هل تسعى السلطة الدينية لاختطاف الدولة في صومالي لاند؟

هل تسعى السلطة الدينية لاختطاف الدولة في صومالي لاند؟
5546
عدد القراءات

2019-05-27

يواجه الناشط والأستاذ الجامعي، محمود جامع أحمد حمدي، في مدينة هرجسيا، عاصمة صومالي لاند، حكماً قضائياً بالسجن لمدة عامين ونصف العام، بسبب نشره على موقع فيسبوك منشوراً اعتبرته السلطات "تجديفاً بالدين".

تشكّل حالة سجن الأستاذ الجامعي محمود حمدي والشابتين الكنديتين مثالاً على الواقع المرير الذي وصلته الحريات العامة في صومالي لاند

وانتقد محمود حمدي، في منشوره، النهج اللامبالي الذي اتخذته الحكومة تجاه الجفاف؛ حيث يصلي الناس إلى الله تعالى بدلاً من اتخاذ خطوات استباقية لحلّ مشكلة الجفاف المتكرر، وقال أحمد حمدي: إنّ "الصوماليين يجب أن يتعلموا من (المجتمعات المتقدمة) كما هو الحال في الولايات المتحدة وأوروبا، في معالجة الجفاف، عن طريق تكنولوجيا إنزال الأمطار".
وتعاني صومالي لاند، وأجزاء كبيرة من الصومال، من الجفاف المتكرر في الأعوام الأخيرة، وهي ظاهرة مرتبطة بتغيير المناخ، وتسبّب الجفاف في نفوق الملايين من الماشية، في بلدٍ يعتمد اقتصاده على تصدير المواشي إلى الخارج، كما تسبّب في نزوح مئات الآلاف من الأشخاص من قُراهم وبلادتهم، بحثاً عن الماء.

تهمة "التجديف" تلاحق محاضراً جامعياً قال إنّ "الاستسقاء" لا يكفي لمكافحة الجفاف

حرية التعبير في خطر
أثار سجن محمود حمدي مخاوف بشأن الحقّ في حرية التعبير والضمير في صومالي لاند، والتي تروّج لنفسها باعتبارها بلداً ديمقراطياً، تشكّل القيم المتعلقة بالحرية واحترام حقوق الإنسان، ومبدأ تنظيم انتخابات دورية نزيهة بالاقتراع العام، عناصر ضرورية في سبيل سعيها إلى فكّ الارتباط الكامل مع الصومال، ونيل الاعتراف من المجتمع الدولي كدولة مستقلة.

اقرأ أيضاً: هل تصلح تركيا لرعاية المفاوضات بين الصومال وصومالي لاند؟
ويحذّر مراقبون من أنّ تراجع مستوى الحريات العامة، بما فيها حرية التعبير والضمير، من شأنه أن يعرقل الاستقلال المنشود، ويؤكد ذلك المحلل السياسي الصومالي، عبد الرزاق عول، الذي يقول إنّ "مثل هذه الملاحقات القضائية قد تتحوّل إلى أداة تعسفية بيد النظام لتكميم الأفواه". ويبيّن، في حديثه لـ "حفريات" بأنّ ثمة "حالة من التربص بحرية الرأي والتعبير من قبل أفراد ومؤسساتٍ تريد فرض وصايتها على المواطنين، في ظل ّمناخ هشٍّ تعيشه الدولة، حيث يتنفّذ رجال الدين في أجهزتها المختلفة".
وفيما خصّ التجديف وازدراء الأديان أضحى ذلك، كما يقول الباحث السياسي أحمد علي "تهمة اجتماعية وسياسية، تُلقى على كلّ من يعترض على حماقات وعلى سياسات تعود إلى القرون الوسطى"، ويضيف: "رغم عدم وجود قوانين تتعلق بازدراء الأديان في الدستور، إلا أنّ السلطة لا تترد باستخدام شرعيتها، وفق أهواء المؤسسة الدينية المتحالفة مع الطبقة الحاكمة لإخماد صوت العقل."
سلطة رجال الدين
تعدّ هذه الحادثة سابقة من نوعها في صومالي لاند؛ ففي الوقت الذي تلعب قوانين تجريم ازدراء الأديان عربياً دور "عصا السلطة" ضدّ أصحاب الآراء التي لا تناسبها، ينصّ الدستور الصومالي لاندي، في مادته الخمسين، على حرية الاعتقاد والضمير لكافّة المواطنين، ولا توجد قوانين متعلقة بازدراء الأديان في الدستور، كما هو الحال في معظم البلدان الإٍسلامية.
لكن بدلاً من ذلك؛ ينصّ الدستور على هيئة للعلماء، تبتّ بالخلافات الدينية، ورغم أنّ الحكومات المتعاقبة تملّصت من إنشاء هذه الهيئة الديينة، وظلت حبراً على ورق، إلا أنّ رجال الدين ينشطون في صومالي لاند بكثافة، وبطريقة غير رسمية، ويحتفظون بسلطات قوية للتدخل في حياة الأفراد والدولة والمجتمع.

حمدي قال إنّ الصوماليين يجب أن يتعلموا من المجتمعات المتقدمة كيفية معالجة الجفاف عن طريق تكنولوجيا إنزال الأمطار

ويشكّل رجال الدين وهيئاتهم المختلفة، مثل "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ما يشبه الشرطة الدينية، ويعملون على استهداف أيّ صاحب رأي مخالف ببلاغات ودعاوى كيدية، بتهم كازدراء أو تحقير أو إهانة الدين، وهم لا يضعون مفاهيم واضحة للمصطلحات التي يذكرونها، مثل "ازدراء وتحقير الدين"، أو "الإضرار بالوحدة الوطنية"، الأمر الذي يتيح إمكانية تفسيرها بما تقتضيه مصالحهم الفئوية والشخصية.
وفي سياق متصل؛ أُفرجت شرطة صومالي لاند، في الثالث والعشرين من نيسان (أبريل) الماضي، عن شابتين كنديتين، اعتقلتهما الشرطة قبل ثلاثة أشهر، بتهمة تناولهما الكحول في مدينة هرجيسا، وغادرت ميمونا عبدي (28 عاماً)، وكريما واتس (24 عاماً)، إلى مطار بيرسون الدولي في تورنتو.
ويعدّ احتساء الكحول أمراً غير قانوني في صومالي لاند، وأفادت الشابتان لوسائل الإعلام؛ بأنهما احتجزتا في سجن محطة "كودبور" للنساء في هرجيسا، وتعرضتا لسوء المعاملة أثناء احتجازهما لمدة شهرين.
وقالت ميمونا عبدي؛ إنّها وصديقتها تعرضتا لسوء معاملة شديدة، عاطفية ونفسية، وكذلك لــ "الانتقام البدني" في السجن، وأردفت إنهما حُرمتا من المساعدة الطبية، ومن المستشار القانوني، وفي بعض الأحيان من الطعام والشراب، وقالت إنّه وفق الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان؛ فإنّ هذا الحرمان يشكل تعذيباً.
وينتقد مدافعون عن حقوق الإنسان سلطات رجال الدين الاجتماعية المطلقة، كما أنّ متطرفين صوماليين ومواطنين عاديين يستغلونه لتسوية حسابات شخصية.

اعتقلت الشرطة في مدينة هرجيسا لمدة ثلاثة أشهر شابتين كنديتين بتهمة تناولهما الكحول

استفحال التطرف
يؤكد مراقبون للوضع؛ أنّ قوة وسلطة رجال الدين في المجتمع الصومالي، رغم أنها تُستمد من الرابطة الاجتماعية، لكنها تقوى وتتدعم بالموقف الرسمي للدولة؛ لذلك فإنّ تحجيم دورهم في المجال العام والقضاء، يعدّ من أهم القضايا التي يجب أن تعالج من جهة الدولة في المنظور القريب.
ويعدّ فكر رجال الدين المتطرّف والتكفيري كلّ خلاف معه محرّماً ويجب إقصاؤه وإلغاؤه واستئصاله، وفئة رجال الدين لا تؤمن بالحوار، ويبسطون سلطانهم على محيطهم، مستخدمين سلطة النصّ الديني، ما دامت تتلبسهم فكرة امتلاك الحقّ والسعي للوصول إليه وإلى الحقيقة بكلّ الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، أحياناً، وما داموا يحاولون "أدلجة" سلوكهم، وإعطاء أنفسهم مبرّرات لقمع الآخر أو تصفيته، سواء كان ذلك بزعم الدخول إلى الجنّة، أو إبادة الخصم الكافر، أو القضاء على المروق والإلحاد، أو تحقيق مصلحة البلد، أو غير ذلك من محاولات إخضاع الآخر.

اقرأ أيضاً: هل ستكون بريطانيا أول دولة تعترف بصومالي لاند؟
ويستعين الخطاب المتشدّد في سبيل ذلك بأجهزة الدولة المختلفة، التي هي الأخرى تستفيد من خطابهم المساند لها، فباتت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة أصوات مساندة للحزب الحاكم وسياساته من فوق المنابر، وهي ظاهرة جديدة في صوماللاند.
فبسبب أنّ رجال الدين يحظون باحترام جموع الناس، ولديهم مصداقية أكثر من السياسيين لدى الكثيرين منهم، فإنّ لعبهم أدوراً سياسية من المساجد يكسر إطار القدسية، ويحطم الصورة المترفعة التي تربط رجل الدين بالورع والتقى، وينعكس ذلك سلباً على صورة الخطاب الديني، بشكل عام، الذي يظهر بمظهر المفرّق لا الموحِّد.

باتت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة أصواتٌ مساندة للحزب الحاكم وسياساته من فوق المنابر

تشكّل حالة سجن محمود حمدي، وحبس الشابتين الكنديتين لمدة ثلاثة أشهر، مثالاً على الواقع المرير الذي وصلته الحريات العامة في صومالي لاند، وتفتح أبواب التحليل السياسي لتحديد مستقبل العلاقة بين المؤسسة الدينية ورجالاتها من جهة، والدولة من جهة أخرى، وهل ستفضي تلك الأحداث، التي يصفها البعض بأنّها صعود نجم "السلطة الدينية" في صومالي لاند، إلى انقلاب على الدولة ليتفرّد رجال الدين في التحكم بحياة الناس؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف ساهم الإسلام في تكوين البرتغال؟

2020-06-03

في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين كانت أعظم مراكز الثقافة الإسلامية في الغرب موجودة في شبه جزيرة أيبيريا (الأندلس)، وفيها تمت ترجمات المعرفة اللاتينية في الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة إلى العربية، وبسبب التماس الجيوسياسي مع الغرب المسيحي، وجد الدارسون الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه مع معرفة العالم القديم المكتوبة بالعربية بعد ضياع أصولها اللاتينية.

اقرأ أيضاً: الحملات الصليبية... قراءة جديدة بعيون غربية
قبل ذلك كانت السلطات الروحية والزمنية لأوروبا تتجنب العلوم التي تراكمت لدى الحضارات قبل المسيحية، في وقت كان فيه الدارسون العرب يعتبرون هذه العلوم بمثابة "غنيمة مشروعة" للحروب التي فازت بها جيوش المسلمين الظافرة، وهكذا بدأت الثقافة العربية في استيعاب الفكر العلمي والفلسفي الأكثر تقدماً لدى الفرس والهنود والسريان والإغريق، وغيرها من الحضارات المهزومة والدارسة.
ومع التفوق الساحق للمسلمين أمام الغرب، شعر الأوروبيون حين ذاك بالحاجة الماسة لمعرفة أعمق بالعالم فأرادوا تجديد اتصالهم بالفكر القديم، لذا ولوا وجههم تجاه المصادر العربية للمعرفة والتي امتصت عناصر بالغة الثراء والتباين من الحضارات السابقة، وفي سبيل ذلك تأسست جامعات بولونيا وساليرنو في إيطاليا ومونبليه وباريس في فرنسا وأكسفورد وكامبردج في إنجلترا.
الأمر تعدى مجرد التأثير الثقافي والعلمي للحضارة العربية الإسلامية على النخب والشعوب الأوروبية

آخر أوروبا وصانعها
في كتابه حول تاريخ الأدب الأوروبي يقول خوان أندريس، كما ورد في كتاب "الإسلام في الليبرالية" لجوزيف مسعد (2017): "في القرن التاسع عشر لم يخطر ببال أحد أو كان من الصعب بالنسبة إلى معظم الأوروبيين تخيل، فضلاً عن اكتشاف أو الدفاع عن، فكرة تبعية "الأوروبي" لـ "العربي" ثقافياً. أو أن يتصور المرء أن الزهرة الأدبية الأولى لفرنسا، وهي زهرة توطدت وتكرست طويلاً على أنها الأولى في أوروبا، لم تكن الأولى فحسب، وإنما كانت بمعنى ما مشتقة من ثقافة الناس الذين هم مستعمَرون سياسياً و"بدائيون" ثقافياً ومادياً مقارنة بأوروبا (الحديثة).

مع التفوق الساحق للمسلمين أمام الغرب، شعر الأوروبيون بالحاجة الماسة لمعرفة أعمق بالعالم فأرادوا تجديد اتصالهم بالفكر القديم

ولم يكن الأدب وحده المستعار من العرب، بل كما يضيف أندريس: إنّ "الورق والأقلام والبارود والبوصلة وصلتنا من العرب. وربما كان البندول وقانون الجاذبية واكتشافات حديثة أخرى كانت معروفة لديهم قبل أن يعيها فلاسفتنا".
إلا أنّ الأمر تعدى مجرد التأثير الثقافي والعلمي للحضارة العربية الإسلامية على النخب والشعوب الأوروبية، إلى شعور الأوروبيين بتهديد وجودي على مصيرهم من هذا الآخر المختلف والمتقدم، فبمجرد أن فتح المسلمون أفريقيا وإسبانيا من بعدها حتى أصبح ملك فرنسا سيد الغرب المسيحي تلقائياً، كما يقول المؤرخ هنري بيرين، وينقل عنه مسعد.
فلم يكن الإسلام معروفاً بين الأوروبيين باعتباره "حصن المعرفة القديمة" فقط ولا بكونه مجرد قناة تصلهم بماضيهم الحضاري، بل كان مشهوراً بالأساس بجيوشه؛ فكان مجرد وجوده على تخوم وعلى أطراف أوروبا يمثل إهانة لمعتقداتها المسيحية وتهديداً لوجودها المادي، فقررت أوروبا شن هجمة مضادة.
بدأت الحروب الصليبية منذ القرن الحادي عشر ضد المسلمين مدفوعة بحماسة دينية متعصبة لطرد المسلمين من الأراضي المقدسة، ومطامع اقتصادية شجعها ظهور دول المدن الإيطالية التجارية الطامحة للسيطرة على تجارة جنوب وغرب أوروبا مع العالم غير الأوروبي، وهي المدن التي تولت تمويل الحرب ونقل الجيوش لغزو المشرق الإسلامي.

اقرأ أيضاً: أكذوبة الحرب الصليبية ضد العثمانيين
وفي هذا السياق الملبد ظهرت مملكة البرتغال، التي أسستها حملة صليبية فاشلة على القدس؛ كما يقول المؤرخ تريفور روبر، وكما ورد في كتاب "الماركسية السوداء: تكوين حراك ثوري للشعوب السوداء" لسدريك جي. روبنسون (2015)؛ حيث "أبحرت مجموعة من الصليبيين: الفلمنك (إقليم في بلجيكا) والفرنجة (الفرنسيين) والإنجليز والألمان نحو البحر الأبيض المتوسط للانضمام إلى الحملة الصليبية الثانية، ووصلوا إلى مصب نهر سورو (في شبه جزيرة أيبيريا) وتصل قادتهم إلى أنه لا حاجة لهم لمواصلة الإبحار نحو الشام؛ فهناك (كفار) في إيبيريا وأراضٍ خصبة مثلما في فلسطين، ووافق الصليبيون واستقروا هناك؛ وبدلاً من التوجه إلى الشمال زحفوا إلى لشبونة واستولوا عليها، وهناك ذبحوا كل السكان المسلمين ونصبّوا أنفسهم على أراضيهم ونسوا أمر مملكة القدس المسيحية؛ وأسسوا البرتغال".
مملكة جديدة للقارة الفاسدة
بسببٍ من النزعة الحربية السائدة على مؤسسي البرتغال الأوائل استطاعوا غزو قشتالة، ولكن لأنّ المملكة كانت تفتقد قومية واضحة وشعباً متجانساً في ظل الخليط الاستثنائي من شعوب أوروبا الغربية والبحر المتوسط، كان على الطبقات الحاكمة من النبلاء اختلاق قومية خاصة بمملكتهم مدعمة بالرموز والألقاب المسروقة من قشتالة، بالإضافة إلى الموروثة من بلادهم القديمة.

استغل البرتغاليون الطابع العسكري لبلادهم والخبرات الإيطالية البحرية والتجارية التي تكونت في سياق الحملات الصليبية على الإسلام

أراد المؤسسون صياغة تاريخ خاص لمملكتهم لاستخدامه في مغامرتهم الإمبريالية في القرون اللاحقة؛ واستناداً إلى خبرتهم البحرية بدأوا أول الكشوف الجغرافية الكبرى التي أدت إلى ظهور نظم العالم الحديث لأوروبا، مع الاستعانة بخبرات الإيطاليين البحرية والتجارية، ومع البقايا القوية للمغامرات المسيحية ضد الإسلام.
زادت الهجرة إلى المملكة الجديدة من البندقية وجنوة وفلورنسا وروما وكالتونيا، ومع المهاجرين الجدد انتعش شعور بالتصميم على أن تكون المملكة متميزة عن المجتمعات الفاسدة والمضطربة والمنحطة التي قدموا منها.
كان النابغون في أنحاء القارة، وتحديداً إيطاليا، يشعرون بأنّ أوروبا بغيضة أخلاقياً ومُنحلة، ينشتر فيها البغاء ويُحتقر فيها الزواج، ويسودها الكذب والسرقة والهرطقة والفوضى الناتجة عن الحروب الدموية بين الأمراء المسيحيين.
وفي الجهة الأخرى كان المسلمون يقفون كعدو لدود ينبغي سحقه، فكانت كراهية أوروبا القديمة وكراهية المسلمين المجاورين سببين قويين لرغبة البرتغال في التوسع، بالإضافة إلى السبب التجاري بالطبع. وهكذا قدم الإسلام، الذي اعتبره الغرب "الهرطقة المسيحية الأخيرة" لأوروبا الصاعدة، والمسكونة برُهاب الأجانب، دافعاً فكرياً وسياسياً واقتصادياً للتوسع والغزو، وبالأساس، لاختراع هوية أوروبا الجديدة التي تقطع مع ماضيها "المظلم" وآخرها "المسلم".
أراد المؤسسون صياغة تاريخ خاص لمملكتهم لاستخدامه في مغامرتهم الإمبريالية في القرون اللاحقة

الإمبريالية الأولى
استغل البرتغاليون الطابع العسكري لبلادهم والخبرات الإيطالية البحرية والتجارية التي تكونت في سياق الحملات الصليبية على الإسلام، في تأسيس اقتصادهم القومي على الحملات الحربية على شمال أفريقيا وبالتحديد على مملكة فاس ومدينة سبتة بعد حشد الطاقات القتالية للمملكة بـ"أمر المسيح" وبالمهارات البحرية الأوروبية الأكثر تطوراً، مع الاستعانة بالخرائط التي كان المسلمون وضعوها في السابق.
وضعت كل هذه الطاقات في خدمة المشروع الاستعماري الرائد للبرتغال والساعي لاستكشاف أفريقيا وسواحلها للعثور على طريق إلى جزر الهند الشرقية دون المرور بمصر، وإلى مملكة "بريستر جون" وهي مملكة خرافية اعتقد جغرافيو ذلك الزمان بوجودها في مكانٍ ما بلقب أفريقيا، وللوصول إليها كان على البرتغاليين أن يغزو "فاس"، التي يقطنها البربر، أولاً.
وحين ذاك كانت شمال أفريقيا تمثل نقطة النهاية لتجارة الذهب، وحتى ذلك الوقت كان العرب المسلمون حرّموها على التجار الأوروبيين؛ بهدف الحفاظ على أسرار مصادر المناجم وطرق التجارة عبر الصحراء الكبرى، لذا كانت خطوة البداية في تطور البرتغال تكمن في غزو تلك المناطق ونهبها، وتدشين ما سوف يعرف في الاقتصاد السياسي الحديث بـ "التراكم الأولي" للرأسمالية الصاعدة.

للمشاركة:

اغتيال المصور اليمني القعيطي.. من يريد دفن الحقيقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

اغتال مسلحون تابعون لميليشيا الحوثي، أمس، المصور الصحفي نبيل القعيطي الذي يعمل مراسلاً حربياً لوكالة "فرانس برس" وبعض الصحف والفضائيات في مدينة عدن اليمنية.

وأطلق الحوثيون، المدعومون من إيران، النار على القعيطي بالقرب من منزله في مديرية دار سعد بمحافظة عدن، وفق صحيفة "عدن الغد" .

مسلحون تابعون لميليشيا الحوثي المدعومة من إيران يغتالون المصور الصحفي نبيل القعيطي

وقالت الصحيفة إنّ القعيطي فارق الحياة بعد وقت قصير من نقله إلى مستشفى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود، جراء الطلقات النارية التي اخترقت جسده.

وقال مدير الأخبار في وكالة "فرانس برس" فيل تشتويند "إننا مصدومون من جريمة قتل صحافي شجاع يقوم بعمله على الرغم من كل التهديدات والترهيب".

وأضاف "ساعد نبيل، من خلال عمله مع وكالة فرانس برس خلال الأعوام الماضية، على إظهار حقيقة النزاع اليمني المروع. وكانت نوعية عمله مقدرة على نطاق واسع".

فارق القعيطي الحياة بعد وقت قصير من نقله إلى مستشفى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود

ووصف المجلس الانتقالي الجنوبي، المصور القعيطي بـ"حامل لواء الحقيقي"، وقال إن جريمة اغتياله، تكشف ضيق قوى الإرهاب والتطرف والعدوان من الكلمة والصورة التي تفضح جرائمها وإرهابها، وتكشف زيف ادعاءات إعلامها المعتمد على تزييف الكلمة والصورة وليّ عنق الحقيقة.

وأضاف المجلس، في بيان صحفي، نقلته صحيفة "اليمن العربي": "كما فضح نبيل القعيطي كذب وجرائم التنظيمات الإرهابية والمتطرفة حياً، فإنه وباستشهاده قد كشف علاقتها الأكيدة بجرائم الإرهاب، وبأنها هي من رعت ودعمت كل أعمال العنف والاغتيالات التي استهدفت ومازالت تستهدف الشرفاء والأبطال والمخلصين من أبناء شعبنا".

اقرأ أيضاً: بعد مؤتمر المانحين.. هل تمنع الأمم المتحدة الحوثيين من قرصنة ونهب المساعدات؟

وفيما أكد فداحة الخسارة والمصاب التي منيت بها الصحافة الجنوبية والدولية برحيل القعيطي، دعا المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى مساهمة الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب معه في إجراء تحقيق شفاف يكشف خيوط هذه الجريمة ومن يقف خلفها ويقدم مرتكبيها إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل.

بدوره، دان وكيل وزارة الإعلام اليمنية نجيب غلاب اغتيال القعيطي. وقال "أعتقد أنّ استهداف الصحافي نبيل القعيطي بعملية اغتيال منظمة ومخطط لها مسبقاً هو استهداف للصحافة والصحافيين في اليمن، ويعكس فشل وأخطاء كل الأطراف المتصارعة في اليمن".

 

 

وأضاف "نحن ندين هذه الجريمة بحق الصحافي القعيطي الذي كان عمله هو نقل الأحداث والحقائق بالصورة، ويبدو أنّ عمله أثار حفيظة بعض الأطراف المتطرفة نتيجة نشاطه الصحافي المكثف في الآونة الأخيرة".

ودان وزير حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية محمد عسكر جريمة الاغتيال وقال في تغريدة على تويتر "أدين بأشد العبارات اغتيال الصحافي نبيل القعيطي، في محاولة جديدة لإسكات الحق في حرية التعبير وكشف الحقيقة، والتي تعيش اليمن أسوأ فصولها، أدعو السلطات في عدن إلى تحمل مسؤوليتها في كشف الجناة وتقديمهم للعدالة، خالص العزاء لأسرته وللأسرة الصحافية اليمنية".

المجلس الجنوبي: اغتيال المصور القعيطي جريمة تكشف ضيق قوى الإرهاب والتطرف والعدوان

ووصف نبيل الأسيدي، رئيس لجنة التدريب والتأهيل في نقابة الصحافيين اليمنيين، اغتيال الصحافي القعيطي بأنه "تعبير عن استشراء حالة العداء المفرط تجاه الصحافة في اليمن، وتأكيد على خطورة المرحلة التي وصلت إليها أوضاع الصحافيين في ظل حالة العداء السياسي والصراعات والحرب متعددة الأطراف التي أصبح الصحافيون أبرز ضحاياها".

وأشار الأسيدي، في تصريح لـصحيفة "العرب" اللندنية، إلى أنّ الصحافيين في اليمن باتوا مستهدفين من جميع الأطراف المتحاربة بهدف إشغال الرأي العام وإخفاء الحقيقة، وعبر عن خشيته من التلاعب بقضية اغتيال القعيطي كغيره من الصحافيين.

وطالب الجهات الأمنية في عدن بضرورة مباشرة التحقيق في الحادثة وكشف الحقائق أمام الرأي العام وعدم السماح بتحويل هذه القضية إلى جزء من التجاذبات السياسية التي تحولت إلى وسيلة للتحريض على الصحافيين باعتبارهم الضحية.

 

 

ولفت إلى تزايد أعداد القتلى من العاملين في الصحافة اليمنية ليصل العدد منذ بداية الحرب إلى 37 صحافياً يمنياً قتلوا وهم يمارسون عملهم الصحافي وكان آخرهم نبيل القعيطي.

من جانبه، دان الاتحاد الدولي للصحافيين في تغريدة على حسابه الرسمي في تويتر الاغتيال، ونشر الاتحاد على المنصة "اغتيال المصور الميداني نبيل حسن القعيطي –من وكالة الأنباء الفرنسية- في عملية إرهابية أمام منزله بمدينة عدن. لا لقتل الصحافيين، لا للإفلات من العقاب لمرتكبي الجريمة والجهات المسؤولة".

وأثار اغتيال الصحافي القعيطي موجة من الحزن والغضب في مواقع التواصل الاجتماعي التي كان ينشط عليها من خلال نشر صور والأخبار.

اقرأ أيضاً: مقاتلات التحالف تستهدف تمركزات الحوثيين في عدة مناطق.. تفاصيل

وانخرط القعيطي، المولود بالعام 1986 بمشوار التصوير في العام 2007، وذلك بتغطية التظاهرات السلمية للحراك الجنوبي السلمي، لكن اندلاع الحرب التي شنتها ميليشيا الحوثي، في آذار (مارس) 2015، كانت بداية تألقه الحقيقي كمصور حربي.

عمل القعيطي متعاوناً مع عدد من الفضائيات العربية، والمواقع الإخبارية اليمنية، ثم مصوراً متعاوناً لوكالة الصحافة الفرنسية "فرانس برس"، وحتى رحيله الغادر.

ووثقّت عدسة القعيطي جرائم حرب الميليشيا الحوثية ضد المدنيين في عدن وباقي مدن الجنوب في 2015، فضلاً عن مآسي النزوح والمجاعة في لحج وأبين، وصولاً إلى الحديدة والساحل الغربي، قبل أن ترافق انتصارات قوات التحالف العربي والقوات الجنوبية التي دحرت الإرهاب الحوثي من كامل الجنوب.

 

 

وحصل القعيطي، على عدد من الجوائز المحلية، فضلاً عن تكريم من قبل وكالة الصحافة الفرنسية لعامين متتاليين، حيث تأهل في العام 2015 إلى المرحلة النهائية لجائزة "روري بيك" العالمية الممنوحة لأفضل مصوري الحرب.

ونجا القعيطي من الموت في أوائل كانون الثاني (يناير) 2019 بعد هجوم شنه الحوثيون بطائرة دون طيار على أكبر قاعدة عسكرية في البلاد، قاعدة العند الجوية في محافظة لحج أثناء استعراض عسكري كان يقوم بتغطيته.

يذكر أنّ اليمن جاء في المركز 167 من أصل 180 وفق التصنيف العالمي لحرية الصحافة التابع لمنظمة "مراسلون بلا حدود".

للمشاركة:

الإخوان والعودة المستحيلة.. هل خسرت الجماعة معركتها الشعبية؟

2020-06-03

تنتاب أفراد جماعة الإخوان كلّ فترة حالة من عدم الاتزان، فيشيعون بين أفرادهم ومؤيديهم أنّ ثمة اتفاقاً معروضاً بينهم وبين الدولة المصرية تتنازل بموجبه عن كلّ قضايا الإخوان وتفرج عن قياداتهم، مقابل اعتراف الجماعة بشرعية ما حدث في 30 حزيران (يونيو)، وتحديداً قرارات 3 تموز (يوليو) 2013، ويزعمون أنّهم يرفضون تلك التسوية.

البحث عن شرعية قضائية بالنسبة للإخوان أمر شكلي وما يشغلهم قبول الشعب أكثر من أيّة جهة أخرى

حتى كان قرار محكمة القضاء الإداري، الذي حسم موقف الدولة المصرية من الإخوان، وبشكل قاطع، وهو الحكم بعدم قبول الدعوى رقم 4976 لسنة 65 قضائية، التي تطالب بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي، بامتناع رئيس مجلس الوزراء عن حلّ جماعة "الإخوان المسلمين"، لانتفاء القرار الإداري، استناداً إلى أنّ هذه الجماعة لم تعد موجودة، ومحظورة بالفعل، والتأكيد القاطع أنّ تلك الجماعة ليس لها وجود أو سند شرعي، بعد قرار حلّها، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، هو حكم يؤكد استمرار الدولة المصرية في المواجهة معها.
لكنّ الإخوان المسلمين لم ولن، يهتموا بمثل هذه الأحكام؛ فالبحث عن شرعية قضائية أمر شكلي جداً بالنسبة إليهم، يستخدمونه مثل تلك القضايا لخداع الناس، ولإثبات مظلوميتهم، أو للتأكيد أنّهم حركة مدنية، وحقيقة الأمر؛ أنّ الإخوان يشغلهم قبول الشعب أكثر من أيّة جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: كيف سعى الإخوان المسلمون لاختراق منظومة التعليم في السعودية؟
والدليل على ذلك؛ أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تحكم محكمة القضاء الإداري بانعدام الوجود القانوني لجماعة الإخوان المسلمين؛ فقد سبق أن حكمت المحكمة الإدارية، في 6 شباط (فبراير) 1992، برفض الدعوى رقم 133 لسنة 32 قضائية، المقامة من عمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر وتوفيق الشاوي.

اقرأ أيضاً: هل يجب أن نقلق من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي؟
يذكر أنّ أول من أقام مثل هذه الدعاوى هو عمر التلمساني، المرشد الثالث للإخوان، وذلك في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1977، ومما جاء في عريضة الدعوى، على لسان التلمساني: "إنّ جماعة الإخوان تكوّنت في مصر منذ زمن بعيد، ولاقت دعوتها قبولاً لدى كافة أفراد الشعب المصري، وكان لها نظام وخطة تربوية ظاهران للكافة، وقامت بينها وبين الحكومات المختلفة نزاعات وخصومات، وتعرضت السلطات لها بالأذى".

عمر التلمساني، المرشد الثالث للإخوان
ثم عدّل الإخوان طلباتهم في القضية، فطالبوا، في 6 كانون الأول (ديسمبر) 1983، ثمّ في 23 نيسان (أبريل) 1985؛ بأن يكون للقضية شقّان: إيجابي وسلبي؛ الإيجابي بإلغاء قرار حلّ الإخوان، الصادر 1954، والسلبي بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن إعادة ما يسمى بـ "جمعية" الإخوان المسلمين، ثم كانت المفاجأة؛ بأن طالب محامي التلمساني، في 24 حزيران (يونيو) 1986، بانقطاع سير الخصومة لوفاة المرشد الثالث!

مَن يدرس الجماعة وأفكارها والبنى التنظيمية لها يدرك أنّها سرية باطنية في المقام الأول

استكمل المرشد الرابع، حامد أبو النصر، القضية، وقدّم محاموه مذكرة في جلسة 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1986، يطلب تدخله في القضية باعتباره أكبر أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان، وأنّه صاحب مصلحة في الطعن على القرار، ثم انضمّ إليه د.توفيق الشاوي، باعتباره منتمياً للجماعة وأحد أعضاء الهيئة التأسيسية لها، وذلك في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1990، وأحيلت الدعوى لهيئة المفوضين، التي أوصت، العام 1992، بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري.
وأكدت المحكمة أنّ المادة 191 من دستور 1956 تنصّ صراحة على أنّ "جميع القرارات الصادرة من مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها، وصدرت مكملة ومنفذة لها، وكذلك جميع القرارات والأحكام والإجراءات والأعمال التي صدرت من الهيئات التي قرر مجلس قيادة الثورة تشكيلها، أو الصادرة من أيّة هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة، لا يجوز الطعن في أيّ منها، أو المطالبة بإلغائها، أو التعويض عنها، بأيّ وجه من الوجوه، أمام أيّة هيئة كانت".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون وسلاح المظلومية
كما أكدت المحكمة أنّ مجرد صدور جريدة للإخوان لا يخلق للجماعة واقعاً قانونياً، ولا يوجد ما يلزم الحكومة بإعادة نشاطها، وشددت المحكمة في نهاية حكمها على أنّ "صدور جريدة لجماعة الإخوان لا يعدّ دليلاً على وجودها وقيامها قانوناً، لأنّ الجماعة هي التي تصدر الجريدة، ومجرد صدورها لا يخلق وجوداً قانونياً للجماعة".

 

إنّ الحكم السابق أو الحالي، على أهميتهما، لا ينفيان وجود الجماعة الواقعي لدى أعضائها (على الأقل فيما بينهم)، كما أنّهم لا يحبذون العمل العلني؛ بل يحبذون العمل السري، فمن يدرس الجماعة وأفكارها والبنى التنظيمية لها، يدرك أنّ هذه الجماعة سرية باطنية في المقام الأول، وتعاليمها سرية، وأوامرها سرية، وتمويلها سرّي، حتى قيادتها الفعلية سرية، وهي تسعى إلى السرية دوماً، رغم زعمها الظاهري بأنّها تريد أن تعمل في العلن، وهذا الادعاء يسقط الإجابة عن تلك التساؤلات: لماذا لم تتقدم الجماعة وتوفق أوضاعها بعد ثورة 25 يناير؟ وقد يقول قائل: ربما لأنّ القوانين لم تكن تسمح بإعادة الجماعة بهيئتها السياسية الدينية.

 

الشعب المصري والعربي بات يدرك حجم الخطر القادم مع وجود الإخوان ولم تعد تنطلي عليه تضليلاتهم

ولماذا لم توفّق الجماعة أوضاعها وهي مسيطرة على البرلمان المصري وتصدر القانون المناسب لها؟ قد يزعم بعضهم أنّ المجلس العسكري كان هو القائم بالحكم وسيرفض بالتأكيد، ولكن: لماذا لم توفّق أوضاعها وتحصل على الشرعية القانونية في ظلّ وجود رئيس من أعضائها (محمد مرسي)؟ إنّ وصول الإخوان إلى سدة الحكم أبطل حجج الجماعة بأنّ الرؤساء دائماً ضدّ الجماعة، ولا يسمحون لها بالعمل العلني، وأنّ اختيارها للعمل السري فرضته الظروف الأمنية، من ملاحقات ومتابعات.
الواقع أنّ الشرعية القانونية للجماعة زالت، وبقي تحدي الشرعية الشعبية؛ فرغم أنّ صدور قرارَي حلّ للجماعة؛ الأول أيام الملك فاروق، والثاني أيام الرئيس جمال عبد الناصر، إلا أنّ الإخوان في السبعينيات استمدوا الشرعية الشعبية من الموافقة الضمنية من القيادة السياسية، وتلك الموافقة لم تكن لتصدر لولا أنّ هناك موافقة شعبية تمتع بها الإخوان، فراهنوا عليها، وكسبوا بها ما لم يكسبوه بالشرعية القانونية والدستورية؛ ففي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؛ تحدث أعضاء الجماعة باسم الجماعة في مؤتمرات رسمية، وعلناً، رغم عدم وجود مثل هذا الكيان قانوناً، لكنّه موجود فعلياً وواقعياً، ومقبول شعبياً.

اقرأ أيضاً: لندن وحظر "حزب الله".. ماذا عن تنظيم الإخوان؟
أما الآن؛ فالأمر مختلف، الشعب المصري والعربي، بات يدرك حجم الخطر القادم مع وجود الإخوان، ولم تعد تنطلي عليه تضليلاتهم حول المظلومية والعداء والمؤامرة الكونية عليهم، وزعم أنّهم هم من يحملون نقاء الإسلام؛ بعد إدراك صحة التهم التي لاحقتهم وحاولوا إنكارها طويلاً.
لكن لا يجب أن يُترَك الشعب في معركته لسحب الشرعية من الإخوان بمفرده، دون دعم ومساندة، فما يزال على عاتق الكتّاب والمثقفين والعلماء، مهام كثيرة، لاستمرار كشف زيف دعوة الإخوان وخطورة بقائهم أو عودتهم، كما عليهم القيام بالدور الأهم في هذه المعركة؛ وهو تفكيك  الجذور الفكرية التي تعيد الإخوان للحياة مرة أخرى؛ فقد زرعوا أفكاراً وثقافة تسمح بإعادة تدويرهم في المجتمع، وذلك بإحلال مشروع ثقافي جديد، وكشف حقيقة أثر ثقافة الإسلامويين في المجتمع، وكيف قامت بتجهيل الناس وتزييف الوعي، وتحويل الأفكار والمفاهيم عن مسارها الصحيح، وتبديد الطاقة الشبابية للمجتمعات العربية.

للمشاركة:



مناوشات في جلسة مساءلة الغنوشي.. ونواب: زعيم النهضة خطر على أمن تونس القومي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

شهد البرلمان التونسي، في جلسته المنعقدة اليوم، مشادات كلامية بين نواب محسوبين على تنظيم الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وتدخلاته التي تضر في بلدهم، حول آلية إدارة جلسة مساءلة الغنوشي أمام البرلمان بشأن تحركاته الخارجية التي باتت تهدد دبلوماسية تونس.

جلسة مساءلة الغنوشي تشهد مشادات كلامية بين نواب محسوبين على الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات الغنوشي

واتهم أعضاء بالبرلمان حركة النهضة الإخوانية بالسعي لتقليص الوقت المتاح للنواب لمساءلة الغنوشي، فيما توعد برلمانيون بتقديم إثباتات تزعج الحركة، ولوح آخرون بسحب الثقة من الغنوشي، بعد استيفاء الشروط القانونية، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

وقبيل انطلاق الجلسة أكدت النائبة عبير موسي أنّها ستكشف عن تعمد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تنفيذ الأجندة الإخوانية، مؤكدة أنّ العديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة منه.

كما تعهّدت رئيسة كتلة الدستوري الحر بالكشف عن "تعمد الغنوشي تجاوز صلاحياته في السياسة الخارجية، وتمكين سياسة المحاور من التغلغل في تونس وتوريطها في زعزعة استقرار المنطقة" وفق تعبيرها.

ورغم أنّ العديد من النواب تعهّدوا بالتوقيع اليوم على عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان، بحسب موسي، إلا أنها أشارت إلى وجود "ضغوطات تُمارس على بعضهم".

عبير موسي: الغنوشي تعمد تنفيذ الأجندة الإخوانية، والعديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة

وقالت موسي إنّ "النواب أصبحوا مقتنعين بضرورة سحب الثقة من الغنوشي وبأنّ بقاءه على رأس السلطة التشريعية خطر على البرلمان وعلى المصلحة العليا للبلاد وعلى الأمن القومي التونسي".

ويمثل الغنوشي رئيس حركة النهضة الإخوانية أمام الكتل البرلمانية للإجابة عن أسئلتهم المتعلقة بأسرار علاقته بالتنظيم الدولي للإخوان وتحركاته المشبوهة في محيط الجماعات المسلحة الناشطة في ليبيا والمدعومة تركياً وقطرياً.

ويخضع الغنوشي لمساءلة كتل كل من: الدستوري الحر (18 مقعداً)، وتحيا تونس (14)، وقلب تونس (26)، والديمقراطية (40)، والإصلاح الوطني (15)، والمستقبل (10)، والكتلة الوطنية (10).

للمشاركة:

الخطوط القطرية تخوض معركة مع شركتي إيرباص وبوينج.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

تواجه شركة الخطوط القطرية أزمات كثيرة بسبب المقاطعة الخليجة التي تدخل عامها الثالث، فضلاً عن جائحة كورونا التي ألقت بظلالها السلبية عليها.

أكبر الباكر يطلب من شركتي إيرباص وبوينج بتأجيل تسلم طائرات بسبب تبعات فيروس كورونا

وبدأت الشركة الحكومية منذ الشهر الماضي بمحاولة لملمة شتات ما تبقى منها بفصل المئات من الموظفين، ظناً منها أنّها ستتجاوز الأزمة، لكن مع تزايد حالات فيروس كورونا في قطر أخذت الأزمة في التصاعد، مما سبب عدم الالتزام من قبلها مع شركات تصنيع الطيران. 

وفي هذا السياق، حذّر الرئيس التنفيذي للخطوط القطرية، أكبر الباكر، أمس، شركتي إيرباص وبوينج من رفض طلبات شركة الطيران بتأجيل تسلم طائرات في معركة على من سيتحمل وطأة أزمة فيروس كورونا، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وتجري شركة الطيران التابعة للدولة، التي عُرف عن رئيسها التنفيذي انتقاد التأجيلات من جانب شركات صناعة الطيران، محادثات مثل العديد من المنافسين لتأجيل التسليمات بسبب تداعيات الأزمة.

وقال باكر: "نتفاوض مع بوينج وإيرباص لتلبية طلبنا للتأجيل ونأمل في أن يلتزم كلا المنتجين".

وأضاف "لا تملكان بديلاً عن القبول وإذا جعلا الالتزام صعباً... لن نقوم بالعمل معهما مجدداً".

وذكر الباكر أنّه يأمل في التوصل لاتفاقات مع الشركتين، والا ستلغي شركة الطيران الطلبيات إذا لم يكن التأجيل ممكناً، مؤكداً أنّ الشركة ستبيع الطائرات الخمس التي تم تسليمها وتأمل التوصل "لاتفاق" بشأن الطائرات التي طلبتها.

وطلبت الخطوط القطرية طائرات بعشرات المليارات من الدولارات من أكبر شركتين لصناعة الطائرات في العالم.

ولكن بعد تهاوي الطلب على السفر جواً، تقول الشركة إنه لا يوجد مجال لإضافة طائرات جديدة وإنها ستقلص أسطولها المكون من نحو 200 طائرة.

وامتنعت بوينج عن التعقيب. وقالت إنّ المناقشات مع العملاء سرية.

للمشاركة:

المسماري: هذه شروط القبول بالعودة لطاولة المفاوضات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أكد الناطق باسم الجيش العربي الليبي، اللواء أحمد المسماري، أنّ قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان، وحل ميليشيات حكومة الوفاق، مشيراً إلى أنّ ما يقوم به الجيش حالياً هو محاربة الإرهاب المدعوم خارجياً.

قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان وحل ميليشيات حكومة الوفاق

وقال المسماري، في لقاء "أون لاين" مع عدد من الصحفيين المصريين أمس، إنّ هناك اقتراحاً لعقد مفاوضات من قبل الأمم المتحدة ورحب بها الجيش العربي الليبي بشروط أبرزها؛ انسحاب الأتراك والمرتزقة، وحل ميليشيات الوفاق، وعدم شمول داعش أو النصرة بوقف إطلاق النار، وفق ما نقلت صحيفة "اليوم السابع".

وأعرب عن عدم تفاؤله، قائلاً "لا أتوقع النجاح لهذه الجهود بسبب عدم التزام الوفاق بهذه الشروط، مما قد يعني أنّ الجيش الوطني الليبي سيواصل عملياته في هذه الحالة".

وأضاف أنّ ما يقوم به الجيش الليبي حالياً محاربة الإرهاب المدعوم من دول خارجية وهذا التوصيف لا تستند إليه الأمم المتحدة والغرب، ولو تبنوه لتم حل الأزمة الليبية.

وتابع "القول إنّ هذه معركة سياسة أو معركة على السلطة"، توصيف غير صحيح، مشيراً إلى أنّ العالم بدأ يقتنع بوجود تنظيم داعش في ليبيا وأنّ جماعة الإخوان التي تسيطر على حكومة الوفاق بطرابلس، تنظيم خطير يخرج من عباءتها حركات التطرف والعنف.

المسماري: العالم اقتنع بوجود داعش في ليبيا وأنّ تنظيم الإخوان يخرج من عباءته حركات التطرف والعنف

وانتقد تخاذل المجتمع الدولي إزاء تهريب تركيا السلاح والمرتزقة إلى ليبيا، قائلاً "إنّ ليبيا تعرضت لأكبر عملية تهريب أسلحة من تركيا وتشمل، مدفعيات الميدان المتطورة، والطائرات المسير والدبابات أم 60 ".

وقال المسماري، إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وجماعات مثل حراس الدين، ومما يعرف بالجيش الوطني السوري، محذراً من أنّ أردوغان يجند مرتزقة من شمال سوريا في ليبيا، ولو نجح في ليبيا سيجند شباباً من ليبيا وسوريا في دولة أخرى.

وقال: "إننا نتعامل مع التدخل التركي الذي جاء إلى ليبيا تحت الطاولة منذ عدة أعوام، ولكن الآن أصبح الوجود التركي أمام الناس علنا، لقد دمرنا كثيراً من الطائرات المسيرة التركية، وأنهينا أسطورة أردوغان التي يتباهى بها".

وحول إعلان تركيا عزمها التنقيب عن الغاز والنفط في ليبيا، قال: "إنّ تركيا ليس لديها شركات كبرى في مجال النفط والغاز، وليبيا لديها عقود للاستكشاف والتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية مع شركات دولية".

تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وحراس الدين

وأضاف أنّ هذه المشكلة ليست مشكلة ليبيا فقط، بل تتعلق بالمجتمع الدولي وخاصة الشركات المستثمرة في ليبيا مثل "إيني" الإيطالية و"توتال" والشركات الأمريكية الأربع والشركات الصينية.

وقال "إننا نرفض جميع ما وقع من اتفاقات مع تركيا من قبل السراج، ولن نرضى أن تكون ليبيا مصدر تهديد لدول جارة وسنحافظ على تعاقدتنا مع الشركات الأجنبية".

وبخصوص الحديث عن تحول في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة الليبية، قال "إنّ الموقف الأمريكي جاء بعد إعلان تركيا التنقيب عن النفط والغاز في ليبيا ولم يذهب في اتجاه السراج بل المحافظة على المصالح الأمريكية".

وعن الموقف الروسي، قال إنّ روسيا أصبحت أقوى إقليمياً خاصة عبر دورها في سوريا، وأردف قائلاً: "لا نعلم شيئاً عن تنسيق روسي تركي، وعلاقتنا بروسيا علاقة جيدة وقديمة، وهي لم تتدخل في 2011 في ليبيا، ولم تساعد الإخوان في السيطرة على ليبيا".

وقال: "نحن جاهزون دوماً لاستخدام السلاح الروسي الذي تعود عليه الجيش الليبي، وننظر للعلاقات الروسية أنّها علاقات صداقة قديمة ونرجو أن يتم رفع حظر السلاح إلى ليبيا".

وحول موقف القيادة العسكرية الليبية من فكرة إقامة قواعد أجنبية في لييبا، قال "نرفض وجود قواعد في بلادنا حتى لاتكون ليبيا طرفاً في صراع دولي".

وأضاف "أردوغان يقوم حالياً بتجهيز قاعدة الوطية العسكرية في الشمال الغربي الليبي ليستخدمها، ولكن الأمر لن يستمر لفترات طويلة، وستسمعون أنباء سارة بشأن الوطية".

وحول الموقف الجزائري والتونسي، قال إنّ الموقف الجزائري لا نستطيع أن نحدد اتجاهاته، أما الموقف التونسي فهو موقفان، فهناك موقف 70% من الشعب التونسي المؤيد لوحدة ليبيا، وهناك موقف راشد الغنوشي والإخوان وهو لايعمل لصالح تونس بل تحت راية جماعة الإخوان.

للمشاركة:



حول طلب السودان استقدام بعثة أممية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

بابكر فيصل

تقدم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان، عبد الله حمدوك، في فبراير الماضي بطلب للأمم المتحدة لإرسال بعثة لتساهم في تحقيق السلام وتعزيز التحول الديمقراطي في بلده اعتمادا على ما يقره الفصل السادس من ميثاق المنظمة الأممية.

لا شك أن الوثيقة الدستورية الحاكمة لمرحلة الانتقال في السودان قد منحت مجلس الوزراء صلاحيات تخول له الحق في طلب مثل هذه البعثة من الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة عشر في الوثيقة على أن صلاحيات المجلس تشمل: "العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام".

يعيش السودان أوضاعا متردية من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والتنموية وحتى البشرية جراء السياسات التي اتبعها النظام الإسلاموي الشمولي الذي أسقطته ثورة شعبية عارمة العام الماضي وهو الأمر الذي جعل البلد عاجزة عن تحمل تبعات ذلك الوضع دون مساندة المجتمع الدولي.

على الرغم من هذه الدوافع والخلفيات الواضحة لطلب رئيس الوزراء إلا أن قوى النظام الإسلاموي البائد شنت هجمة إعلامية منظمة لتصوير الخطوة وكأنها تدخل سافر في السيادة الوطنية واستدعاء لجيوش الاستعمار، في الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني أن نظامهم الاستبدادي هو الذي فرَّط في السيادة حينما ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور مما اضطر المجتمع الدولي لأن يضع السودان تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وإرسال بعثة لحفظ السلام في ذلك الإقليم.

من المعلوم أن الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة يعنى بمعالجة وحل النزاعات سلميا كما جاء في عنوانه الرسمي (الفصل السادس ـ في حل المنازعات حلا سلميا) ويحتوي على عدد من المواد بموجبها يحق لمجلس الأمن تقديم توصيات لأطراف النزاع وليس قرارات إلزام، وهذه التوصيات تنطبق على الصراعات بين الدول كما تنطبق على الصراعات الداخلية والحروب الأهلية.

أما الفصل السابع من الميثاق الأمم المتحدة الذي عنوانه "ما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان"، فإنه يعنى بحفظ السلام والأمن الدولي وبه من المواد ما يمنح مجلس الأمن صلاحية فرض العقوبات مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية وغيرها كليا أو جزئيا، كما أنها تجيز له أن يتخذ بطريقة القوات الجوية والبحرية والبرية ما يلزم لحفظ السلم والأمن لإعادته لنصابه، وبمعنى آخر تسمح له باستعمال القوة وتكون قراراته ملزمة وليست مجرد توصيات كما في الفصل السادس.

في مطلع العام الماضي طرأ تغيير على عمليات حفظ السلام حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعديلات في هياكل إدارة حفظ السلام سمح بتقسيمها إلى إدارتين إحداهما تسمى الإدارة السياسية وبناء السلام والأخرى تسمى إدارة عمليات السلام. وهكذا أصبحت مهام بناء السلام تشمل الإشراف على البعثات السياسية الخاصة بمنع النزاعات وبناء السلام في فترات ما بعد النزاع.

الأمر المهم في هذا الخصوص والذي يكمن فيه الرد على ادعاءات قوى النظام الإسلاموي البائد هو أن البعثات المشار إليها يتم إرسالها بناء على طلب ورغبة الدولة المعنية لتنفيذ ما تضعه تلك الدولة من خطط وبرامج وفقا لاحتياجاتها الوطنية مما يعني أن حكومة ذلك البلد هي التي تتحكم بالكامل في عمل البعثة من خلال إنشاء لجنة وطنية تكون مهمتها الإشراف على البعثة حتى تقوم بإنزال الأهداف التي تنشدها تلك الدولة لأرض الواقع.

بناء على ذلك قام السودان بتكوين "اللجنة الوطنية العليا للتعامل مع الأمم المتحدة" التي اطلعت الأسبوع الماضي على مسودة مشروع قرار المنظمة الأممية لإرسال البعثة، حيث صرح وزير الدولة في الخارجية ومقرر اللجنة، عمر قمر الدين، الأسبوع الماضي بأن لجنته قامت بإجراء "التعديلات المطلوبة على مسودة مشروع القرار الأممي ليتوافق مع خطاب حكومة السودان لطلب مساعدات فنية، تمثلت في المساعدة لدعم جهود السلام، والمساعدة على حشد الدعم للمؤتمر الاقتصادي، والمساعدة على العودة الطوعية للاجئين والنازحين، إضافة إلى المساعدة في التعداد السكاني وقيام الانتخابات العامة بنهاية الفترة الانتقالية".

وشدد قمر الدين على مبدأ السيادة الوطنية في التعامل مع المنظمة الدولية وحفظ حق البلاد الأصيل في طلب الدعم بصفته عضوا فاعلا في هيئة الأمم المتحدة موضحا أن برنامج المساعدات المطلوب "لا يتضمن أي مكون عسكري أو شرطي، وأن حفظ الأمن والسلم مسؤولية من صميم أعمال الحكومة السودانية".

من ناحية أخرى، شهد السودان خلال فترة الحكم الإسلاموي الاستبدادي دخول البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام في دارفور المعروفة اختصارا باسم "يوناميد" في عام 2007 والتي تم إنشاؤها تحت البند السابع وضمت ما يربو على 20 ألف جندي وشرطي، وما تزال هذه البعثة موجودة في البلاد، ومع ذلك لم يتجرأ الإسلامويون على الحديث عن استباحة السيادة السودانية وعودة الاستعمار، مما يوضح بجلاء أن أصواتهم التي تتعالى ضد طلب رئيس الوزراء ليست إلا مجرد مزايدة للكسب السياسي.

ورث السودان تركة ثقيلة من النظام الشمولي الذي أحكم قبضته على مقاليد الأمور لثلاثة عقود، وقد تمثلت أبرز وجوه تلك التركة في الحروب الأهلية والفساد المستشري فضلا عن التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وجميع هذه الأمور تلحق أضرارا كبيرة بعملية الانتقال والتحول الديمقراطي لذا صار من المنطقي أن تطلب الحكومة من المجتمع الدولي مساعدتها بالدعم السياسي والفني حتى تستطيع العبور بالبلاد إلى آفاق الاستقرار والحكم الديمقراطي وتحقيق شعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والتنمية.

عن "الحرة"

للمشاركة:

تلويح حزب الله بالانقلاب على الدستور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

محمد قواص

لا يستطيع حزب الله تغيير النظام السياسي في لبنان. لم تستطع قبله الوصاية السورية الثقيلة أن تفعل ذلك. ولا يملك الحزب من موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية ما يسمح له أن يحلم بالأمر. يعي الحزب وأمينه العام حسن نصر الله هذه الحقيقة، وما التهويل بالأمر إلا أدوات لها مقاصد أخرى.

بعد استقلال لبنان عام 1943 كان لا بد لدستور البلاد أن ينتظر حوال خمسة عقود قبل أن يُدخل اتفاق الطائف، المبرم عام 1989، التعديلات التي أنتجت "الجمهورية الثانية" المعمول بها حتى يومنا.

لم تكن الحرب الأهلية (1975-1990) سبب هذه التعديلات بل مناسبة لها، وليست موازين القوى المحلية اللبنانية هي التي فرضت "الطائف"، ولم يتفجر احتراب اللبنانيين أساسا بسبب خلل في دستور البلاد.

قرر العالم وليس المتحاربون إنهاء الحرب اللبنانية. تغيير النظام السياسي والدستور في بلد مثل لبنان يحتاج إلى نظام دولي وإلى انتظام بشأن تحوّل من هذا النوع. اللبنانيون أنفسهم لم يصدقوا أن تصويب الدستور وتقويما لبعض اعوجاجاته أنهيا حربا دموية كثيرة الأطراف وافرة الأبعاد متكاثرة الجبهات.

جاءت إرادات خارجية حاسمة حشرت "نواب الأمة" في مدينة الطائف السعودية، بحيث كان واضحا أن ضغوطا عربية قادتها السعودية، شاركت بها دمشق، وأخرى أميركية، شاركت بها عواصم نافذة (لا سيما فرنسا)، فرضت على الجميع نصا دستوريا خطّه مشرعون لبنانيون وقوة قهر كانت قوات دمشق واجهاتها الجلية.

لا يملك حزب الله هذه العوامل التي تسمح له أن يلمح بالعزم على تغيير "نظام الطائف" (على ما لوّح نصر الله في دعواته السابقة المترددة بالذهاب إلى مؤتمر تأسيسي)، أو الانقلاب على "صيغة 1943" (على ما طالب مؤخرا المفتي الجعفري أحمد قبلان).

لا يستطيع حزب الله أن يفرض على اللبنانيين النظام السياسي الذي يرتئيه. باستطاعة سلاحه أن يرهبهم (وفق روحية "7 أيار" الشهير) وأن يحمي منظومة السياسة والفساد التي تغطي وجوده، لكنه لا يملك أن يلعب بدستور البلاد، فذلك ليس من اختصاصه ولا قدراته، ويحتاج إلى أغطية إقليمية ودولية غير متوفرة.

لا يستطيع حزب الله التعويل على حربه في سوريا، ذلك أن مآلات النظام تمتلكها موسكو وليس طهران، وخيارات نظام دمشق المقبلة لن تتأثر بأنفاس إيران بقدر خضوعها لتسوية تبدو فيها إيران وحزبها اللبناني خاسرين.

يكفي تأمل مفاعيل وتوقيت البدء بقانون قيصر الأميركي لاستنتاج ذلك التقاطع الأميركي الروسي، وربما التركي الإسرائيلي أيضا، لإخضاع سوريا لقواعد تنفخ رياحا بعيدا عن أشرعة سفن جمهورية الولي الفقيه.

يعلم حزب الله ذلك بدقة ولا أوهام لديه في هذا الصدد. تلميحات الحزب ودعوات المفتي قبلان ليست سوى تخاطب داخلي مع الشيعة أنفسهم في السعي لتهدئة تساؤلاتهم حول الطريق الذي أخذهم الحزب، به منذ أن بات دم أبنائهم وقودا للصلاة في القدس، من خلال حروب في سوريا وبلدان أخرى في المنطقة يتقرر إطلاقها في طهران ولمصالح طهران.

تسعى الشيعية السياسية بقيادة حزب الله -بعد أن باتت تجارة تحرير فلسطين تعاني ركوداً لدى الطائفة- إلى إقناع الشيعة بتجارة أخرى توسّع من حصتهم في النظام السياسي اللبناني.

جرى الحديث سابقا، وعلى نحو غير مباشر، عن "المثالثة" بديلاً عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين (التي يفرضها دستور الطائف) على نحو يمنح الشيعة حصصا إضافية تقتطع من الحصص التي أوحى بها ميثاق الاستقلال بين بشارة الخوري (الماروني) ورياض الصلح (السني) على ما باحت كلمات المفتي قبلان به في هذا الشأن.

ولئن تأتي ردود فعل لبنانية رافضة لـ "التأسيسي" والانقلاب على الميثاق والدستور، إلا أن تلك الردود كلاسيكية في معارضتها لحزب الله، لكنها غير قلقة من قدرة الحزب على المسّ بدستور البلاد.

يعرف الشيعة أنفسهم أن "الشيعية السياسية" استولت على "الطائف" منذ بداية التسعينيات. بات نظام البلاد حينها طيّعا بيد حركة أمل بحكم الاستقواء بوصاية دمشق، ثم طيعا بيد حزب الله بحكم الاستقواء بـ "فائض السلاح"، وأن أي حرمان تعانيه الطائفة مصدره القيمين عليها وما يسميه الشيعة أنفسهم "قوى الأمر الواقع". ويعرف الشيعة أيضا أن وعدهم بدستور "منصف" لن يغير شيئا من واقعهم، أولاً لأن الدولة غائبة بسبب هيمنة الدويلة، وثانياً لأن أي تعديل في معادلة تقاسم السلطة والثروة في البلاد يوسع من نفوذ "الأمر الواقع" ولا يبدل شيئا من أمرهم وواقعهم.
يعاني حزب الله قلقا شديدا من هذا القادم المجهول وهو يلمس التبدل الداهم في العراق. استباقا، سيسعى الحزب كل يوم لتقوية عصب شيعي حوله، تارة بتخويفه من الآخر (غير الشيعي) وتارة بإغرائه بزمن شيعي واعد في لبنان.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

العراق يطلق عملية واسعة لملاحقة "داعش" في كركوك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أشرف رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، أمس (الثلاثاء)، على إطلاق أوسع حملة عسكرية ضد تنظيم «داعش» منذ توليه منصبه في 6 مايو (أيار) الماضي. وتهدف الحملة التي تحمل اسم «أبطال العراق - نصر السيادة» وتدعمها طائرات التحالف الدولي، إلى ملاحقة خلايا «داعش» في محافظة كركوك والحدود الفاصلة بين هذه المحافظة ومحافظة صلاح الدين المجاورة.
وأطلق الكاظمي العملية خلال زيارة قام بها إلى مقر القيادة المتقدم في كركوك. وأفاد مكتبه في بيان بأنه «أكد أنه في هذه الظروف الصعبة والتحديات العديدة التي يمر بها البلد، فإن أبطالنا من القوات المسلحة بكافة صنوفها تتحدى العدو وتقوم بدور بطولي لتجفيف منابع الإرهاب». وأضاف البيان أن الكاظمي أطلق تسمية «أبطال العراق ـ نصر السيادة» على العمليات التي انطلقت أمس. وأوضح أن عملية «أبطال العراق» تهدف إلى «تعزيز الأمن والاستقرار وتجفيف منابع الإرهاب وملاحقة بقايا فلول (داعش) الإرهابي في مناطق جنوب غربي كركوك والحدود الفاصلة بين محافظتي صلاح الدين وكركوك».
وأعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي مشاركة التحالف الدولي في عمليات «تدمير أوكار وأنفاق لـ(داعش)» في مناطق مختلفة بالتزامن مع هذه العملية. وقال الجهاز في بيان له إن «تشكيلات جهاز مكافحة الإرهاب، المتمثلة بقيادتي العمليات الخاصة الأولى والثانية، شرعت، بالتزامن مع انطلاق عمليات (أبطال العراق ـ نصر السيادة)، بواجبات تفتيش شملت مناطق قضاء وصحراء الحضر - منطقة جُرف النصر - مناطق جنوب وجنوب غربي بغداد) بإسناد طيران الجيش العراقي وطيران التحالف الدولي». وأضاف أن «تشكيلات الجهاز تمكنت من تدمير كهوف وأنفاق وأوكار وقتل ما بداخلها من الإرهابيين».
كذلك أعلن الناطق الإعلامي باسم القائد العام للقوات المسلحة العميد يحيى رسول أن طيران الجيش والقوة الجوية لهما دور كبير في عمليات (أبطال العراق)». وأضاف رسول في تصريح للوكالة الرسمية للأنباء في العراق أن «صقور القوة الجوية العراقية باشرت مِن ساعات الصباح الأولى بإسناد محاور عمليات (أبطال العراق - المرحلة الثانية) من خلال طائراتهم التي تعزف نشيد النصر في سماء الوطن»، على حد وصفه. وتهدف هذه العملية إلى تفتيش مناطق جنوب غربي كركوك في الحدود الفاصلة مع محافظتي صلاح الدين وكركوك، بمساحة تتجاوز 738 كيلومتراً مربعاً.
وقال الناطق باسم التحالف الدولي، الكولونيل مايلز كاغينز، في تغريدة على «تويتر» أمس، إن «الكل يعمل معاً من أجل تحقيق هزيمة (داعش)، حيث تتضافر جهود أبطال القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها مدعومة من صقور القوة الجوية العراقية في ملاحقة فلول (داعش) ضمن عملية (أبطال العراق - المرحلة الثانية)، بينما يواصل التحالف تقديم الدعم الجوي من خلال الغارات الدقيقة».
وفي هذا السياق، يقول الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «مناطق جنوب شرقي كركوك تمثل الحلقة الأكثر تشدداً في العراق؛ لأن التنظيم برمته يكاد يكون في تلك المناطق، بدءاً من تدريس الشريعة إلى وجود مضافات كبيرة جداً، وهي مناطق تتخللها وديان بين محافظتي كركوك وصلاح الدين»، مبيّناً أن «هناك تواصلاً بين ولاية صلاح الدين وولاية دجلة (لدى داعش)، وهذه مناطق خطرة جداً وتُعدّ فعلاً ملاذات آمنة» للتنظيم. وأوضح أبو رغيف أن «عبد الله كركوك، أمير التنظيم الجديد، يعدّ كركوك مثل لقمة الأسد، لأنها تحدها محافظات ساخنة مثل غرب نينوى وصلاح الدين وصحراء تكريت وديالى وصحراء حديثة، وهي مناطق تشجع التنظيم على أن يتعامل مع كركوك بوصفها منطقة ذات مكانة وموقع خاص بالنسبة له، كما أن التنظيم يستفيد كثيراً من الخلافات السياسية في كركوك بين مكوناتها وكتلها وأحزابها».
أما الباحث الأمني هشام الهاشمي فأشار على «تويتر» إلى انطلاق «عمليات عسكرية عراقية لملاحقة فلول (داعش) في جبهات متعددة، بوقت واحد؛ في شمال شرقي ديالى وجنوب غربي كركوك وشرق صلاح الدين وغرب الثرثار وشمال بابل»، مضيفاً أن هذه العمليات تشارك فيها «الوحدات التقليدية للقوات الأمنية و(الحشد العشائري) و(الحشد الشعبي)».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية