150 عائلة في غزة تفتقد الشهداء الراحلين: رمضان أقسى الشهور

150 عائلة في غزة تفتقد الشهداء الراحلين: رمضان أقسى الشهور
3570
عدد القراءات

2019-05-15

عشية الذكرى الحادية والسبعين لنكبة فلسطين، وفي غرفة صغيرة؛ اجتمع المواطن الغزي، أحمد مسعود، وعائلته، لتناول طعام الإفطار في شهر رمضان المبارك، وانتظار آذان المغرب، للمرة الأولى خارج منزله، الذي أصبح أثراً بعد عين، جراء تدميره بشكل كامل من قبل الطائرات الإسرائيلية خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر لمدة ثلاثة أيام متتالية، قبل الأول من الشهر الفضيل.

اقرأ أيضاً: بالصور.. غزة عقب العدوان.. أمل الحياة يكسر ألم المجزرة
مسعود فقد منزله خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الأسبوع الماضي؛ حيث تم تدمير ما يزيد عن 170 وحدة سكنية بشكل كلّي، إضافة إلى تدمير 700 منزل بشكل جزئي، ليستقبل أصحابها شهر رمضان المبارك دون مأوى.
تم تدمير ما يزيد عن 170 وحدة سكنية بشكل كلّي

ضياع "شقى العمر"
يقول مسعود، لـ "حفريات": "الاحتلال قضى على أحلامنا، وحرمنا من استقبال الشهر الفضيل داخل منزلنا؛ حيث إننا أنهينا كافة الاستعدادات له من زينة ومستلزمات السحور والفطور، هي مشاعر حزينة من الصعب وصفها، وأنت ترى (شقى العمر) يذهب في لحظات، فالاحتلال حطم أحلامنا".

اقرأ أيضاً: حصيلة العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة
ويقضي مسعود شهر رمضان من كل عام براحة وسكينة وطمأنينة، "لكن هذا العام نقضيه مشرّدين، فلم أتمكن من توفير منزل حتى هذه اللحظة لعدم امتلاكي مبلغاً للإيجار، فاضطررت أن أسكن، أنا وأبنائي الخمسة وزوجتي، عند أحد أقاربي، لحين توفير مكسن بديل من قبِل الجهات المعنية".
ويتساءل: "لماذا دمّروا بيتي الذي لم أنهِ أقساطه؟ ماذا فعل لهم أطفالي الذين تشردوا وأصبحوا بلا مأوى؟ لماذا حرمونا من استقبال شهر رمضان بأمان واستقرار؟ نحن ندفع فاتورة باهظة، فالاحتلال يريد تشريد عائلاتنا، والقضاء على مستقبل أبنائنا، ولكن هو يهدم ونحن سنعمّر".

يتساءل: "لماذا دمّروا بيتي الذي لم أنهِ أقساطه؟

وصلت متأخراً
من جهته، يقول المواطن أحمد أبو راس، في حديثه لـ "حفريات": "عشية شهر رمضان المبارك كنت ذاهباً لأحد الأسواق لشراء مستلزمات الشهر، تلقيت اتصالاً هاتفياً من زوجتي أبلغتني أنه سيتمّ قصف البرج الذي نسكن به، وأنها غادرت الشقة هي وأبنائي حفاة الأقدام، فتوجهت مسرعاً للمكان؛ ولكني وصلت متأخراً".

الطفل محمد الخضري (15 عاماً)، لم يشعر هذا العام بلذة شهر رمضان فوالده غادره إلى دار الآخرة

ويضيف: "تركت البيت كما هو، عامراً بالحب والسعادة، وأطفالي فرحين بقدوم شهر رمضان، منتظرين قدومه، ليحتفلوا به على طريقتهم الخاصة، ككلّ عام، ولكني عدت ورأيته كومة من الركام، فتعب الأعوام الماضية ذهب في مهبّ الريح، ولم أستطع الحصول على شيء من محتوياته، فملابسي أنا وأبنائي، والشهادات العملية الخاصة بي، كلها أصبحت تحت الركام".
ويتابع بدمع حار: "حلم حياتي ذهب في لحظة، وأنا لم أستطع فعل شيء، فالذكريات الجميلة تحت الركام، في تلك اللحظات شعرت بالإحباط، خاصة مع حلول شهر رمضان المبارك، الذي من المفترض أن أجتمع أنا وأفراد عائلتي فيه، ونردد صوت الأذان، ونستمتع بالأجواء الإيمانية الخاصة بهذا الشهر".
ويستذكر مناسبات عائلية خلال شهر رمضان، في الأعوام الماضية، كيف كانت، وكيف أصبحوا اليوم دون مأوى.
الذكريات الجميلة تحت الركام

فرحة منغصة
ومع بزوغ هلال شهر رمضان، كانت المواطنة أم سامي ثابت تتمنى أن تتجمع مع عائلتها، مثل الأعوام السابقة، ولكنها تعيش هذا العام بحزن شديد؛ إثر تدمير منزلها قبل شهر رمضان بيومين، فعند سماع أذان المغرب تستذكر كيف كانوا يقضون أوقاتهم على مائدة الإفطار، واليوم يجتمعون في غرفة صغيرة لأحد الجيران، بالكاد تتسع لها ولزوجها وأبنائها.

اقرأ أيضاً: غزة.. بيضة قبان "صفقة القرن" وموقف حماس الصعب
وتتساءل في حديثها لـ "حفريات": "عن أيّة ذكريات أتحدث؟! كلّ ركن في البيت له ذكرى جميلة، ولحظات لا يمكن أن ننساها، ولكنّ الاحتلال الإسرائيلي نغّص علينا حياتنا، وسرق لحظاتنا الجميلة، فهربت أنا وأطفالي بلمح البصر، دون مال، أو أوراق ثبوتية، أو أحذية، أو حتى الأدوات المدرسية الخاصة بالأطفال، فالمكان الجميل الذي كان يجمعنا هدم بدقيقة واحدة".
وفي اليوم الثاني؛ وبعد أن أصبح البيت ركاماً بفعل الصواريخ الإسرائيلية بدأت تتأمل منزلها؛ هنا كانت غرفة النوم، وهنا مكان تجمّع العائلة في شهر رمضان، وهنا المطبخ، وهنا غرفة نوم أطفالها ومكان دراستهم، فالأشياء الجميلة التي كانت تجمعهم تحت سقف واحد أصبحت شيئاً من الماضي، وذلك على حدّ تعبيرها.
المكان الجميل الذي كان يجمعهم هدم بدقيقة واحدة

ملامح رمضان غائبة
أتى شهر رمضان هذا العام مختلفاً عن الأعوام السابقة؛ فملامحه تغيب عن منازل عائلات الشهداء الذين ارتقوا خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، فاستقبلوا الشهر الفضيل دون أحبتهم، الذين كانوا يجتمعون بهم على مائدتي الفطور والسحور، والتي أصبحت هذا العام خالية منهم، بعد أن غيبتهم صواريخ الاحتلال الصهيوني.

والدة الشهيد عماد نصير: لم أتخيّل أن نستقبل شهر رمضان من دونه فأصوات ضحكاته كانت تملأ المكان

منذ اليوم الأول لشهر رمضان المبارك، تجلس والدة الشهيد عماد نصير، إلى جانب المكان الذي كان يجلس به ابنها دائماً في رمضان أثناء تناول الفطور والسحور، فهي ما تزال تشاهد ملامحه في البيت وصورته لا تغادر عن مخيلتها.
وتقول والدة عماد الذي استشهد في يوم 4 أيار (مايو) الجاري، جراء استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لشمال قطاع غزة: "لم أتخيّل أن نستقبل شهر رمضان من دون عماد، فأصوات ضحكاته كانت تملأ المكان، ومزاحه مع جميع أفراد العائلة كان يخفف عنهم مشقة الصيام، وكان يساعدني في إعداد الطعام، وشراء سائر المستلزمات من السوق، فراقه أوجع قلبي، ولم أجد مذاقاً للطعام بدونه".
وتضيف: "استقبلنا شهر رمضان هذا العام ونحن نفقد عماد، صاحب القلب الطيب والروح المرحة، للمرة الأولى سوف نجتمع على الإفطار والسحور من دونه، فهو رحل وخطف معه كلّ معالم الفرحة داخل البيت، فعندما نجلس على المائدة وقت الإفطار نشعر بحزن لا وصف له بسبب عدم وجوده معنا".

طفولة وحيدة
الطفل محمد الخضري (15 عاماً)، لم يشعر هذا العام بلذة شهر رمضان المبارك؛ فوالده حامد الخضري غادره إلى دار الآخرة، دون أن يشعره بفرحة شهر الصيام وعيد الفطر؛ حيث قضى شهيداً خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، بعد استهداف سيارته بصاروخ مروحي يوم الخامس من الشهر الحالي.

اقرأ أيضاً: العدوان الإسرائيلي يتواصل على غزة
يقول الطفل الحزين لـ " حفريات"، بنبرة متلعثمة: "شهر رمضان هذا العام هو أقسى الشهور التي أعيشها في أعوام عمري الـ 15 الماضية؛ فيدي لن تلامس يد والدي أثناء الذهاب إلى صلاة التراويح، وزيارة الأرحام، ولن أجد ذلك السند الذي كان يدخل البهجة إلى قلبي عندما كان يصطحبني إلى السوق لشراء الملابس الجديدة، خلاصة القول: لا طعم لرمضان، ولا بهجة للعيد من دون والدي الشهيد".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الليبرالية.. قالب واحد أم طيف من النماذج؟

2020-02-25

هل الليبرالية قالب واحد جاهز يتم نقله كما هو من مكان إلى آخر؟ هل هناك تطرف في الليبرالية؟ ما هي الليبرالية الفردية؟ وبماذا تختلف عن الليبرالية الاجتماعية؟ ما هي الليبرالية الكلاسيكية؟ وما هي الليبرالية الجديدة؟ مسمّيات عديدة تدور حول ذات المسمى، تفصح عن خلافات وجدالات مرتبطة به، فما هي أبرزها؟
أين ينتهي دور الدولة؟
اقتصادياً، ارتبط صعود الليبرالية في أوروبا بصعود الرأسمالية الصناعيّة، في أعقاب الثورة الصناعيّة، بعد أن كان النمط الاقتصادي السائد ما يزال يعتمد على التجارة، التي كانت خاضعة لسيطرة وتوجيه الدول والحكومات، ومع صعود طبقة جديدة من أصحاب الثروات وأصحاب أدوات الإنتاج بدأوا بالمطالبة بدور أقل من قبل الحكومات في التدخل بالاقتصاد وتوجيهه، والمطالبة باقتصار أداء دور الدولة على وظائف محددة، مثل توفير الأمن، وأدوار السياسة الخارجية، وبات هذه الاتجاه يعرف باسم "الليبرالية الكلاسيكية".

الحرية الفردية والاعتراف بهوية الآخر وعدم إقصائه أحد أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة الليبرالية

خلال القرن العشرين؛ اتجهت الدول غير الليبرالية إلى اتباع "النموذج السوفييتي"، القائم على إخضاع الاقتصاد للتخطيط والتوجيه المركزي من قبل الدولة، واستحوذت الدولة على معظم الصناعات والقطاعات المنتجة في البلاد. في المقابل؛ اتسمت الدولة الليبرالية في كونها تترك الحرية لرؤوس الأموال للاستثمار، والعمل دون تدخل، وفق المبدأ الليبرالي المشهور "دعه يعمل، دعه يمر"، إلا أنّ قدراً من الدور الاجتماعي احتفظت به الدولة من خلال قيامها بجمع نسبة من الضرائب المفروضة على الدخول، وذلك مقابل التزامها بالقيام بجملة من الأدوار وتقديم خدمات اجتماعية؛ من التعليم والصحة إلى إدارة قطاع النقل، وتقديم الخدمات المتعلقة بالبنى التحتية، وتوسّعت عدة دول ليبرالية في هذه المهمات، في إطار ما عرف خلال النصف الثاني من القرن العشرين بـ "الكينزية"، نسبة لعالم الاقتصاد البريطاني، جون مينارد كينز، الملقب "أبو الاقتصاد المختلط".

كينز.. مؤسس الاقتصاد المختلط القائم على الجمع بين الحرية الاقتصادية والأدوار الاجتماعية

إلا أنّ هذه المساحة بقيت محلّ خلاف بين الحكومات الليبرالية، خصوصاً بعد صعود موجة "الليبرالية الجديدة" في ثمانينيات القرن العشرين؛ ففي بريطانيا برز دور رئيسة الوزراء، مارغريت تاتشر، وفي الولايات المتحدة برز دور الرئيس رونالد ريغان، وكلاهما قادا عملية انقضاض على القطاع العام وعلى الأدوار الاجتماعية للدولة، وبرز من بين أهم المنظرين في هذا التيار؛ عالم الاقتصاد النمساوي، فريدريش فون هايك، والأمريكي ميلتون فريدمان.

اقرأ أيضاً: الإسلامي الليبرالي محمد توفيق علاوي: هل يستقيم مع داعميه المسلحين؟
واليوم، ما تزال مسألة الدور الاجتماعي للدولة الليبرالية محل خلاف؛ ففي بريطانيا، يؤكد حزب المحافظين على تقليص دور الدولة ومسؤوليتها مقابل توسيع دور رؤوس الأموال الخاصّة، في حين يواجهه في ذلك حزب العمال المرتبط بالنقابات العمالية، وتبقى نسبة الديمقراطية الاجتماعية في بريطانيا ضئيلة نسبياً.
وتعدّ ألمانيا النموذج الأفضل على الاقتصاد المختلط في أوروبا؛ حيث تجمع الدولة مزيجاً من عناصر الديمقراطية الاجتماعية، وأخرى من الليبرالية الجديدة، في حين تعدّ الدول الإسكندنافية الأكثر ميلاً للنموذج الاجتماعي، ضمن نموذج خاصّ بها يعرف بـ "دولة الرفاه".

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
أما الولايات المتحدة الأمريكية فتتراجع فيها السياسات الاجتماعية، وتسيطر عليها منذ تأسيسها التوجهات الليبرالية المحضة، وقد حدثت بعض التحسينات، عام 2014، عندما أدخل الرئيس أوباما برنامج الرعاية الطبية، والمعروف بـ "أوباما كير"، الذي هدف إلى توفير تأمين صحي شامل لكل أمريكي بتكاليف منخفضة. وما يزال القانون يواجه، إلى اليوم، انتقادات كثيرة وهجوماً واسعاً من قبل التيار الليبرالي الجديد في الولايات المتحدة، ويبرز اسم الرئيس دونالد ترامب ضمن أبرز المنتقدين.

الرئيس أوباما لحظة التوقيع على قانون الرعاية الصحيّة

القيود على الحريات
تعدّ الحرية الفردية بمثابة الركيزة الأساسية في النظم الليبرالية، وقد تمّ ترسيخها في الدساتير والقوانين، وتتنوع الحريات الفردية؛ من حرية الاعتقاد إلى حرية التعبير، إلى حرية التنقل والتملك، وغيرها، إلا أنّ ذلك لم يمنع من بروز الجدل المعروف بجدل الحريات الفردية؛ فرغم التأكيد على هذه القيمة إلا أنّ هناك دائماً هاجساً من تعارضها مع مصالح المجموع؛ حيث يبرز الجدال دائماً: أيّهما مقدّم: مصلحة الفرد أم مصلحة المجموع؟ وغالباً ما تكون الإجابة في صالح الأخير، بالتالي؛ تظهر بعض القيود التي تفرض على سلوكيات يعتقد أنّها ستكون ضارة في حال لم يتم تكبيلها، وبين الميل للفرد أو المجموع يبقى الجدل دائراً بين المذهبين: الليبرالية الفردية، المعروفة بالـ "ليبرتارية"، والليبرالية الاجتماعية.

تعدّ الولايات المتحدة وكندا من أشهر الأمثلة على تطور الدولة الليبرالية القائمة على التعددية في الثقافات والهويات

ومع تصاعد موجة "الإسلاموفوبيا" خلال العقدين الأخيرين، برزت عدة قضايا مثيرة للجدل حول حظر تقييد العديد من الممارسات الدينية الإسلامية، ما يعدّ تعارضاً صريحاً مع مبدأ حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية، كما حدث، مثلاً، مع قانون حظر ارتداء النقاب في فرنسا، وكذلك في التشيك والدنمارك، ومع مقترح اليمين السويسري، عام 2009، بحظر بناء المآذن في سويسرا، وأزمة حظر ارتداء "البوركيني" في بعض مدن ألمانيا وفرنسا، التي ظهرت ابتداء من عام 2016 وما تزال تثير الجدل، وتحريم الختان في بعض ولايات ألمانيا، والذبح الحلال في بعض مقاطعات بلجيكا.
ويبرز أيضاً الحظر لتداول آراء ومقولات سياسية عديدة، في إطار ما يعدّ "مقولات متطرفة"، مثل النزعات "النازيّة الجديدة"، وكذلك تبرز تهمة "معاداة السامية" التي تمّ التوسع فيها بشكل كبير في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حتى باتت تهمة يتم توجيهها لكلّ من ينتقد سياسات دولة "إسرائيل"، وباتت تطال العديد من الأعمال الفنية والأكاديمية، وهو ما مثل تهديداً صريحاً لمبادئ الحرية الفكرية.

أثار قرار حظر ارتداء البوركيني في فرنسا جدلاً واسعاً

الاعتراف بالآخر.. القبول أو الدمج
إنّ الاعتراف بهوية الآخر وعدم إقصائه هو أحد أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة الليبرالية؛ باعتبار أنّها دولة مواطنة تربطها علاقة حقوق وواجبات بالفرد المواطن، بصرف النظر عن أصله وعرقه ولونه وجنسه وديانته.
وتعدّ الولايات المتحدة الأمريكية وكندا من أشهر الأمثلة على تطور الدولة الليبرالية القائمة على التعددية في الثقافات والهويات، باعتبار طبيعة تكوين المجتمع الذي يضمّ عدة أصول وأعراق، وهو تنوع ناتج بالأساس عن موجات من الهجرات.

اقرأ أيضاً: هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟
إلا أنّ هذا النموذج من الدول الليبرالية بدأ يشهد تراجعاً خلال العقود الأخيرة، ويعود جانب أساسي من سبب التراجع إلى التوسع في موجات الهجرة واللجوء من خارج العالم الغربي، وشعور الدول، خاصة في أوروبا، بتزايد احتمالات تهديد هوية المجتمعات الأوروبية. 
في أوروبا؛ تصاعدت مبادرات اليمين للترهيب من المدّ الإسلامي، وبات هناك خطاب منتشر يشترط على المهاجرين الجُدُد الاندماج في المجتمع، وإثر موجة الهجرة الواسعة، بعد عام 2010، من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ازدادت إجراءات تقييد الهجرة واللجوء إلى القارّة الأوروبيّة، وشرعت دول مثل بلغاريا والمجر في بناء الجدران الفاصلة على حدودها.

اقرأ أيضاً: لماذا تعاني الليبرالية من سوء السمعة في العالم العربي؟
في ألمانيا؛ برزت انتقادات واسعة من اليمين الألماني للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركيل، بسبب سماحها باستقبال عدد كبير من المهاجرين السوريين وجرى اتهامها بأنّها تغيّر ثقافة البلاد، وتصدّر "حزب البديل من أجل ألمانيا" هذا الهجوم، واستطاع تحقيق تقدّم واسع على أساسه.
وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أثار قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عام 2017، جدلاً واسعاً، بمنعه السفر إلى الولايات المتحدة من ستّ دول مسلمة، ذات غالبية مسلمة، ضمن ما عُرفت بـ "قائمة حظر السفر"، وعُدَّ قراره بمثابة إقصاء عنصري صريح، في حين لقي تأييد جانب كبير من الجمهور الداعم للرئيس، وتسبب الجدل الواسع حينها بإيقاف القرار مؤقتاً، قبل أن تقرر المحكمة الفيدرالية العليا العمل به.

عُدَّ قانون ترامب بـ "حظر السفر" بمثابة تعارض صريح مع المبادئ الليبرالية الأمريكية

ويبقى السؤال: هل تمنح مثل هذه الخلافات صفة المرونة للمنظومات الليبرالية؟ وبالتالي تجعلها قادرة على التجدد والاستمرار، كما يجادل بعض المنظرين، أم أنّها تجعل منها منظومة سائلة قابلة للتقمصّ والارتداء من قبل كلّ صاحب مصلحة، وبالتالي النزول إلى مراتب الشعبوية والتماهي بها؟

للمشاركة:

هل أضرّ التسييس بالقبائل في شرق السودان؟

2020-02-25

الصورة التي ظهر بها نائب رئيس مجلس السيادة في السودان، الفريق محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي"، على قناة "العربية الحدث"، وحوله كوكبة من زعماء القبائل ورؤوس الإدارة الأهلية في شرق السودان، مبشراً باستضافة رجال القبائل في مدينة جوبا (عاصمة دولة جنوب السودان) دعماً لمسار سلام الشرق، ومستكملاً بهم نصاباً في المشاركة؛ صورة لا تعكس إلا مزيداً من التشويش حول طبيعة منبر جوبا لسلام الشرق، وعن المسارات المختلفة في ذلك المنبر التفاوضي حول قضايا السلام التي وعدت الحكومة الانتقالية بحسمها خلال 6 شهور، وها هو الشهر السادس يكاد ينقضي دون الوصول إلى نتيجة تنهي مسار قضايا سلام.

اقرأ أيضاً: السودان والدرس الليبي
شرق السودان، رغم أهميته الجيوسياسية، إلا أنّه أكثر إقليم تعرّض للتهميش والإهمال الذي كرَّس عزلةً مضافة إلى الطبيعة الانعزالية المتصلة بحياة الصحراء في هوية سكانه الأصليين "البجا".

بعد سقوط البشير
حدث الثورة الكبير في حياة السودانيين، وسقوط رأس نظام الإنقاذ؛ عمر البشير في نيسان (أبريل) من العام الماضي، لم يغير قواعد اللعبة التي قررها نظام البشير عبر تسييس القبائل وإدخال الإدارة الأهلية في الشأن العام، إذ ما تزال تشتغل بكفاءة في شرق السودان (كان الهدف الأساسي لنظام تسييس القبائل؛ الالتفاف على الجماهير لضمان ولائها عبر استقطاب زعماء قبائلهم؛ حيث ما تزال القبلية في السودان من أهم مؤسسات الولاء المجتمعي).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان: مستقبل مظلم وموت محتمل
ورغم خطايا كثيرة لنظام تسييس القبائل الذي من أهم خصائصه؛ إفساد القبيلة والسياسة معاً، إلا أنه ما يزال هناك في شرق السودان من يرى في ذلك النظام قدرةً على الاشتغال فقط لأنه تعوَّد على مدى ثلاثين عاماً رؤية ذلك الشكل المأزوم في ممارسات عمل سياسي نسقي لا يفضي إلى شيء!
الأخطر من ذلك؛ أنّ نظام البشير، فيما كان يعيد الحياة لنظام الإدارة الأهلية ويبعثه من مرقده (بعد أن ألغاه الجنرال نميري في السبعينيات) كان، في الوقت ذاته، يشتغل على تدمير البنى الحزبية للأحزاب ويغير قواعد اللعبة السياسية في الفضاء العام.
تدمير بنية العمل السياسي
عبر مسارين في تدمير بنية العمل السياسي، أصبح الداخل السوداني في عهد نظام البشير خاضعاً لممارسات تسييس الإدارة الأهلية، الأمر الذي بدا معه نظار القبائل مع خوضهم في ممارسات سياسية كاريكاتورية لا يفهمون قواعدها؛ محلّ نقد وسخرية (هما من لوازم العمل السياسي) بدلاً من أن يكونوا محلّ إجماع وتقدير، وأصبح الانقسام عليهم مؤشراً على تعدّد الولاءات داخل القبيلة، بحسب المصالح السياسية. بعبارة أخرى؛ أصبح نقد زعيم القبيلة (وهو مما لا يليق بمقامه في الأصل، لكنّه أمر طبيعي متصل بالعمل السياسي) منعكساً سلبياً على التحزيب بين منسوبي القبيلة الواحدة عبر الانشطار المتعدد؛ فكثر استحداث المناصب القبلية الوهمية، كالعمد والشيوخ، وفي الوقت ذاته انتشر احتكار السلطة والسيطرة من قبل رموز النظام.

أما في الخارج؛ فقد اختطفت الحركات المناطقية المسلحة، كحركَتي دارفور والبجا، المسار على حساب الأحزاب السياسية التي تمّ تفتيتها إلى كيانات صغيرة.

أصبح شرق السودان، نتيجة للإهمال الذي ضربه والتهميش الذي لحق به، أكثر أطراف السودان احتقاناً بعد الثورة

ومع انفتاح السياسة عبر الحريات التي أتاحها مناخ الثورة السودانية بعد سقوط البشير، بدت هذه التعبيرات القبلية المأزومة عبر ممارسات عمل سياسوي نسقي على مدى 30 عاماً هي الأعلى صوتاً بطبيعة الحال، وهكذا، حين بدأت مفاوضات السلام في جوبا بعد تكوين الحكومة الانتقالية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ظهرت التناقضات والعشوائية في ممارستها (التي كانت تتحكم فيها من قبل؛ الإدارةُ السياسية للمؤتمر الوطني) بمعنى أنّ مناخ الحريات عزز أوهاماً كبيرة لنظار القبائل، حتى إنّ بعض أولئك النظار ظلّوا يراهنون على مشاركته في مفاوضات السلام من عدمها، بتهديد السلم المجتمعي حال تغييبه عنها، في مؤشر عكس حجم الدمار الذي ألحقه نظام البشير بمناخ التسييس والعمل العام.
إقحام القبائل في السياسة
وحول تسييس القبائل وإقحامها في المجال السياسي، يقول الناشط السياسي من شرق السودان، خالد محمد نور، لـ "حفريات": "خلوّ الساحة السياسية في شرق السودان وضعفها البائن على مستوى الأحزاب السياسية أو فرعيات الأحزاب المركزية، وهو الضعف الذي انعكس على تنسيقية الحرية والتغيير بشرق السودان أجساماً بطيئةً وعديمة الفاعلية، أفسح المجال واسعاً لسيطرة القبيلة على المجال السياسي وكان هذا لافتاً؛ إذ إنّه في الوقت الذي يتمّ فيه تمثيل أقاليم السودان المختلفة في عملية السلام من قبل حركات وأحزاب وشخصيات سياسية، كانت الكلمة في شرق السودان لنظّار القبائل وعمدها!".

اقرأ أيضاً: قصة وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في السودان.. ماذا فعلوا؟
أما السياسي حامد إدريس (أحد مرشحي مجلس السيادة عن شرق السودان، من طرف القوى المدنية بعد الثورة)، فيقول لـ "حفريات": "المزج بين السياسة والقبيلة شكّل ضرراً كبيراً على المصالح السياسية في شرق السودان، ومن المعروف أنّ إقحام القبائل في المجال العام، أصبح عادة للعمل السياسي في عهد نظام المؤتمر الوطني، مع ذلك؛ فلا يكاد أحد من رجال القبائل في شرق السودان، اليوم، يوافق على فكّ الارتباط بين القبيلة والسياسة. لقد أصبح الربط بين القبيلة والسياسة، وما يزال قناعة عامة لدى كثيرين، بسبب دعاية الجهاز الحكومي ومنهجية تسييس القبائل خلال الأعوام الماضية، للأسف".
خراب ضرب نظام القبائل
ويبدو أنّ تدمير البنية السياسية على مدى ثلاثين عاماً، انعكس بصورة عميقة، ليس فقط على الخراب الذي ضرب نظام القبائل، بل كذلك الخراب الذي ضرب السياسة، حين أصبح نظار القبائل قادة في العمل السياسوي.
وفي هذا الصدد يقول خالد محمد نور لـ "حفريات": "لا شكّ في أنّ المجتمع العشائري في شرق السودان يتيح للقبيلة إمكانية كبيرة للاشتغال، وأنّ رجالات الإدارة الأهلية حرص النظام البائد على تحويلهم إلى بيادق سياسية، ولعب كثيراً على وتر تناقضاتهم القبلية، تقريباً كلّ نظّار القبائل وغالبية العمد تقلدوا مناصب تنفيذية وتشريعية إبان العهد البائد، بل وكانوا أعضاء مكاتب قيادية ومجالس شورى في حزب المؤتمر الوطني المنحل".

اقرأ أيضاً: هل تسعى قطر لإعادة الإخوان إلى السلطة في السودان؟
من جانبه، يرى حامد إدريس؛ أنّ "تحزيب القبائل في السياسة يهتك نسيج القرابة؛ لأنّ القبيلة والقرابة بطبيعتهما من الثوابت، أما السياسة والمصالح فمتغيرة ومتحركة، لهذا سيفرض تسييس القبيلة خياراً واحداً يصبح معه الناظر رئيساً للحزب على نحو يجعل من الحرج شاملاً للجميع؛ حيث يتحول الخيار الشخصي لأفراد القبيلة إلى ولاء إجباري تفرضه شروط طاعة عمياء. وحين تتضارب المصالح السياسية، ينعكس ذلك على العلاقات البينية لمنسوبي القبيلة الواحدة بالضرورة، مما يؤدي إلى تفكك القبيلة واستشراء الصراعات فيها فتفسد علاقة القرابة وتتدمر، وهذا ما حدث للقبائل طوال الفترة الماضية، للأسف".

رعاية علاقة القرابة والدم
يختم محمد نور إفادته لـ "حفريات"، بالقول: إنّ "طبيعة تكوين القبيلة القائمة على التضامن القبلي ورعاية علاقة القرابة والدم، ورمزية الناظر التي تجعله محل إجماع، وتجعل من كلمته نهائية في الخلاف البيني لأفراد قبيلته وغير قابلة للمراجعة، كلّ ذلك يتناقض جذرياً مع الممارسة العامة للسياسة في تجاوزها لولاء القبيلة الحميم والخاص الى الفضاء العام المتعدد. وهكذا، حين يتمّ إقحام القبيلة في مضمار السياسة تنتج عن ذلك خلافات خطيرة، قد تتسبّب في اقتتال أهلي، كما حدث في ولاية البحر الأحمر.

حين يتمّ إقحام القبيلة في مضمار السياسة تنتج عن ذلك خلافات خطيرة قد تتسبّب في اقتتال أهلي

والخلافات، اليوم، حول منبر جوبا، على سبيل المثال، تحولت من خلاف سياسي إلى خلاف قبلي يدار بوسائل الضغط القبلية، وهي وسائل خياراتها ضيقة؛ كالتعبئة العاطفية والحماسة والاصطفاف والاحتشاد، وصولاً إلى المواجهة، وذلك تماماً هو السيناريو الذي عاشته مدينة بورتسودان، ورأينا فيه كيف يتحوّل خلاف سياسي متغيّر، مجاله نسبي محتمل للخطأ والصواب، إلى خلاف تجاوز ذلك وتحول إلى صراع سفكت فيه دماء بريئة، حين تحوّل من خلاف مجاله السياسة إلى خلاف للنزاع القبلي، الذي لا يعرف الخطأ والصواب في قناعاته".
مزاج حميدتي المتصل بفضاء عرب دارفور وبيئتها القبلية يعدّ جزءاً من ذلك النظام الذي سيّس به البشير القبائل السودانية، فبعد الثورة وقبل الاتفاق السياسي حول الإعلان الدستوري، في آب (أغسطس) 2019، نشط حميدتي في محاولة ساذجة منه للسير على خطى نظام البشير متوهماً إمكانيةً لمزج الديني بالسياسي فاتخذ من منطقة "قَرِّي" التاريخية، قرب الخرطوم (المنطقة التي كانت قبائلها جزءاً من سلطنة الفونج الإسلامية التاريخية) ملتقى يجتمع فيه نظار القبائل وشيوخ الدين، من أمثال الشيخ سليمان علي بيتاي، راعي أكبر خلاوي البجا في شرق السودان، لكن ما أدركه حميدتي، فيما بعد، لا سيما إثر مذبحة فضّ الاعتصام التي تورطت فيها قواته العسكرية المسماة "الدعم السريع"، وخروج الملايين من الثوار، في 30 حزيران (يونيو) من العام الماضي، ليستعيدوا زخم الثورة وقوتها، بدّد أوهامه.   
على هذا، فقد أصبح شرق السودان، نتيجةً للإهمال الذي ضربه والتهميش الذي لحق به، أكثر أطراف السودان احتقاناً بعد الثورة، والخاصرة الرخوة التي يتم الاستثمار في تناقضاتها القبائلية من طرف قوى الثورة المضادة، ومن قوى خارجية، نظراً للهوية الجيوسياسية المهمة.

للمشاركة:

التشريع والمرأة في مصر: هل قدمّت الدساتير حلولاً لمشكلات النساء؟

2020-02-24

يعدّ تنظيم الحقوق والحريات للمواطنين والمواطنات، أداة لقياس تطوّر أنظمة الحكم وعلاقة الدولة بمواطنيها، ومن هنا كان جلياً ذكر ما نصّت عليه الدساتير المصرية في شأن المرأة وحقوقها، وهل حاولت تلك الدساتير وضع حدّ لمعاناة النساء في مصر؟

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟
بادئ ذي بدء نتناول دستور 71، الذي ما نزال نعيش توابعه حتى اليوم.

أسطورة المساواة 
تنصّ المادة الحادية عشرة من دستور 71 على: "تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة والعمل، والمشاركة في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية"؛ حيث جاءت هذه المادة بما يتماهى مع الاتجاه الجديد للدولة، خاصةً بعد تعديل المادة الثانية من الدستور، وإضافة أحكام الشريعة الإسلامية، كمصدر أساسي للتشريع، وفي خطوة لتطبيق مبدأ المساواة، نصّت أيضاً المادة السادسة من الدستور المصري، على أنّ "الجنسية حقّ لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به، ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، وهو حقّ يكفله وينظمه القانون، ويحدّد كذلك شروط اكتساب الجنسية"، وقد كرّست هذه المادة حقّ المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها، الذي حصلت عليه في تعديل قانون الجنسية، عام 2004، دون الحاجة إلى إجراءات أو موافقة وزارة الداخلية، تماماً كما هو وضع الأطفال من أب مصري.

أصبح للمرأة دور كبير في المجتمع فهي تمثّل 15% من قوة البرلمان و25% من قوة الحكومة

ولكن يؤخذ على المادة الحادية عشرة من دستور 71؛ أنّها لم تكن تفصيلية، ولم تضف أَسساً ومبادئ تحافظ على حقوق المرأة، وتساعد في تمكينها بالمجتمع، ولم تقر حقوقها القانونية في إطار التشريع بين مؤيد ومعارض، وفق ما يتبناه البعض من فقه متشدّد أو معتدل، ويذكر في هذا المقام الجدل الذي قام حول إدراج حقّ الخلع في قانون إجراءات الأحوال الشخصية، أو قوانين الرؤية والحضانة، وغيرها، ليأتي الأربعاء الأسود عام 2005، عقب  التعديلات الدستورية التي أجراها الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ إذ اعترضت بعض القوى النسائية على البند الخاص بالتوريث، ما دفعهم للتظاهر أمام نقابة الصحفيين المصرية، لتقوم بعض قوات الأمن بالاعتداء على الناشطات، ثمّ خرجت بعض وسائل الإعلام تتهم المتظاهرات بـ"التعري" أمام النقابة، بهدف تأليب الرأي العام عليهنّ، وبذلك يتمّ تشويه أيّة حركة نسوية تطالب بحقوق النساء، ولم يحاكم أحد على هذه الانتهاكات حتى اليوم.
لم تضف المادة الحادية عشرة من دستور 71 أسساً ومبادئ تحافظ على حقوق المرأة وتساعد في تمكينها بالمجتمع

ما بعد الثورة
جاء بعد ذلك دستور 2012؛ عاصفاً بحقوق أساسية للنساء، التي كان يجب تضمينها في الدستور؛ إذ إنّ صياغته نصّت على أنّ النساء أولاً، كـ "شقائق للرجال وشريكات في المكتسبات والمسؤوليات الوطنية"، (في الديباجة)، ثمّ كـ "أم"، ومعيلة للأسرة، ومطلقة، وأرملة (في المادة 10)، مع اختلاف الحالات؛ فالمرأة‍ "مفعول به" دائماً، ولا تظهر كفرد مستقلّ في هذا العقد الاجتماعي المصري الجديد، ثم جاءت التعديلات اللاحقة في دستور 2013؛ إذ نصّت على المساواة، في نصّ صريح على "تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق أحكام الدستور، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدّده القانون، كما تكفل للمرأة حقّها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة، والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدّها، وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضدّ كلّ أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة، والمرأة المعيلة والمسنّة، والنساء الأشدّ احتياجاً، إلا أنّ هذا الدستور ظلّ حبراً على ورق، وكانت كلّ ممارسات السلطة وقتها تعدّ إقصاءً صريحاً للمرأة، وتجريدها من الحقوق التي اكتسبتها من قبل".

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه

أما بعد دستور 2014؛ الذي رآه العديد من النشطاء أحد مكاسب نضال الحركات النسوية والمجموعات النسائية، ليضمن استحقاقات دستورية على كافة المستويات؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتضمين الدستور المبادئ المهمة والعامة، التي تعامل النساء كمواطنات مساويات لنظرائهن من الرجال في الوطن الواحد، وهي مبادئ لم تكن موجودة في الدساتير المصرية من قبل، سواء في الدساتير التي تمّ إنشاؤها من الصفر، أو الدساتير التي تمّ تعديلها؛ ذلك لأنّ المكاسب والاستحقاقات الدستورية الحالية الموجودة في دستور 2014، وضعت أساس الحكم الديمقراطي القائم على المساواة بين المواطنين والمواطنات في كافة مناحي الحياة، وأقرّت مبادئ مهمّة وفعّالة لقيام دولة ديمقراطية حقيقية، منها، على سبيل المثال وليس الحصر، أولاً: "مبدأ تداول السلطة"، وثانياً: "الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، دون تداخل أيّة سلطة في مهام الأخرى"، وثالثاً: "مبدأ تجريم التمييز بكافة أشكاله وأنواعه في المجتمع المصري"، ورابعاً: "إقرار مبدأ اللامركزية في إدارة المحليات، وتخصيص مقاعد محددة لصالح النساء، وضرورة تمثيل الفئات المختلفة بالمجتمع في الإدارات المحلية"، وخامساً: "وضع أسس العدالة الانتقالية والعمل على التمثيل المناسب للنساء في جميع الهيئات التشريعية والبرلمانية والتنفيذية والقضائية"، وسادساً: "إقرار ضرورة مناهضة وتجريم كافة أشكال العنف ضدّ النساء"، وأخيراً "التزام الدولة بتطبيق وتفعيل المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها".

نحو تعزيز حقوق النساء
كان لدستور 2014 دور آخر في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، طبقاً للمادة (11) من الدستور؛ إذ "تعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقّها في تولّي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة، والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدّها"، كذلك "تلتزم الدولة بحماية المرأة ضدّ كلّ أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة، والمرأة المعيلة، والمسنّة، والنساء الأشدّ احتياجاً"، كما نصّت المادة 180 على أن "تنتخب كلّ وحدة محلية مجلساً بالاقتراع العام السرّي المباشر، لمدة 4 أعوام، ويشترط ألا يقلّ عمر المترشّح عن واحد وعشرين عاماً، وينظم القانون شروط الترشح الأخرى، وإجراءات الانتخاب، على أن يُخصَّص ربع عدد المقاعد للشباب دون سنّ خمسة وثلاثين عاماً، وربع العدد للمرأة"، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتضمن الدستور المصري فيها مساواة كاملة للنساء والرجال.

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟
يبدو أنّ دستور 2014 كان الأكثر انصافاً للمرأة، كما أعربت نائب رئيس المحكمة الدستورية العامة سابقاً؛ المستشارة تهاني الجبالي، عن رأيها لـ "حفريات" بقولها؛ إنّ "المرأة حالياً أصبح لها دور كبير في المجتمع؛ حيث إنّها تمثّل 15% من قوة البرلمان، و25% من قوة الحكومة"، لافتة إلى أنّ "هناك 110 قاضيات مصريات وصلن لترأس المحاكم الجنائية، وبعضهنّ ترأّسن محاكم النقض"، منوّهة إلى أنّ "مصر تمتلك كثيراً من الكفاءات النسائية التي أثبتت نجاحها في كافة المجالات"، كما أوضحت أنّه على الحكومة تقديم برنامج مباشر للتطوير، حتى يتم التأكد من أنّ هناك آليات تنفيذية تعمل عليها الحكومة لتحقيق هذه التكليفات، مفيدة بأنّ برامج العمل تسمح لنا بمحاسبة الحكومة إذا قصّرت في تنفيذ توجيهات الرئيس، مشيرة إلى أنّ هناك اهتماماً بدور المرأة، حيث يذكر الرئيس المصري المرأة في كلماته كافة، وأصبح هناك تطور نوعي في الرعاية الاجتماعية بالمرأة، والاهتمام بالطبقات المهمَّشة، مطالبة بعمل تطوير تشريعي لدور المرأة، والعناية بالمرأة العاملة بشكل أكبر، وكذلك المرأة المعيلة والمسنّة.

نصّت المادة السادسة من الدستور المصري على أنّ الجنسية حقّ لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية

تفعيل القوانين
توضح الجبالي؛ "رغم أنّ النصّ الدستوري يقرّ بحقّ المرأة في دخول كلّ الهيئات الدستورية والقضائية، إلا أنّه، حتى وقتنا هذا، هناك بعض الهيئات التي ترفض عمل المرأة، مثل؛ "مجلس الدولة"، و"النيابة الإدارية"، منوّهة إلى أنّ ذلك يعدّ مخالفة صارخة للدستور، ولا بدّ من تدخّل الرئيس بها، عن طريق رفضه أيّة تعيينات جديدة، لا يوجد بها عدد محدّد من السيدات؛ حيث إنّ الإرادة السياسية حاسمة، وتهتم كثيراً بشؤون المرأة، ولكن الإرادة السياسية لا تكفي وحدها، ولتحقيق التكليفات الرئيسة، فلا بدّ من وجود برامج سياسية تتمّ مراقبتها، والبحث فيها، حتى يكون التطوير في العمق وليس بشكل سطحي فقط.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
وبسؤال المحامية ورئيس المجلس المصري لحقوق المرأة، نهاد أبو القمصان، عن رؤيتها للدساتير المصرية، ووضع المرأة فيها، أجابت لـ "حفريات" أنّ "البنود الدستورية الخاصة بالمساواة بين الجنسين لها طريقتها في الصياغة، ومواضيعها الخاصة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، في دستور أية دولة ديمقراطية ومتحضرة، ولا يمكننا أن نفترض وجود المساواة بين الجنسين في الدولة، إذا كان دستورها يتحدث فقط للرجال، الذين يشكلون نصف المجتمع فقط، مهمِّشاً النصف الآخر منه، عن طريق استخدام الضمائر له أو عليه، خاصّة في بنود وشروط المشاركة السياسية، فالنساء يشعرن بطريقة أو بأخرى بالاستبعاد، أو بعدم وضعهنّ في الاعتبار، نظراً إلى استبعادهنّ من أهم وثيقة تنظمها الدولة التي يعشن فيها، وهو أيضاً القانون الأساسيّ والأسمى للبلاد".

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟

وأردفت بقولها؛ "رغم أنّه ليس من المناسب أن تكون المرأة مذكورة في الدساتير فقط، عند التطرق للبنود التي تتعلق بالأمومة والإنجاب، فهذا يعكس السياسة العامة للبلد ككل، ويضيق أو يقيد دور المرأة في المجتمع في هذَين الدورَين فقط؛ فمن المفروض أن يتم ذكر المرأة في كلّ بند ينظم جوانب الحياة المختلفة، سواء العامة أو الخاصة، مثل؛ الديباجة، وأحكام المساواة، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً المشاركة السياسية".

للمشاركة:



اعتراف جديد لأردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:

الكورونا ينتشر بشكل واسع.. دول الخليج تسجل حالات إصابة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

سجّلت البحرين والعراق والكويت وعُمان، أمس، أولى الإصابات بفيروس كورونا الجديد، معظمها من العائدين من إيران.

وأعلنت وزارة الصحة الكويتية، الثلاثاء، ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد إلى 8 أشخاص، بعد تأكد إصابة 3 مواطنين جدد، موضحة أنّ جميعهم عائدون للبلاد من إيران، وأحدهم من المملكة العربية السعودية.

ونقلت وكالة الأنباء الكويتية "كونا"، عن الوزارة قولها؛ إنّ الإصابات الجديدة لأشخاص قادمين من إيران كانوا في الحجر الصحي الإجباري هناك، موضحة أنّهم جميعاً بحالة جيدة.

وتابعت الوزارة الكويتية، في بيان: "تمّ عزل المصابين في إحدى المستشفيات المعدة للتعامل مع فيروس كورونا المستجد"، الذي يطلق عليه علمياً اسم "كوفيد-19".

البحرين والعراق والكويت وعمان تسجل أول إصابات بفيروس كورونا معظمها من العائدين من إيران

هذا وقرر مجلس الوزراء الكويتي، الإثنين، وقف الاحتفال بعيدها الوطني الـ 59، الذي يصادف 25 شباط (فبراير) من كل عام، بسبب فيروس كورونا المستجد حتى إشعار آخر.

 في سياق متصل؛ سجلت سلطنة عُمان، الأول من أمس، إصابتين بكورونا الجديد لمواطنتين عُمانيتين قدمتا من إيران، بينما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تعليق كلّ الرحلات الجوية مع إيران.

ونقل تلفزيون عُمان، عن وزارة الصحة، أنّ المصابتين تخضعان حالياً للحجر الصحي في المنزل، مشيرة إلى أنّ حالتهما مستقرة.

كوريا الجنوبية تؤكد أنّ إجمالي عدد المصابين بفيروس الكورونا ارتفع إلى 763 شخصاً

وكتبت الهيئة العامة للطّيران المدني العمانية، في تغريدة على حسابها بتويتر: "الهيئة تُعلّق جميع رحلات الطيران المدني بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، اعتباراً من اليوم.. وإلى إشعار آخر".

وفي العراق، أعلنت السلطات في مدينة النجف، جنوب بغداد، أمس، ظهور أول إصابة بالفيروس، وقالت إنّ المصاب مواطن إيراني دخل البلاد قبل قرار منع دخول الإيرانيين بثلاثة أيام.

وأوضحت دائرة صحة النجف في بيان؛ أنّ "نتائج الفحوصات المخبرية التي أجريت اليوم أظهرت إصابة أحد طلبة العلوم الدينية من الجنسية الإيرانية، ممن كانوا قد دخلوا إلى العراق قبل قرار خلية الأزمة الوزارية منع دخول المواطنين الإيرانيين".

وسجلت الإمارات، حتى الآن، 13 حالة فيها، وقالت إنّ أحدث حالتين هما لسائح إيراني وزوجته.

إيران تعلن رسمياً وفاة أربعة أشخاص بالمرض ونائب عن قم يؤكد أنّ العدد تجاوز في قم فقط 50 حالة وفاة

هذا وقد أعلنت أفغانستان أيضاً تسجيل أول إصابة بالفيروس في ولاية هرات، غرب البلاد، في حين قالت السلطات في إيران؛ إنّ عدد الوفيات بسبب الفيروس ارتفع إلى 12 وتجاوز عدد الإصابات 60 حالة.

وفي كوريا الجنوبية، ارتفع إجمالي عدد المصابين بالفيروس إلى 763 شخصاً، وذلك بعد تسجيل 161 حالة جديدة، رغم رفع الحكومة مستوى التأهب للأمراض المعدية إلى أعلى درجاته.

وقالت المراكز الكورية لمكافحة الأمراض والوقاية منها؛ إنّ 115 من الحالات الجديدة لها صلة بكنيسة في مدينة دايغو جنوب شرق البلاد، بعد أن أثبتت الاختبارات إصابة امرأة بالفيروس عمرها 61 عاماً، كانت قد حضرت أكثر من قداس هناك الأسبوع الماضي.

وذكرت وزارة الدفاع في كوریا الجنوبیة، أمس؛ أنّ 13 جندیاً في الخدمة العسكریة أصیبوا بفیروس "كورونا"، مؤكدة عزل نحو 7500 عسكري.

وفي إيطاليا، تأكدت رابع وفاة بالفيروس، ما عمّق المخاوف بشأن تفشّي الفيروس في أنحاء أوروبا، وأصيب أكثر من 150 شخصاً في إيطاليا؛ حيث تمّ تأجيل عدة مباريات لكرة القدم ضمن دوري الدرجة الأولى الإيطالي.

وعُلّق كذلك مهرجان البندقية الشهير، فيما ألغيت عدة عروض أزياء ضمن أسبوع الموضة في ميلانو، وصدرت أوامر لأكثر من خمسين ألف شخص في نحو عشر بلدات شمال إيطاليا بالتزام منازلهم، بينما أقامت الشرطة نقاط تفتيش لتطبيق الحظر.

هذا وقد ارتفعت حصيلة ضحايا فيروس كورونا في إيران إلى 12، وفق ما أعلن، أمس، متحدث باسم البرلمان.

وسجلت إيران أربع وفيات جديدة بفيروس كورونا الجديد في إيران، ما يرفع حصيلة ضحايا وباء "كوفيد-19" إلى 12.

وكان النائب الإيراني عن مدينة قم، أحمد أمير آبادي فراهاني، قد اتّهم الحكومة بـ "عدم قول الحقيقة" بشأن حجم انتشار الفيروس في البلاد، وفق ما أوردت وكالة أنباء "إسنا" شبه الرسمية، متحدثاً عن "50 حالة وفاة" فقط في مدينة قم.

في غضون ذلك، قررت السلطات الصينية تأجيل الاجتماعات السنوية للبرلمان، المقررة في آذار (مارس) المقبل، بسبب تفشي فيروس كورونا، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

ورغم ذلك، بدأت الصين تخفيف بعض القيود المفروضة في ووهان، وقالت إنّها ستسمح للمقيمين غير المحليين بمغادرة ووهان، مركز تفشي الوباء، حتى مع ارتفاع عدد الإصابات بالفيروس إلى أكثر من 77 ألف شخص.

وأعلنت لجنة الصحة الوطنية، أمس، تسجيل 409 حالات إصابة جديدة مؤكدة بفيروس كورونا، الأحد، انخفاضاً من 648 حالة يوم السبت، لكنها قالت في بيان إنّ معدل حالات الوفاة الجديدة ارتفع إلى 150 حالة مقابل 97 حالة.

وقالت إنّ إجمالي عدد الإصابات المؤكدة في الصين وصل الآن إلى 77,150 حالة، في حين بلغ عدد الوفيات 2592.

هذا وقد حذّرت منظمة الصحة العالمية من أنّ فرصة احتواء فيروس كورونا في العالم تتقلص، مشددة على ضرورة تحرك دولي للعالم سريعا للسيطرة على انتشاره.

 

للمشاركة:



أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الفنان محمد نصر الله: المخيم علّم ألواني الحب والحرية

2020-02-25

أجرت الحوار: رشا سلامة


قلّما تكون فلسطين حاضرة في نتاج مبدع ما، بشكل كامل غير منقوص البتة، كما يحدث لدى الفنان التشكيلي، محمد نصر الله؛ إذ لا تكاد الذاكرة تحصر له عملاً واحداً لا يستحضر فيه فلسطين، بدءاً من الألوان التي تحاكي الجغرافيا الفلسطينية، مروراً بمحطات القضية الفلسطينية تاريخياً، وليس انتهاءً بأسماء معارضه وحديثه هو نفسه عن نتاجه.

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

حياة نصر الله، المولود عام 1963، في مخيم الوحدات في الأردن، لأبوين هُجّرا من قريتهما المقدسية "البريج"، مرتبطة كذلك، بتفاصيلها كلّها بالقضية الفلسطينية؛ إذ لا تكاد عبارة واحدة لنصر الله، أو لفتة، أو موقف تواصل اجتماعي يخلو من ذِكر فلسطين.

كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين

يقول محمد نصر الله إنّه تمرّد على قيود الوظيفة ولم يحتمل محدّداتها، كما أطلق لنفسه العنان، طوال الأعوام الماضية، للخروج عن دوائر المألوف والمتوقَع، فأقام معرضه الثاني "أناشيد التراب 2" بينما كانت حرب الخليج تقرع طبولها، رغم تحذيرات كثيرين له من أنّ الوقت غير مواتٍ لهذا، كذلك هو محمد نصر الله، الذي لم يدرس الفنّ التشكيلي ضمن قوالب معلّبة، ولا تتلمذ على يد أستاذ بعينه، ولم يُحسب على مدرسة محدّدة، تماماً كما أراد طوال حياته.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار مع الفنان التشكيلي، محمد نصر الله، الذي درسَ الفنون في معهد الفنون الجميلة، كما حصل على دبلوم فيها من المركز الثقافي الإسباني في عمّان، والذي يعكف على مشروع جديد، عنوانه الأبرز فلسطين، كما هو دأبه دوماً.

- بعد مرور هذه الأعوام، التي أمضاها محمد نصر الله بين المخيم والفنّ الذي ما برح المخيم؛ هل ثمة شعور باليأس من طول المسافة؟ تبدو الدرب طويلة جداً نحو التحرير، وتحديداً على ضوء المعطيات الأخيرة، هل تعِب نصر الله؟

أدين بكلّ شيء للألوان والمخيم؛ ذلك أنّه علّمني الحب والحرية، رغم عتمة هذا الكون المليء بالهموم والأحزان، ولم أتعب يوماً؛ بل بقيت طفل المخيم الصغير الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعد؛ أحبو على عتبات بيوت المخيم وأتعلّم كلّ يوم.
مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، وأكبر من رواية، لقد حمّلني المخيم بتجارب كثيرة منذ طفولتي، وهي التجارب التي ما أزال أتتلمذ على يدها حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لطالما كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي، وهي الجوقة التي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين.
لم أتعب، ولم يتراجع أملي يوماً ما في أنّ الحرية قريبة جداً، هكذا تبشّر اللوحة.

-  تبدو الحرية منظومة متكاملة لدى محمد نصر الله؛ إذ لم تقف عند حدود فلسطين، بل لطالما كان أحد المبدعين الذين لم يرضوا بتكبيل ذاتهم بقيود وظيفية؛ إلى أيّ مدى وجدت هذا قراراً مريحاً صائباً أو صعباً؟

لا أحتمل الحياة الوظيفية، بكلّ قيودها الزمنية؛ لأنّها مقتل للمبدع؛ لهذا تركتها مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأخذت قراراً بأن أتفرّغ للفنّ، وما يزال هذا القرار معمولاً به لديّ حتى اللحظة.
الفنّ متنفسي الوحيد في هذا العالم، ولست حزيناً؛ لأنني وجدته سبيلاً لنفسي، ووجدته ملاذاً من هموم الدنيا كلها، وميداناً واسعاً أترافع فيه عن فلسطين وأتحدث فيه عن حياة المخيم، لم أخسر شيئاً، على العكس، ربحت لوناً لأتنفس منه وأطلّ على العالم كيفما أريد.

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم

لطالما وضعت نصب عينيّ أني أريد حياة تشبهني، لا حياة على مقاسات الآخرين ورغباتهم وتوقعاتهم، وكان لي هذا.
وقد تمرّدت على القوانين والمتوقع منذ زمن طويل، لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة في الفنّ التشكيلي، بل أطلقت العنان لذاتي، وحتى حين قرعت حرب الخليج طبولها، وكنت بصدد إقامة معرضي الثاني "أناشيد التراب 2" نصحني من حولي بالتريّث؛ لأنّ الوقت غير مواتٍ، لكني لم أستمع لهم، بل اعتقدت أنّ الحرب لن تحول دون تذوّقنا للجمال والاحتفاء به.
ذات مرة، كنت قد حضّرت لمعرض جديد ثلاثين لوحة، لكني بمجرد أن اهتديت لما يعبّر عني أكثر في لون اللوحة وملمسها، نسيت الثلاثين لوحة وانطلقت لتجربة جديدة مع اللون والتشكيل، لطالما أردت أن أكون هكذا: حراً من أيّ قيد قد يكبّلني، إن كان لا بدّ من قيود، فليرسمها الفنّ، لا الإنسان؛ ذلك أنّ الفنّ لا يمنح العالم إلا جمالاً، أنت هكذا كمن يضع العهدة في اليد الأمينة.

-  يرى كثيرون أنّ الإفراط في الغموض والرمزية في اللوحة، كما في باقي ضروب الفنون، قد يفضي لقلة إقبال الجمهور على الفنّ التشكيلي والإبداع عموماً؛ ما رأيك؟

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً، على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم.
ولهذا السبب، ليست لديّ مشكلة مع الجمهور بكافة فئاته؛ فحضوره لم يقلّ منذ انطلاقة تجربتي؛ لأنني أرسم ما يحدث داخلي، وأنقل قضايا شعبي والناس، رغم الرمزية.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
لهذا، لا بدّ من الحرية، ولا بدّ من ترك هامش حرية كبير للفنان، فليترك الكلّ متسعاً للفنان حتى يعبر عما يجول بداخله بالطريقة التي يراها صائبة فنياً وإنسانياً وإبداعياً، لكلّ تجربة تفاصيلها السرية، بدءاً من اللون؛ لهذا حين أرسم يحملني اللون بعيداً، ومنه أبدأ كلّ مرة مشروعي الفني، وأدخل في تفاصيل العمل وأجوائه ولا أفكر البتة فيما يتوقعه الآخرون وما يريدونه.

- الفنان التشكيلي محمد نصر الله هو شقيق الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله؛ هل ثمّة تعاون قد نشهده بينكما، يتجاوز حدود أغلفة روايات إبراهيم الممهورة عادة باسمك؟ ويحيلنا هذا لسؤال حول جديدك الذي تعكف عليه.

ربما يحدث هذا يوماً، فالذي يجمعنا كثير؛ فلسطين ومخيم الوحدات والانحياز للحرية والجمال، لقد عبّر كلّ منا عن مفاصل كثيرة في القضية الفلسطينية، كلّ بأدواته؛ إبراهيم بالكلمة وأنا باللون، وأحسب أنّ كلّ واحد منا عبّر بما يراه مناسباً وقوياً وممثلاً له ولما يشعر به.

لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة فنية

أؤمن بأنّ للوحة خصوصيتها، وأنّها حتى حين تترجم ما قالته قصيدة، فإنّ عليها منح القصيدة مزيداً من الألوان والأطياف والتفسيرات والمعاني.
ما أعكف عليه هو مشروع فني جديد، يعدّ استمراراً لما بدأت به منذ تفتحت عيني على الفنون، ومنذ لامس المخيم وعيي؛ ما أزال أتعلم وأجرّب وأختبر كلّ شيء بمتعة ودهشة، كما لو أنّها المرة الأولى، وستكون القضية الفلسطينية وما رافقها وحفلت به من تجارب إنسانية غنية هي زادي في هذه الرحلة الطويلة والممتعة، بقدر ما تبعث على الحزن والأسى في مرات؛ ذلك أنّني أتمنى لو كانت فلسطين حرة وخلّدنا هذه الحرية في اللوحات، عوضاً عن كلّ هذا الإرث الذي ما وسمه شيء بقدر الألم؛ لذلك أسعى في مشروعي الجديد إلى إكمال ما بدأته منذ أعوام، تاركاً للون والإحساس العنان ليقوداني حيثما يريدان، وحتى الإطار الزمني الذي تفرغ فيه هذه اللوحات متروك للشعور.
حين أشعر بأنني عبّرت عن كلّ ما يعتمل في داخلي، في هذه الفترة، أكون قد فرغت.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية