16 دولة تجرّم إنكار "المحرقة".. ماذا عن النكبة الفلسطينية؟

16 دولة تجرّم إنكار "المحرقة".. ماذا عن النكبة الفلسطينية؟

مشاهدة

28/05/2019

"قل ما تشاء ولكن لا تتحدّث عن الهولوكوست"، هكذا قال لي أحد العاملين في إذاعة (ثري سي آر) الأستراليّة قبل أيّام من الحلقة الأولى لبرنامج "فلسطين في البال- Palestine Remembered"  النّاطق بالإنجليزية، والذي أسّسته العام 2004 وما زلت أقدّمه.

اقرأ أيضاً: لاجئون فلسطينيون في ذكرى النكبة يقاومون النسيان بسلاح الأمل

بغض النّظر عن أنّني لم أكن لأنكر المحرقة اليهوديّة، إلّا أنّ الرّجل كان يعرف أنّ هناك بندين في القانون الأستراليّ قد يندرج الإنكار العلنيّ للهولوكوست تحت أحدهما أو كليهما: بثّ خطاب الكراهية، والازدراء العرقيّ/ الدينيّ، ولم يكن يريد لشابّ فلسطينيّ متحمّس أن يقع- بقصد أو بدون قصد- في إشكاليّة قانونيّة قد لا تكلّف إيقاف برنامجه الإذاعيّ الجديد فحسب- بل إلغاء رخصة بثّ الإذاعة برمّتها.

القوانين في 16 دولة أوروبيّة بالإضافة إلى إسرائيل تجرّم إنكار الهولوكوست

وإذا كانت القوانين الأستراليّة- كما هو الحال في بريطانيا والولايات المتّحدة- لا تنصّ بشكل واضح على تجريم إنكار الهولوكوست بالاسم، فإنّ القوانين في ستّ عشرة دولة أوروبيّة- بالإضافة إلى إسرائيل- تجرّم إنكار الهولوكوست؛ بل إنّ هذه القوانين جعلت دولاً غير موقعة عليها- مثل قطر- تتراجع وتعتذر وتوقف موظفين عن العمل كما حصل مؤخّراً مع تقرير المنصّة الرقميّة للجزيرة حول الهولوكوست لمجرّد أنّه احتوى تلميحات لم تعجب إسرائيل.

وبشكل مشابه، يُعدّ إنكار الإبادة الجماعيّة للأرمن أمراً يعاقب عليه القانون في عدّة دول من بينها سويسرا واليونان وفرنسا. ففي الأخيرة- مثلاً- قد يُسجن من ينكر علناً الإبادة الأرمنيّة لمدّة سنة بالإضافة لغرامة 37 ألف يورو.

كما أنّ عدداً من النّواب عن الحزب الديموقراطيّ في إيطاليا يسعون منذ أشهر لتمرير قانون يشدّد من إحكام قبضة قانون قديم يجرّم تمجيد موسوليني أو حزبه الفاشيستيّ- والمعمول به منذ العام 1952، ليصبح مجرّد إلقاء تحيّة موسوليني في الملاعب أمراً يستدعي الغرامة والسّجن لفترة قد تصل إلى عامين.

اقرأ أيضاً: "البرج".. فيلم كرتون نرويجي يجسد النكبة الفلسطينية

وفي ظلّ ما تعرّضنا له- نحن الفلسطينيّين- وما نزال من إنكار لمأساتنا من قبل إسرائيل: صانعة هذه المأساة، وحُماتها ورُعاتها وداعميها وأصدقائها، وفي زمن أصبح بعض العرب يجاهرون بالتماهي مع الرواية الصهيونيّة لقيام إسرائيل، هل يحقّ لنا أن نفكّر بقوانين تحمينا إزاء كلّ هذا الكذب والظلم؟

نعم، لقد آن الأوان لقوانين تجرّم إنكار النكبة الفلسطينيّة، ولكن قبل الإجابة عن كيفيّة ذلك، علينا أن نتّفق على تعريف دقيق وواضح للنّكبة.

يتّفق غالبيّة المؤرّخين على أنّ للنّكبة ركنين أساسيّين:

أوّلاً: التّهجير القسريّ الجماعيّ العام 1948 لأكثر من 900 ألف فلسطينيّ من بيوتهم وأراضيهم في فلسطين.

اقرأ أيضاً: الحياة الثقافية في فلسطين قبل النكبة... شواهد تكذب الدعاية الصهيونية

ثانياً: نجاح الحركة الصهيونيّة في السّيطرة بقوّة السّلاح على القسم الأكبر من فلسطين وإعلان قيام إسرائيل.

وببساطة، فإنّ المساس بأحد هذين الرّكنين يعدّ إنكاراً للنّكبة الفلسطينيّة.

فعندما يردّد أحدهم الفرية الّتي يكاد يجمع عليها أصدقاء إسرائيل التقليديّون، أو دعاة التطبيع من العرب، أنّ الفلسطينيّين ليسوا لاجئين لأنهم- أو الغالبية منهم- باعوا أراضيهم طواعية، فهم ينكرون أنّ الفلسطينيّين هُجّروا قسراً؛ أمثال هؤلاء في حال إقرار هذا القانون في بلدانهم سيكونون عرضة للمساءلة القانونية.

وعلى كلّ حال، يكفي لدحض هذه الكذبة الاطّلاع على كتاب: "افتراها الصهاينة وصدّقها مغفّلو العرب" للمفكّر السعوديّ الشيخ فهد المارك، وكتاب: "جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن"، الصّادر عن دار الفتح، بيروت، 1970 "رسالة ماجستير" لوزير خارجيّة ليبيا آنذاك صالح مسعود أبويصير، والذي قال عندما سُئل عن دافعه لكتابته: "أعددت الرّسالة لنصرة الشّعب الفلسطينيّ بعد أن ظلموه، نصرته من واقع الوثائق الّتي أمضيت في البحث عنها وجمعها سنوات طويلة."

اقرأ أيضاً: وقف دعم الأونروا نكبة جديدة لخمسة ملايين لاجئ فلسطيني

في كانون الأول (ديسمبر) 2015، كنت حاضراً في الاجتماع الذي عقد في العاصمة الأسترالية/ كانبيرا، وضمّ بيير كرينبول، مفوّض عامّ وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين- الأونروا، مع عدد من المسؤولين الأستراليّين في مبنى البرلمان ضمن مساعي الأونروا لتأمين الدّعم الماليّ لبرامجها. بدأ كرينبول نقاشه بالقول: "لقد وُلدت مسألة اللّاجئين الفلسطينيّين العام 48، وبعد عام ونيف تأسّست الأونروا، والتي يصادف اليوم ذكرى تأسيسها". ثم طلب من الحاضرين أن يستذكروا أهمّ الأحداث التي غيّرت مجرى التاريخ في العالم منذ مطلع الخمسينيّات، فذكر أحدهم الحرب الكوريّة وآخرون أزمة خليج الخنازير، مروراً باغتيال كينيدي، فحرب فيتنام، ثم ثورة الخميني فغزو أفغانستان وحربي الخليج الأولى والثانية، وانهيار الاتّحاد السوفييتي وتفكّك يوغوسلافيا والحرب الأهليّة فيها وغزو العراق وغير ذلك الكثير. ثم قال: "كلّ هذا وما تزال أزمة اللاجئين الفلسطينيّين بدون حلّ. إنّ ذكرى تأسيس الأونروا ليست مناسبة للاحتفال- بل للحزن"!

ألا يحقّ أن نفكّر بقوانين تحمي الفلسطينيين من الرواية الصهيونيّة لقيام إسرائيل

في عالم مليء بالمتغيّرات، تبدو مظلمة الشعب الفلسطينيّ هي الثابت الوحيد، وإن كان من متغيّر فيها فهو في إضافة فصول وألوان أخرى من العذاب، وهو ما يحدث عندما تترك جرحاً نازفاً لسبعة عقود أو يزيد، لهذا، فإنّ تجريم إنكار النكبة الفلسطينية هو أقلّ الممكن لحماية الحقّ الفلسطيني، ولوقف إلحاق المزيد من الأذى بالضحيّة، فضلاً عن أنّه قد يساهم قليلاً أو كثيراً في إبطاء عجلة التّطبيع العربيّة، والتي باتت نذرها تقترب يوماً بعد يوم .

لا بدّ لهذا الحراك القانونيّ أن يبدأ، ولا بدّ للبداية أن تكون من فلسطين، على أمل أن يثمر ذلك عن تبنّي القضاء الفلسطينيّ لقانون يعاقب إنكار النكبة في الأراضي الفلسطينيّة كمقدّمة لمطالبة أصدقاء الشعب الفلسطينيّ أن يسيروا معنا في هذا الدرب.

اقرأ أيضاً: في ذكرى النكبة: كيف ينظر الجيل الحالي إلى قضية فلسطين؟

من أجل جدّي الشيخ يوسف الريماوي من مجدل الصادق، وجدّي لأمّي عبدالكريم الحصري من صفد، ومن أجل ما يقارب المليون فلسطينيّ ممّن هُجّروا من ديارهم تحت تهديد السّلاح العام 48، ومن أجل كلّ من ظلّ قابضاً على جمرة حقّه في العودة جيلاً بعد جيل، لن نرضى بأقل من قوانين تجرّم إنكار النكبة في ذكراها الواحدة والسّبعين: قوانين تتبنّاها القيادة الفلسطينيّة وتبلورها فلسطينيّاً وعربيّاً وإقليميّاً ودوليّاً، ليس من باب تسجيل نقاط سياسيّة وحسب؛ بل لأنّ إنكار اقتلاع شعب ناهض كان يساهم بشكل حثيث في نهضة أمّته العربيّة، وسرقة أرضه، وإنكار تاريخه وهويّته وتراثه، يعدّ جريمة أخلاقيّة وإنسانيّة فتحت الباب لمسلسل لم ينته من الجرائم والفظاعات الأخرى.

سألني صديق ذات يوم: ما هو الأكثر إيلاماً من الحزن؟

قلت: حرماني من حقّي في البكاء.

الصفحة الرئيسية