات الحلّ النهائي، ما سمح للاحتلال الإسرائيلي للمراوغة لكسب الوقت

وشدّد وزير الخارجية الفلسطينيّ، رياض المالكي، في كلمة له خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي، في 26 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، على أهمية عقد مؤتمر دولي للسلام، وإنفاذ قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالأراضي المحتلة، قائلاً إنّ ذلك "سيغيّر وجه المنطقة إلى الأبد وينقذ ما يمكن إنقاذه من السلام".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تفرض الإقامة الجبرية على أطفال فلسطينيين بالقدس

وأكّد البيان الختامي للمؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط، الذي عقد بباريس، في 15 كانون الثاني (يناير) 2017م، بمشاركة 70 دولة ومنظمة بينها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط؛ أنّ إنهاء الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا يمكن أن يتحقق إلا بحلّ الدولتين، داعية إلى نبذ العنف ورفض الاستيطان والعودة إلى طاولة المفاوضات.

مشروع سياسيّ قابل للتطبيق

ويرى عضو المكتب السياسيّ للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، تيسير خالد؛ أنّ "الدولة الفلسطينية هي مشروع سياسيّ قابل للتطبيق والحياة في حال تمّ طيّ صفحة الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطينيّ، سواء في منظمة التحرير الفلسطينية، أو السلطة الوطنية، من خلال إجراء انتخابات عامّة تشريعية ورئاسية، وكذلك الاتفاق على إستراتيجية وطنية للصمود، تتيح متطلبات الانفكاك السياسي والأمني والاقتصادي عن الاحتلال الإسرائيلي".

عضو المكتب السياسيّ للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، تيسير خالد

ويضيف خالد، خلال حديثه لـ "حفريات": "وثيقة الاستقلال التي أقرّها المجلس الوطني الفلسطيني في دورته 19، في الجزائر، عام 1988، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1515 لعام 2003، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67/19 لعام 2012، الذي أقرّ منح فلسطين مركز دولة غير عضو لها صفة المراقب في الأمم المتحدة، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 لعام 2016، الذي أكّد على حلّ الدولتين، جميعها قرارات تصلح أن تكون أساساً سياسياً وقانونياً يعتمد عليه في النضال، من أجل تحويل حلم الدولة إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق" .

العيش بنظام الفصل العنصريّ

ولفت إلى أنّ "أجندة بايدن السياسية مثقلة بملفات تتقدم على ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأولياته خلال الفترة المقبلة هي معالجة تداعيات الانقسامات الحادة في المجتمع الأمريكيّ، والتي برزت بوضوح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومعالجة تداعيات جائحة كورونا التي ألقت بظلالها على الاقتصاد، هذا إلى جانب ترميم علاقات الولايات المتحدة التي تدهورت مع الحلفاء في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي (الناتو) والملفّ النوويّ الإيرانيّ، والعلاقات مع كلّ من روسيا الاتحادية والصين، وضبطها لتبقى تحت السيطرة وضمان عدم انزلاقها نحو حرب باردة".

اقرأ أيضاً: لماذا تهدد إسرائيل بقطع رواتب الأسرى الفلسطينيين؟

وأكّد خالد؛ أنّه "ليس من المتوقع أن تتراجع إدارة بايدن عن الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، أو العودة عن قرار نقل السفارة الأمريكية، لكن في مقابل ذلك يمكن أن تقدّم الإدارة الجديدة ما يمكن تسميتها "أثمان ترضية" للجانب الفلسطيني؛ كإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، والعودة إلى الموقف من الاستيطان باعتباره عقبة في طريق السلام، وإعادة المساعدات الأمريكية إلى الجانب الفلسطيني"، موضحاً أنّ "لا خيارات بديلة أمام الفلسطينيين سوى التسليم بالوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض، والقبول بالعيش تحت نظام حكم إسرائيلي بحقوق مدنية في نظام فصل عنصري" .

فكرة غير قابلة للتحقيق

من جهته، أكّد أستاذ القضية الفلسطينية في جامعة القدس المفتوحة، د. أسعد العويوي؛ أنّ "الإجراءات الصهيونية الحالية على الأرض؛ مثل زيادة الاستيطان، ومصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، جعلت فكرة حلّ الدولتين غير قابلة للتحقيق خلال هذه المرحلة"، مبيناً أنّ "على السلطة الفلسطينية أن تكون أكثر منطقية بالتزامها بقرارات الشرعية الدولية، وتجنّب العودة إلى أية مفاوضات عبثية لمنع قيام أيّ كيان صهيونيّ داخل الأراضي المحتلة".

أستاذ القضية الفلسطينية في جامعة القدس المفتوحة، د. أسعد العويوي

ويضيف العويوي، خلال حديثه لـ "حفريات": أنّ "السلطة الفلسطينية ارتكبت خطأً فادحاً عندما لجأت لتجميد وتأجيل قضية الاستيطان الإسرائيلي إلى مفاوضات الحلّ النهائي، ما سمح للاحتلال الإسرائيلي للمراوغة لكسب المزيد من الوقت لتنفيذ مشاريعه الاستيطانية والتهويدية"، مشيراً إلى أنّ "اتفاقية "أوسلو" لم يكتب لها النجاح لتجاهلها جوهر القضية الأساسية، وعلى السلطة أن تعيد دراسة الاتفاقية مجدداً لضمان الحقوق الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: تهديد إسرائيلي بجلب مليون مستوطن شمال الضفة الغربية

وتابع الأكاديمي الفلسطينيّ: "المقترح الأمريكي الذي تمّ طرحه أمام السلطة الفلسطينية قبل أعوام لتأسيس كونفدرالية بين فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية،على الرغم من العوامل التي تربط البلدين بحكم التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا بين الشعبين، إلا أنّ ذلك لا بدّ أن يتم بين كيانين مستقلين، وهو ما يتعارض مع وضع السلطة الفلسطينية، التي لم تصل إلى الاستقلال الذاتي"، مؤكداً أنّ "إسرائيل لن تسمح بإقامة فيدرالية تمنح الفلسطينيين كياناً سياسياً مستقلاً على حدود عام 1967م".

دولة دون رؤية فلسطينيّة

بدوره، أكّد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، د. عماد البشتاوي، خلال حديثه لـ "حفريات"؛ أنّه "في حال نجحت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية في الوصول إلى حلّ للدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، فلن تكون وفق الرؤية الفلسطينية؛ كعودة اللاجئين، على سبيل المثال"، مشيراً إلى أنّه "في حال استمرّ الانقسام الداخلي والتناقض في مواقف عدد من الدول الإقليمية والأوروبية، لن تستطع السلطة الفلسطينية أن تنتزع أي شيء من حقوقها الشرعية".

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، د. عماد البشتاوي

ولفت إلى أنّه "لا يجب التعويل كثيراً على إمكانية إنقاذ الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، لمبدأ حلّ الدولتين، بعد أن ألقى الرئيس ترامب بثقله السياسي خلف المطالب الإسرائيلية، كونه لن يكون قادراً على إجبار الإسرائيليين على الجلوس على طاولة المفاوضات وتقديم أيّة تنازلات للفلسطينيين؛ كوقف الاستيطان وغيره"، موضحاً أنّ "الرئيس الأمريكي الأسبق، أوباما، والذي يعدّ الأكثر اعتدالاً، لم يستطع على مدار ثمانية أعوام في سدّة الحكم انتزاع أيّ تنازل من قبل الإسرائيليين للسير في عملية السلام".

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، د. عماد البشتاوي، لـ "حفريات": لا يجب التعويل كثيراً على إمكانية إنقاذ الرئيس بايدن، لمبدأ حلّ الدولتين

وحول إمكانية إقامة دولة فلسطينية إسرائيلية ديمقراطية ذات قيم ليبرالية بيّن البشتاوي؛ أنّ "اليمين المتطرف الذي يحكم دولة الكيان حالياً لن يقبل بهذه الرؤية، كما سترفض الأحزاب اليمينية والدينية والقومية المتشددة داخل الاحتلال العيش على أرض واحدة تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين بحقوق وفرص متساوية".

وتابع البشتاوي؛ أنّه "خلال 27 عاماً من المفاوضات، التي بدأت منذ عام 1993، لم تصل القضية الفلسطينية إلى أيّ حلّ سياسي، وستبقى المفاوضات دون هدف، طالما فقدت السلطة الفلسطينية الأفق والإستراتيجية المناسبة للتعامل مع المستجدات على الساحة الدولية والعربية"، موضحاً أنّ "الوضع الحالي يتطلّب من القيادة الفلسطينية بناء شراكة حقيقية مع كافة الفصائل الفلسطينية، وتفعيل المقاومة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي".

الصفحة الرئيسية