الإسلام السياسي في السودان.. الجريمة الكاملة!

4324
عدد القراءات

2018-02-26

السودان هي الدولة الوحيدة في المنطقة، التي تمت فيها حيثيات الجريمة الكاملة للإسلام السياسي، ولا تزال. وذلك منذ أن انقلب الإسلاميون، بتنظير وتوجيه من الدكتور حسن الترابي (الذي اعترف صراحة بعد ذلك بسنوات بقوله: " قلت للبشير: اذهب أنت للقصر رئيساً، وسأذهب أنا للسجن حبيساً) على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً برئاسة الصادق المهدي في حزيران (يونيو) من العام 1989. 

كانت الأطروحة تستند، بكل بساطة، على التالي: قلب نظام الحكم الديمقراطي أولاً، ثم التغيير الفوقي للمجتمع من خلال وسائل الإعلام ومناهج التعليم، دون أي اكتراث للمنهجية المعرفية والشرعية والأخلاقية، التي لا يمكن بأيّة حال من الأحوال، أن تبرّر ذلك الانقلاب الكارثي، بوصفه سرقةً للسلطة أولاً، وعنفاً غير قانوني، ثانياً. وبطبيعة الحال، لا يمكن، أبداً، لهكذا انقلاب، أن تنجم عنه - بأي حال من الأحوال- سويّة سياسية للاستقرار في المستقبل، كما أثبتت الأيام لاحقاً! بيد أنّ الكارثة الحقيقية، كانت تكمن في أن ذلك الطريق، تحديداً؛ أي قيام سلطة دينية بلا مجتمع يسندها (أو في أقلّ الأحوال مجتمع غير مقتنع بمشروعها)، هو أقصر طريق ملكي للخراب الذي جاء بعد ذلك، في "الوصفة" التي أطلق عليها حسن الترابي اسم "المشروع الحضاري"، وكانت وزارة "التخطيط الاجتماعي" التي أوكلت لرعاية الدكتور علي عثمان محمد طه في التسعينيات، هي الجهاز التنفيذي لتحقيق رؤية "المشروع الحضاري".

السودان هي الدولة الوحيدة في المنطقة، التي تمت فيها حيثيات الجريمة الكاملة للإسلام السياسي، ولا تزال

وككلّ أيدلوجيا، كان الإسلام السياسي فارغاً من أي محتوى بديل لإدارة دولة بحجم السودان، سوى الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ فـ "المشروع الحضاري" لحسن الترابي، الذي جاء ليقول للسودانيين، ما معناه: حياتكم قبل عام 1989، كانت حياة "جاهلية"، ولا بدّ من "أسلمتها". أفضى، بالضرورة، إلى جريمتين كبيرتين على الأقل، تناسلت منهما جرائم عديدة وخطيرة على كلّ المستويات.

الجريمة الأولى: ما عرف حينها بـ "الصالح العام"، أو "التمكين"، وهو اسم مهذّب لعنوان خطير، تم عبره تجفيف وتفريغ الدولة من كوادرها العلمية المؤهلة والمتنوعة، في جهاز الخدمة المدنية، والتعليم، والجيش، والإعلام، والمناصب العامة، بحجة إحلال أهل الولاء محل أهل الكفاءة، وأهل الثقة محلّ أهل الاختصاص، (وهي أهم حجة لتقنين الفساد). إلى جانب ممارسات التضييق على تلك الكفاءات الوطنية؛ واضطرار أغلبهم للهجرة إلى خارج الوطن في عقد التسعينيات.

والجريمة الثانية: كانت في تخريب الهوية الوطنية، وتحزيب المجتمع، من خلال "وصفة" (المشروع الحضاري)، عبر تفكيك نظام التعليم، والهيمنة على أجهزة الإعلام، وتعويم سرديات فقيرة وشعارات أفقر وأناشيد مزيفة، حاصرت تلك الهوية، والفنون والذاكرة الوطنية للسودانيين، فأحدثت ما يشبه قطيعة لصيرورة وطنية للسودان، كانت صورتها تتشكل بملامح واعدة، حتى عام 1989.

تم تفتيت الهوية الوطنية في ذاكرة السودانيين، سيما الأجيال الشابة وهذا ما لم يجرؤ عليه أي نظام في المنطقة

والنتيجة الحتمية لـ "المشروع الحضاري" اليوم في السودان، كما هو واضح لكلّ ذي عينين، تمثلت في تشويه الذاكرة الوطنية، وتدمير الأحزاب السياسية، عبر تفتيتها وتقسيمها، وتهجير كوادرها، والتسريع ببروز الهويات الصغيرة؛ كالقبلية والطائفية والمناطقية، لتحلّ محلّ الأحزاب والعمل الحزبي، فتم استبدال العمل السياسي بالصراعات العسكرية التي اندلعت في شرق السودان وغربه، ليصبح مركزها في دارفور، التي تحوّلت لمأساة حقيقية للسودانيين منذ عام 2003؛ حيث قُتل في تلك الحرب مئات الآلاف من السودانيين، هذا، فضلاً عن تسخين حرب الجنوب (التي كانت قائمة من قبل)، وتحويلها إلى حرب دينية غُيّبت فيها الأسباب الزمنية والسياسية للحرب، ما جعل من الصراع العسكري فيها صراعاً دموياً متوحشاً، وبلا أفق، انتهى باتفاقية نيفاشا عام 2005، التي أدّت إلى انفصال الجنوب وتقسيم السودان.

هذا المزيج المركّب من الخراب الهائل المديد، أصبح، بعد مرور 29 عاماً، خزيناً متعفناً وانسداداً مزمناً، أمام أيّة محاولة للخلاص من نفق الإسلام السياسي المظلم. فمن ناحية؛ تم تفتيت الهوية الوطنية في ذاكرة السودانيين، سيما الأجيال الشابة (وهذا ما لم يجرؤ عليه أي نظام في المنطقة، نظراً إلى الأيدلوجيا الدينية لنظام الإنقاذ الإسلاموي، عبر تدميره للهوية والذاكرة السودانيتين، مع عجزه التام عن صناعة البديل بسبب تلك الأيدلوجيا ذاتها)، ومن ناحية ثانية؛ ربط النظام مصيره بمصير نهائي، كارثي ومؤكّد، للسودان، عبر الفساد الرهيب والتخريب الشامل لبنية الدولة، وتدمير مشروعاتها المركزية (بفعل سنوات الحصار التي امتدّت لـ 25 عاماً)، والتحزيب الأفقي للمجتمع السوداني؛ بحيث ينجم عن تفكّك النظام تفككٌ للسودان ذاته.

لقد عجزت النخب الفكرية والثقافية في السودان، عن رؤية المصير السياسي الخطير لانقلاب الإسلامويين

ومن ناحية ثالثة؛ أصبحت ظروف ما بعد الربيع العربي، وإخفاقات ذلك الربيع، والواقع الإقليمي والدولي، مغرية للنظام للاستمرار في ممارسة الخراب والقمع، بلا رقيب، والتحوّل إلى سلطة عارية، ودولة فاشلة وكيان فاسد، بعد أن نفدت كلّ شعارات الأيدلوجيا، ومات مئات الآلاف من المواطنين تحت راياتها الخادعة.

هكذا، إذ تتكشف لنا، اليوم، ملامح تلك الجريمة الكاملة للإسلام السياسي، وما فعله بحياة السودانيين، التي تحولت إلى جحيم لا يطاق، سندرك تماماً فداحة المصير الذي كان يمكن أن يقود إليه الإخوان المسلمون مصر، في ظلّ قيادة مرسي، لولا الفارق الكبير بين وضعي البلدين؛ أي في علاقة المصريين العضوية العريقة بالدولة من ناحية، وقدرة النخب الفكرية والثقافية في مصر، خلال سنة واحدة، على رؤية المصير الكارثي الذي كان سيقودهم إليه مرسي.

لقد عجزت النخب الفكرية والثقافية في السودان، عن رؤية المصير السياسي الخطير لانقلاب الإسلامويين (كما أبصره المصريون، رغم أنّ الحالة المصرية ليست انقلاباً، لكنّ الفرق هنا في الدّرجة لا في النوع).

وعجز النخب السودانية، في تقديرنا، يرجع إلى إشكالات أساسية في الثقافة الإسلامية السودانية (تلك الثقافة التي وصفها الترابي ذات يوم بأنّها ضعيفة) من ناحية، وإلى واقع الذاكرة العلمية والتاريخية للسودانيين من ناحية ثانية، وهي ذاكرة لم تعرف، قبل القرن العشرين، أي مؤلف علمي، سوى كتاب "الطبقات" لصاحبه ود ضيف الله، وكتاب (تاريخ دولة السنارية والإدارة المصرية)!

وإذا ما بدا لبعض العارفين بالحراك السياسي السوداني، في النصف الثاني من القرن العشرين، أنّ ثمة حيوية سياسية للسودانيين، تجسّدت عبر الحالتين الثوريتين، في تشرين الأول (أكتوبر) 1964، ونيسان (أبريل) 1985، (قبل ثورات الربيع العربي)، إلى جانب أحزاب السودانيين (النشطة على مستوى منطقة الشرق الأوسط)، لا سيما الحزب الشيوعي والحركة الإسلامية، فيمكننا، بكل ثقة، أن نصف ذلك الحراك السياسي الذي انتظم الحياة السودانية في النصف الثاني من القرن العشرين، بأنّه كان حراكاً نسقياً مؤقتاً، ولا يعبّر عن سوية سياسية من ناحية، كما لا يعكس إلّا مرحلة الاستيهام الخادع في المنطقة العربية من ناحية أخرى، وهي مرحلة توهم فيها العرب دخولاً مزيفاً في الحداثة السياسية، إبان مرحلة تأسيس دولة ما بعد الاستعمار.   

هكذا، يمكننا وصف الوضع في السودان، بعد هذه الجريمة الكاملة للإسلام السياسي (التي لاتزال فصولها الكارثية مستمرة لأكثر من ربع قرن)، بأنّه مأزق تاريخي للسودانيين، وليس مأزقاً سياسياً فحسب، الأمر الذي سيكشف لنا مدى عمق الهاوية التي حفرها الإسلام السياسي للسودانيين، فسمّم بذلك حياتهم. وإذا كان من طبيعة المأزق أن يمنحك، فقط، خيار التعايش معه، دون القدرة على التخلص منه؛ فإنّ من طبيعة التسمّم أن يشلّ قدرتك عن الحياة، فلا تموت ولا تحيا!

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟

2019-08-19

تشكّلت جاذبية الإسلام السياسي على المعنى الذي تمنحه لأعضائها وأنصارها ومؤيديها؛ ففي هذا الشعور بالتميز والاستعلاء تجمعت الجماهير والأنصار مزهوّة بالمعنى والاختلاف، الشعور أنّها الأفضل وأنّها الإسلام الصحيح، لكن ما حدث بالفعل؛ هو استخدام المعنى العام وإضفاء الدين والمعنى الديني عليه، وهكذا فقد كان التزييف في منح الاجتماع الإنساني المتغير المنبثق عن تفاعل الناس مع حياتهم ومواردهم، بما هي عملية واقعية، أبعاداً تبدو هبطت من السماء، كأنّها وعد خارجي معجز ومستقل عن قدرة الناس وحياتهم الواقعية.

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟

وفي ذلك، عطّلت الجماعات المقدّس أن يعمل في مجاله الأصلي، وهو معرفة الله تعالى، والارتقاء بالذات وفق مثال الله تعالى؛ كالرحمة والعدل والجمال والمحبة، ثم دفعت به (المقدّس) إلى السياسة والاقتصاد والتجارة والعمل، بعيداً عن المعنى الديني الأصلي لهذه الحقول والمجالات، بما هي إنسانية واقعية تستجيب لقيم الاجتماع الإنساني والازدهار والتقدم، وتجنّب الشرور المصاحبة له كالظلم والكراهية.

عطّلت جماعات الإسلام السياسي المقدّس أن يعمل في مجاله الأصلي وهو معرفة الله والارتقاء بالذات وفق مثال الله

إنّ الفعل الديني هو المقاربة بين الرموز والمرموز إليه، وفي الفضاء العام تكون هذه الرموز فكرة مثالية أو إطاراً يقترب من، أو يكاد يكون مرموزاً إليه، وليس رمزاً، هكذا فإنّ استعارة الرموز الدينية، بما هي في ابتدائها أداة أو وسيلة لفهم ما ترمز إليه، لتظلّ رمزاً عملياً في الحياة اليومية لا يجعلها تفعل فعلها الأصلي؛ لأنّها، ببساطة، في هذه الحالة لا تؤدي إلى الله تعالى أو إلى معرفة الله تعالى، لكنّها يفترض أن تكون مثالاً يوجه الحياة اليومية قدر الإمكان، أو مشروعية عليا تجعل الاجتهاد الإنساني منسجماً مع الدين، أو لا يتناقض معه.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي

إنّ الفعل الديني يتحول في الفضاء العام إلى خطاب ثقافي؛ أي نظام من المفاهيم يعبّر عنها بأشكال رمزية، ويتواصل الناس بهذه الأشكال، ويديمون ويطورون معرفتهم حول الحياة، ومواقفهم منها، وتعمل الرموز المقدسة في تركيب روح الجماعة أو الحقيقة المميزة لها في الأخلاق والجمال، ونظرتهم إلى العالم؛ ما الفرق بين هذا المفهوم والإسلام السياسي؟

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار

يكوّن النظام الثقافي رموزاً توجيهية عامة يملكها جميع المتدينين على اختلاف مستويات تدينهم، والمسافة التي يتخذونها من الدين، ولا يملك أحد سلطة تنظيمية واضحة على هذه الرموز والأفكار والمفاهيم حتى المؤسسة الدينية والسياسية، لا تملك سلطة مادية أو قانونية أو تنظيمية عليها، ولا تحولها بالطبع إلى مؤسسات وتشريعات منظمة ومنضبطة، فلم يحدث مثل ذلك في تاريخ الأمم إلا مرات قليلة؛ كانت كارثة على المجتمعات والدول، وأدّت إلى حروب وصراعات طاحنة وكراهية تذيب الصخر، كما حدث عندما حاول الخليفة العباسي المأمون أن يفرض العقلانية على الناس لفهم الدين، ورغم تقدمية فكرته وهدفه؛ فقد حدثت فتنة عظيمة لم تتوقف مفاعيلها حتى اليوم، وفي المقابل؛ فإنّ النقلية المعارضة للعقلانية فرضت على الناس تطبيقات وأحكاماً أشدّ فتنة.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟
لكنّ المؤسسة السياسية والدينية اقتصر دورها المؤسسي والقانوني على تنظيم الشؤون الدينية الواضحة والأساسية؛ كالصلاة، والمواقيت، والحجّ، أو تطبيق القوانين والأحكام المحدَّدة بالنص الديني؛ كالأحوال الشخصية، والمواريث، والأسرة، وتركت الفضاء الديني العام للمجتمعات والأفراد تستلهمه بلا سلطان عليها، ذلك أنّ امتداد السلطة إلى أرواح الناس وضمائرهم ينشئ أفظع أنواع القهر، أو اندفاعاً خطيراً ومدمّراً مشحوناً بالمعنى الديني الفائض لقضايا واتجاهات؛ بل وأزمات إنسانية يجب أن تكون غير يقينية وقابلة للتسوية.

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
لكنّ جماعات الإسلام السياسي، بما هي انتقائية واختيارية ومتخففة من الشعور العام بالمسؤولية تجاه المجتمعات والعلاقات الدولية والعقد الاجتماعي، مضت بأتباعها ومؤيديها القابلين والمتحمسين لفكرة التنظيم العملي والمؤسسي للرموز والقيم الدينية العامة، لتكون جماعات؛ بل ومجتمعات متميزة ومتماسكة، تحوّل المفاهيم والأفكار العامة إلى أنظمة تفصيلية محددة ومتماسكة وواضحة؛ الحكم الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، واللباس الإسلامي، والإعلام الإسلامي، والفنّ الإسلامي، والشخصية الإسلامية، ...إلخ. لقد حوّلت الرموز المفتوحة اللانهائية إلى أنظمة وأدلّة إرشادية مفصلة ومحددة، وصارت هذه المقولات والأفكار والقيم "الرخوة" صلبة ومتماسكة ومنظمة ومحددة، ولم يكن يراد لها ذلك ابتداءً، ولو كان الله يريد للمؤمنين أن يتبعوا أو يسلكوا في الحياة اليومية، وفي السياسة والأسواق والاقتصاد والاجتماع والفنون، على النحو الذي تقترحه جماعات الإسلام السياسي، لرأينا في القرآن الكريم تشريعات وأحكاماً مفصلة ودقيقة، كما حصل في الديون والمواريث والطلاق والعقوبات، على سبيل المثال.

إنّ الفعل الديني يتحول في الفضاء العام إلى خطاب ثقافي أي نظام من المفاهيم يعبّر عنها بأشكال رمزية

وبالطبع؛ فإنّ الدين؛ أيّ دين، قادر، كما يصفه كليفود غيرتز، على أن يحوّل نظامه الرمزي لينشئ حالات نفسية وحوافز قوية وشاملة ودائمة في الناس عن طريق صياغة مفاهيم عن نظام عام للوجود، وإضفاء هالة واقعية على هذه المفهومات؛ حيث تبدو هذه الحالات النفسية والحوافز واقعية بشكل فريد.
لقد أوقعنا هذا التزييف للمعنى في عالم الإسلام في متوالية من الكوارث الخطيرة جداً، أولها: تغيير الدين في فهمه ومساره وفعله الأصلي، ليتحول إلى منظومة عملية تفصيلية؛ هي إنسانية في حقيقتها، لكنّها تُفهم وتُقدم وتُفرض على أنّها من عند الله، وما هي من عند الله، وتعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً.
وثانيها: أنّها أنشأت جماعات ومجتمعات منفصلة بذاتها في أفكاره وقيمها ومصالحها، وتتحول بالتدريج إلى طوائف جديدة، أو أحزمة اجتماعية مختلفة في الهوامش، أو في الطبقات الغنية، وأنشأت انقساماً اجتماعياً حادّاً وعميقاً ومشحوناً بالشعور بالتميز والاشمئزاز من الآخر، واعتباره غير مسلم، ما يبيح القتل والكراهية والغشّ والظلم على الآخرين؛ بل واستعبادهم وبيعهم رقيقاً وسبايا.

للمشاركة:

كيف اختلفت رؤية الفقيه والفيلسوف للموسيقى؟

صورة أحمد الديباوي
باحث في الفكر الإسلامي
2019-08-19

يستقرّ في وجدان كثيرين أنّ الدين حرّم الموسيقى والغناء، وتزخر المدوَّنات الحديثية والفقهية، عموماً، بما يؤيد ذلك التحريم، سواء من خلال الأحاديث النبوية المختلفة، أو من خلال آراء جمهرة كبيرة من الفقهاء، ولا سيما الفقهاء الأربعة؛ أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، فكلهم اتفقوا على تحريم الغناء والموسيقى تحريماً قاطعاً، واشتدّوا في ذمّهما، وذمّ من يباشرهما أو يسمعهما، رغم أنّ بعض تلاميذهم تردّدوا في تلك المسألة؛ فمنهم مَن وافق على التحريم، ومنهم مَن تخفّف فقال بالكراهة، ومنهم من تساهَل فأباحه دون اصطحاب آلات ومعازف، وفي الحالات كلّها؛ كان التحريم أو الكراهة أو الإباحة، فقط، وَفق أحاديث منسوبة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أو أقوالٍ منسوبة إلى بعض الصحابة، رضي الله عنهم، ذلك أنّ القرآن الكريم لا توجَد بين آياته آيةٌ واحدةٌ، محمولة على الحقيقة أو المجاز، تشير إلى الموسيقى أو الغناء، رغم أنّ كليْهما كانا مع العرب من "الترنيمة في المهد إلى المرثاة في اللحد" (العقد الفريد: 3/ 176، الأغاني: 19/ 87)، فللموسيقى دورٌ في تذوّق معاني الشعر، وقد كان الشعرُ ديوانَ العرب، وذاكِرَتهم، وتاريخهم، ومصدرَ تميّزهم.

يأتي الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" كأحد أشهر الفقهاء الذين دافعوا عن الغناء والموسيقى بشروط

كانت الموسيقى، إذاً، جزءاً أصيلاً من حياة العرب الاجتماعية قبل الإسلام، لكن مع ظهور الإسلام وانتشار دعوته ظهر ما يعكس النزعة التحريمية الشديدة تجاهها، وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنّ مَردّ ذلك هو تأثُّر العرب، بعد الإسلام، بالعبريين والفينيقيين الذين تشدّدوا في قبول الموسيقى والغناء، فانتشرت هذه الروح في بلاد العرب، فيما ذهب البعض الآخر إلى أنّ "لاهوتيي العصر العباسي" كان لهم دورٌ مؤثر في نشر روح التحريم؛ لأنّهم حسدوا أهل الموسيقى والغناء لما لقوه من تشجيع عظيم من قِبَل الخلفاء! (هنري فارمر، تاريخ الموسيقى العربية، ص 33).
الموسيقى لدى الفقيه
نظرة الفقهاء إلى الموسيقى والغناء لم تلتفت إلّا إلى النّص المغلَق، دون أدنى اعتبار لكونهما فطرة بشرية، ونزعة إنسانية وجمالية، ولمّا لم يجدوا في القرآن الكريم آية تشير إلى التحريم، أو حتى الكراهة، التفتوا إلى الأحاديث، لإقصاء الموسيقى والغناء من حقل الثقافة الإسلامية كلّها، واستئصال أيّة رُوح فانية يحاول المسلم التعلق بها، وتغصّ المدونات الفقهية بعشرات الأحاديث التي تحرّم الموسيقى، وتتوعد من يباشر الغناء أو العزف بالعذاب والويل، حتى أنّ ثمة أحاديث تؤكّد أنّ انتشار الغناء والموسيقى من علامات الساعة (نهاية العالم).

الموسيقى لدى الفلاسفة صناعة وعلم احتلت الترتيب الخامس في سلّم العلوم الرياضية

ومن الغريب أنّ ثمّة أحاديث تبيح الغناء والموسيقى، وهي إن لم تكن كثيرة كأحاديث التحريم، وإن لم تكن تحمل من شروط الصحة والقبول كما تحمل أحاديث التحريم، بيْد أنّها تُعدُّ مؤشراً فارقاً يؤكّد أنّ قضية التحريم ليست نهائية أو قطعية، خصوصاً أنّ فهم النص المؤسس، وهو القرآن الكريم، فهماً مفتوحاً، ينفي التحريم تماماً؛ فالزهري وابن جريج يُنقَل عنهما أنّهما يفسران قول الله تعالى: {يزيد في الخلق ما يشاء} (فاطر: 1)؛ بأنّه "الصوت الحسن"، كما أنّ ذمّ الله لصوت الحمير في الآية: {إنّ أنكرَ الأصواتِ لصوتُ الحمير} (لقمان: 19) يُعدُّ، بمفهوم المخالفة، دليلاً على مدح الصوت الحسن. 

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى
ويأتي الفقيه الشافعي والمتكلم الأشعري، أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)، في كتابه الأشهر "إحياء علوم الدين" (الجزء الثالث)، كأحد أشهر الفقهاء الذين دافعوا عن السماع (الغناء) والموسيقى، لكن بشروط معيّنة، كأن لا تكون آلة العزف من شعار أهل الشرب والمخنثين، وهي المزامير والأوتار، أو أن تغلب على المستمع الشهوة، أو أن يكون المغنّي امرأة لا يحلُّ النظر إليها، وتُخشَى الفتنة من سماعها، أو أن يكون المغنِّي أمردَ، ثم تتبع أدلة تحريم الغناء وأبطلها لضعف نسبتها إلى الرسول، صلى الله عليه وسلّم، وإلى صحابته، رضي الله عنهم، أو لضَعْفِ الاستدلال.

اقرأ أيضاً: هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟
قصارى القول؛ لم يكن تحريم الموسيقى والغناء مسألة قطعية لدى جميع الفقهاء؛ لأنّه لا يوجد نصّ صريح في ذلك، ولم يرد التحريم في القرآن الكريم، تصريحاً أو تلميحاً؛ لذلك قال الشيخ حسن العطار (ت 1835م)، شيخ الأزهر الأسبق: "من لم يتأثر برقيق الأشعار، تُتْلَى بلسان الأوتار، على شطوط الأنهار، في ظلال الأشجار، فذلك جِلْف الطبع.."!
الموسيقى والعلاقة الخاصة مع الفلاسفة
الموسيقى لدى الفلاسفة صناعة/ علم، فاحتلت الترتيب الخامس في سلّم العلوم الرياضية، لذلك كانت ضرورة معرفية، إلى جانب علوم الفلك والهندسة والحساب، لكلّ مَن يحب الحكمة ويروم التفكر والنظر في الكون، فهي مرتبطة بالكون وحركة القمر والأجرام السماوية، ومن أهم آثار فيثاغورس (572- 497 ق.م)؛ أنّه برهن على أنّ قوة الأصوات تابعة لطول الموجات الصوتية؛ فالأنغام تقوم خصائصها بنسَب عددية، ويُترجم عنها بالأرقام، فوَضَع الموسيقى علماً بمعنى الكلمة بإدخال الحساب عليها، ولا شك أنّ دراسته الأعداد والأشكال والحركات والأصوات وما بينها من تقابُل عجيب، وقوانين ثابتة، كان عاملاً رئيساً للانتباه إلى ما في هذا العالم من نظام وتناسب، لذلك اعتقد فيثاغورس أنّ الموسيقيَّ يتلقى فنه وإبداعه من ربات الفنون أو الجنّ، وهو تلقّ يشبه "الوحي"، فليس للإنسان دخلٌ في اكتساب هذا الفن، وهو ما يختلف عن نظرة أبي نصر الفارابي (ت 339هـ) الذي يرى أنّ الموسيقى صناعة مكتسَبة، وتجريبية، وقد كان اهتمامه بالموسيقى سمة امتازت بها فلسفته، ويُعدّ كتابه (الموسيقى الكبير)، الذي وصلنا كاملاً، إبداعاً خاصاً في مجال الموسيقى، ومن قبله أبو إسحاق الكندي (ت 295هـ)؛ الذي ظهر على يديه أول تدوين موسيقي عربي، في رسالته: "رسالة في خبر تأليف الألحان"؛ إذ استعمل، للمرة الأولى، الحروف الأبجديّة والرموز، وابتكر سلّماً موسيقياً من اثنتي عشرة نغمة، كما اقترح إضافة وتر خامس للعود، وتوصّل إلى ما تُحدِثه الموسيقى من أثر في نفس الإنسان والحيوان.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
لقد كان للموسيقى ارتباطٌ قوي بالفلسفة والفلاسفة، وطوال تاريخ الفلسفة الإسلامية، منذ الكندي إلى ابن رشد (ت 595هـ) كانت الموسيقى حاضرة كأحد أبرز فروع العلوم الرياضية، وزاولها معظم الفلاسفة المسلمين، بل كانوا يتفاخرون بذلك، ويكفي أنّ ابن سينا (ت 427 هـ) صنّف فيها رسالةً يعالج فيها "تنوع النغمات في السلم الموسيقي، بأبحاث رياضية بحتة"، ملتفتاً إلى كونها أحد علاجات النفس البشرية من بعض الأمراض.

للمشاركة:

أين تكمن مشكلة دراسة الإرهاب المعاصر؟

2019-08-18

ليس من السهل على الباحثين استعراض الأدبيات التي تدرس حقل الإرهاب؛ لأنه يتميز بتداخل كثير من حقول المعرفة مثل: علم الاجتماع والدين وعلم النفس والعلوم السياسية والاقتصاد والتكنولوجيا، الأمر الذي عقّد من دراسته، ثم زاد من هذا التعقيد قلة الدراسات المتخصصة بالظاهرة.

اقرأ أيضاً: "الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال

ولم تحظ دراسة الإرهاب، على أنّه حقل مستقل، باهتمام كبير في العالم إلا بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي أدت إلى ثورة في حركة البحث والكتابة والتأليف والترجمة والمراجعات حول هذه الظاهرة، حتى أنّ عدد الكتب التي صدرت عقب الهجمات بعقدٍ من الزمن يُقدر بأكثر من 1742 كتاباً في الغرب.

أدت هجمات 11 أيلول إلى ثورة في حركة البحث والكتابة والتأليف والترجمة والمراجعات حول ظاهرة الإرهاب

لكن، وللأسف الشديد، معظم ما ينشر من كتب ودراسات اليوم يتمحور حول "الدولة" كطرفٍ فاعل، ويتناول في الأساس، بشكل مباشر أو غير مباشر، "مكافحة الإرهاب" وليس "الإرهاب"  كظاهرة إنسانية كلّانية.

لقد أصبح الإرهاب ظاهرة عولمية، تتخطى الحدود الجغرافية والقومية والثقافات ولا تختص بمنطقة جغرافية أو قومية أو جنسية أو ديانة محددة، وينشط اليوم مستفيداً من فضاءات العولمة. ولأنه نوع من العنف السياسي يهدف لتحقيق أغراض وأهداف متعددة ومختلفة؛ فقد أصبح أداة من أدوات تنفيذ السياسة الداخلية والخارجية للدول والجماعات مستفيداً من منظومة واسعة من الأسباب والمحركات المختلفة والمتعددة، لكنه يزدهر في مناطق الأزمات والصراعات السياسية والحروب، وتقوم به "أطراف فاعلة من غير الدول" لتميزه عن إرهاب الدولة؛ إذ  تشير إحصائيات "معهد الاقتصاد والسلام" في سيدني-أستراليا لعام 2017 الى أنّ الدول التي تشهد صراعات عسكرية عنيفة تعرضت لخطر الإرهاب أكثر من غيرها، وأنّ الدول العربية التي تأثرت أكثر بموجات ما يسمى بـ"الربيع العربي" بعد 2011  تعرضت لعمليات إرهابية أكثر. وأنّ 99% من مجموع قتلى العمليات الإرهابية، و96% من مجموع العمليات الإرهابية عالمياً، حدثت في الدول التي تعاني من صراعات عسكرية، والدول التي تعاني من ارتفاع معدلات الإرهاب السياسي.

اقرأ أيضاً: ما موقع الشباب في معادلة الإرهاب المعولم؟
إنّ مشكلة دراسة الإرهاب المعاصر تكمن في حقيقة أنّ هناك فوضى مفاهيمية عميقة تتجلى في عملية الخلط بين الدراسة العلمّية للإرهاب؛ كحقلٍ مستقل لظاهرة اجتماعية إنسانية من جهة، وبين مكافحة الإرهاب وأساليبه المختلفة التي تركز على الجوانب الأمنية والعسكرية من جهة أخرى. وجُلّ ما يتحدث عنه اليوم في الدراسات والأبحاث وتروّجه وسائل الإعلام يندرج في إطار "مكافحة الإرهاب" وأساليبه المختلفة.

إنّ أهمية تعريف الظاهرة ليس بهدف معرفة الفعل الإرهابيّ وتحديده فقط بل لمعرفة كيفية التعامل مع تبعات الظاهرة

وإلى جانب صعوبة البحث، وفي ظل وجود الكثير من الأدبيات السطحية المتحيزة في دراسة الظاهرة بشكل عام، بقيت مشكلة تعريف المفهوم عقبة في وجه المهتمين بالظاهرة؛ إذ لا يوجد حتى الآن تعريف واحد للإرهاب اكتسب القبول العالميّ، سواء لدى الأطراف الدولية، أو المؤسسات، أو الأفراد. لذلك استمر الجدل والخلاف لأسباب متعددة منها: دينية وسياسية، وأيديولوجية، وكذلك تاريخية مفاهيمية، من حيث إنّ استخدام المفهوم تغير وتبدل عبر الزمن،  فإرهاب "فترة الرعب" 1790 إبان الثورة الفرنسية، يختلف، شكلاً ومضموناً، عن اتجاهات الإرهاب المعاصر، وينظر إلى الإرهاب عادة من زاوية الكره والرفض له، بمعنى، غياب النظرة العلمّية في الدراسة، والإغراق بعيداً باتجاه الجانب الأخلاقي للظاهرة.

اقرأ أيضاً: هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟

إنّ أهمية تعريف الظاهرة ليس بهدف معرفة الفعل الإرهابيّ وتحديده فقط، بل لمعرفة كيفية التعامل مع تبعات الظاهرة وكما يقول "توني ديفيز" فإنّ المعنى أصلاً هو "شكل من أشكال الهيمنة، غير متأصل في الكلمة (الإرهاب) بل منزوع منها في صراع لا ينتهي بين التعريفات". وهذا ما يستدعي الإشارة وإعادة  التذكير بأنّ التعريفات الغربية، والأمريكية، تنظر إلى الإرهاب وتعرّفه كأسلوب من أساليب الحرب التقليدية، أو حرب العصابات، أو المتمردين.

لا يوجد حتى الآن تعريف واحد للإرهاب اكتسب القبول العالمي سواء لدى الأطراف الدولية أو المؤسسات أو الأفراد

لكن معظم الباحثين في أدبيات الإرهاب العالمي يؤكدون بأنّ الإرهاب هو شكل من أشكال العنف السياسي، ويعود ذلك إلى الجذور التاريخية للمفهوم، والتي تعود إلى فترة الرعب الذي رافق الثورة الفرنسية (1793-1795) كما أنه أسلوب من أساليب الصراع، ويمكن أن يشكل إستراتيجية خاصة للقائمين به.

وفي نفس الوقت، يشير الباحثون البارزون مثل؛ المؤرخ والمنظر الأمريكي المعروف في أدبيات الإرهاب والعنف السياسي، ولتر زئيف لاكوير، إلى أنه مهما كان تعريف الباحثين للمفهوم فإنّه سيُرفض من بعضهم لأسباب أيدولوجية، وبأنّ الصفة الرئيسة للإرهاب هي اشتماله على العنف، والتهديد باستخدام هذا العنف.

مناظرات متضاربة

ما تزال النظرية الواقعية هي المسيطرة في حقل دراسة الإرهاب حالياً؛ وأقصد كحقل دراسي بحثي مدرسي ومعرفي، وأيضاً كفعل عملياتي أداتي يتجلى في تكتيكات وأساليب مكافحة الإرهاب الخشنة، والتي تستند في الأساس إلى إيمان النظرية الواقعية العميق بكل فروعها بأنّ الدولة هي وحدة التحليل الرئيسة في السياسة الدولية رغم التغيرات العميقة التي أحدثتها سيرورة العولمة؛ من تغير وحفر في بنية وسلوك الدول اليوم، وفي تركيز النظرية على دراسة إرهاب "الأطراف الفاعلة من غير الدول" كالجماعات والمنظمات، في مقابل إهمال دراسة "إرهاب الدولة"؛ أي الإرهاب الذي تمارسه الدول سواء ضد غيرها من الدول، أو ضد الجماعات والمنظمات أو حتى الأفراد. وتركيز الباحثين والأكاديميين المرتبطين بها على الدراسات الانطباعية وقلة الدراسات المعتمدة على المصادر الأولية والدراسات الكمية، ثم الارتباط العضوي لهذه الدراسات والأبحاث بالدولة لأنها القادرة على تمويل الدراسات والأبحاث.

اقرأ أيضاً: بين 2014 و2019 .. هل تغير خطاب البغدادي؟

في منافسة "النظرية الواقعية" نشطت "النظرية النقدية" والدراسات النقدية في دراسة الإرهاب (Critical terrorism studies (CTS إثر هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وإعلان الحرب على الإرهاب مستندة إلى تراث ماركسي تقليدي من مدرسة "فرانكفورت" والدراسات الأمنية  النقدية في جامعة "أبيريستوث ويلز" في محاولة لتشييد مقاربة مختلفة لدراسة الإرهاب كبناءٍ اجتماعي وتعرية مفهوم الإرهاب كشعارٍ يطبق في ممارسات عنيفة محددة من خلال مستويات مختلفة من العمليات السياسية والقانونية والأكاديمية، والتأكيد في المقابل أنّ المعاني يتم تطويرها بالتنسيق مع الآخرين وليس بشكل منفصل داخل كل فرد.
من هنا تركز هذه المدرسة على ضرورة طرح أسئلة "كيف" و"لماذا" تحدث العمليات الإرهابية؟ وهل حقاً أنّ الإرهابيين يكرهون الغرب لحريته؟ أم أنّ هناك أسباباً ودوافع سياسية أخرى؟ والتأكيد على أنّ الإرهاب "أنطولوجيا" حقيقة اجتماعية وليس رغبة إنسانيه متوحشة. ومن أشهر منظريها اليوم ريتشارد جاكسون، كين بوث، وريتشارد ووين جونز.

تنظر التعريفات الغربية والأمريكية إلى الإرهاب كأسلوب من أساليب الحرب التقليدية أو حرب العصابات أو المتمردين

شخصياً؛ لا أظن بأنّ النظرية النقدية قادرة على منافسة الواقعية، على الأقل حتى الآن، لأسباب كثيرة يطول شرحها. لكن المفيد فيه أنّها وسّعت من مداركنا وأدواتنا التحليلية أبستمولوجياً وأنطولوجياً في فهم الظاهرة خاصة دراسة الإرهاب بشكلٍ معرفي، علمي وكمي، كحقل دراسي مستقل، وليس فقط كإجراءات وعملياتية تكتيكية جامدة كما تتجلى في "مكافحة الإرهاب" اليوم.

في النهاية ؛ ينبغي التأكيد على أنّه ليس هناك مجتمع معاصر محصن ضد الإرهاب، لكن مكافحته لا تتم فقط عن طريق الأساليب العسكرية والإجراءات الأمنية والمقاربات الخشنة؛ بل عن طريق الدمج المتزن والذكي بين المقاربات الخشنة والناعمة معاً، والتعاون والتشارك بين كافة الأطراف الفاعلة في المجتمع، وتعميق ثقافة الحوار والتواصل والتفاهم، وتقبل الآخر، والاهتمام بقطاعات النساء والشباب في المدارس والجامعات الذين يشكلون اليوم العمود الفقري لكافة الجماعات الإرهابية في العالم. وتوجيه الحكومات والدول ومؤسسات المجتمع المدني، وعلى رأسها مراكز البحث والدراسات، نحو الاهتمام بالدراسات النظرية والأكاديمية التي تبحث الظاهرة من كافة جوانبها المعرفية الكمّية والكيفية. وعدم الاقتصار على دراسة "مكافحة الإرهاب" وأساليبه فقط.

للمشاركة:



ماذا يحدث في قاعدة مركز الإمام الخميني للفضاء؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أظهرت صور الأقمار الصناعية لـ "مركز الإمام الخميني للفضاء"، في محافظة سمنان الإيرانية، هذا الشهر، نشاطاً متزايداً في الموقع، مع استمرار التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران.

وتزامن هذا النشاط مع تصريح مسؤول إيراني حول تسليم قمر صناعي قريباً إلى وزارة الدفاع في البلاد، وهذا مؤشر على أنّ محاولة الإطلاق ستجري قريباً، وفق ما نقلت "العربية".

صورة للمركز تظهر نشاطاً متزايداً في الموقع في إشارة إلى اقتراب إجراء محاولة لإطلاق صاروخ

وقال الباحث في مركز "جيمس مارتن" لدراسات حظر الانتشار النووي في معهد "ميدلبري" للدراسات الدولية في مونتيري بكاليفورنيا، فابيان هينز: "قاعدة الإمام الخميني الفضائية عادة ما تكون هادئة تماماً، اطلعنا الآن على صور شاهدنا من خلالها نشاطاً ملحوظاً في مركز التجميع هذا، ينبئ بحدوث شيء في منصة (الإطلاق)".

وأشار هينز إلى أنّ صور الأقمار الصناعية للقاعدة، التي التقطت في 9 آب (أغسطس) الجاري، تظهر النشاط في منشأة واحدة هناك، وقال إنّ هناك صورة أخرى لمنصة إطلاق في المنشأة تُظهر المياه التي يجري إخراجها وتجميعها، ومن المرجَّح أن يكون ذلك مؤشراً على قيام العمال بتهيئة الموقع لعملية إطلاق.

 

للمشاركة:

1500 معلم ومعلمة ضحايا إرهاب الحوثيين.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

قتلت ميليشيات الحوثي الإرهابية أكثر من 1500 معلم ومعلمة، منذ انقلابها على السلطة الشرعية، وإشعالها الحرب قبل أكثر من 4 أعوام.

ميليشيات الحوثي الإرهابية قتلت أكثر من 1500 معلم ومعلمة منذ انقلابها على السلطة الشرعية

وكشفت نقابة المعلمين اليمنيين؛ أنّ قرابة 2400 من العاملين في القطاع التعليمي باليمن تعرضوا لإصابات نارية مختلفة، نتجت عن بعضها إعاقات مستديمة، وفق ما نقلت وكالات أنباء محلية.

بدوره، أكّد المسؤول الإعلامي للنقابة، يحيى اليناعي، في تصريحات صحفية؛ أنّ "الاشتباكات المسلحة في القرى والمدن، والقصف العشوائي على المدارس والمناطق الآهلة بالمواطنين، والتعذيب في أقبية السجون، وزرع الألغام والعبوات المتفجرة في الأحياء السكنية والمزارع والطرقات من قبل عناصر ميليشيات الحوثي، نجم عنه هذا العدد الكبير من الضحايا في صفوف المعلمين".

وأوضح اليناعي؛ أنّ النقابة وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم ولم يشاهد أي فرد منهم بعد ذلك، كما لم تتلقَّ عائلاتهم أيّة إجابة من الحوثيين بشأن مصيرهم.

أيضاً، لفت إلى أنّ صنعاء تسجل أعلى نسبة من المخفيِّين بواقع "12" حالة، ثم محافظة صعدة بعدد 6 معلمين، اختطفتهم ميليشيا الحوثي عام 2009، أثناء عودتهم من مدينة صعدة وهم يحملون ملابس العيد لأطفالهم، ولم يشاهَدوا بعدها منذ ذلك التاريخ.

نقابة المعلمين وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم

وقال اليناعي: إنّ ميليشيا الحوثي هدمت 44 منزلاً من منازل المعلمين وسوتها بالأرض باستخدام الألغام، في محافظات "صعدة، عمران، حجة، وصنعاء".

كذلك أشار إلى أنّ "60% من إجمالي العاملين في القطاع التعليمي باليمن، البالغ عددهم 290 ألف موظف، لم يحصلوا على مرتباتهم بشكل منتظم منذ 3 أعوام، وأكثر من 9 آلاف تربوي من المعلمين النازحين لا يتقاضون مرتباتهم شهرياً، ما جعلهم عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية في المعيشة والحياة".

إلى ذلك، دعا المسؤول الإعلامي لنقابة المعلمين اليمنيين، الجهات المختصة والمجتمع الدولي لحماية التربويين في اليمن، وإجراء تحقيقات موثوقة في كافة وقائع القتل والاختفاء والاعتقال ومختلف الانتهاكات الإنسانية بحقّ المعلمين، وتقديم توضيحات علنية بما تمّ إنجازه من التحقيق في هذه الجرائم، وضبط الجناة ومحاكمتهم.

 

للمشاركة:

الأزمات تعصف بالقطاع الأكاديمي في تركيا.. من المسؤول؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

يعاني القطاع الأكاديمي التركي جراء سياسة الإقصاء التي اتبعها حزب العدالة والتنمية، والملاحقات الأمنية، بتهم تتعلق بحركة الخدمة والمواقف السياسية.

وكشفت بيانات صادرة عن مركز القياس والاختيار والتنسيب التركي (ÖSYM)، عن خلو 2450 قسماً، بـ 78 جامعة حكومية، من أصل 122 جامعة بعموم البلاد، من أعضاء هيئة التدريس، إما بشكل كلي أو جزئي.

وأكّدت بيانات المركز؛ أنّ "273 قسماً تخلو من الأكاديميين تماماً، سواء كانوا أساتذة، أو أساتذة مساعدين، أو أعضاء هيئة تدريس حاصلين على دكتوراه، كما أنّ هناك 1434 قسماً تخلو من الأساتذة، و743 قسماً تخلو من الأساتذة المساعدين"، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" التركية المعارضة.

مركز متخصص يكشف عن خلو 2450 قسماً بـ 78 جامعة حكومية من أعضاء هيئة التدريس إما بشكل كلّي أو جزئي

ومن بين هذه الجامعات التي تخلو أقسام بها من الأكاديميين، جامعات لها تاريخ عريق، كجامعة العاصمة أنقرة، وجامعتَي البسفور ومرمرة، في مدينة إسطنبول.

ووفق بيانات المركز؛ فإنّ هذه الأقسام الخالية من الأكاديميين بها 14 ألفاً و421 درجة شاغرة، كما أنّ هناك 1694 قسماً، في كلّ واحد منها أقل من 5 أكاديميين، 642 قسماً منها بها 3 أكاديميين فقط، و96 بها أكاديميان، و24 بها أكاديمي واحد لا غير.

ووفق البيانات ذاتها؛ تأتي أقسام التمريض على رأس الأقسام التي تعاني من قلة أعضاء هيئة التدريس؛ إذ يخلو نحو 26 قسماً من أصل 98 من أقسام التمريض من الأكاديميين، فيما تتشكل معظم الأقسام الخالية من أعضاء هيئة التدريس في الكليات الأخرى التي تضمّ طلاباً من الجنسين، وتضمّ 21 قسماً لإدارة البنوك و20 قسماً لإدارة العلاقات الدولية والتجارة.

وأدّى هذا العجز في أعداد الأكاديميين إلى التأثير سلباً على العملية التعليمية في الجامعات، فهناك 10 طلاب لكلّ أستاذ جامعي داخل 1400 قسم، وأكثر من 20 طالباً لكلّ أكاديمي داخل 444 قسماً، وأكثر من 35 طالباً لكلّ أكاديمي داخل 50 قسماً، فضلاً عن أنّ هناك بعض الأقسام التي يوجد بها أكاديمي واحد لكلّ 70 طالباً.

صحيفة "جمهورييت" في تعليقها على هذه البيانات، قالت: إنّ "هذا هو حال جامعاتنا التي يتفاخر نظام أردوغان بافتتاحها دون جدوى من وراء ذلك".

وبحسب عدد من التقارير الدولية، تعاني تركيا من غياب المعايير المحددة لجودة التعليم الجامعي، وعدم وجود قاعدة بيانات موثوقة وموضوعية في هذا الصدد، وذلك إلى جانب عدم مشاركة مجلس التعليم العالي بتركيا في إعداد قاعدة البيانات، رغم أنّه المعني بالكشف عن كلّ بيانات وتفاصيل الجامعات التركية، لكن بدلاً من تقديمه معلومات موضوعية عن الأداء الأكاديمي للجامعات، يعتمد الأتراك على الإعلانات التلفزيونية، واللوحات الإعلانية العملاقة، والأساليب التسويقية، للتعرف أكثر على الجامعات التي ينوون الالتحاق بها.

وكان أردوغان قد أغلق 15 جامعة تركية يعمل فيها 2760 أكاديمياً، بذريعة انتمائها لجماعة رجل الدين فتح الله غولن، المتهم بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة في أنقرة، فضلاً عن اعتقال العديد من الأكاديميين بالتهمة ذاتها أو الاكتفاء بفصلهم من مناصبهم في الجامعات الحكومية والخاصة.

وفي كانون الثاني (يناير) الماضي أيضاً؛ أعلنت إدارة الهجرة والتجنيس الهولندية (IND)؛ أنّ أكثر من ألف أكاديمي تركي تقدموا إليها بطلبات لجوء خلال عام 2018.

 

 

 

للمشاركة:



أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:

النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

فاروق يوسف

قال لي صديق تونسي معبراً عن يأسه وهو يأس أصيب به عدد غير قليل من المثقفين هناك عبر سنوات الإحباط القليلة الماضية "كل المرشحين للرئاسة غير مقنعين على مستوى الحفاظ على استقلالية مؤسسة الرئاسة".

ولكن تلك القناعة لا تكفي سببا لمقاطعة الانتخابات. كل صوت له ثقله وهو ما لا يجب الاستهانة به أو إغفاله. يبدو الامر مزعجا غير أنه ضروري.

ما يجب التفكير فيه واقعيا هو الدفع بالنتائج لكي تكون سدا يحول دون الانزلاق إلى ما هو أسوأ.

هي فكرة يائسة غير أنها تمثل نوعا من الحل.

فإذا ما كان فوز حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية هو الأسوأ فإن العمل على منعها من الفوز هو خيار وطني مثالي.

غير أن الخطير في الأمر يكمن في أن حركة النهضة قد اختارت عبدالفتاح مورو وجها علنيا لها لانتخابات الرئاسة وهي ليست ملامة في عدم التصريح بالأقنعة التي دخلت من خلالها السباق الرئاسي.

مرشح النهضة المباشر واحد، غير أن هناك عددا من مرشحيها غير المباشرين الذين سيضمنون لها حرية الحركة داخل الدولة حين يفتحون لها أبواب قصر قرطاج.

تلك هي أشبه بالأحجية التي سيكون على الشعب التونسي القيام بتفكيك عناصرها والتعرف على حقيقة المرشحين قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ذلك لأن "النهضة" قد وزعت دعمها بين عدد من المرشحين، قد لا يكون المنصف المرزوقي أبرزهم بالرغم من أنه يعتقد أنه الأكثر حقا في الحصول على دعمها بسبب ما قدمه لها من خدمات اثناء رئاسته المشؤومة.

وإذا ما كان المرزوقي لا يحظى بشيء من الشعبية بسبب ما تخلل رئاسته الأولى من سلبيات عكست ضعفه وسوء تقديره لمنصبه وانحيازه الرث للإخوان المسلمين بذريعة حماسته للربيع العربي فإن هناك مرشحين آخرين لا يقلون عنه سوءا سيكون ذهابهم إلى قصر قرطاج بمثابة نكبة للشعب التونسي، تتمكن من خلالها حركة النهضة من القبض على مصير البلاد.

لقد قُيض لحركة النهضة أن لا تتعرض لاهتزازات عميقة من داخلها وهو حدث طبيعي بالنسبة للأحزاب الدينية التي تملك القدرة على إخفاء خلافاتها وانشقاقاتها بعيدا عن الأضواء.

وكما يبدو فإن قسم الولاء المقدس يلعب دورا كبيرا في تكريس هيمنة القيادة التي لا يمكن أن تتعرض للنقد العلني الذي لا يقترب منه الانفصاليون. وهو ما استفادت منه حركة النهضة حين أبقت الطرق سالكة بينها وبين أعضائها ومناصريها السابقين.

ولأن الذين قرروا ان يضعوا مسافة بينهم وبين الحركة يؤمنون بأن دعمها لهم سيضمن لهم حظوظا أفضل في الانتخابات فإنهم قد سعوا إلى أن تقتنع الحركة بأنهم يمثلون رصيدا مضمونا لها في مستقبل أيامها.

ذلك التواطؤ لم يعد خافيا على التونسيين.

هناك شخصيات مستقلة ظاهريا ترشحت لمنصب الرئاسة هي في حقيقتها عبارة عن ألغام نهضوية ستنفجر ما أن يستقر بها الحال بعد الانتخابات التي صارت بالنسبة لحركة النهضة عبارة عن مكيدة.

ذلك ما يدفع إلى اليأس.

ولكنه اليأس الخلاق الذي يدفع في اتجاه الحقيقة.

تضلل حركة النهضة الجميع حين تقدم عبدالفتاح مورو باعتباره مرشحها الوحيد فيما تتستر على علاقتها السرية بعدد من المرشحين الذين تراهن على فوز واحد منهم باعتباره مستقلا، غير أنه في حقيقته يمثل ضمانة لها أكثر من مورو الذي تعرف أنه يمثل وجهها القبيح.

سيكون من أسباب شعور الشعب التونسي بالثقة بمستقبله أن يضع يديه على المواقع التي يمكن أن أسميها بـ"مواقع الغدر" في الانتخابات الرئاسية. وهي المواقع التي تتحرك من خلالها حركة النهضة خفية.

وكما أرى فإن الاختبار الحقيقي لمصداقية المرشح لانتخابات الرئاسة سيكون موقفه من حركة النهضة.

لا تنفع في ذلك المواقف الصامتة.

لو كنت تونسيا لصوتً لصالح مَن يقف علنا ضد النهضة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية