السياسات التركية في البلقان: قوة ناعمة خيّرة أم نزعة استعمارية جديدة؟

2019-01-08

خلال السنوات الأخيرة الماضية، تنتهج دولة تركيا سياسةً ثقافية واقتصاديةً محددة تجاه دول البلقان، تحديداً في البوسنة، وكذلك في كوسوفو وعاصمتها بريشتينا، حيث توجد أزمات اقتصادية متراكمة سببها إهمال الدول الأوروبية لعقود، وكذلك الحرب في البوسنة ومنطقة البلقان مطلع تسعينيات القرن الماضي. ووضع اشتراطاتٍ دائمة لتقديم المساعدات لدول البلقان، تتعلق بمصالح أوروبية، بينما تحاول تركيا تفعيل دورها كقوةٍ ناعمة تدعم من أجل الخير لا من أجل المصالح فقط.

اقرأ أيضاً: طريق البلقان الجديدة..الهجرة بوصفها قطعة من الجحيم

غير أنّ متابعة السياسات التركية في البلقان، توحي غالباً بفوائد اقتصادية من ناحية، وبورقةٍ سياسية في أوروبا الشرقية من ناحيةٍ أخرى، تسعى تركيا لجعلها أداة ضغط على دول أوروبا الكبرى، مستخدمةً أسلوباً يوصف تارةً بالعثمانية الجديدة، وتارةً أخرى بالغطاء الديني، فهل فعلاً تقدم تركيا خدماتٍ حقيقية للبلقان؟

السلطنة للجميع

منذ حوالي عقدين، تحاول تركيا استعادة ما يمكن تسميته "بالروابط العثمانية بين المسلمين" في البلقان، من خلال سياسة حزب العدالة والتنمية القابع في السلطة بتركيا منذ عام 2002، وفقاً للمحلل والكاتب المختص بالشؤون التركية محمد الأرناؤوط في دراسته المنشورة بموقع "daraj" في 5 شباط (فبراير) 2018، حيث يذكر أنّ "هذه السياسة مستمدة من فكرة الروابط العثمانية التي كانت ترى ضرورة رؤية المسلمين في البلقان لاسطنبول كبوصلة، وكبقايا قوميات موالية لها، غير أن أردوغان اليوم؛ يحاول إحياء هذه الروابط من أجل خلق مجالٍ حيوي لتركيا في البلقان".

وفي قراءة أخرى للمشهد، يعود الأرناؤوط ليؤكد في شهر آب (أغسطس) 2018 أن الشهور السابقة من العام ذاته شهدت "تصريحات سياسية لقادة من البلقان ودولٍ أخرى أوروبية تتحدث عن نفوذ أردوغاني في البلقان". ثم يقدم الباحث مثالاً في ألبانيا، التي تقاوم منذ 2013 النفوذ الأردوغاني الذي "حاول منع أي معارضة للحكم في تركيا من التواجد على أراضي ألبانيا". ومن هنا تبدأ المصالح والأولويات التركية بالتوضح، ثم تأخذ مسألة القوة الخيرة التركية بالانحسار، وهو ما حصل في كوسوفو كذلك، عندما أقدمت تركيا على "خطف معارضين لها" دون احترام الحكومة الكوسوفية أو حتى إبلاغها بما حدث. ومن ثم "ضغطها المتواصل لتغيير المناهج المدرسية في مقدونيا وكوسوفو لحذف أي شيء فيها من تاريخ الدولة العثمانية ويسيء إليها حتى لو كان حقيقة تاريخية" وفقاً لأرناؤوط.

يجوب أردوغان دول البلقان كأنها جزء من إمبراطوريته المتخيلة

وفي السياق ذاته، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريراً مطولاً من كوسوفو، تحدثت فيه عن البلد الصغير الشاب، حسب وصفها، والذي معظم سكانه مسلمون، حيث تقوم تركيا هناك "بترسيخ نفوذها وعجرفتها بحسب وصف بعض السكان من خلال بناء مساجد كبرى تهدف لتكريس الصورة العثمانية والرابط بين تركيا وكوسوفو كبلد تابع للأتراك أكثر منها صورةً إسلامية للمساجد في بلد 19 من كل 20 من بين سكانه مسلمون أصلاً".

يمثل الألبان 30 بالمئة السكان في مقدونيا. ويتبع أردوغان نهجاً يريد من خلاله تحويل هذه الأقلية إلى حصان طروادة

ويتناول التحقيق الموسع آراء متضاربة بين سياسيين كوسوفيين يأملون أن يحظوا بدعم تركيا حتى يتمكنوا من تطوير مناصبهم، وبين سكانٍ ومسؤولين آخرين يرون في الوجود التركي المبني على أسس الثقافة والعلاقة القديمة كجزء من الدولة العثمانية، في غير مصلحة كوسوفو، وهو يهدف فقط لأن يري الرئيس أردوغان قوته للأوربيين الغربيين بسيطرته السياسية على مناطق من أوروبا الشرقية، بعد أن فقدت تركيا الأمل منذ أعوام بالانضمام للاتحاد الأوروبي.

ويقدم التحقيق مثالاً بالقول "لقد قال أردوغان إن تركيا هي كوسوفو، وكوسوفو هي تركيا، لقد سمحت لنا كوسوفو بالترويج للحملة الانتخابية الرئاسية هنا، لتثبت انها أكثر ديموقراطية من بلاد أوروبية أخرى". ويذكر التحقيق بعد ذلك كيف أن المساجد التي تريد تركيا أن تبنيها في كوسوفو لا زالت بمعظمها مجرد أحجار أساس لم تبنَ، لأنهم يريدونها على نمط محدد حتى من حيث التصميم". بينما يرى أردوغان أن تدخل تركيا في كوسوفو الفتية سياسياً، وقيادة حملاته فيها، ومنع أي رأي معارض لحكومته هناك، هو علاقة طبيعية وودية وخيّرة.

اقرأ أيضاً: محنة العلمانية في تركيا التي يقودها الإسلاميون

ويبدو أن سياسة تركيا في البلقان، تعتمد على علاقات ثقافية دينية تاريخية، هدفها الوحيد توظيف آراء سياسيين في البلقان ومواطنين من أجل دعم السياسة التركية الداخلية والخارجية بقيادة أردوغان، وتشكيل ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي، رغم أن الدعم الحقيقي لا يتعدى المساعدة هنا وهناك في قطاع الخدمات، دون أي دعم أو تعاونٍ فاعل، يتيح للدول الأخرى أن تستفيد بقدر ما تستفيده تركيا. ومع ذلك، يصير أردوغان أن سياسة (السلطنة الجديدة) هي للجميع، وتخدم كل الأصدقاء والحلفاء.

محاولة لاستعادة الوصاية

بعد احتلال تركيا لشمال سوريا بعد منتصف العام 2017، وإصرارها وهي الدولة المستقلة وذات السيادة أن الأكراد يهددونها من قلب سوريا، رغم الصراع الكردي التركي الطويل، وغير المتعلقٍ باحتلال أرض دولة أخرى كسوريا لولا الضعف الذي عانته الأخيرة بعد سبعةٍ أعوامٍ من الحرب، مما يقود إلى أن الأتراك لا يهوون التوسع السياسي لأجل مصالحهم بقدر ما يهوون كذلك وجود خواصرٍ رخوة في الدول المحيطة حتى يثبتوا وجودهم فيها، وعلى الأرض إن أمكن.

سياسة تركيا في البلقان تعتمد على علاقات ثقافية دينية تاريخية هدفها استقطاب سياسيين في البلقان ومواطنين لدعم سياسات أنقرة

وفي البوسنة، ووفق تقريرٍ  نشر في 23 أيار (مايو) 2018، على موقع "قنطرة"، فإن أردوغان يحب قيادة حملاته الانتخابية من سراييفو، وكأنها اسطنبول، كما أنه يتم "دعم المعارضة البوسنية لدعم سياسات أردوغان، لدرجة أن هذه المعارضة اعترضت لعدم منح البوسنة درجة فخرية لأحد الكتاب الأتراك المعروفين".

وفي كوسوفو يستمر هذا الوضع؛ فبحسب التقرير ذاته يظهر من وقت لآخر "تأثير تركيا السياسي على دول البلقان. ففي نهاية آذار (مارس) 2018، أبعدت كوسوفو ستة أتراك الى بلادهم بعد اتهامهم بأنهم مناصرون للداعية فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل في 2016.  حيث جرت العملية بالتعاون بين جهازي الاستخبارات التركي والكوسوفي خارج علم الهيئات القضائية. وعلى الإثر أقال رئيس الوزراء الكوسوفي راموش هاراديناي وزير الداخلية ومدير الاستخبارات بعد أن وصف العملية بأنها "تتعارض مع قيم" كوسوفو. فرد الرئيس التركي حينها موجهاً إليه الكلام بقوله "من سمح لك باتخاذ مثل هذا القرار"، فكتب موقع "غازيتا إكسبرس" الإخباري باستياء: "إردوغان يحكم كوسوفو".

حملات انتخابية في دول البلقان وضغط سياسي واقتصادي وثقافي دون خدمات حقيقية

وفي تقريرٍ آخر، نشرته صحيفة "العرب" منتصف عام 2018، تتم الإشارة إلى سياسات أردوغان وتركيا تجاه الألبان المسلمين في مقدونيا، كمثالٍ آخر على أسلوب تركيا في توطيد مصالحها وبناء قواعد اجتماعية تخدمها دون الاهتمام بالمصالح العامة للدول، إذ يكشف التقرير أنه على مدار أكثر من عقد "استثمر أردوغان بكثافة في نشر نفوذه بين الألبان المقدونيين، وذلك من خلال بناء المساجد والمدارس التركية وتمويل وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والأحزاب السياسية في الآونة الأخيرة التي يسيطر عليها مباشرة أقرباؤه".

ويعرّف غالبية الألبان في مقدونيا أنفسهم بأنهم مسلمون بدلاً من تعريفهم بالهوية الوطنية الألبانية. وبدأت في الآونة الأخيرة تظهر جماعات دينية متعصبة بين الألبان في مقدونيا. وهناك أصوات داخل هذه المجموعات الدينية المتعصبة تقول إنه لا ينبغي على الألبان الاعتراف بالأم تيريزا كقديسة، رغم أنها كانت ألبانية من مقدونيا، لأنها لا تمثل مصالح الجالية المسلمة. ويتزايد بسرعة عدد الذين يؤمنون بأن أبطالا آخرين من الألبان الوطنيين، أمثال جرجي كاستريوتي سكندربرغ، الذي قاد تمرداً ضد الإمبراطورية العثمانية في القرن الخامس عشر، لا ينبغي الاعتراف بهم لأنهم كانوا مسيحيين. وذلك وفقاً للتقرير ذاته وتقارير عديدة تحمل ذات المعلومات.

اقرأ أيضاً: هل حقاً أردوغان خليفة المسلمين؟

وبحسب التقرير ذاته أيضاً، فإنّ الألبان يمثلون 30 بالمئة من مجمل عدد السكان في مقدونيا، "ويتبع أردوغان نهجاً اقتصادياً وسياسياً مدروساً، يريد من خلاله تحويل هذه الأقلية إلى حصان طروادة  تركي في قلب دول البلقان".

ويصورةٍ عامة، وخلال عقدين من الزمن، تتراكم الكثير من الدراسات والمقالات والتقارير غربية وعربية، عن أسلوب أردوغان في التعامل مع الوطن العربي ومع دول البلقان، وإذا كان من حق أي دولة التوسع سياسياً واقتصادياً، فإن هذا حقٌ مشروع، لكن أن يعود هذا التوسع ليشبه حقبة الاستعمار وآثارها حتى اليوم، فإنه يستعير أدوات الاستعمار القديم، بحيث يكون التوسع لمصلحةٍ دولة معينة على حساب أراض ودولٍ وقومياتٍ أو أعراقٍ مختلفة، ولها حقوقها ومصالحها.

السياسة التركية إذاً، ووفقاً لكل ما سبق، ورغم وصفها بالخيّرةِ والناعمة، ذات طابعها استعماري واضح، ونزعة توسعية تتمدّد تحت عناوين برّاقة تستبطن غير ما تعلن!

اقرأ المزيد...

الوسوم: