أشهر مقدمات لـ 6 روايات أدهشت القراء حول العالم

3252
عدد القراءات

2018-11-21

منذ القرن العشرين، ودخول الحداثة وما بعدها حيز الحياة اليومية، أصبح الأدب الروائي متصدراً فنون الإنسان في التعبير عن وجوده وتخيلاته وأحلامه، بل وعن تشوهات عصره؛ الثقافية والسياسية والتاريخية. وتميزت الأعمال الروائية بغزارة الإنتاج والعالمية، غير أنّ العديد منها أدهش القراء حول العالم وعلى مدى عقود لمعت أسماء مؤثرة، كاد العديد منها أن يغير حقائق اجتماعية معروفة لشدة تأثيرها.

اقرأ أيضاً: البريطانية آنا بيرنز تفوز بجائزة مان بوكر المرموقة عن روايتها "بائع الحليب"
أعمال من أمريكا اللاتينية حتى أقاصي أستراليا، تمت طباعتها، وانتشرت صفحاتها على امتداد خريطة العالم، لا تموت ولا يموت مؤلفوها؛ بل وأصبحت شخصياتها الرئيسية أكثر حياةً وحيوية وتأثيراً من كثيرين أحياء خلدهم التاريخ.

هنا بعض أشهر مقدمات لأهم الروايات عبر التاريخ:

أولاً: "قصة موت معلن"
"في اليوم الذي ذهبوا إليه ليقتلوه، استيقظ سانتياغو نصار في الخامسة والنصف صباحاً لانتظار موكب الأسقف، وكان قد حلم بالأشجار والطيور، غير أنّه راوده شعورٌ بعد ذلك، أنّ فضلات الطيور سوف تغطي جثته تماماً".

اقرأ أيضاً: رواية "رغوة سوداء": لاجئون أفارقة في جحيم "الفردوس الإسرائيلي"
يرى الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الحكّاء الأشهر عبر تاريخ أمريكا اللاتينية، أنّ مقدمة روايته هذه تعد من أفضل أعماله. ويعتقد كذلك أنّ مقدمتها تعد من أفضل مقدمات رواياته، كما أكد في مقابلاته وسيرته الذاتية.
ويقول ماركيز إنّه كتب رواية محسومة منذ الصفحة الأولى، فالقتيل معروف ومشهور، والمجرمون متوفرون. غير أنّ شخصية القتيل؛ سانتياغو نصار، سوف تحفر طويلاً في ذاكرة القراء، وستجعلهم شغوفين بقراءة كامل صفحات الرواية حتى يكتشفوا ذلك السر الكامن وراء تضامن مدينة بكاملها من أجل قتل نصار.

في رواية سرد أحداث موت معلن لماركيز تتضامن مدينة كاملة لقتل البطل حتى يسلبه الناس كل شيء لا يملكونه

وبسردٍ ساحر، وفي مدينة متدينة تستقبل موكب البابا كل نهاية أسبوع، يتسابق السكان رجالاً ونساء ومراهقين وغانيات، من أجل تبنّي مقتل نصار، ليس لأنّ إشاعة حيكت حوله على أنه لطخ شرف إحدى فتيات المدينة الأقرب إلى قرية منها للمدنية فقط، بل لأنه يحمل صفاتٍ لا يملكها أي من قتلته الذين لا يمكن أن يعرف القارئ أيهم على وجه التحديد قتله فعلاً، لكن يبدو أنّ القاتل ناب عن الجميع، في قتل الشاب الغني والجميل والكسول والذكي؛ لأن الموت في النهاية يسلب المرء كل هذه الأشياء، وهذا ما طمع به أهل المدينة.
ويُذكر أنّ ماركيز استوحى الرواية كلها من قصاصة ورق في إحدى الصحف، ضمت خبر مقتل شابٍ في إحدى القرى النائية، فحولها إلى أيقونة روائية لا بداية لها ولا نهاية، حول عبثية الموت، وانحدار المدنية في ظل انعدام المساواة والعدالة.

ماركيز لم يكتب برأيه أفضل من مقدمة سرد أحداث موت معلن

ثانياً: "الصخب والعنف"
"أنا كوينتين، حين أهداني أبي ساعة جدي قال: إني أعطيك ضريح الآمال والرغبات كلّها، ولا أعطيك هذه الساعة حتى تتذكر الزمن والوقت، بل لتنساهما بين حينٍ وآخر؛ لأنه ما من أحدٍ ربح المعركة ضدهما أبداً".
يعد وليم فوكنر روائياً استثنائياً، ليس لأنه واحد من أوائل وأشهر الروائيين الأمريكيين على الإطلاق؛ بل لأنه سبق في روايته: "الصخب والعنف"، تطور المؤسسات الاجتماعية الحديثة في العالم، حين ركز على "الاستماع إلى من يعتبرهم المجتمع مجانين أو معاتيه"، ومحاولة فهم وجهة نظرهم أو رؤيتهم للحياة وأحداثها من جانبهم كبشر يختلف لديهم مفهوما الزمان والمكان.

اقرأ أيضاً: "ليلة المعاطف الرئاسية".. رواية عراقية جديدة ترسّخ اتجاهاً متنامياً للأدب الوحشي
وربما أنّ بندول الساعة الذي يدور دون أن يتوقف نهائياً عند لحظةٍ بعينها في روايته. وبدايتها التي يتحدث فيها شاب معتوه عن عائلته، وانحلالها ضمن ظروف عرقية واقتصادية وسياسية، تجعل الأحداث غير مرتبة، ومدهشة لأنها لا تخضع لقوانين السرد التقليدية ولا الواقعية تماماً، لكنها تكشف بصدقٍ وعمق انهيار مؤسسة العائلة التي تطحنها الحروب والقوانين العنصرية وإكراهات سلطة العقل الجمعي على خيارات الفرد، وهو ما يتجلى في شخصية الابن "كوينتين" الذي يعاني فوبيا الموت؛ حيث تدفعه آلام أفراد عائلته وانحلالاتها، للاستسلام للانتحار أخيراً.
وتعد رواية "الصخب والعنف"، سيمفونية سردية تقال على ألسنة 4 أشخاص غير أسوياء، لا يحول شيء أو قانون، دون أن يسموا الأشياء بمسمياتها، ويُعروا النفس الإنسانية وآلامها الوجودية دون أي تجميل.

كشف فوكنر من خلال "المعاتيه" صخب هذا العالم وعنفه

ثالثاً: "كافكا على الشاطئ"
"سقط الأطفال، سقطت المجموعة الأولى المكونة من ثلاث فتيات، بلا حراك ولا وعي، فقط عيونهن تتحرك محدقة في الأفق، تنظر إلى شيء لم أتمكن أنا من رؤيته أبداً، شيء بلا لونٍ ولا صوتٍ ولا رائحة كأنه الموت، وشعرت أني وحيدةٌ تماماً في الغابة، وأني أريد أن أتبخر حتى أتوقف عن التفكير في أي شيء".

يحول موراكامي القنبلة النووية إلى أثر سحري تنبثق من رماده جذور حياةٍ سريالية وقصة حبٍ مدهشةٍ وعميقة

بعيداً عن الأمريكيتين، أخرحت اليابان روائيها العظيم والحديث جداً على ساحة الرواية؛ هاروكي موراكامي، ليقدم بدايةً روائية تعد من أعظم البدايات في التاريخ؛ إذ يمر فصلٌ كاملٌ أول من روايته "كافكا على الشاطئ"، يسرد فيه التحول المرعب والغريب والوحشي للطبيعة والأشياء، والذي يحدث فجأة، حين تضرب القنابل النووية هيروشيما وناغازاكي.
لكن ما يجعل بداية موراكامي عظيمة ومدهشة، لتمتد الدهشة طوال أحداث روايته، هو أحد أبطالها الأساسيين؛ "قِط"، حيث يسرد العديد من صفحات الرواية من وجهة نظره، ويندرج هذا الأسلوب المدهش في إطار أثر القنبلة النووية على البشر، فيحولها موراكامي من أداة دمارٍ إلى أداةٍ سحرية، لم تمنع انبثاق أشكال حياةٍ فاتنة وغنية بالخيال والواقع معاً، فالسماء تمطر أسماكاً، بينما "كافكا" بطل الرواية، شخص سوداوي، لكنه متفائلٌ كبير لأنه يعشق امرأة مرسومةً في لوحة، ويتفانى في حبها إلى أن تخرج من اللوحة إلى الحياة، بينما يمكن للقط أن يمتلك حكمةً أبعد من حكمة البشر. وفي النهاية، يبحث أبطال الرواية العديدين عن مصائرهم، فيجدونها متعلقة بانتصار الطبيعة على أدوات الدمار التي صنعها الإنسان، وبالحب والخيال، اللذينِ يصنعان من الرماد جذور حياةٍ جديدة دوماً.

القط حكيماً وبطلاً روائياً كما أراده موراكامي

رابعاً: "اسمي أحمر"
"الآن أنا ميت، كنت أظن الزمن سوف ينتهي حين أموت، توقف قلبي، لكنّ أحداً لا يعرف ماذا حلّ بي، سوى قاتلي السافل. أدركت الآن فقط أنّ ماضياً كبيراً يمتد قبلي، وأنّ حياةً لا تنتهي سوف تستمر، ربما تستغربون أنّ صوتي يأتيكم بعد الموت، لكنني لن أجيبكم عن أي سؤال فضولي، عما يمكن أن يكون هناك، بين الجثث".

اقرأ أيضاً: غسّان كنفاني.. رواية لم تكتمل
في العام 2004، قالت العديد من الصحف الأوروبية إنّ الروائي التركي الشاب أورهان باموق يُعلّم أوروبا كيف تكتب الرواية، وذلك بعد ترجمة روايته "اسمي أحمر" إلى 19 لغة عالمية منها العربية، وهي رواية تاريخية تتحدث عن النقش والرسم في التاريخ الإسلامي، وترتكز على اللون الأحمر، الأكثر استخداماً في الفن الإسلامي.
تدور أحداث الرواية في إسطنبول، "عاصمة الإسلام التي يحكمها سلطان عثماني يهابه ويحترمه شعبه حد التقديس أحياناً"، حيث تتناول حياة النقاشين العاملين في الدولة العثمانية، الذين كانوا يرسمون وينقشون ويزخرفون الكتب والمؤلفات التي تُعد للخليفة أو سواه.

اقرأ أيضاً: ندوة تناقش "بيرة في نادي البلياردو" ضمن سلسلة "الشيوعي في الرواية المصرية"
وتتناول الرواية قصص حياتهم، والأيام القاسية التي كانوا يعيشونها، فقد كان المجتمع الإسلامي حينها يرفض فنون الرسم والنقش، ويعتبرها محرّمة، فكان النقاشون يعيشون بين حياة النقش التي تملأ أوقاتهم بالجمال والرقة والخيال، وبين الرعب والخوف من تحريض المجتمع ضدهم. ومثال ذلك الشيخ الأرضرومي، الذي كان يحرض أتباعه على مهاجمة النقاشين والنقش خانات، وكل ما كان جديداً على المدينة في ذلك الحين.
وفي الرواية أصوات لشخصيات عديدة، تروي القصة ذاتها وتشابكاتها مع الآخرين، كل منها من وجهة نظرها، لكن ما يجمعها؛ هو الخوف من التصريح بالجمال والفن والحب، وكذلك بالخيال؛ إذ تصبح هذه الأمور كلها ممزوجة بالدم، حين تنتشر الدسائس بين النقاشين والفنانين المتنافسين، وأيضاً بين الفنانين ومجتمعهم. مما يحيل كل شيء في النهاية إلى اللون الأحمر؛ إذ يكون أبطال الرواية "قرة" "شكورة"، وغيرهما، لا يرون إلا هذا اللون، الذي يضمخ صفحات الرواية وخيال القارئ من خلال لغة باموق الفاتنة، ومقدمة روايته التي تبدأ بجريمة اضطرارية من أجل المحافظة على الحب والجمال!

جعل باموق من اللون الأحمر شريكاً لكل من الحب والجمال والخوف والقتل

خامساً: "قصة مدينتين"
من الروايات الأكثر تدريساً حول العالم، ومن أهم أيقونات الإنسان عن النضال والثورة والحب، التي تحاربهم جميعاً حمى السلطة الأرستقراطية والثيوقراطية أثناء لهاثها الأبدي للحفاظ على السطوة والقوة.

من مقدمة رواية قصة مدينتين لديكنز: كان أحسن الأزمان، وأسوأ الأزمان. عصر الحكمة، وعصر الحماقة، ربيع الأمل وشتاء القنوط

ولعلّ المقدمة العظيمة لهذه الرواية بيد مؤلفها الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز، تغني عن الكثير في تمثيل حقبة ما قبل الثورة الفرنسية، وحياة إنسانها التعيسة:
"كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود. كان زمن النور، وكان زمن الظلمة. كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط". وربما أنّ العبارة الافتتاحية تصلح لتمثيل حياة الإنسان في حقبٍ وعصورٍ مختلفة.
وتعد هذه الرواية، من أكثر أعمال ديكنز قوةً وواقعية؛ إذ تنتهي حياة أبطالها وأشرارها وحتى من تحيز فيها للحب والحرية، على المقصلة، في إشارةٍ مهمة من المؤلف إلى أنّ الأفكار العظيمة سوف تقتل أصحابها لشدة مثاليتها في حال تمت محاولة تحقيقها في الواقع، غير أنّ هذا لن يخيف الكثيرين من الاستمرار في المحاولة عبر التاريخ.

تمكن ديكنز من توصيف الحقب المتلاحقة بظلمتها ونورها وحكمتها وحماقتها

سادساً: "آنا كارنينا"
"كل العائلات السعيدة تبدو متشابهة، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة"، تعد هذه الافتتاحية لرواية تولستوي الشهيرة، من أجمل الافتتاحيات الروائية، لرواية بطلتها آنا، التي تحب فيرونسكي.
وتكمن عظمة قصة الحب هذه، في أنّها من أجل أن تستمر أو تبقى، دمرت عالماً قديماً من أجل صنع عالمٍ جديد، فالعالم القديم قوامه التقاليد الصارمة والقوانين الأسرية والعقدية الجماعية التي يعد التمرد عليها ضرباً من الانتحار في زمنٍ كانت روسيا القيصرية فيه أرضاً محافظة؛ أي إنها وبحسب ما يصور تولستوي ببراعة، ليست أرض الفرد، بل أرض القطيع.

اقرأ أيضاً: رواية آلموت.. رحلة أدبية في مجاهل الإرهاب المقدس
وهكذا، يكون الحب بفردانيته معرضاً لأن تدوسه رغبات القطيع وتقاليده، لكن من ناحية أخرى، تظهر عبقرية الرواية في رؤية تولستوي لقصة حبٍ بين حبيبين من الطبقة الأرستقراطية، لم تفلح محاولات الحفاظ على حبهما في النهاية، ليس بسبب الأعراف فقط، بل لأنهما كانا مرفهين وعاليين طبقياً، ولم يتحليا بالإيمان الكافي أمام صعوبات الحياة، من أجل تقبل مصيرهما، أو محاولة تغييره. مما أدى بحبهما ليصبح شبيهاً بمتعةٍ سريعةٍ لا يمكن المحافظة عليها؛ إذ انتهى صاحباها بالفراق والموت؛ لأنهما لم ينفصلا عن عالمهما وطبقتهما، بالقدر الكافي ليعيشا حبيهما.

تولستوي روائي يجمع الحب والحكمة والحماقة والغريزة والمتعة

اقرأ المزيد...

الوسوم: