التسامح النشيط: كلّ شيء قابل للنقاش.. فمن على صواب؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
738
عدد القراءات

2018-12-24

ترجمة: مدني قصري


"العيش معاً"؛ عبارةٌ باتت تؤذي السّمع، فالقلق وعدم الثقة يُهيمنان اليوم على كلّ مكان، الآخر أصبح مُرهِقاً، مَن الذي ما يزال يتذكر اكتشافات الثمانينيات السعيدة، والثقافات المختلفة، والرقص الإفريقي، والسينما الكورية، والصوفية؟

اقرأ أيضاً: الإمارات تعلن 2019 عاماً للتسامح.. هذه هي ركائزه الخمسة
لا أحد يرغب في "صِدام الحضارات" وحربِ الكلّ ضدّ الكلّ، ومع ذلك؛ يشعر كلّ واحد بأنّ مجتمعاتنا تتّجه نحو التفتّت والانهيار، رغم إعلانات التسامح التي تنبثق من جميع الأطراف، فالشعوبية والمطالبات بالهوية تشهد زخماً متزايداً، فكيف نوقِف العمليّة الجهنمية؟
الادّعاء بالتسامح
يرى المفكّر الفرنسي، إدغار موران (Edgar Morin)(1)؛ أنّ القوة الوحيدة لمواجهة "اللاتسامح" هي "التسامح النشيط"، وأنّ "اللاتسامح" لا تتم محاربتُه على مستوى سطحيّ.

لا أحد يرغب في حرب الكلّ ضدّ الكلّ ومع ذلك يشعر كلّ واحد بأنّ مجتمعاتنا تتّجه نحو التفتّت والانهيار

تعيش مجتمعاتنا في الخوف من الصراعات، لدرجة الادعاء بـ "التسامح"، نحن نَقبل جميع الآراء من حيث المبدأ، ونتعايش ونتلاقى، دون رؤية بعضنا، ونعتقد أنّه عندما نتبنى سلوك "لكلّ واحدٍ حقيقته، ولكلّ واحد رأيه" فإننا نضمن السلم الاجتماعي.
لكن؛ أليس بالذهاب إلى أبعد ما يمكن نحو نهاية الخلافات، ومواجهة رُؤى العالم، بعضها ببعض، سنكون قادرين على حلّ بعض الصراعات التي تطارد الجسد الاجتماعي، وتنخره على نار هادئة؟

إدغار موران،  فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي معاصر

التسامح وازدواجية القوانين السياسية

في أوروبا نريد تحقيقَ التسامح العالمي، لكنني أخشى ألّا ننتهج الطريق الصحيح، ففي ازدواجية القوانين (الصحيحة سياسياً) نجد من جهة، دعاوى قضائية ضدّ كُتّاب مفترضين أنّهم عنصريّون، وضدّ ملصقات أفلام تجديفية، ....إلخ، ونجد من جهة أخرى؛ حفلات أكل ومرح، ورقص، والجانب المغري، أن عبارة "العيش معاً" لا تؤدي إلى هذا، بل على العكس؛ يبدو أنّ "اللاتسامح" يزداد ويتفاقم كلّ يوم؛ الهجمات العنصرية، من باريس إلى أمستردام، والاعتداء على المساجد، والأعمال المعادية للسامية، والمثليّون، والقائمة طويلة، للأسف.
المتعة وحدها لا تردم الهوّة
لا يكفي لعب لعبة المنظمين اللطفاء، من خلال احتفالات ومهرجانات الموسيقى، وكؤوس كرة القدم، وتجمّعات المواطنين الكبيرة، كما لو كان الأمر مرهوناً بخلق أجواء المتعة، لردم الهوّة.

اقرأ أيضاً: البابا في المغرب: حديث التسامح في لحظة زمنية حرجة
لن تكفي مضاعفة عدد المثليّين الفخورين بمثليتهم كي يتسنى للأصولي والمثلي أنْ يقبل كلّ منهما الآخر؛ بل على العكس، فقد يجعل هذا بعضَ الأفكار المسبقة أكثر تطرفاً. 
فشل كرة القدم في مقاومة العداء
في فرنسا، بعد عام 1998، مع فريق "بلاك بلان بيرس" (Blacks-Blancs-Beurs)، كان على كرة القدم، بشكل خاص، أنْ توفّر استجابةً إيجابية ضدّ العداء المتزايد للمجتمع متعدّد الثقافات، لكنْ، واحسرتاه!، مباريات كرة القدم، البعيدة كلّ البعد عن تمثيل بوتقة "المواطن"، تنتهي في بعض الأحيان بعودة القوميّات والمناوشات.

 

دور الفيلسوف في الحوار النزاعي
نحن نحاول تهدئةَ التوتر بـ "الاحترام"، احترام بعضنا بعضاً، هذا ما نكرّره في جميع عواصم أوروبا، وهذه ليست سوى كلمة تمنع في كثير من الأحيان الجميعَ من التقدّم، وتُخفي وراءها نسبيّة سيئة؛ لأنه في النهاية: هل يجب أن "أحترم" رؤية العالم التي لا أشاركها، والتي أراها كاذبة، بل وحتى رجعية؟ من الضروري الفصل بين "احترام الآخر" كإنسان، و"احترام الآراء" التي تتعارض مع بعضها. إذا كنتُ حقاً أحترم الإنسان، نظيري، وأعتبر أنّه على خطأ، وأنّ دينه وهمٌ، أو أنّ إلحاده مدمِّر، فإنه حريّ بي، ومن واجبي أن أُخبِره بذلك، أليس من مهام الفيلسوف الجوهرية أنْ يخلق هذا الفضاء من الحوار النزاعي، والمحترم تحديداً، لأنه يضمن التدخل الفكري، الذي لا يترك "الآخر" غارقاً في وهمه الكبير، بل يحاول مقابلته، في نقطة مُؤلمة؟

اقرأ أيضاً: 4 مبادرات لترسيخ التسامح أسلوب حياة
بهذا السلوك وحده يتم خلق تبادل حقيقي، وليس لأنّنا صرخنا معاً خلال المونديال، أو رقصنا جنباً إلى جنب، مثل بشر آليّين مندفعين بقوة الموجة الصوتية.
مراهم المواطنة غير فعّالة
إنّ مّن يعاني كراهية الأجانب ليس شخصاً عنصرياً، لمجرد أنّه لم يتناول الشوربة ذات سهرة مع جيرانه، أو لأنه لم يحضر إلى المرقص مع أصدقاء وصديقات هجائن.

اقرأ أيضاً: التسامح من قيم الإسلام الأصيلة
الأصولي الإسلامي ليس عدوّاً للغرب؛ لمجرد أنه لا يحمل هاتفاً محمولاً، أو لأنّه حُرم من الكابل، على العكس، يمكننا أن نعرف الكائنات بشكل ظاهري وسطحي، ومخالطتهم، أو رفضهم، فاللامتسامح المتعصب يتبنّى رفضاً وُجودياً، لا تمكن معالجته بِمراهمَ "المواطنة".
ما هو التسامح النشيط؟
من المهمّ أن نفهم أننا نتّجه نحو الفشل، وهذا ما يؤكده عددٌ من استطلاعات الرأي التي تُظهر الشكوك المتزايدة في البلدان الأوروبية، خاصة تجاه مجتمعات الأقليات.

اقرأ أيضاً: النبي الشاكّ والإله المتسامح
لمكافحة هذا الخطر المتصاعد، يجب القول: إنّ المشاعر الجيدة، والقوانين السياسية الصحيحة، ليست كافية.
القوة الوحيدة القادرة على التصدّي للتعصب هي التسامح النشيطـ والراديكالي، الذي تجب إعادة اختراعه، التسامح الذي لا يحتفل، التسامح الذي لا يتجنّب الصراعات، التسامح الذي "لا يحترم"، التسامح الذي لا يحمي "الرفاهيات" الأيديولوجية.
الآخر قادر على أن يفهم حُجّتي
إذاً، هذا التسامح النشيط، ما الذي يتطلّبه منا؟

لا يكفي احترام الآراء؛ بل لا بدّ من مناقشتها، مع حقٍّ غير محدود في النقد، وليست هناك حاجة إلى تفادي الأديان باسم أيّ شكل من أشكال "الاحترام"، في المقابل؛ يجب أن نعدّ الآخر مُحترماً لذاته، خاصة باعتباره شخصاً يتمتع بالعقل، وقادراً على فهمِ حُجّتي، وقادراً أيضاً على أن يُعلّمني شيئا، وربما يكون قًادراً على أن يغيّر رأيي في بعض النقاط، بما في ذلك: "الفاشي الإسلامي"، "الصهيوني"، "الأصولي الكاثوليكي"، الأصولي البروتستانتي. باختصار؛ كلّ أولئك الذين لا نحبّهم، والذين نرفض رؤيتهم للعالم.
كان سقراط والفلاسفة الأوائل أوّلَ من استشعروا هذا الخطر

النهج الفلسفي... البديل الوحيد للعنف
علينا أن ندرك أنّه ليس إنكار المشاكل، ولا المشاركة العاطفية، هما اللذان من شأنهما تهدئة التوترات، فالصراعات الإيديولوجية المدفونة سوف تطفو عاجلاً أم آجلاً، وغالباً ما تميل المجموعات المستوحاة من وجهات النظر العالمية المتنافرة، إلى التحرّك نحو الحرب الأهلية، أو التجزئة المجتمعية، ومع ذلك؛ فإنّ هذا النوع من الميول العدوانية ليس جديداً، فالمحافظون الجدد الأمريكيون لم يخترعوه حتى يبرّروا سياستهم السلطوية، وكان سقراط والفلاسفة الأوائل أوّلَ من استشعروا هذا الخطر، الذي لا ينبغي أن يمنح الحقّ لأطروحة هنتنغتون حول "صراع الحضارات"، لكنْ للنهج الفلسفي، البديل الوحيد للعنف: بسطُ الخلافات، ومناقشتها، وتنظيم فضاءات لمناقشة الأسئلة الصعبة المزعجة، سواء حول المفاهيم المختلفة للعلمانية، أو الظلم في العلاقات بين الشمال والجنوب، أو المسألة النووية، أو نضوب الموارد النفطية، أو الإجهاض، أو أيّة قضية تنطوي على اختيار مجتمعي كبير.
تسامح غارق في اللاعقلانية
يجب رفض إقصاء المتعصّبين، وهؤلاء السفسطائيين الجدد؛ أي الزعماء الشعبويين، لقد رأينا حرّاس التسامح في مسيرات ضدّ التعصب، وأحياناً رغبنا في تدمير الإسلاميين، أو استئصال الصهاينة، بالطبع؛ إنهم يقودون هذه الصراعات "النبيلة" باسم التسامح، لكن أليس هذا التسامح الذي لا يطيق عدم التسامح، والذي يُكرس المتعصّبين، ويجعل منهم صورة شيطانية، ويرفض فهمَ حُججهم، تسامح غارق في اللاعقلانية في النهاية؟ مع من يكون النقاش إنْ لم يكن بالتحديد مع المتعصّبين؟ إذا أردنا عالماً يسكنه التسامح فقط؛ فإننا بذلك نفاقم أشكالاً من سوء الفهم، الأمر ليس فقط مناقشة التعصّب تحت أقنعته المختلفة؛ بل إنّه النقاش العادل والصادق، وليس انطلاقاً من كليشيهات.

اقرأ أيضاً: التسامح: كيف تتحرر من الحكم على الآخرين؟
إنّ ما ننتقده في العنصري والفاشي، وما يميّزهما، تجريد الآخر من إنسانيته، يجب ألا نجعل منه طريقتنا المفضلة، هذا يعني أنه إذا أردت محاربة لوبين (Le Pen)، فعليك أن تعرف برنامجه، وليس فقط مجرد شعارات عنه، وأنه إذا ثرنا ضدّ الإسلاميين، فمن الضروري أن نستكشف مفهومهم الحقيقي للعالم، فيما وراء الضوضاء الإعلامية، ودراسة مُفكّريهم البارزين.
ضحايا لأفكارنا المسبقة
من السهل جداً أن نلوم الإسرائيليين والفلسطينيين على عدم صنع السلام، إذا كنا نحن أنفسنا نرفض بالفعل التحدّث إلى أعدائنا، أو مع أولئك الذين نعدّهم أناساً سيّئين، فيما نحن لا نعانيِ – ليس بعدُ؟ - من الضغط الشديد لمناخ الحرب، نحن بعيدون كلّ البعد عن أن نكون قادرين على إعطاء دروس في "الحوار" للآخرين، عندما نرفض النقاش مع المتطرفين، أمثال لُوبِن أو ديودوني، أو كُتّاب مثيرين للجدل، مثل ريديكر (Redeker)، أو طارق رمضان (القائمة ليست للحصر، ولا تهدف إطلاقاً إلى وضع نفس هذه الشخصيات المختلفة التي تتناولها وسائل الإعلام، على نفس المستوى).
لكن لعلّ هناك من مجيب بأنّ "الفاشي" و"الأصولي"، بطبيعتهما، يرفضان النقاش النقدي، فهل هذا مؤكد؟ ألسنا هنا مرّة أخرى، ضحايا لأفكارنا المسبقة، العزيزة علينا؟
كبح جماح المتطرف الذي في داخلنا أوّلاً
من المسلَّم به أنّ الأعداء ليس لديهم أيّ سبب للرغبة في التوافق مع المشاعر الطيبة، فالعديد من المجموعات، كانت بالأمس، وباسم الأيديولوجيات السياسية، واليوم باسم الأصوليات الدينية، ترفض اللاعنف، والديمقراطية البرجوازية.

يجب أن نعدّ الآخر مُحترَماً لذاته باعتباره شخصاً يتمتع بالعقل وقادراً على فهمِ حجّتي وقادراً أيضاً على أن يعلّمني شيئاً

الحوار ليس بالضرورة قيمة مشتركة، لكن من تُرى يريد البقاء في الخطأ؟ من سيقبل التهرّب من البحث عن الحقيقة؟ في الأساس، المسألة مسألة إعادة تأهيل قيمة إنسانية بارزة وبالغة الأهمية، البحث عن الحقيقة اليوم أمر حتميّ، لا مفرّ منه اليوم، مثلما كان بالأمس، ومتطلّبها أضحى أولويّة، ويمكننا أن نناشد أيّ شخص، حتى لو كان متطرفاً دينياً أو سياسياً، أن يستجيب لهذه الدعوة الملحّة، يستند التسامح النشيط إلى هذا الطموح، المنقوش والراسخ في مركز الإنسان، من أجل إعطائه شكلاً ملموساً، والذي من شأنه أن يكسب كلّ معانِيه السامية في العالم المعاصر.
لكن، قبل أن تنجح في محاربة المتطرّفين، يبدو أنّ الديمقراطيين المنفتحين، والجمهوريين، ومناهضي العنصرية اليقظين، عليهم، أولاً، أيضاً أنْ يكبحوا جماح المتطرّف الذي يقبع في داخل أنفسهم، والذي يريد أن يمحو المتعصّبين من على وجه الأرض، بدلاً من مناقشتهم.
الكفاح الصحيح بدلاً من التسامح الزائف
بعض وجهات النظر خاطئة، وبعضُها الآخر صحيح، بعض المعتقدات الدينية أو اللادينية صحيحة، والبعضُ الآخر غير صحيح؛ بعضُ أنماط الحياة أفضل من غيرها، وهلمّ جرا.

اقرأ أيضاً: التسامح السلطوي والتسامح التعددي
احترام الآخر هو إخباره بأنه على خطأ، مع خطر الوقوع في حجج جيدة قد تصطدم بقناعاتنا وتعرضها للخطر، وليس البقاء غير مبالين بما يعتقده في أعماق كيانه. هذا هو الافتراض المؤسِّس لكلّ فكرةٍ، ولكل لقاء، أمّا الموقف المعاكس؛ فلا يُهيّئ سوى انغلاق هذا الطرف وذاك الطرف، داخل "مجتمعه ومعتقداته" الخاصة، ثم المواجهة العامة. كما نستشعر ذلك جميعاً، دون التمكن من الخروج من دائرة الحلول الخاطئة.
من على صواب؟
الطريقة الوحيدة لمعرفة "من على صواب"؛ تنظيم مناقشات حول الموضوعات الأكثر أهميّة، مع كلّ أولئك الذين يدّعون امتلاك الإجابة الصحيحة، يجب أن يلتقي القومي والعالمي، والليبرالي والمعادي للعولمة، والمتآمر ومناهض المتآمر، وأن يذهبوا إلى نهاية خلافاتهم - من خلال فحص أغوار حُججهم.

 

هل يمكن حلّ الصراعات التي تمزّق الإنسانية؟
وجودُ صراعات من جميع الأنواع أمرٌ بديهي، فهل ينبغي أن نستسلم لها، ونعتقد أنّ الصراع لا ينفصل عن "الطبيعة البشرية"، أو الحالة الاجتماعية؟ هناك العديدُ من النزاعات، التي حُكِم عليها في وقتها بأنه لا يمكن التغلب عليها، ومع ذلك فقد تمّت تسويتُها في النهاية.

القوة الوحيدة القادرة على التصدّي للتعصب هي التسامح النشيطـ والراديكالي الذي يجب إعادة اختراعه

يوحِي الصراعُ بين البروتستانت والكاثوليك بأنّ نزاعاً إيديولوجياً خطيراً يمكن أن يُسوىّ، تماماً مثل الصراع بين الفرنسيين والألمان، العالمُ مليءٌ بأعداء سابقين حقّقوا سلاماً دائماً، وأحد الافتراضات المسبقة "للتسامح النشيط"؛ هو أن المناقشة التي تتم بشكل جيّد، ستسمح بتحقيق تقدّم حقيقي، خاصة في حلّ النزاعات، لكن هذا الافتراض المسبق بعيد كلّ البعد عن أن يكون مشتركاً؛ بل يبدو ساذجاً لمعظم الناس؛ هل يمكننا حلّ الصراعات التي تمزّق الإنسانية، أم أنّ هناك صراعات غير قابلة للتسوية، ولا تترك خياراً سوى ميزان القوى؟ هذا السؤال ليس موضوع "إيمان"، لكنه يمكن أن يتقدّم، بالدراسة الدقيقة، لأنواع النزاعات وأنماط حلولها الممكنة.
ضجيج التلفزيون والإنترنت
يجب أن نعيد إنشاء مساحة عامة مكرّسة للصراع الوجودي الجيد بين مختلف الرؤى العالمية، لتحديد أيّها الأفضل - والأكثر صحّة، لكن لا استخدام الهياكل التكنوقراطية ولا المناظرات المذهلة على التلفزيون تشكل طريقة هذه المواجهة. في الوقت نفسه، تقدّم منتديات الإنترنت تكدّساً من الحجج الغامضة، يتم خلطها مع عدم الفصل بينها، كل هذا مجرّد ضجيج، أما الإنترنت فليس سوى ناقل للارتباك، وللخطاب الحزبي المنحاز – يغرف فيه كل شخص ما يكفي لتعزيز آرائه المفضلة، أو يغرق في شكوك بلا قاع.
كل شيء قابل للنقاش
كل شيء قابل للنقاش. إنّ التخلي عن مبدأ الفحص الحر هذا - بمخاطره - هو دفع ثمن ذلك، والتخلي عن المسعى الفلسفي برمته. إنه تقويض، غير واعٍ، لأسس الديمقراطية ومساحتها العامة. تشهد ديمقراطيتنا التمثيلية الغربية، أزمة غير مسبوقة، أزمة ليست أخلاقية ولا مؤسسيّة، ولكنها تعود إلى الأزمة حول مفهوم الحقيقة.
من سقراط إلى قرطبة
لقد حان الوقت لكي يُعبّر كلُّ الذين يشعرون بأنهم مسكونون بِمطلب فلسفي جوهري، عن أنفسهم، وأن يستعيدوا خيط الاتصال الذهبي لحضارة البحر الأبيض المتوسط، حضارة أغورا (Agora)(1)، واللقاءات الحقيقية، ومناقشة المعتقدات المقدّسة، الاستهتار الفاضح، والحساسية التعصبية، وتقديس القيم النسبية، هي قاتِلةُ الفكر، هل كان "سقراط" يحترم الآلهة؟ هل كان "سقراط" يرفض التحدّث إلى السفسطائيين، هؤلاء الأشخاص ذوو النوايا السيّئة؟ هل كان سقراط يرفض النقاش حول العلوم الزائفة، أو الأخلاق المضادة؟ لقد حان الوقت للبحث عن الحقيقة، الحقيقة التي حرّكت هذه الحضارة، من سقراط إلى قرطبة، ومن الموسوعة إلى المناظرات الشغوفة.


المصدر: tolerance-active


الهوامش:
(1) إدغار موران بالفرنسية:(Edgar Morin)  فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي معاصر، ولد في باريس، في 8 تموز (يوليو) 1921 ، من أهم مؤلفاته "الفكر الذي يربط"، "التفكير المعقد"، "النموذج المفقود"، "الطريقة"، "الوعي الكوني وسياسة الحضارة"، "المعارف السبعة اللازمة لتعليم المستقبل".
(2) أغورا (Agora)، ساحة عامة، كانت المجالس السياسية والاجتماعية والفكرية في المدن الإغريقية تنعقِد فيها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: