هل يمكن أن تصبح "السندويشات التربوية" بديلاً للكتاب المدرسي؟

صورة ذوقان عبيدات
أكاديمي وتربوي أردني
2210
عدد القراءات

2019-04-17

لم تتعرض المفاهيم التربوية لتعريفات وجدل كما تعرض مفهوم المنهاج، واتسعت التباينات في تحديد هذا المفهوم.

يجب وضع معايير للاختيار ولذلك أثيرت أسئلة حول قيمة ما نتعلمه في عالم يتسم بالتغير السريع والمعارف الجديدة

يرى بعض المربين أنّ المنهاج هو مجموعة مقررات، يتكون كل مقرر من موضوعات متسلسلة منطقياً ومتتابعة، ومنهم من يرى أنّه مجموعة خبرات مباشرة أو غير مباشرة وسلسلة تدريبات من أجل إتقان المتعلم لهذه الخبرات، بهدف تحقيق الأهداف العامة التي يتفق عليها الناس، ومنهم من يرى أنّ المنهاج هو كل ما يتعلمه الطلبة وتخطط له المدرسة، فهو خطة للتعليم.

وقد تطورت هذه المفاهيم في العصر الحديث، وانتقل الحديث من المنهاج كمواد دراسية ومهارات وخطط إلى نتاجات ومعايير. فليس المهم ما يتعلمه الأطفال، بل ما ينتج عما يتعلمونه؛ فالمنهاج هو النتاجات المنشودة، سواء كانت مصارف أم مهارات أم قيم، وعلى الرغم من تعدد مفاهيم المنهاج وتطورها، فإنّ عمليات تطوير المنهاج بقيت بحد ذاتها منهجاً علمياً يتسق مع البحث العلمي.

مبادئ أساسية

تعرضت المدرسة ومناهجها إلى تأثيرات فرضتها العولمة وتفجر المعلومات، مما أدّى إلى ظهور ضوابط ومبادئ لتنظيم المنهاج لعل من أبرزها:

نتساءل عن علاقة التقويم بمستقبل الطلبة وما إذا كنا سنحدد تخصصاتهم وأعمالهم بناء على ما نقيس أم لا

أولاً: ظهور حقول جديدة للمعرفة غنية بمعلومات جديدة بما يصعب على أي منهاج استيعابها، فلا بد من وضع معايير للاختيار والانتقاء، ولذلك أثيرت أسئلة حول قيمة ما نتعلمه في عالم من التغير السريع، والمعارف الجديدة، والمعارف الملغاة أو التالفة، ولذلك ظهر مبدأ هام وهو" الإنسان الوحيد الذي تعلّم هو من تعلّم كيف يتعلّم".

فانتقل بذلك الاهتمام من المعرفة بحد ذاتها إلى أدوات المعرفة، بما يمكن المتعلم من التعلم المستمر والتعلّم الذاتي.

ثانياً: إنّ أيّ موضوع في المنهاج يتم تدريسه بناء على مبررات حاضرة، ومهمة حالياً، فما مدى صلاحية هذه الموضوعات بحسابات المستقبل؟ وما الأكثر أهمية التمسك بخيارات الحاضر، أم دراسة توقعات وتنبؤات المستقبل؟ وهل نستمر في التحرك من الحاضر نحو الماضي، أم نتحرك باتجاه المستقبل؟ وإذا كان المتعلمون حالياً في المدارس والجامعات سيعملون في مهن مستقبلية غير معروفة حالياً، فما جدوى ما نعلّمه لهم من الحاضر والماضي؟
إنّ هذا سيقودنا إلى مبدأ :"إطلاق عقول المتعلمين نحو المستقبل بدلاً من الماضي".

اقرأ أيضاً: جدلية التعليم .. لماذا يتعثر الإصلاح التربوي؟

ثالثاً: إنّ التعليم التقليدي بمناهجهه الحالية، ومؤسساته القائمة يتعرض إلى حصار شديد وأسئلة يصعب عليه الإجابه عنها، مثل: هل ما تزال المدرسة قادرة على تعليم الأطفال؟ وما الأكثر جدوى شبكات التفاعل والدراسة المنزلية، أم تبديد الوقت ذهاباً وإياباً إلى المدرسة؟ وهل ستصمد مبررات المدرسة وهي موروثة من العهد الصناعي أمام التحديات الجديدة؟ وهل سيكون تعلم عدد من المواد ضرورياً، أم يبدأ المتعلم بالتخصص في دراسة ما، مثل الموسيقى والرياضة واللغات وغيرها؟ فما المبدأ الثالث الذي يمكن اشتقاقه من هذه الفقره؟
وهذا يقودنا إلى مبدأ: "مدرسة منفتحة، يختار فيها المتعلم ما يحتاج إليه من معارف ومناهج".

الأسئلة الكبرى في المناهج والتعليم

منذ خمسينيات القرن الماضي، أثار الخبير التربوي رالف تايلور، أسئلة مهمه مثل: ما الأهداف التربوية التي تسعى إليها الأنظمة ومؤسساتها؟ وما المحتوى المعرفي الذي سيحقق هذه الأهداف؟ وكيف يمكن تحقيق هذه الأهداف؟

تعرضت المدرسة ومناهجها إلى تأثيرات فرضتها العولمة وتفجر المعلومات، مما أدّى إلى ظهور ضوابط ومبادئ لتنظيم المنهاج

تطرح هذه الأسئلة قضايا رئيسية وهي: الأهداف، المحتوى، الأساليب، التقويم، ويمكن طرح العديد من الأسئلة والاستفهامات حول كل قضية منهم.

فبالنسبة للأهداف؛ نتساءل ما هي الأهداف المنشودة؟ ومن يقررها؟ وما مدى ثباتها؟ وما مجالاتها؟ بل ما أهدافها نفسها؟ ولماذا هذه الأهداف؟ وما أولوياتها؟

وفيما يتعلق بالمحتوى فإنّ أول ما نستفسر عنه هو المحتوى الملائم لتحقيق الأهداف التي نريدها.
بالإضافة لطرحنا لأسئلة أخرى مثل: هل يتحقق الهدف من خلال محتوى معين؟ وهل المواد الدراسية نفسها أهداف تسعى لتعلمها؟ أو وسائل لتحقيق الأهداف؟ هل هي غاية بذاتها أو وسيلة؟ وهل يتعلق المحتوى بالحاضر والماضي أو بالحاضر والمستقبل؟ وهل نضحي بالماضي والهوية والتراث لصالح المستقبل؟

اقرأ أيضاً: منهاج عربي: هل هذا ممكن؟

أما عن الأسئلة التي تتعلق بالأساليب: هل نعتمد أسلوب التعليم التلقيني المباشر من محاضرة أو شرح وتفسير وأسئلة؟ أم نعتمد الحوار؟

وهل تعتمد على التعلّم الذاتي أم التعلّم الموجّه؟ وهل التعلّم نشاط يقوم به المعلم أم المتعلم نفسه؟ ومن هو سيد الحصة الدراسية؟ المعلم أم المتعلم!! وكيف نقسم وقت المتعلم بين المعلم والمتعلم؟ وكيف تدار الحصة؟ وما قواعد العمل؟

وأخيراً عند الحديث عن التقويم والتقييم، فإنّ الإجابة على أسئلة مثل: ما أغراض التقويم؟ هل هي لتصنيف الطلبة؟ أم لتطوير التعليم، تبدو مهمة جداً.
بالإضافة لضرورة توضيح ما الذي ستقيسه؟ وهل نقيس مدى الحفظ والتذكر؟ أم نقيس التغير في شخصية المتعلم؟ وهل نقيس ما يسهل قياسه أم ما يجب قياسه؟ وكيف نقيس التغير في شخصية المتعلم؟ وفي طريقة تفكيره؟
وأخيراً، نتساءل عن علاقة التقويم بمستقبل الطلبة، وما إذا كنا سنحدد تخصصاتهم وأعمالهم بناء على ما نقيس أم لا؟

يمكن إجمال الأسئلة التي على مخططي المناهج الدراسية الإجابة عنها بـ:
• ما الذي يجب أن يتعلمه الطلبة؟
•  لماذا يجب أن يتعلموه؟
• كيف تنظم عمليات التعليم؟

العصر الجديد للمنهاج

كتب "آلفين توفلر" واصفاً التكنولوجيا وما طرحته من تغيرات حددها بـ: معلومات لا حدود لها، نظام عمل جديد، تقلص قيمة المكان، ظهور تخصصات جديدة، وقد رافق هذه التغيرات، تغيرات في السيادة والسلطة والزمن والحركة، ولذلك يمكن لأي أحد أن يسأل: ما قيمة معلومات تحفظ مؤقتاً؟ وما قيمة الكتاب؟

لقد تخلّى الإنسان عن معظم ما رافقه من الماضي مثل: أنواع الملابس، المساكن، الأدوات، الطعام، وأوجد لنفسه بدائل، فهل سيأتي يوم نتخلى فيه عن الكتاب، ونقترح بديلاً أفضل؟

اقرأ أيضاً: كيف نصنع نظاماً تربوياً يبني شخصية المتعلّم العربي؟

إنّ اقتراح إدخال مفهوم "الساندويش" بديلاً عن الوجبات الغذائية كان مجدياً وأكثر ملاءمة للاستخدام، فيما يحقق الأهداف ذاتها التي نحققها عند تناول الوجبات الكبيرة.
فـ"الساندويش" تطلبه حين تحتاج إليه، وتضع كل ما ترغب فيه من بهارات وعناصر، ويأتيك طازجاً، وسهل الهضم، قياساً إلى الأكلات القديمة.

قياساً إلى ما سبق، هل من الممكن أن تكون مناهج المستقبل "سندويشات تربوية" تقضي على كل مفاهيم الكتاب المدرسي؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: