هل كشف العدوان التركي وطنية الإخوان الزائفة؟

7126
عدد القراءات

2019-10-19

فتح الهجوم التركي الأخير مدعوماً بفصائل مسلحة من المعارضة السورية الموالية لتركيا، تحت مسمى "الجيش الوطني"، على منطقة الجزيرة في شرق الفرات السورية، والذي انطلق تحت مسمى عملية " نبع السلام" في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، نقاشاً حاداً بين السوريين، فيما يخص الهوية الوطنية، والتبعية السياسية للحليف الأجنبي، ومصير أكراد سورية؛ خاصة مع نزوح الآلاف من الأكراد.

سارع الائتلاف السوري المعارض قبل بدء العملية بيوم إلى إعلان موقفه المؤيد لها

بالتزامن مع العملية العسكرية، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين موالٍ ومعارضٍ لها، الموالون إما هم من "محبي أردوغان" ويرون فيه القائد العسكري "السنّي"، الذي سيبني من جديد الخلافة الإسلامية، وجزء آخر يرى فيه حليفاً للمعارضة السورية، ومنهم مازال يرى بتركيا حليفاً لـ "الثورة السورية"، وكل من الفريقين اعتادوا تأييد أردوغان، وحملاته العسكرية على مناطق كردية، وتشريد أهلها، كما حصل سابقاً في عملية غصن الزيتون، ودرع الفرات.
ورغم تأييد بعض السوريين، من مؤيدي الثورة السورية، للعدوان التركي، إلا أنّ هذا لا يدخل في نطاق التعميم؛ إذ ظهرت أصوات كثيرة سورية، من عرب و"سنّة" نددت بالعملية الأخيرة. وأثبت السجال الأخير أنّ الكثير من السوريين، باتوا أكثر وعياً، للاستقطابات السياسية، التي تؤطرهم حسب انتمائهم الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا

فتح الهجوم التركي الأخير نقاشاً حاداً بين السوريين فيما يخص الهوية الوطنية والتبعية للحليف الأجنبي
حول ما تنتجه الاستقطابات السورية الحالية من سجال سوريّ حادّ يقول المحامي والباحث السوري فراس الحاج يحيى: أنا ضد خطاب الكراهية المتبادل من الطرفين، وضد كل شخص يحرض على هذا الخطاب، حتى لو كان مؤيداً للثورة السورية". ويتابع في حديثه لـ "حفريات": بالمقابل أنا أيضاً ضد اتهام البعض من إخوتنا الأكراد، أن أي شخص ينتمي للطائفة السنّية، هو داعشي بالضرورة، كما قرأنا على بعض صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه مشكلة كبيرة. كما نرى البعض في الطرف الآخر، المؤيد للعملية، يعتبر كل شخص كردي هو شخص انفصالي".

بيان الإخوان لم يختلف كثيراً عن بياناتهم السابقة المؤيدة لتركيا وتعبيرها عن تبعية مطلقة لتركيا

وأضاف الحاج يحيى "هذا الاستقطاب لخطاب الكراهية، يتحمل مسؤوليته القادة السياسيون من الطرفين، كما يتحمل المثقفون جزءاً من هذه المسؤولية، واعتبر أنّ مسؤوليتنا تجاه خطاب الكراهية، هي مسؤولية تاريخية، تجاه وطننا؛ هذا الانقسام الذي كان سابقاً بين نظام ومعارضة، رأيناه بعدة أشكال مختلفة، واليوم نرى أن الشرخ يزداد بين الأكراد، الذين أعتبرهم مكوناً مهماً من مكونات الشعب السوري، وباقي السوريين".
ويرى الحاج يحيى أنّ "غياب الحامل الوطني، وغياب الهوية الوطنية الجامعة، وهي مواضيع أساسية، لم يجرِ العمل عليها، من المثقفين السوريين، سواء خارج سوريا أم داخلها، وسواء من الموالين للنظام، أو من المعارضين، ولا نعرف إلى متى ستستمر حالة الانقسام هذه، وحالة التشظي الفكري، والانقسام الاجتماعي، والفكري والعقائدي، حتى أنّنا وصلنا لحالة انقسام أخرى؛ وهي التبعية للدول التي يقطن بها سوريون، أو للحلفاء الذين نرى أنّ لكل حليف منهم، أتباعاً سوريين، سواء من حلفاء النظام، أو من حلفاء المعارضة، وسواء من كيانات سياسية أو منظمات مجتمع مدني، أو حتى منصات إعلامية".

اقرأ أيضاً: هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟
ويتابع الحاج يحيى: "المسؤولية تقع على الجميع، وما يمكننا أن نعمل عليه، هو وضع كل جهودنا للحفاظ على الهوية السورية. لا أدري لو كانت كلمة "الهوية السورية" كلمة صحيحة، أو خاطئة؟ لكن باعتقادي أنّه ليس مطلوباً من السوريين، سوى أن يكونوا سوريين، وأن يكونوا وطنيين، وأن تكون مصلحة الوطن وانتماؤنا له هي من أهم أولوياتنا، وعلى هذا الأساس ستكون انطلاقتنا من المصلحة الوطنية. الوضع شائك صراحة، والكلام حوله شائك أيضاً. كل يوم يحصل تغيير على الساحة السورية، ويجب علينا أن نعترف فيها أننا اليوم عبارة عن أحجار على رقعة الشطرنج الدولية".
"الائتلاف" والإخوان.. مواقف متوقعة
أما على صعيد المواقف من العملية العسكرية التركية، سياسياً، فسارع الائتلاف السوري المعارض، قبل بدء العملية بيوم، إلى إعلان موقفه المؤيد لها، من خلال بيان رسمي، نشره على الموقع الرسمي للائتلاف، وذلك بتاريخ 8 تشرين الأول (أكتوبر)، والذي جاء فيه: "يؤكد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية التزامه بمحاربة الإرهاب بأشكاله كافة، والعمل مع شركائه في تركيا والتحالف لدحر التنظيمات الإرهابية وإعادة الأراضي والمدن التي تحتلها إلى سيادة الشعب السوري، ويتابع الائتلاف باهتمام بالغ التطورات في شمال شرق سورية".

اقرأ أيضاً: كارثة صنعها الجميع في سوريا
وأضاف البيان :"وقد شارك الائتلاف الوطني على مدى أشهر في الجهد الواسع الذي بُذل لإقامة منطقة آمنة في شمال سورية، وتوفير الظروف التي تتيح العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، وأمِلَ الائتلاف خلالها أن تنجح المساعي في إيجاد حلٍّ يُنهي سلطة الأمر الواقع المتمثلة بال PYD وتنظيمات الإرهاب العابر للحدود التي اتخذت من تلك المناطق ملاذاً لنشر الفوضى والعنف والإرهاب".

بالتزامن مع العملية العسكرية اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ما بين موالٍ ومعارضٍ لها
كما جاء بيان الإخوان المسلمين السوريين، بعد ثلاثة أيام من بدء العدوان التركي، الذي أكد تأييده للعملية العسكرية التركية، وذلك بتاريخ 11 تشرين الأول (أكتوبر). بيان الإخوان لم يختلف كثيراً عن بياناتهم السابقة المؤيدة لتركيا (حزب العدالة والتنمية)؛ وتعبيرها عن تبعية مطلقة لتركيا؛ بل أصرَّ البيان، بشكل غير مفهوم، على ربط عملية "نبع السلام" بأهداف "الثورة السورية"؛ إذ جاءت افتتاحيته على الشكل الآتي: "تمر الثورة السورية اليوم بمنعطف تاريخي ومفصلي في سيرها نحو تحقيق أهدافها في إسقاط نظام الأسد ومواجهة مشاريع الإرهاب والتطرف والانفصال، وذلك بإطلاق عملية #نبع_السلام في منطقة #شرق_الفرات، والذي يتشارك فيها الجيش الوطني السوري مع الجيش التركي".
وأضاف البيان "لقد تقاطعت مصلحة الثورة السورية والأشقاء في #تركيا في محاربة إرهاب (PYD-YPG - PKK) واستعادة الأرض السورية والحفاظ على وحدتها، فكانت عملية (نبع السلام)، وشرق الفرات مثل غربه مثل كل سوريا، لا بد أن تصبح حرة بإذن الله".

الشامي: الإخوان اعتادوا انتقاء تبريرات لداعمهم التركي فهذا من أسهل المهمات فيما يخص الوضع السوري

لكن ما لا يتطرق الإخوان له؛ لماذا لم تتقاطع مصلحة الثورة السورية، و"الأشقاء في تركيا"، في مواقف سابقة مشابهة كما عندما بدأ هجوم روسيا والنظام السوري على إدلب في الشمال السوري؟ في ذلك الوقت كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يأكل الآيس الكريم بصحبة فلاديمير بوتين في روسيا، عندما كان النظام يحتفل باستعادته لمدينة خان شيخون!
وحول بيان الإخوان الأخير قال الكاتب والصحفي السوري عبد الله الشامي (اسم مستعار): "من حيث الموقف، سواء قرأتَ بيان الإخوان المسلمين المؤيد لعملية "نبع السلام" أو لم تقرأه، سواء سمعتَ عنه في نشرة أخبار أو برنامج حواري سياسي أو لم تسمع، فأنتَ لا تحتاج الكثير من الجهد ومهارات التنبؤ، حتى توقن بما يتضمنه بيانهم من محتوى وموقف. والسبب أنّ الإخوان ليس عندهم أية إمكانية لاتخاذ موقف مغاير لما يمليه عليهم الجانب التركي، وأقصد هنا بالطبع "حزب العدالة والتنمية"، هم مجرد صدى صوت للتركي لا أكثر ولا أقل، فإنّ قرر الأتراك التوغل في الأراضي السورية، ستجد الإخوان مصفقين وداعمين له من باب التبعية المحضة، بصرف النظر عن حجم هذا التوغل والجهة التي يستهدفها، وعن مصير المدنيين في تلك المناطق أو تعميق الشرخ القومي أو الديني أو المذهبي".

اقرأ أيضاً: التضامن العربي مع سوريا خطوة واعدة
وأضاف الشامي في حديثه لـ "حفريات" أنّ "كل ما يبقى على الإخوان هو انتقاء تبريرات لداعمهم، وهذه المهمة تعتبر من أسهل المهمات فيما يخص الوضع السوري، بالإضافة إلى تقديم الدعم والتسهيلات لتحقيق الأهداف والمصالح التركية التي ينهل منها الإخوان مصالحهم. إذن هي علاقة التابع بالمتبوع، وهي علاقة لا تحمل أية صفة ندّية، بناءً عليه وبشكل بديهي يتم ليّ ذراع مفهوم "المصلحة الوطنية" في كثير من الأحيان من أجل "مصلحة وطنية" أخرى ليست سورية، وهو ما يحدث الآن".

أما المحامي والباحث فراس الحاج يحيى فعلّق على بيان الإخوان المسلمين بقوله: لنكن واضحين وصريحين، لا يمكن لأي شخص يدّعي أنه شخص وطني، أن يقبل بدخول أي قوات أجنبية إلى أرضه، هذا مبدأ عام، ولا أعتقد أنّ هناك مجالاً للأخذ والردّ فيه، واعتبر هذا المبدأ من البديهيات، وللأسف الحالة السورية لا يمكن تطبيق البديهات عليها؛ لأنني أعتقد أنها حالة استثنائية، وهذا ليس تبريراً لأي طرف، أنا أتكلم عن جميع الأطراف السورية الموجودة سياسياً وعسكرياً. ومثلما تحدثت سابقاً، هناك منظمات المجتمع المدني، وحتى الإغاثية منها، تتبع للدول التي تمولها، والتي تدعمها سياسياً ومالياً وعسكرياً، هي المتحكمة في قرارها، بالتالي الجميع متساوٍ.

أثبت السجال الأخير أنّ الكثير من السوريين باتوا أكثر وعياً للاستقطابات السياسية

وتابع الحاج يحيى حديثه لـ "حفريات": "نحن نتحدث عن فصائل مدعومة من تركيا، مقابل النظام السوري المدعوم سياسياً وعسكرياً من قبل روسيا وإيران، كما أنّ قوات سوريا الديمقراطية مدعومة من أمريكا، وبعد تخلي الأخيرة عنها، تحالفت مع النظام السوري وروسيا. حالة التبعية هذه، وغياب الهوية الوطنية الجامعة، وغياب المشروع الوطني، والرؤية الوطنية لدى كل هذه الأطراف المتصارعة في سورية، تجعل الجميع يتساوون في التبعية، والجميع مشترك ومتواطئ في هذه الجريمة التي ترتكب بحق الوطن السوري، وبدرجات متساوية".
ويرى الحاج يحيى أنّ "قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فضلت أن تكون تابعة للنظام، بعد أن كانت تابعة لقوى التحالف الدولي، مع أمريكا وعدة دول أخرى، وكانت تحصل منها على الدعم والتمويل. للأسف، الطرفان السوريان؛ فصائل المعارضة وقوات "قسد"  لم يفضّلا أن يلتقيا على طاولة حوار واحدة قبل البدء في هذه العملية، والاتفاق على نقاط معينة، لمصلحة سوريا – الوطن.
ويختم الحاج يحيى كلامه بقوله: "لكن للأسف كل طرف رأى مصلحته في التحالف مع طرف ضمن التحالفات الموجودة، لذلك أرى أنّ الطرفين متساويان في ممارسة الانتهاكات بحق الشعب السوري. واليوم لا يمكن تبرير الدخول التركي إلى سوريا، ولا يمكن التبرير لـ "قسد" أن تعود لحضن النظام بهذه السرعة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أين اختفى مجاهدو حسن البنا الـ10 آلاف فداء لفلسطين؟

2019-11-13

للقضية الفلسطينية مكانة متميزة في الوجدان العربي والإسلامي، وظلّت نكبة ضياع فلسطين جرحاً لا يندمل، والجماهير العربية لم تتسامح مع كلّ من اتّهم، مجرد اتّهام، بأنّه ساهم في ضياعها، ووصمته بالخيانة والعار، وكلّ من زعم، مجرد الزعم، أنّه قاوم المحتل الصهيوني وهبته المجد.
من هنا حرص الإخوان المسلمون على ترويج حملهم هَمَّ القضية على عاتقهم، حتى صدّقوا أنفسهم وصدّقهم قطاع كبير من الجماهير العربية، وتمادوا حتى نفوا عن باقي الحركات والفصائل دورها ونضالها، وقدموا أنفسهم وكأنّهم النصير الوحيد للقضية الفلسطينية.

نفى الإخوان عن باقي الحركات والفصائل دورها ونضالها وقدموا أنفسهم وكأنهم النصير الوحيد للقضية الفلسطينية

ويصل الأمر مداه عندما يقول محمود عبد الحليم، في كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"، ص 89: "ثمّ رأيت مفتي فلسطين، السيد أمين الحسيني، ومعه مساعده صبري عابدين، وحولهما مجموعة من قادة فلسطين، رأيتهم يحضرون إلى المركز العام في الناصرية، ذلك المكان المتواضع، واستنتجت من زيارتهم لهذا المركز المتواضع المجهول وسط أحشاء القاهرة، أنّه لا نصير لهم في القاهرة إلا هذه العصبة التي تأوي إلى هذا المركز العام، وقد تبيّن لي فيما بعد أن استنتاجي صحيح".

اقرأ أيضاً: خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية
هكذا، مرة واحدة شطب الإخوان المسلمون كلّ جهاد ومساندة الشعب المصري، حكومة وشعباً، وأحزاباً وجمعيات، ليظلوا هم فقط أصحاب القضية الفلسطينية لا ينازعهم فيها أحد، وبالفعل تمكّنت الدعاية الإخوانية المكثفة من توجيه الوعي والعقل الجمعي العربي والإسلامي، فأصبح كثير يؤمنون بأنّ الإخوان خاضوا معارك ضارية في حرب 48 شيّبت الإسرائيليين، وأنّ قرار حلّ الجماعة جاء كردّ فعل على جاهزية الإخوان وقدرتهم القتالية في فلسطين، وكلّ هذا غير دقيق، فعبر البحث والتنقيب في كتب الإخوان، تظهر للمتتبع حقائق مذهلة تغيّر الصورة وتقلبها رأساً على عقب.

كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"

ففي 15 كانون الأول (ديسمبر) 1947، قامت في مصر مظاهرة كبرى لتأييد الفلسطينيين ضدّ قرار التقسيم، شارك فيها كثير من القادة العرب، وخطب حسن البنا في الجماهير العربية والمصرية قائلاً: "لبيكِ فلسطين.. دماؤنا فداء فلسطين وأرواحنا للعروبة، يا زعماء العرب، يا قادة الأمة العربية؛ إنّني أنادي الأمم المجاهدة، الحجاز وسوريا والعراق وشرق الأردن ولبنان وأبناء الوادي النيل، وكلّ عربي يجري في عروقه دم العروبة الحرّ، أيّها الزعماء؛ أنتم القادة وهؤلاء الجنود، وقد وقفوا دماءهم لدفاعكم المقدس، هؤلاء الشباب ليسوا هازلين، لكنّهم جادّون، عاهدوا الله والوطن على أن يموتوا من أجله، إن كان ينقصنا اليوم السلاح، فسنستخلصه من أعدائنا، ونقذف بهم في عرض البحر، لقد تألّبت الدنيا أن تسلبنا حقّنا، وقد عاهدنا الله أن نموت كراماً أو نعيش كراماً، وإنني أعلن من فوق هذا المنبر أنّ الإخوان المسلمين قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في سبيل فلسطين، وهم على أتمّ استعداد لتلبية ندائكم"(1).

انتظر الجميع عبثاً أن يتدفق جنود الإخوان المسلمين العشرة آلاف ويقتحموا الحدود لنصرة الأهل في فلسطين

بعد أقلّ من أسبوعين، وتحديداً في 1 كانون الثاني (يناير) 1948، هاجمت عناصر (الهاجاناه) إحدى القرى العربية في حيفا، وقتلت 111 مواطناً عربياً، وفي الرابع من كانون الثاني (يناير) 1948؛ ألقت جماعة (شتيرون) قنبلة على ساحة مزدحمة بالناس في يافا، وقتلت 15 شخصاً، وأصابت 98 شخصاً بجروح خطيرة، ثمّ في 5 كانون الثاني (يناير) نسفت عصابات الصهيونية فندق سميراميس في القدس، وقتلت 20 من نزلائه من العرب، وانتظر الجميع أن تتدفق جنود الإخوان المسلمين العشرة آلاف، وتقتحم الحدود لنصرة الأهل في فلسطين.
للأسف، خيّب الإخوان ظنّ الناس بهم، ولم يقوموا بأيّ ردّ على هذا الهجوم، لا بالعشرة آلاف جندي ولا بألف، ولا حتى بطلقة في الهواء، تعلّل الإخوان بأنّ تأخّرهم في الردّ على العصابات الصهيونية، يعود لأنّ الجامعة العربية أقرّت، في اجتماعها يوم 12 نيسان (أبريل) 1948؛ أنّ إرسال الجيوش العربية إلى فلسطين سيتمّ بعد انسحاب بريطانيا، المزمع في 15 أيار (مايو)، وهذا عذر أقبح من ذنب، فإذا كانت الجيوش العربية تتبع حكومات مرتبطة بمعاهدات مع بريطانيا، لم يسعها إلا الالتزام بموعد الانسحاب، كان يمكن للإخوان التسلل والقيام بواجبهم المقدس في فلسطين لكنّهم لم يفعلوا، الغريب أنّ الإخوان كثّفوا جهودهم للردّ على العصابات الصهيونية بعدها بأسابيع، ولكن ليس في فلسطين؛ بل في دولة أخرى، فماذا فعلوا إذاً؟

اقرأ أيضاً: الإخوان من الداخل.. ما دور النظام الخاص في توجهات الجماعة؟

كانت الجماعات الصهيونية تسعى دائماً لترحيل اليهود العرب إلى فلسطين، لزيادة عدد اليهود مقابل العرب المسلمين، وفي اليمن عاشت طائفة يهودية كبيرة قدرت بقرابة 55 ألف يهودي، بحسب تعداد (زيماخ)(2)، وهم في حالة مادية بائسة كسائر اليمنيين، ووقف الإمام يحيى حميد الدين ضدّ هجرة اليهود اليمنيين إلى فلسطين، فما كان من الإخوان المسلمين إلا أن قاموا باغتياله، في شباط (فبراير) 1948! تحت مزاعم الثورة على مظالمه، في حركة غير مبرّرة ومجهولة الهدف!

 

ألم يكن من الأَوْلى التركيز على القضية الفلسطينية، بدلاً من تشتيت قوى الجماعة في ثورة لا طائل من ورائها، ولم تستفد منها إلا إسرائيل فحسب! فقد زال من يقف عقبة أمام هجرة اليهود، وجاء من سمح لهم بالهجرة، والمثير أنّ كلّ هذا تمّ بأيدي الإخوان.
ظلّ الرأي العام المصري والعربي ملتهباً يطالب الجيوش باقتحام الحدود وتأديب العصابات الصهيونية، ينتظر النصر والمجد الإسلامي الذي وعدهم به حسن البنا، عبر مئات الخطب، له ولأتباعه، عن فلسطين والجهاد من أجلها وأجل شعبها الأبي، ضاقت الشعوب العربية صبراً، وهي تنتظر لحظة اقتحام الإخوان للحدود، لحظة تطبيق أفكارهم الجهادية أرض الواقع.
وبعد طول انتظار، أعلنت الجماعة فتح باب التطوع للجهاد، فكان كلّ ما تمكّنت من جمعه من المتطوعين من الإخوان المسلمين، ومن محبّيهم، ومن مؤيّديهم، عدداً لم يتجاوز (229)، بحسب إحصاءات جامعة الدول العربية، التي وثقتها موسوعة مقاتل.

 

الإخوان كثّفوا جهودهم للردّ على العصابات الصهيونية بعد النكبة بأسابيع ولكن ليس في فلسطين!

ومتطوعو الإخوان كانوا، في الغالب، إما تحت قيادة أنفسهم، أو تحت قيادة أحمد عبدالعزيز، الذي كان يقود متطوعين لا يزيد عددهم على 798 متطوعاً تقريباً، فهل لم يملك الإخوان المسلمين سوى 229 فرداً؟ أين التنظيم الخاص؟ وأين عبد الرحمن السندي؟ وأين الثلاثمئة كتيبة التي كان يعدّها ليوم الحرب؟ أين العشرة آلاف جندي التي وعد بها الإخوان؟
ليت الأمر يقف عند هذا الحدّ؛ بل حتى هؤلاء المتطوعون فشلوا في أول معركة لهم، يقول كامل الشريف في كتابه "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين": "كانت أول معركة يشترك فيها الإخوان "كفار ديروم"، وهي وإن كانت صغيرة الحجم إلا أنّها كانت محصنة، فظنوا (أي الإخوان) أنّ في مقدورهم مهاجمتها واحتلالها رغم قلة الأسلحة التي بين أيديهم، وكانت إشارة البدء في صباح 14 نيسان (أبريل) 1948، ففشلت المحاولة الأولى ومضى الإخوان يحملون قتلاهم وجرحاهم، وكان عددهم يربو عن العشرين، وانتهت المعركة بصورة مؤسفة، خرج الإخوان من هذه المعركة بنتيجة واحدة، فهموها وظلوا يعملون على أساسها طوال الفترة التي قضوها في فلسطين، فهموا أنّ مهاجمة المستعمرات اليهودية بهذا النقص الواضح في الأسلحة والمعدات هو انتحار محقق، وفهموا أنّهم لن ينجحوا إلا في حرب العصابات، دون التعرض للمستعمرات".

اقرأ أيضاً: الإخوان والجيش: أكذوبة دعم الجماعة لثورة يوليو
ويوضح الشريف دور الإخوان بعد هذه المعركة في فلسطين طوال فترة الحرب بقوله: "اليهود أقوياء في هذه الحصون والأبراج، لن نهاجمهم فيها بعد اليوم، بل سنهاجم قوافلهم ونهاجم شبكات المياه ومراكز التموين". 
ما تجدر الإشارة إليه أنّ أيّ متطوع شارك في الدفاع عن فلسطين يجب أن يقدَّر، مهما كان دوره ضئيلاً، ولم يدفع إلى كشف حقيقة دور الإخوان المسلمين في فلسطين، إلا إصرارهم على تزوير التاريخ وتزييف الوعي وإنكار جهاد ونضال الفصائل الأخرى.

للمشاركة:

بلاسخارت في عين العاصفة العراقية.. لماذا أغضبت الممثلة الأممية الحكومة والمتظاهرين؟

2019-11-13

فعلت ما لم يفعله أيّ مسؤول عراقي حكومي أم برلماني، ولم تكتفِ بإصادر البيان تلو الآخر حول العنف في التعامل مع المتظاهرين؛ بل نزلت قبل أسبوعين إلى قلب المشهد العراقي الآن، ولا مركز يتميز بالحيوية ويمثل اللحظة العراقية الآن أكثر من "ساحة التحرير".
الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، تجولت بين المتظاهرين في "ساحة التحرير"، وفق ما أورد موقع "التحرير" الإخباري، لا بل وصعدت في إحدى مركبات "التكتك"، التي صارت علامة من علامات الاحتجاج في بغداد والعراق.

اقرأ أيضاً: موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق
أرادت بلاسخارت أن تجسد نمطاً آخر من الشخصيات الأممية في العراق، نمطاً بات على يقين من أنّ مفتاح الأزمات في البلاد هو مفتاح الشعب وإرادته، ومن هنا كان اختيارها أن تكون وسط شبابه في ساحة التحرير اليوم، والتعبير عن إدانتها الشديدة لارتفاع عدد الوفيات والإصابات خلال التظاهرات في العراق.

بلاسخارت وسط ساحة التحرير ببغداد
وأكدت بلاسخارت في بيان؛ أنّ أكثر ما يُثير القلق، هو استخدام الرصاص الحيّ ضد المتظاهرين، مما تَسبّبَ في أعدادٍ كبيرةٍ من الإصابات، مشددة على ضرورة حماية الأرواح.
وإذا كانت السياسية الهولندية، بلاسخارت، قد أثارت غضب المسؤولين الحكوميين حين اختارت الذهاب إلى "ساحة التحرير" واللقاء المباشر مع المتظاهرين، فانتقدوا بشكل مباشر تلك الخطوة، معتبرين إياها نوعاً من التدخل في الشؤون العراقية، فإنّها وجدت نفسها في مدار غضب المتظاهرين، الأسبوع الماضي، حين أكدت على ضرورة الحرص على البنى التحتية من قبل المتظاهرين وعدم الإضرار بها.

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
حينها قالت بلاسخارت: إنّ "التهديدات أو إغلاق الطرق إلى المنشآت النفطية يسبب خسائر بالمليارات"، معتبرة أنّ ذلك "يضرّ باقتصاد العراق، ويقوّض تلبية المطالب المشروعة للمتظاهرين"، وتلك كانت إشارة سبق أن أوردتها الحكومة على لسان كبار مسؤوليها، ومنهم رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي.

أرادت بلاسخارت أن تجسّد نمطاً آخر من الشخصيات الأممية في العراق نمطاً بات على يقين من أنّ مفتاح الأزمات في البلاد هو مفتاح الشعب وإرادته

ومع أنّ تلك الإشارة تبدو منطلق "حرص" من قبل المسؤولة الأممية إلا أنّ هناك من اعتبرها وقوفاً من بلاسخارت إلى جانب الحكومة.
ورغم كون العرف الدبلوماسي يشدّد على أنّ الهيئات الدولية تتعامل مع الحكومات، وهو ما ينفي فعلياً أيّة تهمة بالانحياز من قبل بلاسخارت، إلا أنّها لم تتوقف عند هذه الحصانة المهنية والقانونية؛ بل اختارت مصارحة العراقيين جميعاً حين ردّت على الحملة الواسعة التي تعرضت لها مؤخراً.
هينيس بلاسخارت، في تغريدة لها قالت: "ردّاً على اتهامات الانحياز نقول إنّ الأمم المتحدة هي شريكُ كلّ عراقي يحاول التغيير"، ولم تكتفِ بهذا؛ بل شدّدت بالقول: "بوحدتهم، يستطيع العراقيون أن يحوّلوا بلدهم إلى مكان أفضل ونحن موجودون هنا لتوفير الدعم اللازم".
ما يؤكد أنّ المسؤولية الدولية تقف على مسافة واحدة من كلّ العراقيين، وأنّها تلتزم الجانب المهني والقانوني في عملها، هو كونها صارت في عين عاصفة الغضب والنقد من قبل طرفين مختلفين: السلطات الحكومية مرة والمتظاهرين مرة أخرى.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
رئيس "المجلس العراقي للسلم والتضامن" ورئيس "مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون" فخري كريم، الذي شغل لأعوام منصب كبير مستشاري الرئيس العراقي الراحل، جلال طالباني، وجّه رسالةً إلى هينيس شدّد فيها على أنّ "المنظومة السياسية فقدت صلاحيتها وصارت عبئاً على العراق والعراقيين".
وبما أنّ الشعارات المرفوعة في بغداد والمحافظات المنتفضة لا تستهدف أشخاصاً محددين، وإنما بنية المنظومة السياسية التي فقدت صلاحيتها، وصارت عبئاً على العراق والعراقيين، رأى كريم، في منشور له عبر فيسبوك، أنّ "الانصياع لصوت الشارع سيفسح المجال أمام تطور سلمي للعملية السياسية من نظام المحاصصة إلى نظام مبني على المواطنة الحرة المستقلة".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
ومثل هذا التحول يستلزم، بحسب السياسي العراقي المستقل اليوم: "الدعوة العاجلة إلى حوار وطني شعبي واسع ومسؤول من قبل ممثلية الأمم المتحدة وبإدارتها وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، تشارك فيه كلّ القوى الحية التي أفرزتها الانتفاضة الشعبية، وممثلوها في جميع المحافظات، إلى جانب النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية الموصوفة بالاستقلالية والنزاهة والشعور العالي بالمسؤولية".
ومن بين الأصوات العراقية القليلة التي رأت أنّ بلاسخارت تلعب دوراً مهماً، ليس من الحكمة الوقوف أمامه، ما كتبه الصحفي والمعلق السياسي هيوا عثمان، حين أكّد أنّه من "الأفضل العمل مع جنين بلاسخارت وإخبارها بكلّ ما يجري لغرض التوثيق، ولا يجب استعداؤها".

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
وأضاف عثمان على صفحته في فيسبوك؛ "الطرف الدولي الوحيد الموجود اليوم هو الأمم المتحدة، القناصون يريدون الاستفراد بالمتظاهرين، الاستمرار بالحملة ضد ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة قد تكون له نتائج سلبية على التظاهرات، أوصلتم رسالتكم لها وتغريدتها الأخيرة كانت مهمة، الأفضل العمل مع جنين بلاسخارت وإخبارها بكل ما يجري لغرض التوثيق، ولا يجب استعداؤها، سيكون للأمم المتحدة دور مهم في خريطة الطريق التي يتحدث عنها الجميع والإشراف على الانتخابات التي يطالب بها المتظاهرون".
بلاسخارت بعد خروجها من لقاء السيستاني في النجف

الحلّ في النجف؟
ولحسم هذا الموقف الذي جعلها بين نارين، ذهبت، أول من أمس، إلى النجف للقاء المرجع الديني الأعلى، علي السيستاني، وقالت بعد خروجها من منزله في زقاق بالمدينة القديمة: "شرف كبير أن ألتقي السيد السيستاني والأوضاع والظروف التي يمرّ بها البلد هي سبب الزيارة".

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
ووصفت وكالة أنباء "رويترز" للأنباء اللقاء بكونه فرصة أخرى عبّر خلالها علي السيستاني، عن "قلقه إزاء افتقار النخبة السياسية للجدية الكافية بشأن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لتهدئة احتجاجات حاشدة، وقال إنّه يجب ألا يعود المحتجون لمنازلهم قبل اتخاذ خطوات ملموسة لتحقيق مطالبهم".

بلاسخارت: أكثر ما يُثير القلق بالعراق استخدام الرصاص الحيّ ضدّ المتظاهرين مما تَسبّب في أعداد كبيرة من الإصابات

وبحسب الوكالة الدولية؛ "استقبل السيستاني، الذي لا يتحدث في السياسة إلا أوقات الأزمات ويتمتع بنفوذ هائل على الرأي العام في العراق ذي الأغلبية الشيعية، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في بغداد، بلاسخارت، وقال مكتبه: "أكّد سماحته على ضرورة إجراء إصلاحات حقيقية في مدة معقولة".
وفيما رحّب السيستاني بالتوصيات المتعلقة بالإصلاحات التي قدمتها له بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق، بدت بلاسخارت وهي تتنفس الصعداء، كي تتجنب فعلياً لوم الحكومة عن سلسلة انتقاداتها لبغداد وغضب الشارع المنتفض الذي يرى فيها "عيناً مغمضة على الجرائم المرتكبة بحقّ المتظاهرين".
المقترحات التي كانت قدمتها البعثة الأممية تضمنت "الإفراج عن كلّ المعتقلين من المحتجين السلميين، وإجراء تحقيق في عمليات قتل المتظاهرين، وإعلان الأصول المملوكة للزعامات السياسية لمعالجة اتهامات الفساد وإجراء محاكمات للفاسدين، وتطبيق إصلاحات انتخابية ودستورية تسمح بمزيد من المحاسبة للمسؤولين، وذلك خلال الأشهر الثلاثة المقبلة".

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وفيما اتفقت السلطات العراقية الثلاث، الأحد الماضي، على "ضرورة أن يمنح الإصلاح الانتخابي فرصة أكبر لمشاركة الشباب في الشأن السياسي وكسر احتكار الأحزاب السياسية للسلطة وهيمنتها على مؤسسات الدولة منذ عام 2003"، عبّر السيستاني عن تشككه في صدقهم، وأفاد مكتبه بأنّ المرجع الأعلى أبدى "القلق من ألا تكون لدى الجهات المعنية جدية كافية في تنفيذ أيّ إصلاح حقيقي".
وبعد خروجها وهي تتوشّح عباءة سوداء من مكتب السيستاني؛ أكّدت ممثلة الأمين العام على ما يأتي:
*الأمم المتحدة تتابع ما حصل خلال الأسابيع الماضية.
*غضب وسخط كبيران في الشارع نتيجة عدم تقديم الخدمات لمدة 16 عاماً.
*لدى الناس آمال كبيرة بتحقيق المطالب.
*نقوم بوضع تقارير موثوقة للكفّ عن العنف وندعو الآخرين للتدخل (....).
*نؤكد على سيادة العراق دائماً ونقدم المشورة من خلال مراقبة الأحداث.
*حان الوقت الحقيقي لتنفذ السلطات العراقية ما يطلبه المتظاهرون.
*هذا البلد لا يمكن أن يكون ساحةً للصراع بين البلدان.

بلاسخارت تتفقد قوات بلادها في أفغانستان حين كانت وزير دفاع هولندا

من هي بلاسخارت؟
جينين هينيس-بلاسخارت، من هولندا، تسلمت مهامها كممثلة خاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق ورئيسة لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، في 17 كانون الأول (أكتوبر) 2018، خلفاً ليان كوبيش من سلوفاكيا.
وتمتلك بلاسخارت خبرة تمتدّ لأكثر من 20 عاماً في المجالين؛ السياسي والدبلوماسي، بعد أن خدمت في عدّة مناصب حكومية وبرلمانية رفيعة المستوى.
كما تولّت منصب وزير الدفاع في هولندا (2012-2017)، وكانت أول امرأةٍ تمّ تعيينُها في ذلك المنصب، وكوزيرةٍ، أشرفت على هيئة الأركان المركزية وقيادة الدعم وهيئة المواد الدفاعية والقوات المسلحة الملكية الهولندية الأربعة: الجيش والبحرية والقوات الجوية والشرطة العسكرية وحرس الحدود.

هيوا عثمان: الاستمرار بالحملة ضدّ ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة قد تكون له نتائج سلبية على التظاهرات

وخلال توليها ذلك المنصب، أشرفت على المشاركة الهولندية في العمليات العسكرية في مالي وأفغانستان والعراق؛ حيث اتُّهمت مؤخراً في بلادها بالتستر على جريمة قتل نحو 70 مدنياً في قضاء الحويجة بكركوك، عام 2015، أثناء قصف طائرات هولندية لمصنعِ مفخخات تابع لتنظيم داعش الذي كان يحتل المنطقة.
كما كانت بلاسخارت عضواً في مجلس النواب في هولندا (2010-2012)، وعضواً في البرلمان الأوروبي (2004-2010)، وعملت في المفوضية الأوروبية في بروكسل وفي ريغا، عاصمة لاتفيا، وفي إدارة شؤون مدينة أمستردام.

للمشاركة:

بعد ترشيح الغنوشي للبرلمان عين "النهضة" على الحكومة.. فهل تنجح؟

2019-11-13

باتت رغبة حركة النّهضة الإخوانية التونسية واضحةً في السيطرة على السلطتين؛ التنفيذية والتشريعية، والالتفاف على كافّة مؤسّسات الدولة، بعد أن تمسّك مجلس شوراها بضرورة تعيين رئيس حكومة من داخلها، ورشّح زعيمها راشد الغنّوشي لرئاسة البرلمان في السنوات الخمس القادمة، وهي المرّة الأولى التي يسعى فيها الرجل إلى تولّي منصب رسمي في البلاد، منذ عودته من منفاه العام 2011، وهو ما وُصف برغبةٍ من مؤسسات الحركة لإتاحة فرصةٍ طالما سعى إليها الغنّوشي، وتتعلق بتولي مسؤولية عليا بعد مسار سياسي طويل امتد منذ تأسيس الحركة.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
ولم يلعب الغنوشي (78 عاماً) أيّ دور في البرلمان أو السلطة التنفيذية، واكتفى منذ عودة الحركة إلى تونس، عقب سقوط نظام بن علي بقيادة "النهضة"، لكنّه أبدى في الانتخابات الأخيرة اهتمامه بالعمل الحكومي، وأعلن ترشّحه على رأس أهم دائرة انتخابية في تونس (تونس1)، فيما رُبط الأمر بخروجه من قيادة الحركة، التي يمنع قانونها الداخلي ترشّحه مرّة أخرى لرئاستها.
مجلس شورى حركة النهضة يتمسك بتعيين شخصية من داخل الحركة على رأس الحكومة

إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة
وفي ظل المشهد السياسي المشوّش في تونس بعد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، تتمسّك حركة النهضة، بصفتها صاحبة المرتبة الأولى (52 مقعداً من إجمالي 217 مقعداً) بحقها في أن يكون البرلمان والحكومة من نصيبها، في وقتٍ ترفض كلّ الأحزاب التونسية المكونة للمشهد السياسي ذلك، وتبدي تخوّفها من أن تحكم الحركة سيطرتها على مفاصل الدولة، وفق ما أكّده المؤرخ الجامعي المختص في التاريخ السياسي المعاصر خالد عبيد.
وقال عبيد في تصريحه لـ"حفريات"، إنّ حركة النّهضة قد نجحت في السيطرة بصفةٍ كبيرةٍ على مفاصل الدولة، نتيجة سماح حكومة يوسف الشاهد بذلك، مقابل دعمها له لدى خلافه مع الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي، وإبقائه في الحكم.

حركة النهضة ترشّح زعيمها راشد الغنّوشي لرئاسة البرلمان في السنوات الخمس القادمة

وأشار عبيد إلى أنّ حركة النهضة تعمل حالياً على السيطرة على كلّ آليات الحكم، وعلى كلّ مفاصل الدولة، "وهو ما يبدو واضحاً من خلال إصرارها على أن يكون رئيس الحكومة الجديدة شخصيةً من داخلها، ويعتقد أنّ ذلك محاولةً من الحركة لابتزاز باقي الأطراف السياسية لضمان النصيب الأوفر من الحقائب الوزارية، لتستكمل المؤسسات التي مازالت خارج سيطرتها".
وقد كشفت كواليس النقاشات السياسية وجود ثلاثة مرشحين لمنصب رئيس البرلمان إلى حدّ اللحظة، هم كل من راشد الغنّوشي عن حزب حركة النهضة، ورجل الأعمال رضا شرف الدين عن حزب قلب تونس صاحب المرتبة الثانية (38 مقعداً)، والسياسي غازي الشواشي عن  التيار الديمقراطي صاحب المرتبة الثالثة (22 مقعداً).
راشد الغنوشي يبحث عن الرئاسة التي سيفقدها داخل الحركة

برلمان فسيفسائي تحت قبضة "النّهضة"
هذا وأظهرت الانتخابات التشريعية التونسية استمرار نهج التصويت العقابي للمشاركين في الحكومات أو المؤسسات السياسية عقب ثورة 2011، حيث انحاز الناخب التونسي لأحزاب خارج المؤسسة السياسية إلى جانب الانحياز للمستقلين، وهو ما جعل حركة النّهضة تتحصل على 23.9٪ فقط من مقاعد البرلمان بإجمالي 52 مقعداً مقابل 89 مقعداً في انتخابات 2011 و69 مقعداً في 2014.

اقرأ أيضاً: النهضة ترشّح الغنوشي لهذا المنصب
هذه الوضعية التي رسمت برلماناً فسيفسائياً لا يتمتّع فيه أيّ حزبٍ بأغلبيةٍ مريحةٍ تمكنّه من تمرير قراراته ومواقفه، استوجب ضرورة تحالف الأحزاب المتقاربة لتكوّن أغلبية، وجعلت من حركة النّهضة برغم تراجع عدد مقاعدها وقاعدتها الانتخابية، تقود المشهد البرلماني، رغم الصعوبات المحتملة التي ستعقّد العمل النيابي خلال السنوات الخمس القادمة.

الأحزاب التونسية متخوّفة من أن تحكم النهضة سيطرتها على مفاصل الدولة

ويؤكّد رئيس المعهد المغاربي للدراسات الإستراتيجية، الطاهر شقروش، في حديثه لـ"حفريات"، أنّ رئاسة البرلمان مسألة حيوية بالنسبة لحركة النّهضة باعتباره مركز السلطة، ومصدرها، وأنّ الحركة مستعدة للتخلّي عن رئاسة الحكومة من أجل التوصل إلى اتّفاقٍ يمكنّها من منح الغنوشي هذا المنصب.
واعتبر شقروش أنّ راشد الغنّوشي يبحث عن رئاسة سيفقدها في الحركة؛ "لأنّ الحركة ستجري مؤتمرها قريباً، ولن يسمح قانونها الداخلي بتجديد رئاسته؛ أي إنّ هذه آخر عهدةٍ له، وفي حال خرج من قيادة الحركة سيخسر كل نفوذه، لذلك هو يسعى لرئاسة المجلس وقد يضحي بأيّ شيء في سبيل ذلك".
وأكد شقروش أنّ النهضة في الواقع ليست الحزب الفائز في الانتخابات باعتبار خسارتها لأكثر من مليون ناخبٍ، ولأنّها لم تتحصّل على الأغلبية النسبية، مشيراً إلى أنّها "ستواصل إيهام الرأي العام التونسي وخصومها السياسيين أنّها الفائز الأبرز".
وأوضح شقروش أنّ الحركة ستسيّر البرلمان إذا فازت برئاسته، عبر مواصلة الإيهام بالفوز، و"الحال أنّها لن تستطيع تكوين أغلبية نسبية (109 أصوات)، ولا الأغلبية المطلقة (117 صوتاً)"، موضحاً أنّ الغنّوشي مضطرٌّ لترأس البرلمان.

اقرأ أيضاً: انقسام في "النهضة" بين قيادة الحكومة أو الحكم من وراء ستار
تجدر الإشارة إلى أنّ الحركة غير قادرةٍ على تجميع أكثر من 78 مقعداً في حال تحالفت مع ائتلاف الكرامة (21 مقعداً) ذي التوجّه الإسلامي، وحزب الرحمة الذي يستند إلى مرجعية إسلامية هو الآخر (5 مقاعد)، في وقت تحتاج فيه إلى 109 أصوات على الأقل.

النهضة تعيش اضطراباً داخلياً
وإلى جانب العزلة التي تعيشها الحركة داخل وسطها المجتمعي، والسياسي، فإنّها تعيش خلافات داخلية، عطّلت بعض القرارات، وعقّدت مسار تشكيل الحكومة، فقد نشر القيادي عبد اللطيف المكي بعد انعقاد مجلس الشورى حول الشخصية التي ستقترحها النهضة لترأس الحكومة، تدوينةً مفادها أنّ ممارسة السياسة تقتضي أن تتحمل أخطاء غيرك من أعضاء الحزب، معلّقاً "تُحاسب على قرارات لم تكن موافقاً عليها".

شقروش: حركة النّهضة لم تفز في الواقع لكنها تحاول إيهام الرأي العام التونسي بالانتصار

ولمّح المكي إلى أنّه لم يكن موافقاً على بعض سياسات الحركة الإسلامية، لكنّه يُحاسب لأنّ "الناس لا تعرف كل الحقائق" مشيراً إلى أنّه من حقّ حركة النهضة تعيين رئيس للحكومة واقتراح أعضائها، وقال المكي إنّ 18 عضواً صوتوا بالرفض على قرار ترشيح راشد الغنّوشي لرئاسة البرلمان.
من جانبه، انتقد القيادي محمد بن سالم سابقاً ترشيح الغنّوشي لمنصب رئاسة الحكومة، وأبدى خشيته من طريقة حسم النهضة في الموضوع، آملاً أن تتم العملية بشكلٍ ديمقراطي، وقد شدّد مراراً على أنّ الغنوشي ليس الشخصية الأفضل لتولّي هذا المنصب، وأنّ مهمّته ستكون صعبةً إذا ما تولى الرئاسة.
كما اعتبر القيادي بالنهضة، لطفي زيتون، في حديثه لـ"حفريات"، أنّ الحركة "مالت خلال الحملة الانتخابية ميلاً خطيراً إلى أقصى اليمين، وعليها أن تعود إلى الوسط وأن تنخرط في التوافق من جديد"، داعياً إيّاها إلى ضرورة التوافق من أجل تعيين شخصيّةٍ سياسيّةٍ مقبولةٍ داخلياً وخارجياً، ولها قدرة على تأسيس مشروعٍ وطنيٍ جامع يساهم في أخلقة العمل السياسي.

اقرأ أيضاً: انتخابات تونس.. برلمان دون أغلبية وفوز منقوص لحركة النهضة الإخوانية
وقد أقرّ النائب عن الحركة، سليم بسباس، في تصريحه لـ"حفريات"، بعدم وجود إجماع حول شخص زعيمهم راشد الغنّوشي، لافتاً إلى وجود خلافات شخصيّة حوله، غير أنّ قرار ترشيحه لرئاسة البرلمان كان قراراً مؤسساتياً وجب احترامه.
ورجّح بسباس أن ينجح الغنوشي في ترؤس مجلس الشعب (البرلمان)؛ لأنّ قدراته ليست أقلّ من قدرات الذين سبقوه في هذا المنصب، ولأنّه نجح في قيادة حركة النّهضة بمختلف تشكلاتها لسنوات.
هذا ويخشى مراقبون من أن تعجّل المصادقة على الحكومة المقبلة بأغلبية هشة وتحالفات غير ثابتة، بسقوط الحكومة، خاصة في ظلّ ترقّب شعبي للنهوض بالاقتصاد وتقليل نسب البطالة المرتفعة.

للمشاركة:



انطلاق القمة العالمية للتسامح في الإمارات

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

انطلقت اليوم فعاليات الدورة الثانية من القمة العالمية للتسامح، تحت شعار "التسامح في ظلّ الثقافات المتعددة: تحقيق المنافع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وصولاً إلى عالم متسامح"، التي ينظمها المعهد الدولي للتسامح التابع لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، في قاعات مدينة جميرا بدبي.

القمة تنظق بمشاركة 3000 من القادة العالميين والخبراء ومسؤولين حكوميين من أكثر من 100 دولة

ويشارك في القمة، التي تعقد تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نحو 3000 مشارك من القادة العالميين والخبراء الدوليين ومسؤولين حكوميين ومتخصصين من أكثر من 100 دولة، لبحث سبل نشر قيم التسامح عالمياً، ودعم الحوار البناء بين مختلف الحضارات والثقافات والأديان، والتأكيد على احترام المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، وكيفية تدريب الشباب تمكينهم من ممارسة وتبنــي نهـج التسامـح، وفق ما نشرت صحيفة "البيان".

كذلك يتمّ تقديم نماذج من تجارب الدول في التسامح، ودور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في بثّ الرسائل الاجتماعية، بما يكفل احترام التعددية الثقافية والدينية، والالتزام المشترك بقيم الحوار واحترام الآخر وإذكاء الوعي بالحاجة الملحة إليهما، ودور المناهج في تعزيز قيم التسامح والسلام، إلى جانب التطرق لأهمية المشاركة في المبادرات المجتمعية والعالمية لتعزيز قيم التسامح.

وتتضمن القمة جلسات حوارية ملهمة، وورشات عمل يقدمها أكثر من 70 متحدثاً، إلى جانب فعاليات أخرى عدة بمشاركة بارزة لطلبة الجامعات؛ حيث تجمع أكثر من 1000 طالب، وذلك ضمن رؤية اللجنة العليا المنظمة الرامية إلى ضمان مشاركة كلّ فئات المجتمع الإنساني بكافة أطيافه وتوجهاته.

 

 

للمشاركة:

بلجيكا.. جريمة كراهية جديدة والأمن يحقّق

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

"إنها المرة الأولى التي يتم فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال لطالبي اللجوء في بلجيكا: وأعلنت السلطات أنها ستفتح تحقيقاً في ذلك. وأثار تحويل المركز احتجاجات كبيرة، خاصة من اليمين المتطرف في البلاد.

فتحت السلطات البلجيكية تحقيقاً، أمس، بعد إحراق مركز من المفترض أن يستقبل طالبي لجوء في بلدة بيلزين الصغيرة.

بلجيكا تفتح تحقيقاً في حرق مركز لاستقبال طالبي اللجوء وفي خطاب الكراهية عبر الإنترنت

واندلع الحريق، الذي لم يتسبَّب في إصابات، في وقت متأخر من يوم الأحد، في مأوى سابق للمتقاعدين، أدّت خطط تحويله إلى مركز لاستقبال طالبي اللجوء لاحتجاجات غاضبة، خاصة من قبل مؤيدي حزب "فلامس بيلانغ" اليميني المتطرف، أحد أكبر الأحزاب في إقليم فلاندرز الناطق باللغة الهولندية، وفق ما أوردت "فرانس برس".

وصرّح المتحدث باسم "فيداسيل"، الوكالة الفدرالية المسؤولة عن استقبال طالبي اللجوء بينوا مانسي: "إنها المرة الأولى التي يتمّ فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال في بلجيكا".

وصفت وزيرة الهجرة البلجيكية، ماغي دي بلوك، في تصريح صحفي، الحريق بـ "المتعمَّد"، وقالت: "إنّه عمل إجرامي مصدره الكراهية وعدم التسامح"، وإضافة إلى التحقيق الجنائي، يجري التحقيق كذلك في احتمال انتهاك قوانين الحدّ من خطاب الكراهية على الإنترنت.

وبحسب صحيفة "دي مورغن"؛ ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات تؤكّد أنّ العمل مصدر الكراهية، من بينها: "حسناً فعلتم، واصلوا ما تفعلونه"، و"أخيراً شخص ما تولى الأمر بيديه".

وكان من المقرر أن يستقبل المركز، الذي تديره اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 140 طالب لجوء، ابتداءً من 15 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، ورغم الاجتماعات مع السكان المحليين لاطّلاعهم على المعلومات، فقد واجه تحويل المركز اعتراضاً، وأدّى إلى خروج العديد من الاحتجاجات.

وأظهرت صورة على تويتر نحو 15 متظاهراً يحملون لافتة لحزب "فلامز بيلانغ" كتب عليها: "لا لمركز لجوء في بيلزين".

 

للمشاركة:

استقالات جديدة من الحزب الحاكم في تركيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أمس، موجة استقالات جديدة، شملت 3 رؤساء لفروعه بعدد من الولايات المختلفة.

وتقدّم بالاستقالة من الحزب؛ كلّ من رئيس فرع الحزب بولاية كوتاهية (غرب) علي تشتين باش، ورئيس فرع الحزب بولاية مانيسا (غرب) برْك مرسينلي، ورئيس فرع الحزب بولاية قيرشهر، مظفر آصلان، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "يني جاغ" التركية المعارضة.

حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يشهد موجة استقالات جديدة شملت 3 رؤساء لفروعه

وأوضحت الصحيفة؛ أنّ أعضاء الحزب الثلاثة أعلنوا استقالاتهم في بيانات منفصلة، ولم يشيروا خلالها إلى دوافعهم في ذلك، غير أنّ الحزب شهد خلال الآونة الأخيرة انشقاق عدد من أعضائه الرافضين للسياسات التي ينتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحكومته.

ويفقد "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا عدداً من مؤسسيه وقاعدته الشعبية، منذ فشله في انتخابات البلدية، لا سيما فقدانه أحد رموز سيطرته وهي بلدية إسطنبول.

ويشهد الحزب التركي الحاكم منذ فترة سلسلة استقالات؛ كانت أبرزها استقالة رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، اللذان أعلنا نيتهما تأسيس أحزاب سياسية جديدة بحلول نهاية العام الجاري.

وانخفض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد، بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً، بحسب ما أعلنته المحكمة العليا، في 1 تموز (يوليو) الماضي، إذ سجّل عددهم 9 ملايين و931 ألفاً و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفاً و234 عضواً.

وخلال الشهرين الآخرَين، الممتدَّين من 1 تموز (يوليو) حتى 9 أيلول (سبتمبر) الماضي، انخفض أعضاء الحزب كذلك بمقدار 56 ألف شخص، ما شكّل حالة كبيرة من الذعر في أروقة العدالة والتنمية، دفعته للبحث عن حلول وصيغ لوقف هذا الانهيار.

انخفاض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً بسبب سياسة أردوغان

وذكرت العديد من وسائل الإعلام أيضاً؛ أنّ هناك تسريبات من داخل الحزب تتحدث عن أنّ أردوغان سيلجأ لاستخدام ورقة التعديلات الوزارية لوقف تراجع شعبية حزبه التي تأثرت كثيراً بنتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، التي جرت 31 آذار (مارس) الماضي، وصبّت في مصلحة الأحزاب المعارضة.

وأوضحت مصادر داخل الحزب؛ أنّ وزير العدل، عبد الحميد جول، ووزير الصناعة والتكنولوجيا، مصطفى فارناك، سيكونان أول المطاح بهما في التعديل الوزاري، بسبب غضب المجموعة منهما.

وأشارت المصادر إلى أنّ الحزب من الداخل بدأت فيه أصوات تتهم الوزير جول بالتعاطف مع حركة رجل الدين فتح لله غولن، التي تعدّها الحكومة إرهابية، خاصة مع صدور العديد من القرارات القضائية لصالح أفراد ينتمون إلى الحركة.

هذه الانشقاقات والاضطرابات دفعت كثيرين، مراقبين ومعارضين، إلى التكهن باحتمال إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

 

 

للمشاركة:



لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

أحمد فتحي

قالت كتل نيابية لبنانية وخبراء بالشأن السياسي، في أحاديث خاصة لـ"العين الإخبارية"، إن مليشيا حزب الله تقف خلف "عقدة التشكيل"، وأنها تلعب "دورا معطلا" لحلحلة الأزمة الحالية، مشيرين في الوقت ذاته إلى محاولاته منذ بداية الانتفاضة على "تقويض الثورة".

ورغم مرور نحو أسبوعين على استقالة سعد الحريري من الحكومة، لا تزال الأزمة اللبنانية "محلك سر" حتى اللحظة، بسبب تعثر التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء السياسيين على شكل وطبيعة الحكومة المزمع تشكيلها، في وقت تأخذ فيه الاحتجاجات زخما جديدا كل يوم مع إطالة أمد حل الأزمة.

ولم تسفر المشاورات التي يجريها الرئيس اللبناني ميشال عون مع كتل نيابية وقوى سياسية مختلفة طيلة الفترة الماضية، عن اختراق حقيقي لجدار أزمة التشكيل، فيما تتجه أنظار الجميع إلى ما سيعلنه عون، مساء اليوم في حواره مع إعلاميين وصحفيين يتناول فيه التطورات الراهنة.

وبخلاف موقف الشارع الذي يتمسك بضرورة تشكيل حكومة "تكنوقراط" (خبراء) من غير الحزبيين، يصر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على تشكيل حكومة تمثل المكونات السياسية، وهو ما جدد التأكيد عليه بدعوته إلى تشكيل "حكومة سيادية".

وكانت مصادر لبنانية مطلعة قد أكدت لـ"العين الإخبارية"، اليوم، أن رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري رفض كل العروض المقدمة إليه لتشكيل الحكومة الجديدة، ولا يزال متمسكا بشرط "التكنوقراط".

حزب الله يعتمد الحرب النفسية

وقال الدكتور سليم الصايغ نائب رئيس "حزب الكتائب" في حديث لـ"العين الإخبارية" عبر الهاتف من بيروت: "حزب الله لا يدخر جهدا ناعما أو خشنا متاحا له لتقويض هذه الثورة".

وأوضح قائلا: "هو (حزب الله) وعد أن تصريف الأعمال من قبل الحكومة المستقيلة سيكون طويلا، وهو ما نحن بصدده، ويعتمد الحرب النفسية أيضا من أجل تعزيز منعته الداخلية، وزرع القلق عند الآخرين، وهي تكتيكات أصبحت مكشوفة من قبل الجميع".

وشدد نائب رئيس حزب الكتائب (كتلته النيابية تتشكل من 3 نواب) على أنه "لا حرب أهلية في لبنان، ولا عودة إلى العنف والخيار الوحيد هو الخيار السلمي شاء حزب الله أم أبى".

وأكد الصايغ أن شكل الحكومة الأنسب هو "تكنوقراط من الخبراء ومستقلة، من أجل إدارة ملفات واضحة أهمها الإشراف على انتخابات نيابية مبكرة، والالتزام بسلة الإصلاحات المالية والسياسية المعروفة".

التقاط الإشارات والاستجابة للشارع
ومن جهته، دعا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة حزب الله أن يلتقط الإشارات الواضحة والعمل بموجبها مما يجري في لبنان، وهناك إشارات مماثلة فيما يجري بالنسبة لأحزاب شقيقة له بالعراق.

وأكد السنيورة في تصريح لـ"العين الإخبارية" أن الإنكار لن يفيد، ولن يجدي وعليه الاستجابة لهذا المد الشعبي الكبير من الشباب والشابات.

وواصل السنيورة: "على حزب الله وجميع الكتل النيابية والقوى السياسية التوصل إلى حلول تتجاوب مع أفكار الشباب في الساحات، ومع ما يحتاجه لبنان من تناغم مع المتغيرات الجارية في لبنان وحولنا، ويلبي الحاجة إلى إجراء الإصلاحات اللازمة السياسية والمالية والاقتصادية".

الإفلات من فكي الكماشة
كما أكد خبراء وسياسيون لبنانيون دور حزب الله "المعطل" لحل الأزمة.

وقال فادي عاكوم المحلل السياسي اللبناني إن "وجود حزب الله في الحياة السياسية كتنظيم عسكري وسياسي معا وتابع لجهة خارجية وهي الحرس الثوري الإيراني، هو أمر يعرقل جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان".

وبيَّن عاكوم أن حزب الله يرى في إسقاط حكومة سعد الحريري بهذه الطريقة تهديدا مباشرا لسلاحه وإسقاطا لحكومة العهد الذي كان يسيطر على الرئاسات الثلاثة (الحكومة والبرلمان والجمهورية).

وأكد المحلل السياسي اللبناني أن حزب الله يحاول "الإفلات من فكي الكماشة" عبر تقويض أي عمل سياسي مقبل في البلاد، لإبقاء الأوضاع كما هي عليه، أو العودة لشكل الحكومة السابقة التي كان يسيطر على أغلبها، خاصة أن المنطقة تشهد انقلابا على سيطرة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجري بالعراق.

وتوقع عاكوم عدم رضوخ حزب الله لمطالب الشارع، قائلا: "سيلجأ حزب الله إلى الضغط السياسي، وما لم ينجح في ذلك فربما سيقوم بمغامرة مجنونة ستكون بداية نهايته الفعلية في لبنان، حين فرض الحزب نفسه بالقوة في 7 مايو/أيار 2008"، مستدركا "لكن هذا السيناريو سيؤدي لانفجار الأوضاع في لبنان ومواجهات داخلية عديدة".

وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قد أكد في كلمته بـ"يوم الشهيد" أمس أنه يرفض الحديث عن تشكيل الحكومة، لأن التداولات مستمرة حولها حتى الآن، فاتحا الباب لتأويل حديثه على أنه إشارة منه لعرقلة هذا التشكيل. وتابع "لن أتكلم على وضع الحكومة الآن، لأن الاستشارات قائمة، وكل الأبواب مفتوحة للوصول إلى أفضل نتيجة لبلدنا".

وزاد "مطلب إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلبا يُجمع عليه كل اللبنانيين".

حزب الله في موقف حرج جدا
من جهته، قال الدكتور محمد سعيد الرز، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، إن العقدة الأساسية لتحقيق مطالب الشارع في تشكيل حكومة من أخصائيين تترأسها شخصية وطنية نزيهة تتمثل في عقدة الثنائي "حزب الله - وحركة أمل".

وبيَّن "الرز" أن حزب الله لا يريد تغيير المعادلة السياسية القائمة، لارتباطها بحسابات محلية وإقليمية، مشيرا إلى أنه يريد الإبقاء على جميع الأوراق بيده، لأسباب مرتبطة بالواقع الإقليمي، حتى يثبت لطهران سيطرته على الأوراق السياسية، لذا عمل منذ البداية على توجيه الاتهامات للانتفاضة.

غير أن "الرز" أكد أن "جميع الأوراق أصبحت خارج يد حزب الله، فلم يعد هناك شارع في مواجهة شارع، بل هناك شوارع وساحات في مواجهة عقدة سياسية يحاول الحزب أن يستخدمها".

ورأى "الرز" أن حالة الحراك الشعبي وضعت حزب الله في "موقف حرج جدا" فلا هو قادر على التنكر لمطالب الانتفاضة التي تحمل شعارات الإصلاح ومحاربة الفاسدين التي طالما نادى بها، أو الرضوخ لها وتنفيذها، مردفا "فوجئ حزب الله بأن الانتفاضة الشعبية تحمل الأسلوب المدني والسلمي والإنساني والحضاري والوطني، لذا فشلت محاولات الأمين العام لحزب الله للهجوم المضاد عليها".

ورأى المحلل السياسي اللبناني أن الانتفاضة الشعبية أصبحت من القوة حتى تفرض رأيها، ولا تستطيع أي قوة تجاوزها، بعد أن استطاعت التأثير داخل معاقل حزب الله، مع امتداد مطالب الشارع لجمهور الحزب، وخلخلة الواقع الذي كان سائدا لمصلحة الولاء للبنان فقط.

وبخلاف توقعات الخبير السياسي "عاكوم"، استبعد "الرز" سيناريو نزول حزب الله للشارع بالسلاح على غرار ما جرى في 7 مايو/أيار 2008، حين اجتاح العاصمة بيروت، قائلا: "هذا السيناريو سيضع لبنان في طريق مجهول وسيؤدي لحدوث فتنة وسيسمح بالتدخلات في الشأن اللبناني من كل حدب وصوب".

كما شدد على أن مفهوم الحرب الأهلية انتهى في لبنان، ولم يعد بمقدور حزب الله وحركة أمل إعادة إنتاج الحرب الأهلية، وليس أمام الحزب إلا خطوة واحدة بأن يرضخ للإجراءات الإصلاحية ويتراجع قليلا، فالأمور لم تعد تحتمل المماطلة، حتى لو من باب المناورة لاستعادة دوره.

وعلى صعيد سيناريوهات الخروج من الأزمة اللبنانية الحالية، عاد الخبير السياسي "عاكوم" ليؤكد أن حزب الله ربما يوافق على تشكيل حكومة تكون بعيدة عن الوجوه التقليدية مع "تحييد الوزارات السيادية" عبر أشخاص يمثلون حل وسط بين جميع الأطراف وتعهدات داخلية لعدم التطرق لسلاح حزب الله خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن "الحكومة ستكون أول خطوة من ألف ميل للتخلص من السيطرة الطائفية على المنحنى السياسي في لبنان".

أما الدكتور محمد سعيد الرز فأكد أن "حفاظ الانتفاضة الشعبية على وحدتها والتمسك بأهدافها والابتعاد عن التأثيرات الأجنبية ومحاولات الاختراق، هو الضامن لفك عقدة الثنائي حزب الله - حركة أمل، وسرعة تشكيل الحكومة الجديدة".

وميدانيا، سجل اللبنانيون في اليوم الـ27 للاحتجاجات التزاما شبه تام بالإضراب العام المصاحب بالعودة إلى استراتيجية قطع الطرقات في بعض المناطق.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تغلغل الحركة الإسلامية في السودان لا يمنع تفكيكها

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

محمد أبوالفضل

تحاول الحركة الإسلامية الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية والأمنية في السودان وخارجه، وتسعى منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي نحو تخفيف حدة الاحتقانات المنصبة على قياداتها وأدواتها وأذرعها، وتأجيل المعركة الحاسمة لأطول فترة ممكنة، حيث تريد خوضها بعد أن تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد عافيتها وجاهزيتها، وتنتهي فورة الحراك الثوري الذي أطاح بها من على كرسي الحكم.

اضطرت السلطة الانتقالية السودانية أخيرا للتخلّي عن حذرها في التعامل مع الحركة الإسلامية، وباغتتها بخطوات متلاحقة لخلع أنيابها، استجابة لضغوط كبيرة مارسها تحالف إعلان الحرية والتغيير.

ويرى هذا التحالف أن نكبة السودان الحقيقية في ابتلائه بهذه الحركة والقوى المختلفة المتحالفة معها وتعمل تحت جناحها، وأي ترحيل أو تسويف في خوض المعركة يؤدي إلى صعوبة اقتلاعها من جذورها، ويساعد على تمترسها في خندق الدولة العميقة، ويقلّل من فرص التغيير الناعم، وقد يفرض الدخول في مواجهة مسلحة مكلفة.

قناة سياسية موازية

اتخذ مجلس السيادة في السودان خطوة مهمة الاثنين، وأقدم على حلّ ما يسمى بـ”مجلس الأحزاب الأفريقية”، وقرّر مصادرة ممتلكاته، وتحويل داره إلى مقرّ لمفوضية السلام، وهو معروف بأنه من أهم الواجهات السياسية للحركة الإسلامية، امتطته خلال السنوات الماضية لتسهيل دورها على الساحة الأفريقية، ومحاولة التغلغل إلى وجدان وعقل ساسة وجماهير من خلال شراكة مفتعلة مع عدد من أحزاب مؤثرة، وتحسين صورة السودان وتقديمه كواجهة مدنية لها وكدولة منفتحة على الجميع، لعدم حصره في شق النظام الإسلامي، بما يساهم في توسيع الأطر أمام الحركة وجذب أنصار جدد إليها.

تأسس هذا الكيان في عهد الرئيس المعزول عمر البشير عام 2013، من 45 حزبا تنتمي إلى نحو 25 دولة أفريقية، ورأسه نافع علي نافع، القيادي في الحركة الإسلامية، بغرض تطوير العلاقات مع الأحزاب الحاكمة في الدول الأفريقية، لكن أدت لعبة الصراع الداخلي إلى إقدام البشير على عزل نافع في أكتوبر من العام الماضي، وتعيين مساعده فيصل حسن بدلا منه.

تعزز الإطاحة الدرامية البعد البراغماتي لدى القيادات الإسلامية عموما، وتكشف أيضا الأهمية السياسية التي حملها “مجلس الأحزاب الأفريقية” لمن يرأسه بالنسبة للحزب الحاكم، فهو قناة اتصال موازية لوزارة الخارجية، وربما تفوقها في المردودات السياسية.

وامتلك المجلس من الصلاحيات ما جعله رأس حربة في رسم كثير من المعالم الإقليمية للسودان، وأفادته الصبغة الحزبية- الشعبوية في التوسع والانتشار دون ضوابط دبلوماسية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

تؤكد هذه المعطيات أن المواجهة مع الحركة الإسلامية السودانية وأفرعها لن تكون سهلة.

الأمر الذي تراهن عليه القيادات الكبيرة والوسيطة، مستفيدة من تراكم الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجه السلطة الانتقالية، فكلما تعثرت خفّت حدة المطالبات للوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها أمام الشارع وقواه المصممة على عدم التراجع عن المواجهة، مهما كلفت البلاد، فاستمرار الحركة الإسلامية كجسم عنقودي متشعب يتمتع بمزايا نوعية يضع عراقيل كثيرة لتقدّم السودان على الصعيد الخارجي.

ولا يزال ملف الإرهاب يلاحق السودان في بعض المحافل الدولية، وما لم تتخذ السلطة الحاكمة خطوات جادّة على مستويات مختلفة، ظاهرة وخفية، سوف يظل شبحه يطاردها على الدوام، ولعل الموقف المعقّد من رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في مقدمة التحديات التي تحتاج وضع تصورات دقيقة للتخلص من الإرث الأيديولوجي الذي تركه البشير.

ويحتاج الموقف إجراءات عملية لإقناع دوائر أميركية باستكمال مهمة رفع العقوبات الاقتصادية، وفتح أفق جديد أمام البلاد، فالأزمة الخانقة تسهّل دور الحركة الإسلامية في القبض على زمام أمور رئيسية، وتعرقل عملية التخلّص من سيطرتها على بعض المؤسسات الرسمية، وتمنحها درجة من المرونة لتحجيم استهدافها.

بؤرة تشدد
فتحت الحركة الإسلامية أحضانها لشخصيات من دول مختلفة، وتحوّلت الخرطوم إلى بؤرة لتجمع قيادات متشددة، بعضها متهم في قضايا عنف وإرهاب، وكانت الأراضي السودانية معبرا أساسيا إلى دول أفريقية عديدة، ما أضاف أهمية نسبية لمجلس الأحزاب الأفريقية كواجهة يمكن من خلالها أن تتستر عناصر محسوبة على الحركة، وتمكينها من تلقي مساعدات لوجستية بلا منغصات سياسية أو بقليل منها.

خلقت هذه التوجهات عثرات كبيرة للحكومة السودانية الحالية، وفرضت عليها اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتطويق الهيئات التي لا تزال تستغلها بعض العناصر الإسلامية، وتمارس أدوارا تسيء إلى السلطة الانتقالية، وتيقنت أن تأجيل الحسم وعدم وضع جدول زمني يمكن أن تترتب عليه نتائج أشد خطورة، توحي أن السلطة الانتقالية مترددة أو مخترقة من جانب شخصيات حزبية وأمنية تعمل على زيادة الارتباك في المشهد السوداني، وتعطيل التوجهات الراغبة في تقويض نفوذ الحركة الإسلامية.

طريق غائم
في هذه الأجواء، وجد السودانيون أنفسهم يدخلون طريقا غائما، لا يشعرون فقط بعدم وجود تغيير كبير في حالهم وأحوالهم، بل تسيطر على البعض هواجس بأن الحركة الإسلامية لم ينفرط عقدها، وتسعى إلى استهلاك المزيد من الوقت وبث الإحباط في نفوس المواطنين، وهو ما فرض على السلطة الانتقالية الإقدام على سلسلة من الخطوات السريعة تعزز عدم التوقف عن المواجهة، وتزيل الالتباس حول أي شكوك في وجود ارتدادات سياسية.

ظهرت معالم هذا الاتجاه في قضيتين، الأولى تتعلق بالإصرار على فتح محاكمات ما يسمى بـ”ثورة الإنقاذ” قبل ثلاثين عاما، واتخذتها وقتها الحركة الإسلامية مطية للقفز على السلطة، وتوجيه اتهامات مباشرة للقيادات التي لا زالت على قيد الحياة، بالتزامن مع عدم التراخي في محاكمة البشير عن الجرائم السياسية والأمنية التي ارتكبها، وإلحاح بعض القوى الحزبية على محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

القضية الثانية، تخص حصول اللجنة المكونة من قوى الحرية والتغيير، والسلطة الانتقالية بفرعيها المجلس السيادي والحكومة، على دفعة معنوية قوية بشأن دراسة الجوانب القانونية والتداعيات السياسية لحل حزب المؤتمر الوطني، كواحدة من الواجهات التي يريد قادة الحركة الإسلامية إعادة الحياة لها وضخ دماء في شرايينها، حيث جرى انتخاب إبراهيم غندور وزير الخارجية الأسبق، بعد أن انقلب عليه البشير في أواخر أيامه، والإيحاء بالتجديد والانفصال عن المرحلة السابقة.

تتواءم هذه الخطوة مع قرار رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، بإقالة عدد كبير من القيادات المنتسبة لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عموما، وتغيير شريحة واسعة من الشخصيات المشكوك في انتماءاتها الوطنية وانحيازها للنظام البائد وعقيدته الدينية، وقام البنك المركزي في السودان بتجميد حسابات مصرفية لأسماء وشركات عمل مملوكة لقيادات إسلامية بارزة.

وأصدر يوسف آدم الضي وزير الحكم الاتحادي، الأسبوع الماضي، قرارا بتنظيم “لجان التغيير والخدمات” في الأحياء والقرى لتعزيز المشاركة الشعبية والتعبير عن احتياجات المواطنين، كنوع من الامتداد للجان المقاومة ومواصلة دورها ضمن ما يطلق عليه عملية الإصلاح المؤسسي والتنظيمي القاعدي لتقديم الخدمات والرقابة عليها.

ويلغي هذا القرار اللجان الشعبية والميليشيات التي أنشأها البشير كأذرع أمنية وسياسية ومجتمعية له في الشارع.

يحتاج تقويض الحركة الإسلامية في السودان خطوات مبتكرة على جبهات متعددة، فالفترة التي قضتها في السلطة ليست هيّنة، مكّنتها من الوصول إلى قواعد وفئات كبيرة في المجتمع، وأوجدت شبكة مصالح متداخلة، تجعل عملية اجتثاثها بحاجة إلى إرادة وحسم وتعاون مشترك من القوى الوطنية المتشرذمة حاليا، قبل حلول موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي الذي تستعد له الحركة جيدا لأنه سبيلها للعودة إلى الواجهة بصورة ديمقراطية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية