الإخوان وجدل التوازنات الإقليمية: قراءة تحليلية لواقع التنظيم

الإخوان وجدل التوازنات الإقليمية: قراءة تحليلية لواقع التنظيم

مشاهدة

27/09/2020

ألقت التصريحات المتلفزة التي أدلى بها إبراهيم منير، مسؤول الأمانة العامة للتنظيم الدولي، والقائم بأعمال المرشد العام، خلال لقائه مع القيادي الإخواني عزام التميمي، عبر فضائية الحوار، من مقرّ إقامة الأوّل بالعاصمة البريطانية لندن، ألقت الكثير من الضوء حول الأزمة التي تتفاقم داخل تنظيم الإخوان، والتي تتضاعف مرّة تلو الأخرى، منذ اندلاع ثورة 30 حزيران (يونيو) العام 2013، وصولاً إلى نجاح أجهزة الأمن المصرية في الإيقاع بمحمود عزت، القائم بأعمال المرشد، داخل إحدى الشقق بمنطقة التجمع الخامس شمالي القاهرة.

 

جاءت تصريحات منير لتعزز عمق الضربة التي تلقاها التنظيم جرّاء اعتقال عزت، بما يمثله من أهمية

 

جاءت تصريحات منير لتعزّز عمق الضربة التي تلقتها الجماعة جرّاء اعتقال عزت، بما يمثله من أهمية، باعتباره القيادي القابض على مفردات التنظيم، من الناحية المعلوماتية والإدارية والمالية، بالإضافة إلى قدرته على التنسيق بين إخوان الداخل والخارج، خاصة بعد القبض على خيرت الشاطر ومحمد بديع.

أزمة التنظيم ومؤشرات الارتباك

لا ريب أنّ أيّ تحليل يشتبك مع الوضع التنظيمي للجماعة منذ إعلان 3 تموز (يوليو) 2013  يستطيع الوصول إلى نتيجة منطقية، وهي أنّ التنظيم يواجه أزمة بنيوية عنيفة، ضربت هياكله المتعددة، وميّعت جدار الثقة بين الأعضاء والقيادات، وعزلت التيارات الشبابية برؤاها وأفكارها عن براجماتية القيادات، فضلاً عن تبنّي تلك القيادات لخيار العنف، وإدارتها لعدد من الأجنحة المسلحة التي جاءت عبر تخوم الجماعة، الأمر الذي فكّك خيوط التنظيم بشكل متتابع خلال السنوات الماضية.

اقرأ أيضاً: موت سريري وتدويل وإقالات واستقالات: ماذا يحدث داخل الإخوان؟

يسعى التنظيم دوماً في أزماته إلى الظهور سريعاً بمظهر المتجاوز لمحددات الأزمة، والإيحاء بالقدرة على تجاوز آثارها، وربما ذلك هو ما دفع نحو إعلان إبراهيم منير قائماً بأعمال المرشد، رغم تواجده خارج البلاد، الأمر الذي عزّز من تفتت التنظيم، وتحلل الروابط الممتدة بين عناصره، خاصة الشبابية منها.

 

خطر الإخوان لا يمكن التقليل منه بأيّ حال من الأحوال، استناداً إلى كون الحاضنة الإقليمية، سواء في أنقرة أو الدوحة، لم تزل ماثلة ومتدفقة

 

 أحدث نبأ إلقاء القبض على محمود عزت ارتباكاً واضحاً بين كافة صفوف الجماعة على المستويات القيادية كافة في عدد من الدول، واعتبروا أنّ ثمّة تقصيراً في حماية القائم بأعمال المرشد، والقابض على كافة مفردات التنظيم منذ سنوات مضت، ما وضع أمور التنسيق بين الإخوان في الداخل والخارج على هامش المستحيل، وهو الأمر الذي أشار إليه منير في حواره مع التميمي، وسعى نحو تكراره والتأكيد عليه أكثر من مرّة.

تركيا والإخوان ولعبة التوازنات الإقليمية

الحديث عن الانشقاق الذي يضرب صفوف التنظيم، سواء في الداخل أو الخارج، من الأمور غير الجديدة، في ضوء الأحداث المتتابعة خلال الأعوام السبعة الماضية، لا سيّما في ظل التناقضات الإقليمية، وتشابك المصالح والعلاقات بين دول الشرق الأوسط، التي تُعدّ واحدة من أهم العناصر التي يتمّ الارتكاز عليها في تحليل أفق حضور الإخوان، واحتضانهم وتوهمات بعث نشاطهم مرّة أخرى، على خلفية الصراع الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: محمد حبيب: مراجعات الإخوان خادعة تفتقر لمنهج نقدي حقيقي

ثمّة عوامل يميل إليها البعض في تحليل مستقبل الإخوان، وفق تصوّر يفترض سعي أنقرة نحو تطبيع علاقاتها مع القاهرة، وإغلاق الحاضنة التي هيأتها للجماعة في وجه الأعضاء الفارين من مصر، بيد أنّ هذه الرؤية تفتقد إلى الدقة، والقدرة على الفصل بين الأمور التكتيكية والاستراتيجية، في ظلّ سياسات أردوغان في الشرق الأوسط عموماً، والتعامل مع القاهرة خاصة.

اقرأ أيضاً: أين ذهب الإخوان بتبرعات المسلمين؟

تركيا، عبر حزب العدالة والتنمية الحاكم، ورؤية رئيسها رجب طيب أردوغان، لا يمكنها الفكاك في المدى القريب من رعاية الإخوان ومنصاتهم الإعلامية، التي تنطلق ضدّ القاهرة، كون  معطيات مشروعية رؤيتها ترتكز على مفردات الإسلام السياسي، التي ألقت أنقرة طعومها في عدد من بقاع المنطقة، من خلال تلك الرؤية، التي استقرّ من خلالها مشروعها السياسي، سواء كان في ليبيا أو تونس أو الصومال أو موريتانيا، وغير ذلك من دول شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، وعلى خلفية ذلك يستحيل أن يتأتى تحليل منطقي يتبنّى رؤية ترى أنّ المدى المنظور  من الممكن أن يشهد تنازلاً من قِبل أردوغان عن رعاية الإخوان، لصالح التقدم خطوة في ملف التصالح مع القاهرة، رغم أيّ تصريحات إيجابية من جانب بعض الساسة الأتراك، أو التعامل مع تسريبات أشارت إلى أنّ القبض على القائم بأعمال المرشد محمود عزت جاء بناء على معلومات استخباراتية قدّمها الجانب التركي، واعتبار ذلك مقدّمة لمتغير استراتيجي في مفهوم رعاية تنظيمات الإسلام السياسي، أو عربوناً سياسياً تمنحه أنقره للقاهرة.

هل انتهى خطر الإخوان؟

رغم وقوع عدد من قيادات الصف الأول في الجماعة في قبضة الأمن المصري، وامتلاك الدولة  رصيداً معلوماتياً كبيراً جرّاء ذلك، غير أنّ خطر الإخوان لا يمكن التقليل منه بأيّ حال من الأحوال، استناداً إلى كون الحاضنة الإقليمية، سواء في أنقرة أو الدوحة، لم تزل ماثلة ومتدفقة بانتظام من ناحية، وحضور التنظيم الدولي باستثماراته وقياداته في الخارج خاصة في أوروبا  من ناحية أخرى، ولهذا ينبغي العمل نحو رفع درجة الوعي بخطر الإسلام السياسي، والتحرك نحو قطع الروابط الموضوعية بين أعضاء الخلايا النائمة من الإخوان، وبين من يتعاملون بخلط واضح بين عاطفة التدين واستغلال ذلك بأغراض سياسية، لخدمة الجماعة عبر ربط هؤلاء بخلايا المتعاطفين.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. تضارب في التصريحات وتصفية للحسابات

مواجهة تنظيمات الإسلام السياسي لم تعد قضية محلية في الداخل المصري، يضطلع الأمن المصري وأجهزة الدولة بمهمّة مواجهتها، كما جرى في عقود الأربعينيات والخمسينيات وما تلاها، بل أضحت واحدة من قضايا الأمن في الشرق الأوسط، وورقة ضغط ومواجهة يتمّ استخدامها والتلويح بعناصرها، في أطر الصراع على طول الجغرافيا، في تونس وليبيا وسوريا واليمن وغيرها.

اقرأ أيضاً: كيف تعمل السويد على تجفيف منابع تمويل جماعة الإخوان؟

ولا يمكن التعامل مع تنظيم الإخوان المسلمين داخل أيّ دولة في الشرق الأوسط باعتباره حزباً سياسياً يقدّم برنامجه بشفافية، ويعمل لصالح محيطه الوطني، داخل إطاره الإقليمي والدولي، فتاريخ التنظيم ومرجعيته متخم بالعمل ضدّ مصالح الدولة الوطنية، في خضم صراع القاهرة مع بريطانيا في قضية الجلاء، وحرب العدوان الثلاثي، إثر خلافهم مع الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، وقراره حلّ الجماعة، وفرارهم من مصر نحو دول عربية وأوروبية.

اقرأ أيضاً: تركيا تعرض بضاعتها على مصر.. ليس لجماعة الإخوان من يشتريها

ما تجب الإشارة إليه أنّه حال قراءة التطورات السياسية، والتي دوماً تأتي كأولوية في تحليل وضع ومستقبل الجماعة في الشرق الأوسط، يجب أن تتجاوز المتخيل نحو صياغة الممكن واستثماره، وبالتالي، لا يبدو في الأفق تغيير في تحالفات الجماعة الإقليمية، خاصّة ما يتصل بالواقع المصري، ولا من ناحية علاقة الدولة وأجهزتها الأمنية بقيادات الجماعة في الداخل والخارج، ولا يمكن التعويل على منطق كمون التنظيم، في ظلّ الضغط الأمني والضربات المتلاحقة، بل يجب النظر صوب تحالفات استراتيجية مع ميليشيات جهادية وتنظيمات مسلحة، تتحرّك نحو أهداف داخل الدولة، والعمل ناحية زعزعة استقرارها، بأعمال تخريبية ذات نمط واسع ومؤثر.

الصفحة الرئيسية