واشنطن لن تدعَ الدول الكبرى تحمي سفنها في منطقة الخليج.. ما الأسباب؟

مع التوتر الإيراني-الأمريكي تظل هناك تساؤلات كثيرة مُعلّقة، ولا إجابات شافية لها حتى اللحظة، ومن ذلك: هل فعلاً أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تعُدْ معنيّة، كالسابق، بأمن وحماية مضيق هرمز؛ لأن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم، وثورة النفط الصخري لديها تجعلها في غنى عن نفط الخليج؟ وهل فعلاً تريد إدارة ترامب من الصين وروسيا وغيرهما المجيء عسكرياً إلى هذه المنطقة الحيوية لحماية الممرات النفطية، بدلاً من الأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في مملكة البحرين؟

اقرأ أيضاً: ما هي الأطراف المحتملة وراء "حادث السفن" قبالة الفجيرة؟
للإجابة عن مثل هذه التساؤلات، كتب الخبير النفطي، أنس الحجي، تحليلاً في صحيفة "إندبندنت عربية" قال فيه إنّ كلام الرئيس ترامب يقفز عن كثير من المعطيات المهمة، التي تعيها الدولة العميقة في الولايات المتحدة، وهي، برأيه، ستحول دون الأخذ بكلام ترامب، وهذه المعطيات، وفقاً للخبير الحجي، هي:

الاستقرار السياسي في المنطقة وضمان إمدادات النفط للعالم يعني نمو الاقتصاد العالمي وبالتالي استمرار الاقتصاد الأمريكي بالنمو

أولاً، على مر التاريخ، حاولت الدول القوية السيطرة على خطوط التجارة الدولية، بما في ذلك البحرية، وقامت بحمايتها على حسابها، فإذا كان ترامب لا يريد أن يدفع تكاليف ذلك، فإنّ تخلّيه عن الخليج لروسيا أو الصين سيكون خطأ تاريخياً.
ثانياً، من يسيطر في الخليج يسيطر على تدفق إمدادات النفط للدول المنافسة، وهناك المئات من البحوث والمقالات والمحاضرات من كبار الساسة وصناع القرار والمفكرين الأمريكيين الذين ركزوا على ضرورة السيطرة الأمريكية على المضائق المائية في العالم لحماية المصالح الأمريكية من جهة، والتحكم بالدول الأخرى من جهة ثانية، خصوصاً الصين.

مع التوتر الإيراني-الأمريكي تظل هناك تساؤلات كثيرة مُعلّقة
ثالثاً، الاستقرار السياسي في المنطقة وضمان إمدادات النفط للعالم يعني نمو الاقتصاد العالمي، وبالتالي استمرار الاقتصاد الأمريكي بالنمو. وإن آخر شيء يريده ترامب هو انفجار المنطقة بصراعات مختلفة وارتفاع أسعار النفط بشكل يدمر الاقتصاد العالمي، ويؤدي إلى كساد في الولايات المتحدة قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة، التي ستقلل من فرص نجاحه لفترة ثانية، وهو الذي كان يقلق من ارتفاع بسيط في أسعار البنزين ويطالب دول "أوبك" بزيادة إنتاج النفط.

اقرأ أيضاً: 5 معانٍ يتضمنها تمديد خفض إنتاج النفط.. ما هي؟
رابعاً،
إنّ كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم لا يحميها من ارتفاع كبير في أسعار النفط؛ نتيجة أي قلاقل سياسية في منطقة الخليج، أو أي منطقة نفطية في العالم.

الولايات المتحدة بأمسّ الحاجة الآن إلى نفط السعودية والإمارات والكويت والعراق من السابق بسبب العقوبات على فنزويلا وإيران

وهناك أدلة تاريخية عديدة تشير إلى أنّ ارتفاعاً عالمياً في أسعار النفط قد يؤدي إلى تصدير النفط الأمريكي لبيعه في الأسواق العالمية بسعر أعلى، الأمر الذي يعني أنّ الولايات المتحدة قد تعاني أزمة نفطية خانقة، على الرغم من أنّها أكبر منتج للنفط في العالم. ونظرة سريعة إلى التاريخ الأمريكي توضح أنّه لا يمكن استبعاد إصدار قرار رئاسي يمنع تصدير النفط الأمريكي مرة أخرى لتجنب أي نقص في الإمدادات داخل الولايات المتحدة.
خامساً، صحيح أنّ الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، وتصدّر أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً من النفط الخام، ولكنها ما تزال تستورد نحو سبعة ملايين برميل يومياً، والسبب هو النوعية، وليس الكمية. فالنفط الصخري خفيف وحلو، ولكن عدداً من المصافي الأمريكية تحتاج النفط الأثقل والأكثر حموضة من الخليج. والحقيقة أنّ الولايات المتحدة بأمسّ الحاجة الآن إلى نفط السعودية والإمارات والكويت والعراق من السابق بسبب العقوبات على فنزويلا وإيران، وعدم وجود أنابيب كافية لنقل النفط الكندي إلى الولايات المتحدة.

 الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم
واستطراداً لكلام الخبير الحجي يمكن القول إنّه في حين اتفقت الولايات المتحدة والصين في أحدث قمة لزعماء مجموعة العشرين الشهر الماضي على استئناف المحادثات التجارية، فإنّ انكماش أنشطة المصانع في معظم أنحاء أوروبا وآسيا في حزيران (يونيو) الماضي وتباطؤ نشاط الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة يضغط على أسعار النفط، كما ذكر تحليل لـ"رويترز". ويقول الباحث الاقتصادي وائل مهدي في مقال في صحيفة "الشرق الأوسط" إنّ السوق النفطية تهتم بشيئين: الأول هو الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وكل ما يفعله أو يغرد به الرئيس الأمريكي، والأمر الآخر هو إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري، أو حجم المخزونات التجارية الأمريكية. وفي الحقيقة، ما يقلق هو وضع الولايات المتحدة، حيث الطلب يتراجع والمعروض يزيد... وهو ما سيؤثر على باقي أسواق العالم.

اقرأ أيضاً: القطاع النفطي الإيراني يتراجع.. هذا هو موقف أوروبا؟
سادساً،
ترامب تحدث عن تكلفة حماية الخليج، وأنّها تكلفة من دون منفعة؛ لأن الدول الأخرى هي التي تستفيد من نفط دول الخليج، وهذا المنطق غير صحيح؛ لأن التكاليف يجب أن تقارن بما ستخسره الولايات المتحدة من مغادرة المنطقة وتركها للآخرين، وهذا أمر اتفق عليه الساسة والمفكرون الأمريكيون منذ عقود... الخسائر من الانسحاب أكبر بكثير من تكلفة البقاء.

الخسائر من الانسحاب أكبر بكثير من تكلفة البقاء
سابعاً، بإمكان دول الخليج زيادة النفط بشكل كبير، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار أسواق النفط، والذي سينتج منه انخفاض إنتاج النفط الأميركي بأكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً، وستنتج من هذا زيادة اعتماد الولايات المتحدة على واردات النفط من الخليج. والمثير هنا أنّه إذا تركت الولايات المتحدة الخليج، ثم عادت إليه، ستجد أنّ منافسيها يتحكمون في إمدادات النفط إليها.

النفط الصخري خفيف وحلو ولكن عدداً من المصافي الأمريكية تحتاج النفط الأثقل والأكثر حموضة من الخليج

ثامناً، لا يمكن لأي قيادي عسكري أو مخطط إستراتيجي أن يقبل بما قاله ترامب لجهة أن تحمي كل دولة ناقلاتها في الخليج لتخفيف التكاليف الأمريكية؛ لأن وجود سفن حربية كثيرة في المنطقة سيؤدي إلى مشاكل لا يعرف أحد عقباها، كما أنّ مسألة التنسيق بينها في منطقة بحرية صغيرة مثل مضيق هرمز أمر أقرب إلى المستحيل.
تاسعاً، إنّ لائحة المستفيدين من الانسحاب الأمريكي من حماية مضيق هرمز (إيران، وداعش، والقاعدة، وروسيا، والصين)، وهو ما لا يقبله قادة الجيش الأمريكي والاستخبارات الأمريكية، ما يعني أنّ الولايات المتحدة لن تتخلى عن حماية منطقة الخليج ومنطقة هرمز، ولن تدع الدول الأخرى تحمي سفنها في المنطقة.

الأقسام: