الإسلام في الهند... أصوله ووضعه المعاصر

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
9036
عدد القراءات

2018-12-16

ترجمة: مدني قصري


عند تقاطع طرق الأنثروبولوجيا السياسية، وعلم اجتماع الأديان، تُركز أبحاث أمينة محمد عريف (Aminah Mohammad-Arif) (1)، على العلاقة بين الإسلام وأوضاع الأقليات والشتات، في سياق جنوب آسيا، وهي تعمل حالياً على المحاور الثلاثة الآتية: الشباب العائدون إلى الإسلام في بنغالور، التعددية الدينية في جنوب آسيا، في إطار (ANR I-SHARE)؛ (المواقع المقدسة المشتركة لشبه القارة الهندية، التفاعلات الدينية والعلاقات مع الآخر)، المهندسون المسلمون في بنغالور في إطار (ANR Engind) (المهندسون والمجتمع في الهند المستعمرة وما بعد الاستعمار).

كانت التفاعلات بين الإسلام والهندوسية ذات تأثير تبادلي على جميع جوانب حياة المجتمعين المسلم والهندوسي

تتناول الباحثة، في مقالها، التفاعلات بين الإسلام والهندوسية، الديانة السائدة في شبه القارة، وتأثيرها التبادلي في جميع جوانب حياة المجتمعين المسلم والهندوسي، وتُبيّن أنّ الإسلام ظلّ محتفظاً بخصائصه، التي تجعل أتباعه في شبه القارة، أقرب إلى مشاركيهم في الدين، في أماكن أخرى من العالم.
تحتلّ الهند مكانة رئيسة في العالم الإسلامي، أكثر أهمية بكثير ممّا يتصوّره معظم الناس، فمن الناحية الديموغرافية؛ يشكّل الهنود المسلمون، رغم أنّهم أقليات، مجموع سكان يبلغ عددهم مائة وخمسين مليون نسمة، ممّا يضع الهند في المركز الثالث، خلف أندونيسيا وباكستان، وعلى المستوى التاريخي، يحتلّ الإسلام مكانة قديمة جداً؛ حيث يعود وجوده إلى القرن الأول من الهجرة النبوية، وهو أمرٌ مهمّ منذ أن أسّس المسلمون هيمنتهم من القرن الثالث عشر إلى القرن الثامن عشر، وقد قاموا بتوحيد جُزئَي شبه القارة، التي استعادها واستكملها البريطانيون.

اقرأ أيضاً: في الهند ملايين المسلمين مهدّدون..لماذا؟
وكانت التفاعلات بين الإسلام والهندوسية، الديانة السائدة في شبه القارة، ذات تأثير تبادلي على جميع جوانب حياة المجتمَعين، في شمال الهند على وجه الخصوص، وتُمكن قراءة تأثير الإسلام في العديد من التعبيرات الفنية، الهندسة المعمارية والموسيقى والطهي، وكذلك في التصوف والاقتراض اللغوي، أما بالنسبة إلى الإسلام الهندي؛ فهو متأثر بشدة بتقاليد المناطق التي أنشئ فيها: اعتماد نظام الطبقات، واحتفالات طقوس المرور، والزواج على وجه الخصوص، والتدين الشعبي، وعبادة القديسين، لكن، كما تُبيّن لنا أمينة محمد عريف هنا، فقد احتفظ الإسلام بخصائصه التي تجعل مسلمي شبه القارة أقرب إلى مشاركيهم في الدين، في أماكن أخرى من العالم.
التطور التاريخي
يعود وجود المسلمين في شبه القارة الهندية إلى القرن الأول للإسلام، وقد حدث في موجتين متتاليتين؛ الأولى شملت، من جهة، الغزاة العرب الذين غزوا السند من عام 711، ومن جهة أخرى؛ البحارة والتجار العرب، الذين وصلوا إلى المحيط الهندي. الموجة الثانية؛ التي يأتي منها غالبية المسلمين الهنود، تضمّ غزاة من آسيا الوسطى وإيران وأفغانستان، بدأت في القرن الحادي عشر من قبل الغزنويين، وقد اتخذت التوغلات الإسلامية منحى منتظماً منذ القرن الثالث عشر، الأتراك والأفغان، ثم المغول، الذين هم مغول أتراك، والذين أنشؤوا هيمنة دائمة على شبه القارة، وقد ساد القادمون المسلمون هناك حتى القرن الثامن عشر، عندما حلّ محلّهم البريطانيون.

اقرأ أيضاً: مسلمو ولاية آسام الهندية يترقبون.. هل سيتكرر سيناريو الروهينغا؟
شهد الفتح الإسلامي إنشاء إمبراطورية أولى، هي سلطنة دلهي، والتي كانت أصل الثقافة الدينية والسياسة والأدبية، والتي سُمّيت الثقافة الهندية الفارسية، وهي مستوحاة من نماذج القرنين العاشر والثاني عشر، القادمة من إيران وأفغانستان.
انهيار سلطنة دلهي أفاد أحفاد تيمورلنك، من النساء، وجنكيز خان، وهُم المغول، بابور (1526-1530)، مؤسس السلالة، الذي خلق دولة أصبحت في عهد السلطان أكبر (1556-1605) واحدة من أقوى السلالات في العالم.

اقرأ أيضاً: الهند: هندوس يقتلون مسلماً ضرباً بسبب..
شهدت الهند المغولية ازدهاراً رائعاً، ظلّ يستقطب التجار الأوروبيين؛ فقد شهدت تطوير حضارة رائعة، ليس فقط في مجالات الهندسة المعمارية، بما في ذلك تاج محل المشهور؛ الذي بناه الإمبراطور شاه جهان (1628-1658) في ذكرى زوجته المفضلة، ممتاز محل، لكن أيضاً في مجال الأدب والموسيقى والرسم. وفي القرن الثامن عشر؛ أحدثت النزاعات حول الخلافة هشاشة إمبراطورية المغول، وظهرت دول جديدة في أجزاء كثيرة من الهند، الأوروبيون، بانتهازهم لهذا الانحطاط، دخلوا الصراع من أجل الهيمنة السياسية والتجارية على شبه القارة الهندية، وفاز البريطانيون، وشيدوا في بضعة عقود إمبراطورية واسعة شهدت أوجها في ظلّ الملكة فيكتوريا، في ذلك العصر؛ كانت نسبة المسلمين من مجموع السكان 20٪، وارتفعت إلى 24٪ عام 1941.
الانفصاليون وشعار "الإسلام في خطر"
بعد الحرب العالمية الأولى؛ تسارعت حركة استقلال الهند، ورافق هذه الحركة استغلال ناجح من قبل الرابطة الإسلامية، بقيادة محمد علي جناح (1876-1948)، لخوفِ النخب الإسلامية في المناطق الحضرية من أن تجد نفسها معرّضة للهيمنة الهندوسية في الهند المستقلة؛ بسبب الحساب الانتخابي البسيط، وبغرض حشد الجماهير الإسلامية، رفع الزعماء الانفصاليون شعار "الإسلام في خطر"، وجعلوا من الدين الإسلامي المحرك الرئيس للهُوية الإثنية، ونجحوا في ذلك؛ حيث رأت دولة باكستان النور، في 14 آب (أغسطس) 1947،  ومع ذلك، مكث ثلثُ المسلمين في الهند.
محمد علي جناح

ناقلات الأسلمة
عندما وصل المسلمون إلى شبه القارة الهندية، كانت هذه الأرض آهلة بالهندوس بشكل رئيس، يضاف إليهم البوذيون والجاينية (Jainism) (2)، والمجموعتان منبثقتان عن الهندوسية، والفرس والزرادشتيون، الذين فرّوا من بلاد فارس بعد أسلمته، والمسيحيون (كان المسيحيون هندوساً في السابق)، وبعض اليهود. وعلى عكس أجزاء أخرى من آسيا، خاصّة جنوب شرق آسيا، لعبت التجارة دوراً مهماً في أسلمة سكان شبه القارة، رغم أنّ هؤلاء التجار العرب كانوا من بين المسلمين الأوائل الذين دخلوا الهند، وأساساً في السواحل.
مزايا الإسلام وأثرها على السكان
حصّة الفتح تبدو في المقابل أكثر أهمية وحسماً، إذا كنا لا نستطيع التحدث حقاً عن اعتناق الإسلام قسراً؛ لأنّه كان نادراً جداً، فإنّ وجود فاتحين أتراك، وأفغان، وإيرانيين، قد لعب، بلا شكّ، دوراً مهمّاً؛ حيث إنّ الحكام المسلمين قد شجّعوا بالفعل هجرة مشاركيهم في الدين، لكنّ المجتمع المسلم في الهند مجتمع متكوّن من مُعتنقي الإسلام الجدد، وليس من أحفاد الفاتحين أو المهاجرين، والمزايا السياسية والاقتصادية التي يمكن أن يقدّمها الإسلام، كانت هي الأصل في تحوّل العديد إلى الإسلام، ولعلّ هذا السبب جعل هذه المزايا تؤثّر بشكل رئيس في الطبقات الوسطى من المجتمع، خاصة مجموعات المحاربين والتجار والفلاحين والحرفيين.

الوزن السياسي للمسلمين الهنود لا يستهان به، فمساهمتهم الانتخابية تحظى بشعبية كبيرة لدى معظم الأحزاب الهندية

طبقات المجتمع العليا (البراهمان)، والطبقات الدنيا (المنبوذون)، كانت تتجنب الإسلام بشكل عام، وأخيراً، لعب الصوفيّون المسلمون، دوراً أيضاً في تحوّل السكان المحليّين إلى الإسلام.
على المستوى الإقليمي؛ شهدت مناطق قليلة فقط تحوّل سكانها بشكل كبير إلى الإسلام؛ شمال غرب شبه القارة الهندية (باكستان الحالية)، والبنغال الشرقية (بنجلاديش الحالية)، وكشمير، وبعض جيوب ولاية كيرالا، وفي أماكن أخرى، كان اعتناق الإسلام على نطاق أصغر بكثير.

اقرأ أيضاً: كيف ستغيث الإمارات ولاية كيرالا الهندية؟
الإسلام الذي جلبه فاتحو آسيا الوسطى هو الإسلام الحنفي السنّي، الذي ما يزال سائداً اليوم في شبه القارة، وهناك أيضاً بعض الشافعيين، وهو المذهب الذي يضمّ أساساً المسلمين الذين ينحدرون من التجار العرب، خاصّة السكان الذين أسلموا على أيديهم، كما أنّ الشيعة موجودون أيضاً في شبه القارة، ويشكّلون ما بين 15 إلى 20٪ من مجموع السكان المسلمين.

وضع الأقلية المسلمة: الوضع السياسي والاقتصادي
الهند، رسمياً، دولة علمانية، وليس بالمفهوم الفرنسي للكلمة، لكن من مبدأ أنّ جميع الأديان في البلاد ينبغي أن تعامَل على قدم المساواة، لكن مع فصلها عن شؤون الدولة؛ هذا هو مفهوم "العلمانية"، بالتالي؛ فإنّ أيّ تمييز ضدّ الأقليات الدينية محظور بشكل رسمي، ومع ذلك؛ فإنّ التعريف الهندي للعلمانية يجعل الهند تعترف بأن القادة الدينيين في المجتمعات المختلفة لهم مكانة متميزة في أيّة مفاوضات مع الدولة، في حالة نشوب نزاع بين الأديان. بعبارة أخرى؛ يتمتع الزعماء الدينيون بشرعية سياسية، وبالتالي؛ فإنّ المواقف التي يتبناها هؤلاء الزعماء غالباً ما تظهر في نظر الدولة كممثلة لمواقف المجتمع بأكمله، ومع ذلك؛ ففي حالة المسلمين، لا ينتمي القادة بالضرورة إلى الجزء الأكثر استنارة من المجتمع المسلم، الذي فقد خلال التقسيم جزءاً كبيراً من نُخبِه، ونتيجة لذلك؛ عندما يدافع القادة المسلمون عن مواقف محافظة، يتأثر بذلك المجتمع المسلم بأكمله.
القوميون يدعون لهندوسية المجتمع
ترك الانقسام ندوباً أخرى؛ حيث إنّ المسلمين الهنود، يُشتبه بشكل خاص، بولائهم إلى الجارة الباكستانية، وبصورة أعمّ، وباعتبارهم مسؤولين عن تقسيم الأراضي الهندية؛ فهم يشكّلون أقلية "مكشوفة" للغاية، وتشهد على ذلك أعمالُ الشغب التي يتعرّضون لها بصفة دورية، لكنّ هذا العنف لا يستمدّ جذوره من التقسيم، لكنّه يندرج أيضاً في سياق المنافسة بين الطبقات المتوسطة الهندوسية والمسلمة، خاصّة في المناطق الحضرية، وقد تمّ استغلال هذه الوضعية بشكل كبير من الناحية السياسية، من قِبل القوميّين الهندوس؛ حيث يدعو الجناح الأكثر تشدّداً منهم إلى "إبادة عرقية ثقافية" للمسلمين، والأقليات الأخرى، بما في ذلك المسيحية، وبشكل أعمّ؛ يدعو إلى هندوسيّة المجتمع، لقد توصّل القوميون الهندوس إلى السلطة في أواخر التسعينيات، فهم من المؤكد أنهم لا يتمتعون بالأغلبية، لأنّهم يحكمون مع ائتلاف مع الأحزاب العلمانية، ولا يبدو، على الأقلّ في المدى القصير، أنّهم يفكّرون في تغيير أحكام العلمانية للدستور، لكنّهم تمكّنوا من ابتذال بعض أشكال الخطاب الدينيّ في المجال السياسي.
وزن قويّ وتمثيل ضعيف
من المؤكّد أنّ الوزن السياسي للمسلمين الهنود لا يستهان به، فمساهمتهم الانتخابية تحظى بشعبية كبيرة لدى معظم الأحزاب الهندية، لكنّهم لا يتمتعون إلا بتمثيل ضعيف في المؤسسات السياسية.
بالنسبة إلى القضايا الدولية، يمكنهم بالتأكيد، أن يشعروا بالتضامن مع أتباع دينهم في العالم؛ الفلسطينيين، والعراقيين، والشيشانيين، لكن هذا لا يتجاوز، في غالب الأحيان، مرحلة الهُوية العاطفية، فهؤلاء المسلمون الهنود يتجندون قبل كلّ شيء للقضايا الوطنية، وأولويتهم هي انشغالهم بتحسين أوضاعهم في الهند.

اقرأ أيضاً: رئيس وزراء الهند: القرن الحادي والعشرون سيكون قرناً آسيوياً بامتياز
غالباً ما يستند الصوفيون في شبه القارة، إلى القديسين

المسلمون يقاومون التعليم العلماني
على الصعيد الاقتصادي، ومن النتائج الأخرى للتقسيم؛ يحتلّ المسلمون أسفل السلم الاجتماعي، أمّا النخب فقد هاجروا بكثافة إلى باكستان، فالتخلف الاجتماعي-الاقتصادي لأغلبية المسلمين في الهند مردّه أيضاً لصعوبة في تحديث نظامهم التعليمي، ورفضهم قبول نظام التعليم العلماني بشكل كامل، ويفسَّر هذا الرفض أسباب مختلفة، بما في ذلك شعورهم بمعاناة التمييز، عن حقّ أو عن خطأ؛ فهم لا يرون فائدة في اتباع التعليم العلماني، لقناعتهم بأنّه لا يؤدي بالضرورة إلى وظيفة؛ لأنّ عدة قطاعات من القوى العاملة، بما في ذلك الإدارات والخدمات العامة بشكل عام، تتبنى في نظرهم سياسة تمييزية تجاه المسلمين؛ لذلك هم يفضلون التوجه إلى وظائف تمنحهم الاستقلالية، ويمكن أن يعتمدوا فيها على أنفسهم، مثل التجارة، بعد أن يكونوا قد تابعوا بضع أعوام من التعليم في مدرسة دينية (الكتاتيب)، ومع ذلك؛ فإن هذه المدارس الدينية، حتى وإن لم تكن بالضرورة بؤراً للأصولية، كما يروّج البعض، فإنها توفر لمعظم روّادها مستوى متوسطاً من التعليم.
الممارسات الدينية والثقافية
تتميز الممارسات الدينية للمسلمين في شبه القارة الهندية باختلافات كبيرة، من منطقة إلى أخرى؛ فالمسلمون، في معظمهم، مشبَعون بتقاليد المناطق التي يسكنونها، وتتأثر هذه التقاليد بدرجات متفاوتة، بحسب العادات الهندوسية، لا سيما في المناطق الريفية، لكن مع ذلك هناك بعض الثوابت؛ حيث يستند مسلمو شبه القارة إلى المبادئ الأساسية للقرآن الكريم والسنّة، وهو يشتركون في أوجه تشابههم في الحياة مع المسلمين المقيمين في أماكن أخرى من العالم.
تأثير البعد الصوفي وإقبال الطوائف عليه
وبخلاف الاختلافات الإقليمية؛ فإنّ أحد المتّجَهات الرئيسة للتعبير عن التدين الشعبي هو، بالتأكيد، الصوفية، الطريق الروحي للإسلام، وغالباً ما يستند الصوفيون في شبه القارة، إلى القديسين، الذين يُفترض أنهّم يملكون قوّة توسطية وتشفعية مع الله، وتدار المعابد والمزارات الروحية، وهي كثيرة في الهند، من قبل أحفاد السيد الروحي، وهي تأوي قبر القديسين، وتشكّل أماكن للحجّ، فيما وراء الانتماء الطائفي، وحتى الديني؛ لأنّ الهنود يتردّدون أيضاً، وبكثرة، على هذه المعابد والمزارات الروحية.
تعدّد لغات المسلمين
على المستوى الثقافي أيضاً؛ يتميّز المسلمون الهنود بتنوّعهم الداخلي، تختلف ممارساتهم اللغوية والطهوية، وطرق ملبسهم، بشكل كبير، من منطقة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال؛ لغة ثقافة مسلمي الهند هي اللغة الأردية، لكن لغالبيتهم لغتهم الأم، وهي واحدة من اللغات المحلية، أو لهجات شبه القارة الهندية، مثل: المالايالام، أو البهوجبرية، أو البنغالية. وبالمثل؛ فإنّ الثوب التقليدي لشمال الهند هو الشيرواني، وهو مجموعة تتكون من سترة طويلة، وبنطلون ضيق للغاية، في حين أنّ مسلمي الجنوب يميلون أكثر إلى لباس الـ "لونجي"؛ وهو نوع من المئزر، لكن قد يكون لمسلم من كيرالا، من الألفة الثقافية مع هندوسيّ من المنطقة نفسها، أكثر مما له مع مسلم كشميري.

اقرأ أيضاً: امرأة هندية تتلقى تهديدات بالقتل لأنها تؤم المصلّين
 وضع المرأة المسلمة في الهند معقّد

وضع المرأة
إنّ وضع المرأة المسلمة في الهند معقّد إلى حدّ ما؛ فهي، من ناحية، تتمتع بجوّ ملائم من الانفتاح، المؤيد للمرأة، ومن ناحية أخرى؛ هي تعاني من كون أنّ القانون الإسلامي الشخصي، الذي بلغ تقنينُه ذروتَه في ظلّ البريطانيين، لم يخضع لأيّ تغيير منذ نهاية الاستعمار؛ منذ استقلال الهند، لم تشهد النساء المسلمات سوى تحسّن طفيف في وضعهنّ، رغم مرور خمسة عقود من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

التعريف الهندي للعلمانية يجعل الهند تعترف بأنّ القادة الدينيين لهم مكانة متميزة في أيّة مفاوضات مع الدولة

الدستور يكفل حقوق المرأة بالتأكيد، لكن في الواقع، لا تتمتع النساء إلا بميزة جزئية من هذه الحقوق، وقد سمحت إصلاحات القوانين الهندوسية المتعلقة بحقوق الملكية والميراث والزواج، وكذلك بعض التقدم الاقتصادي والاجتماعي، للنساء الهندوسية بالمشاركة نسبياً في المجتمع الهندي، النساء المسلمات، وكذلك المسيحيات في المقابل، لم يتمتعن بالامتيازات نفسها، فما يزال من الصعب للغاية، بالنسبة إلى المرأة المسيحية، الحصول على الطلاق.
وعلى العكس من ذلك؛ فإنّ النساء المسلمات يُفصلن بسهولة من قبل أزواجهن، أو يُجبَرن على العيش في حالة تعدّد الزوجات، لكنّ هذه الممارسة الأخيرة نادرة جداً في الهند، ويمكن تفسير هذا التباين في وضع النساء من مختلف الطوائف الدينية، على وجه الخصوص، بالآثار الضارة للعلمانية في الهند؛ حيث الحرية الدينية تلعب دوراً ذا أولوية مقارنة بالاعتبارات الأخرى، وهكذا؛ فإنّ الأقليات، خاصّة المسلمين، غالباً ما يتمّ استثناؤُها من الإصلاحات الاجتماعية التي تقوم بها الحكومة الهندية، وذلك لأنّ هذه الحكومة، خاصة بعدما وصل حزب المؤتمر إلى السلطة، سعت إلى معاملة الأقليات بشكل مختلف؛ فقد ساهمت الدولة، من خلال خلق مساحة منفصلة للمسلمين، حتى ينظموا أنفسهم كمجموعة سياسية منفصلة، في استبعادهم الفعلي من عمليات التحوّل الاجتماعي، والتنمية الوطنية.

اقرأ أيضاً: أرقام صادمة.. تقرير حكومي يكشف حجم التمييز بين الذكور والإناث في الهند!

ناهيك عن أنّ الدولة تلجأ، في أيّ تفاوض، إلى قرارات القيادة المسلمة، والحال أنّ هذه القيادة، وهي عموماً، شخصيات محافظة، تعارض الإصلاحات، سيما تلك التي من المحتمل أن تؤثر على القانون الإسلامي الشخصي، لكن من الواضح أنّه إذا كان القانون الشخصي يميل إلى أن يكون أداة بين يدي القيادة الإسلامية للمساومة مع الدولة؛ فهو قانون يسعى إلى تكريس الرمز النهائي للمحافظة على الهُوية الإسلامية في الهند، لدرجة أنّ المسلمين التقدميين يرون أنّ أيّ إصلاح اجتماعي وقانوني يتعلق بالمسلمين، يجب أن تتمّ بلورته داخل المجتمع نفسه، وأن لا تفرضه الدولة، ونتيجة لذلك، وبسبب المشكلات الطائفية في الهند؛ تُعرَّف النساء المسلمات في المقام الأول على أنهنّ مسلمات، ولسن نساء، ممّا يعرقل حقوقهنّ إلى حدّ كبير.
بين الامتياز السياسي وعوائق القوى المحافظة
في المجموع الهندي؛ يتميّز المسلمون الهنود، الذين يمثلون أكبر أقلية من المسلمين في العالم، بتنوّعهم الداخلي؛ إنهم يتمتّعون بالامتياز السياسي في العيش في بلد ديمقراطي، لكنهم مع ذلك يتعرّضون لبعض المصاعب؛ إذ يرون انعدام الأمن يزداد منذ تولي القوميين الهنود السلطة في البلاد، وعلى المستوى الاجتماعي، وكما يتّضح ذلك من بعض المؤشرات، مثل وضع المرأة ونظام التعليم، فإنّ التراكمات التي نشأت منذ القرن التاسع عشر كثيراً ما تعيق نموّهما بشكل كبير، ومن المؤكد أنّ العناصر التقدمية للمجتمع تمارس الضغط المستمر على الدولة من أجل تطوير الإصلاحات، لكنّ الطريق إلى الأمام محفوف بالمخاطر؛ حيث ما تزال القوى المحافظة تحتلّ مركز الصدارة.


المصدر: clio.fr


الهوامش:
(1) أمينة محمد عريف، باحثة في المعهد الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، ومتعاونة مع مركز دراسات الهند وجنوب آسيا (CNRS-EHESS).
(2) الجاينية (Jainism)، وتُعرف أيضاً باسم "جاين دارما"؛ وهي إحدى الديانات الدارمية ذات الطابع الفلسفي، نشأت في الهند القديمة، تبعاً لتعاليم ماهافيرا، حوالي القرن السادس قبل الميلاد، ويشكّل أتباع هذه الديانة حالياً أقلية في الهند، إضافة إلى تجمّعات مهاجرة متزايدة في كلّ من الولايات المتحدة، وبلدان غرب أوروبا، وإفريقيا، والشرق الأقصى، ومناطق أخرى حول العالم، تحافظ الجاينية على تقاليد الشرمان القديمة، أو ما يُدعَى بالزهد.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يحرق نتنياهو إسرائيل إذا خسر الانتخابات؟

2019-09-17

ترجمة: إسماعيل حسن


مع حلول موعد الانتخابات الإسرائيلية، اليوم الثلاثاء، تشهد الساحة السياسية في الداخل الإسرائيلي حالة من الترقّب الحذر، على وقع إعادة انتخابات الكنيست الذي حلّ نفسه في أواخر أيار (مايو) الماضي، فيما تزداد آمال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في الحصول على ولاية خامسة، بعد انتخابات التاسع من نيسان (أبريل) الماضي، في وقت أظهرت فيه استطلاعات الرأي، تراجع نسبة المؤيّدين لحزب الليكود اليميني، الذي يقوده نتنياهو، وهو ما يجعل من فرصة نجاحه في انتخابات الكنيست ضعيفة، على غرار ما يتوقعه وحزبه اليميني المتطرف.

اقرأ أيضاً: هل ستواصل إسرائيل هجماتها على مواقع إيران وحزب الله؟
خلال الأيام الأخيرة، وبعد فشل نتنياهو في تشكيل حكومة ائتلافية، نتيجة الصعوبات التي واجهها في التوفيق بين مطلب حزب "إسرائيل بيتنا"، بزعامة أفيغدور ليبرمان، بتمرير قانون تجنيد لا يستثني المتدينين اليهود من الخدمة الإلزامية بالجيش، وبين مطالب حزب "يهود هتوراه" اليميني، الذي يصرّ على إعفائهم، فشلت حينها الوساطات كافة لإقناع ليبرمان بالتراجع عن صيغة قانون التجنيد، التي وضعها العام الماضي خلال تولّيه منصب وزير الدفاع.

أكثر من ثلث الإسرائيليين لن يشاركوا في الانتخابات وذلك بعد هروب رئيس الوزراء نتنياهو لحظة سماع صافرات الإنذار

على صعيد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، تعدّ الانتخابات القادمة معركة مصيرية بالنسبة إليه على الصعيدَين؛ السياسي والشخصي، على الصعيد الشخصي؛ يواجه لائحة اتّهام بالرشوة والخداع وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا، قد يشرع بمحاكمته فيها مباشرة حيال فشله في الانتخابات، في حين يأمل نتنياهو حال فوزه، بسنّ تشريع يحول دون محاكمته على القضايا المتورط بها، أما على الصعيد السياسي؛ فخسارته بالانتخابات ربما تعني القضاء على مستقبله، لاقتناعه بوجود من يسعى للتخلّص منه من الأحزاب الإسرائيلية المنافسة.

 تراجع نسبة المؤيّدين لحزب الليكود اليميني، الذي يقوده نتنياهو
في إطار ذلك؛ يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، المتهم في عدة قضايا فساد، مستقبلاً غامضاً وتحديات كثيرة لخططه، على المستويَين؛ الداخلي والخارجي، بانتظار حسمها في جولة الانتخابات الجديدة؛ إذ يرى مراقبون أنّ فرص فوز الليكود الذي حصل على 36 مقعداً في الانتخابات الأخيرة باتت بعيدة، فيما يقترب تحالف "أزرق أبيض" الذي حصل على 35 مقعداً من تشكيل الحكومة، خاصة بعد اتفاق فائض الأصوات الذي وقع في وقت سابق، بين غانتس وليبرمان، والذي يقوم على تزويد الحزب الأقرب للفوز بعدد من أصوات الحزب الآخر.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستعين بالخنازير لمعالجة جنودها المصابين بأمراض نفسية وعقلية
نتنياهو سعى إلى أن يسابق الزمن، من خلال عقد مؤتمرات وتقديم وعود واهية، ضمن حملته الانتخابية هنا وهناك، وذلك من أجل تعزيز موقفه أمام شعبه، لكن ثمّة ثغرات حدثت مؤخراً تجعل من إمكانية نجاحه أمراً شبه مستحيل؛ حيث قدّم مؤخراً وعوداً كبيرة للشعب الإسرائيلي، على حساب الفلسطينيين، أبرزها؛ ضمّ غور الأردن وشمال الضفة وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليهما، لكن رغم كلّ ذلك يشعر نتنياهو بشكل حقيقي أنّ مشواره السياسيّ بات أقرب إلى النهاية، وأنّ السجن هو مقرّه القادم بعد إثبات إدانته بقضايا الفساد، الحوامات المسيرة، التي تدخل الأراضي الإسرائيلية من غزة بشكل متكرر، باتت تزداد خطورتها يوماً بعد يوم، عندما دخلت على خطّ استهداف عربات الجنود على الحدود، كما حصل مؤخراً، استمرار إطلاق الصواريخ من قطاع غزة نحو المدن الإسرائيلية، وانعدام الحياة المعيشية الآمنة لسكان الجنوب، وتواصل إطلاق البالونات الحارقة، وحرق المحاصيل الزراعية، كلّها أمور باتت مقلقة، رغم عدم وجود أيّ حلّ جذري لها، لا سيما ما حصل مؤخراً أثناء إلقاء خطاب أمام جموع الإسرائيليين في مدينة أسدود، وما أعقبه من إطلاق حماس والجهاد الإسلامي لصواريخ بشكل متعمَّد على المدينة، بالتزامن مع وجوده على منصة الكنيست واضطراره للنزول إلى الملاجئ، هذه الحادثة في حدّ ذاتها تعدّ رسالة فشل وتحدٍّ له، في أعقاب حالة السخرية العارمة التي عجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي والشارع الإسرائيلي، وبالأخص الطبقة السياسية، التي اشتغلت بالتحريض عليه، وسخرت من حالة عدم اللامبالاة لديه في تقصيره في ردع التنظيمات المسلحة بغزة والاستهتار بأرواح شعبه.

يشعر نتنياهو بشكل حقيقي أنّ مشواره السياسيّ بات أقرب إلى النهاية
أمام كلّ هذه الانتقادات والفجوات التي تهدّد بقاء بنيامين نتنياهو على سدّة الحكم، يجهّز الإسرائيليون أنفسهم لسيناريوهات سلبية متوقَّعة، سيقدم عليها نتنياهو في حال فشله في الفوز بالانتخابات المقبلة؛ حيث أوضح الكاتب الإسرائيلي، يوسى يهوشواع؛ أنّ الخطة التي يتحضر لها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تتمثل بتعميم الفوضى في الساحة السياسية الحزبية، من خلال طلبه إعادة إجراء الانتخابات في حال خسارته لها؛ لذلك فقد بدأ يعدّ الأرضية السياسية لهذا السيناريو، من خلال التلويح بإمكانية حدوث تزوير في إجرائها، مما سيؤدي إلى فوضى عارمة غير مسبوقة في إسرائيل، وأزمة قانونية في الدولة، في حين أنّ اعتبار تلك الانتخابات معركة مصيرية له، قد يدفعه إلى سلوك عنيف سياسياً، أو على أرض الواقع، أو عبر رفض النتائج، في ظلّ إظهار استطلاعات الرأي، حتى الآن، عدم إمكانية تشكيله حكومة؛ لعدم توفر 61 مقعداً، من أصل 120، لكتلة اليمين المتطرف.

اقرأ أيضاً: احتدام الصراع الانتخابي في إسرائيل.. واتفاق على إطاحة نتنياهو
وأشار الكاتب إلى أنّ الهدف الأساسي لنتنياهو من هذا المخطط الفوضوي؛ هو الهروب من الاستحقاق القضائي الخاص بملفات الفساد التي تنتظره، وهو ما يعني أنّ إسرائيل، للمرة الأولى منذ تأسيسها، قبل أكثر من سبعين عاماً، قد تكون معرضة لأن تشهد هذه الحالة، واللافت في الأمر؛ أنّ من يخطط لوقوعها هو من يقف على رأس الدولة، نتنياهو شخصياً.
وكشف الكاتب النقاب عن أنّ هناك قناعات بدأت تتجسد في أوساط تنفيذ القانون في إسرائيل، مفادها؛ أنّ نتنياهو لن يترك مقرّ رئاسة الحكومة في القدس بإرادته، ولذلك فقد عزم على القيام بعملية تخريب موجَّهة لمؤسسات الدولة الرسمية؛ حيث بدأ بالشرطة ومحققيها ومفتشها العام، وصولاً إلى النيابة العامة، مروراً بالمحكمة العليا، ووصولاً إلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية، وانتهاءً بالمستشار القضائي للحكومة.
على صعيد آخر؛ يجمع محللون ومراقبون على أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يخطّط لتصعيد الأوضاع الأمنية في قطاع غزة، في مسعى منه لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مفسّرين قولهم إنّ الأسابيع الأخيرة شهدت جملة تصريحات وتسريبات للمحيطين به في القضايا الأمنية بصورة هستيرية، أكثر مما كان سابقاً، هذا لا يعني أنّ الرجل يتشوّق لحرب قادمة، لكنّه في الوقت ذاته لا يلغي أيّة احتمالية؛ لأنّه مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي القادم، يشعر نتنياهو بأنّ فرص نجاحه مجدداً بالفوز، بعد نيسان (أبريل) الماضي، قد تتحوّل لكارثة لفقدان الثقة به داخل أوساط الإسرائيليين.

نتنياهو يخطّط لتصعيد الأوضاع الأمنية في قطاع غزة في مسعى منه لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية
واستدرك المراقبون، من خلال رؤيتهم؛ أنّ نتنياهو حافظ على شخصية الحذر من أيّة مغامرات عسكرية؛ بسبب رغبته في البقاء بمنصبه؛ لأنّه يعلم أنّه في العقدَيْن الأخيرَيْن لا يمكنه الخروج سليماً معافى، من حرب أو مواجهة عسكرية محدودة، حتى لو كان الجيش الإسرائيلي، الأقوى في الشرق الأوسط، يعمل تحت إمرته، لكنّ الوضع قد ينقلب فجأةً إذا وصلنا إلى نقطة الحسم في مستقبل نتنياهو السياسي، مما قد يجعله يقدم على اتخاذ قرار مصيري، هو الأخطر في حياته.

اقرأ أيضاً: ما سر منح إسرائيل تراخيص بناء للفلسطينيين في المناطق "ج"؟‎
فيما يرى المراقبون؛ أنّ نتنياهو قد يدخل إسرائيل في حالة فوضى، بل ويحرقها بسكّانها، وتعمّ الشوارع بالمظاهرات والفوضى، إذا خسر في الانتخابات؛ وذلك أملاً في إمكانية إعادتها مرة أخرى.
صدمة مدوية أخرى تلقاها نتنياهو في أعقاب فشل تمرير قانون الكاميرات قبل الانتخابات بأسبوع؛ حيث رفض الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون مثيراً للجدل، يسمح باستخدام كاميرات لتصوير ما يجري داخل مراكز الاقتراع خلال الانتخابات المقبلة، وهو ما أثار تحفظاً من المدعي العام الإسرائيلي، الذي صوّتت عليه الأغلبية بالرفض التام، إلى ذلك أيضاً صادق نتنياهو في جلسته الأسبوعية على إنشاء مستوطنة جديدة في غور الأردن، لكنّ المستشار القضائي للحكومة عارض القرار بسبب تزامنه مع اقتراب موعد الانتخابات.

اقرأ أيضاً: "الفصول الأربعة": خطّة الجيش الإسرائيلي القادمة للقضاء على حماس
هذا الفشل الذريع، ربما يعطي صورة مبدئية لنتنياهو بالفشل في الانتخابات القادمة، كما قال رئيس حزب "أزرق أبيض"، بيني غانتس، ثاني الأحزاب المرشحة للفوز في الانتخابات: إنّ نتنياهو فشل خلال الانتخابات السابقة في تشكيل الحكومة، وفشل في تمرير قانون الكاميرات، وسيفشل الأسبوع المقبل في الانتخابات، وقال إنّ إقرار الحكومة مشروع قانون الكاميرات، هو مسعى من نتنياهو للمسّ بشرعية نتائج الانتخابات، وتمهيد لنشر حالة فوضى، خلال الانتخابات وبعدها، مبيناً أنّ خطوة نتنياهو هي هجوم غير لائق على المستشار القضائي للحكومة وعلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية، وسلوك لا يمكن احتماله، قائلاً: إنّ "من يحاول المسّ بأسس العملية الديمقراطية، لا يستحقّ أن يقود الدولة العبرية".

رئيس حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس
أما زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، ثالث الأحزاب المرشَّحة بالفوز، فأشار في مقابلة متلفزة؛ إلى أنّه تلقّى معلومات من أنصار حزب الليكود، تحذّره من إمكانية أن يفتعل أنصار نتنياهو أعمال عنف في مراكز الاقتراع بالمناطق التي يحصل فيها "إسرائيل بيتنا" على نسبة عالية من الأصوات، وقال ليبرمان: إنّ "حالة العنف والفوضى التي سيحدثها ناشطو الليكود، سيكون هدفها إلغاء النتائج"، وشدّد على أنّ قادة الليكود لا يمكن أن يقدموا على تلك الخطوة، دون موافقة المستويات العليا، في إشارة إلى نتنياهو.

اقرأ أيضاً: هل تساعد منظومة الدفاع الإسرائيلية "حيتس 3" في ردع التمدد الإيراني؟

النائبة في الكنيست عن القائمة العربية المشتركة، عايدة توما، قالت إنّ "إسقاط قانون الكاميرات يؤكد أنّ نتنياهو لا يتحكم بمجريات الأمور السياسية، وهو قلق جداً من نتائج الانتخابات المرتقبة، لكنّه أراد أن يقوم بفقاعة إعلامية يجذب إليه بها الأنظار، لكن ذلك دليل قاطع على تراجع التأثير السياسي له"، وتابعت: "القائمة العربية لديها مليون صوت، وبإمكانها أن تقدّم نجاحاً كبيراً"، موضحة أنّ "قوة القائمة المشتركة هو العامل الوحيد للتأثير على الحلبة السياسية، وإزالة اليمين المتطرف المتربّع على سدّة الحكم".
ووفق استطلاعات للرأي، أجرتها هيئة البثّ الإسرائيلي، أظهرت تقدّم حزب "أزرق أبيض"، بــ 32 مقعداً، مقابل 31 مقعداً فقط لحزب الليكود، وأضاف الاستطلاع أنّ ثالث أكبر حزب من حيث عدد المقاعد هو القائمة المشتركة العربية، برئاسة أيمن عودة، ويحصل على 10 مقاعد، أما الأحزاب اليمينية، كتحالف يميني، برئاسة آيليت شاكيد، يحصل على 9 مقاعد، وفي المقابل حزب "شاس" المتديّن، برئاسة أرييه درعي، وحزب يهدوت هتوراه المتدين، برئاسة يعقوب ليتسمان، يحصلان على 7 مقاعد، أمّا الأحزاب المتبقية من كتلة يسار، فيحصل تحالف المعسكر الديمقراطي، برئاسة نتسان، على 6 مقاعد، وتحالف العمل بزعامة عمير بيرتس، يحصل على 5 مقاعد، ويظهر استطلاع الرأي أيضاً؛ حصول حزب "إسرائيل بيتنا"، بزعامة ليبرمان، على 9 مقاعد، وهنا بإمكان حزب ليبرمان إعطاء حزب "غانتس" فائض أصوات إذا شارف على الفوز، واحتاج إلى أصوات لرفع نسبة مقاعده، وهنا يبدو نتنياهو أكثر انزعاجاً؛ نتيجة تقارب نسبة الأصوات بين حزبه وحزب غانتس، التي لربما تكون بفارق مقعد واحد، كما حصل في الانتخابات السابقة.

استطلاعات رأي لهيئة البثّ الإسرائيلي أظهرت تقدّم حزب "أزرق أبيض" بــ 32 مقعداً مقابل 31 مقعداً فقط لحزب الليكود

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أنّ نسبة المشاركة في انتخابات الكنيست المقبلة ستكون منخفضة، في حين أنّ أكثر من ثلث الإسرائيليين لن يذهبوا إلى مراكز الاقتراع، ولن يشاركوا في الانتخابات، وذلك بعد هروب رئيس الوزراء نتنياهو، لحظة سماع صافرات الإنذار؛ حيث إنّ هذا الحدث الإعلامي يتعارض مع الوعودات التي قدمها سابقاً، ومن سيقدّم من المرشحين الآخرين وعوداً لن يلتزموا بها.
ويحتم القانون الإسرائيلي على المرشّح الفائز أن يبلّغ رئيس الدولة، خلال 42 يوماً المتاحة له، بأنّه لم ينجح بتشكيل الائتلاف الحكومي، وفي هذه الحالة سيكون من صلاحية الأخير تكليف عضو كنيست آخر، لإبلاغه باستعداده لهذه المهمة، وقبل تكليف مرشح جديد، عليه القيام بجملة استشارات حزبية مع رؤساء القوائم الحزبية، فيما لا يحدّد القانون الإسرائيلي هوية المرشح الجديد، ما يفسح المجال أمام رئيس الدولة؛ إما بتكليف عضو كنيست جديد من حزب الليكود، أو رئيس حزب "أزرق أبيض"، الجنرال بيني غانتس؛ ما يعني عدم تمكّن نتنياهو من تقلّد موقع رئيس الحكومة الجديد، لانقضاء المدة المسموح له خلالها بتشكيل الحكومة.


المصدر: موقع "0404"

للمشاركة:

هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟

2019-09-16

ترجمة: محمد الدخاخني


لا يختلف الإرهابيّون المحلّيّون اليمينيّون، مثل الرّجل المتّهم في عمليّة إطلاق النّار الّتي وقعت مؤخراً في مدينة إل باسو (تكساس)، كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين الرّاديكاليّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم - وليس فقط في تكتيكات نشر الإرهاب أو في طرق تجنيد الأتباع عبر الإنترنت. في الواقع، من المستحيل فهم عودة التّطرّف الرجعيّ في أمريكا دون إدراكه باعتباره ظاهرة دينيّة بشكل أساسيّ.

لا يختلف الإرهابيّون اليمينيّون كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم بنشر الإرهاب أو بتجنيد الأتباع

على عكس الجهاديّين الإسلامويّين، فإنّ مجتمعات العُزّاب المحافظين والاستعلائيّين البيض الموجودة على الإنترنت، وإلى جانبها مجتمعات أصحاب نظريّات المؤامرة المستندة إلى معاداة السّاميّة، لا تقدّم مزاعم بشأن أيّ حقيقة ميتافيزيقيّة ولا تقدّم أيّ وعد بحياة أخرى أو مكافأة. لكنها تؤدّي الوظائف الّتي ينسبها علماء الاجتماع عموماً إلى الدّين: إنّها تقدّم للمنتسبين إليها تفسيراً له مغزى عن الطّريقة الّتي يسير بها العالم. وتوفّر لهم شعوراً بوجود غاية، وإمكانيّة للقداسة. كما توفّر الشّعور بوجود مجتمع يمكن للمرء الانتماء إليه. وتؤسّس أدواراً وطقوساً واضحة تُتيح للأتباع أن يشعروا ويتصرّفوا بوصفهم جزءاً من كلٍّ أكبر. وهذه ليست مجرّد ثقافات فرعيّة؛ بل كنائس. وإلى أن ندرك وجود الجوع الدّينيّ إلى جانب الكراهية المدمّرة داخل هذه المجتمعات، فلدينا فرصة ضئيلة لإيقاف هؤلاء الإرهابيّين.

والآن أكثر من أيّ وقت مضى، نجد الوعود الّتي كان الدّين يقطعها بشكل تقليديّ (عالم له معنى، مكان قابل للحياة بداخل هذا العالم، مجتمع يشاركنا هذا المكان، طقوس لجعل الحياة العادية مقدّسة) غائبة عن المجال العام. والمزيد والمزيد من الأمريكيّين ينضمّون إلى صفوف غير المنتمين دينيّاً. وهناك لادينيّين أكثر من الكاثوليكيّين أو الإنجيليّين، و36 في المائة من المولودين بعد عام 1981 لا يرتبطون بأيّ دين. وهذه الحركات الرّجعيّة الجديدة، مع قدرتها على تقديم إجابات تسكينيّة وذَمّيّة لفوضى الوجود، تُعدّ طريقة - بين طرق أخرى عديدة - يسدّ بها الأمريكيّون تلك الفجوة.

تعطي الجماعات الدينية أتباعها الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً شعوراً بالانتماء إلى مجتمع

المتطرّفون الّذين ارتكبوا مذابح في الأعوام الأخيرة - جرائم القتل الّتي ارتُكبت في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا عام 2014، وهجوم الشّاحنة في تورنتو عام 2018، وإطلاق النّار في كنيس بيتسبرغ عام 2018، على سبيل المثال لا الحصر - لم يتشاركوا السّياسة نفسها. ففي حين عبّر معظمهم عن مزيجٍ من الرّؤى الاستعلائيّة البيضاء أو المعادية للسّاميّة أو الكارهة للنّساء، فإنّ القليل منهم كانوا جزءاً من حركات محدّدة أو منظّمة أو حتّى كانت لديهم وجهات نظر سياسيّة متماسكة. لكن ما شاركه كافّة هؤلاء الجناة تقريباً هو نظرة ذات بُعدٍ كونيّ تُصَنِّم العنف باعتباره ناراً مُطهِّرة: تدميرٌ ضروريّ "لإعادة ضبط" العالم وإخراجه من عطبه. وتؤمثِل هذه النّظرة العالميّة الرّجعيّة ماضياً متخيّلاً، ماضياً سابقاً على مِحَن النّسويّة والتّعدّديّة الثّقافيّة، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
عبر المنتديات الخاصّة باليمينيّين المتطرّفين، يكتشف هؤلاء الرّجال، أو يتمّ تلقينهم بمسبّبات مبسّطة بشكل مُسمِّم تدّعي أنّها تفسّر الفوضى الظّاهرة للحياة المعاصرة. وعوضاً عن الحديث عن معارك كونيّة لشرح مشكلة الشّرّ، وجدوا نظريّات المؤامرة: العالم تديره سرّاً شبكة يهوديّة تخطّط للقضاء على العرق الأبيض؛ تخطّط النّسويّات الرّاديكاليّات القامِعات لإبادة الرّجال.
وفي الوقت نفسه، تَعِد هذه المجموعات أعضاءها بوجود غاية في هذا العالم الفوضويّ: فرصة للمشاركة في إشعال حريقٍ مطهِّر. فهم مدعوون لارتداء عباءة المحاربين في سبيل القضّيّة. لم يعد هؤلاء الرّجال ضمن قائمة الـ "بيتا" [على عكس "ألفا"] (وتلك إهانة شائعة في دوائر اليمين المتطرّف) - إنّهم أبطال محتملون. ولننظر فقط إلى الّلغة المستخدمة في البيان الّذي كتبه الرّجل المتّهم بإطلاق النّار في مدينة إل باسو: لقد اعتبر نفسه بطلاً "تشرّف بأن يرأس المعركة لاستعادة بلدي من الدّمار". إنّ لغته، شأنها شأن لغة الجهاديّين، تأخذ شكلاً من أشكال صناعة الذّات الأسطوريّة: فهو يُعيد صياغة نفسه بوصفه شخصاً له دور حيويّ يلعبه في حربٍ كونيّة.

عندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى
لكن الجاذبيّة الاجتماعيّة والشّعبيّة لهذه الجماعات تكاد تكون مهمّة الفهم مثل جاذبيّاتها الأيديولوجيّة الّتي تشكّل العالم. فشأنها شأن كلّ الجماعات الدّينيّة تقريباً، تستخدم لغة مشتركة وطقوساً مشتركة. وعن طريق نشر أو إعادة تغريد محتويات بصريّة عنصريّة أو متحيّزة جنسيّاً أو عبر استخدام مصطلحات محدودة بمجموعة معيّنة...، يكرّر المنتسبون لهذه الجماعات سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ هذه الجماعات تُعطي أتباعها، الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً، شعوراً بالانتماء إلى مجتمع. وقد أصبحت منتدياتهم أشبه ما تكون بصورة غير متجانسة من "فرسان الهيكل". فعندما ينشر رجالٌ (وعادةً ما يكونوا رجالاً) شيئاً عن إحباطاتهم فيما يتعلّق بالمواعدة (بإلقاء الّلوم على... النّسويّات الّلاتي يصعب إرضاؤهنّ) أو سوق العمل (بإلقاء الّلوم على المهاجرين)، يكون في انتظارهم آلاف المدوّنين من ذوي العقليّة المشابهة لتهدئتهم. وتوفّر هذه الجماعات الإحساس بالمكانة الاجتماعيّة الّتي لا يستطيع العالم الخارجيّ توفيرها. ولا يصبح النّاشرون الآخرون، على مواقع مثل "رديت"، مجرّد أسماء على الشّاشة ولكن مصادر للطّمأنينة والأخوّة في السّلاح.

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟
هذه الأخوّة لها تسلسل هرميّ خاصّ بها ولها "سِيَر قدّيسيها". فغالباً ما يتمّ تكريم أولئك الّذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيّة باعتبارهم شهداء في سبيل القضيّة: فيُشار إلى إليوت رودجر، الرّجل المسلّح الكاره للنّساء الّذي يقف وراء عمليّات القتل في سانتا باربارا، في شبكات العزّاب المحافظين بأنّه "النّبيل الأعلى"؛ وخلال ساعات من إطلاق النّار الّذي وقع في مدينة إل باسو، اعتُبِر المسلّح "قديساً" في المنتديات القوميّة البيضاء. إنّ ارتكاب عمل إرهابيّ قد لا يُسفر عن المكافأة الميتافيزيقيّة نفسها الّتي يَعد بها الإسلام الرّاديكاليّ شهداءه، لكنّه مع ذلك يؤكّد للممارسين نوعاً معيّناً من وضعيّة الانتماء إلى جماعة. وطالما يوجد إنترنت، فإنّ إخوانهم المختارين سيتذكّرونهم.

من الضّروريّ إدانة جماعات الكراهية هذه وفظائعها. ولكن من التّبسيط، ومن غير المجدي، القيام بذلك في الفراغ. إنّ وصف هؤلاء القتلة بأنّهم رجال يعانون الوحدة والاستياء والسّخط، وبأنّهم متمرّدون يبحثون عن قضيّة، لا يقصد منه التخفيف من فظاعة أعمالهم، ولا تبريرها باعتبار أنّه "يُساء فهمهم". على العكس، نقوم بهذا التّوصيف من أجل تصوّر طريق مثمر إلى الأمام - فرصة لإزالة التّطرّف عن بعضهم قبل ارتكاب أعمال عنف، وتزويد النّاس بشكل مختلف من "وقود الحياة".

يكرّر المنتسبون للجماعات الدينية سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة

إنّ السّعي إلى حياة اجتماعيّة مترابطة وغنيّة بالمعنى - وهي أشياء مفقودة في عصرٍ متزايد التمزّق؛ حيث ثمّة إدارة رئاسيّة تزيد الانقسامات - يُعدّ احتياجاً إنسانيّاً حقيقيّاً للغاية. إنّنا بحاجة إلى الانتماء إلى كيانات أشبه بالكنائس، سواء كنّا دينيّين أو مدنيّين، مؤسّسيّين أو شعبيّين، على الإنترنت أو خارجه. وبالتّأكيد، يمكننا أن نرى في الارتفاع المتزامن لـ "الرّوحيّ ولكن ليس الدّينيّ" وجمهوره من حركات العصر الحديث - من عبادة الصّحّة والعافية إلى صعود السّحر والتّنجيم الحديثين - وفرةً من الجهود الجديدة النّاجحة بشكل متفاوتٍ لملء فجواتنا الرّوحيّة دون عنف أو كراهيّة.
وعندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة، نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى. وهذه ليست أرضاً أنا، على الأقلّ، على استعداد للتّنازل عنها.


المصدر: تارا إيزابيلا بورتون، النيويورك تايمز

للمشاركة:

بأي معنى جاءت العقوبات الأمريكية ضدّ إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-09-15

ترجمة: مدني قصري


إذا كانت بعض العقوبات الاقتصادية قد وجّهت بلا شك ضربة للقوة الإيرانية، يبدو أنّ البعض الآخر كان لغرض رئيسي هو تأثير وسائل الإعلام.

عقوبات ذات كفاءة قابلة للنقد في بعض الأحيان ولكنها ذات قوة تواصل قوية

هذا هو حال، على سبيل المثال، العقوبات المفروضة في حزيران 24 (يونيو) 2019، والتي استهدفت على وجه التحديد آية الله خامنئي والعديد من قادة الحرس الثوري. من الآن فصاعداً، تُحظر أي تجارة مع الأفراد والكيانات المستهدفة. وسيتم تقييد وصولهم إلى الأسواق المالية والمعاملات المالية بشكل عام، إن لم يتم منعهم منعاً تاماً. كما تم تجميد أرصدتهم في الولايات المتحدة. يُحذر المرسوم البنوكَ من أنّه إذا تبين أنّ بعضها يتداول مع المستهدفين بهذه العقوبات، فسوف يُحرَمون من  الوصول إلى السوق الأمريكية.

 تأمل واشنطن أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه قادم من الخارج ومن الداخل

تأثير رمزي بدل الضغط الحقيقي
يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي، أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي. في الواقع، من غير المرجح أن يمتلك خامنئي، أو أي من قادة الحرس الثوري المستهدفين، أصولاً في الولايات المتحدة، بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين القوتين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي (1). وكما يُذكرنا الخبير الاقتصادي كايلن بيرش، فما دامت إيران تخضع للعديد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، كما هو موضح أدناه، فإنّ قادتها قد قاموا بالضرورة بتقييد، أو حتى بإيقاف أي نشاط، سواء أكان قريباً أو بعيداً، مع الولايات المتحدة: تنطبق هذه المعاينة أيضاً على العقوبات المفروضة على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 31 تموز (يوليو). مع هذه العقوبات "الرمزية"، تأمل واشنطن في أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده، لكن ضد زعمائه.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟

في الواقع، تندرج هذه الإستراتيجية ضمن نطاق واسع من التذمر الشعبي في إيران، والذي تم التعبير عنه خلال شتاء 2017-2018 في جميع أنحاء البلاد، من خلال أعمال شغب كبرى (2) أدت إلى مقتل حوالي 20 محتجاً واعتقال حوالي 7000 منهم. وفي الآونة الأخيرة، تم التعبير عن هذا الاحتجاج في الأشهر الأخيرة من خلال المظاهرات الاحتجاجية على ارتداء الحجاب الإجباري، على سبيل المثال، أو من خلال دعم "الحركة الخضراء"، وهي حركة سياسية تدعو إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاجتماعية والسياسية والاجتماعية في ايران.

يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي

رفع الضغط على الاقتصاد الإيراني 
وفقًا لإليزابيث روزنبرغ (3)، مستشارة العقوبات السابقة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فمن خلال زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وبالتالي إحداث انحطاط في الحياة اليومية للإيرانيين، تأمل الولايات المتحدة في دفع الإيرانيين نحو تحدٍ أكبر إزاء السلطة الحاكمة، أو حتى نحو ثورة جديدة، وبالتالي تغيير النظام. وتأمل واشنطن على الأقل في أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه، قادم من الخارج ومن الداخل على السواء، مما سيدفعه إلى التفاوض من أجل تخفيف الضغط الأمني الذي يشعر أنه خاضع له.

العقوبات لا تنتج تغيير النظام
ومع ذلك، فإنّ هذه الاستراتيجية تشكل العديد من المخاطر، كما أشار إلى ذلك المستشار السابق روبرت مالي، الذي يعارض بحزم العقوبات التي تطبقها الإدارة الأمريكية حالياً: بالنسبة له، أظهر الإيرانيون في الماضي أنّهم لا يتفاوضون أبداً تحت الضغط والتهديد. وهو الرأي الذي يشاركه فيه ديفيد كوهين، الرئيس السابق لوزارة الخزانة الأمريكية المكلف بالعقوبات ضد إيران في عهد إدارة أوباما: العقوبات لا تنتج تغيير النظام، "لا توجد سابقة تاريخية لعقوبات طويلة المدى تسبب مباشرة تغيير النظام"، وفقاً له (4). علاوة على ذلك، كما أظهر الباحثان جاكلين كلوب وإيلك زورن (5)، فإنّ الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب لفصل الشتاء 2017-2018 ، تميل إلى الزيادة في هذا الاتجاه.
مع هذه العقوبات الرمزية تود واشنطن أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده ولكن ضد زعمائه

عقوبات الولايات المتحدة أمام مقاومة العديد من القوى الكبرى
دفعت العقوبات الأمريكية، التي تقوض بشكل غير مباشر الدول المرتبطة اقتصادياً بإيران فضلاً عن أنّها تقلل من فرص الإبقاء على سريان اتفاقية فيينا، بعدد متزايد من الدول إلى السعي للتحايل. في الواقع، تجاوز هذه العقوبات ليس غير قانوني من وجهة نظر القانون الدولي؛ لأن قرار واشنطن أحادي الجانب. ومع ذلك، يواجه المتمردون غرامات و / أو تدابير ثأرية (6). إنّ أكثر الحالات تأثيراً هي قضية الصين التي، وفقاً للتحقيق الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 3 آب (أغسطس)، واصلت استيراد النفط الإيراني منذ شهر أيار (مايو)، على الرغم من انتهاء الإعفاءات الأمريكية التي سمحت للدول الثمانية المذكورة أدناه بشراء النفط من نظام الملالي دون انتهاك العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ووفقاً لهذا الاستطلاع، فإنّ دولاً أخرى في شرق المتوسط،  ربما لا تزال تستورد النفط. تركيا، التي كانت في السابق مستفيدة من نظام الإعفاء، وسوريا، الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران، من بين البلدان المشتبه بها الرئيسية.

 

نظام مقايضة متطور
عبّر الاتحاد الأوروبي صراحة عن رغبته في مواصلة تجارته مع إيران، وقد أنشأ في 31 كانون الثاني (يناير) 2019 ، بمبادرة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، المقايضة مع إيران باستخدام نظام INSTEX) Instrument in Support of Trade Exchanges) (أداة لدعم التبادل التجاري). هذا النظام ومقره في باريس، ويرأسه المصرفي الألماني بير فيشر، لا يعمل إلا في حال ما وضعت إيران، من جانبها، بنية معكوسة: تم ذلك منذ 24 حزيران (يونيو) مع إنشاء STFI (أداة التجارة والتمويل الخاصة بإيران). لقد اتضح أنّ نظام INSTEX معقد بشكل خاص (7)، ولكنه يتمثل بشكل أساسي في السماح للشركات الأوروبية والإيرانية بالتداول دون إجراء معاملات مالية مباشرة. وبالتالي، فإنّ هذا التبادل لا يندرج تحت العقوبات الأمريكية، التي يتم التحايل عليها من خلال ما وصفه رئيس الدبلوماسية البلجيكية، ديدييه ريندرز، في 1 شباط (فبراير) 2019 بـ "نظام مقايضة متطور".

مثلث الاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران
ومع ذلك، فحتى لا تثير غضب الولايات المتحدة، اقتصرت INSTEX في الوقت الحالي على الضروريات الأساسية؛ أي المواد الغذائية والأدوية (8). في هذا الشأن أعلنت ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغريني، في 12 تموز (يوليو)، في مقابلة مع "يورونيوز"، أنّه من المحتمل إضافة المنتجات النفطية الإيرانية إلى قائمة معاملات INSTEX مع مساعدة دبلوماسية تقدمها روسيا في هذا الشأن: "الفكرة هي خلق مثلث ما بين الاتحاد الأوروبي (...) وروسيا وإيران".

الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب

التحايل على العقوبات
في الواقع، أثار مشروع INSTEX الإغراء خارج حدود الاتحاد الأوروبي: أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 شباط (فبراير)، الانضمام إلى المشروع، وإعادة إنتاج هيكل مماثل في تركيا، في حين أن الكرملين انضم إلى المشروع الأوروبي في 18 تموز (يوليو). يقال إنّ الصين مهتمة بالمشروع، وفقاً لما قاله علي ربيع، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في 16 تموز (يونيو)، لكنها في الوقت الحالي في مرحلة مراقبة. في نفس اليوم صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف،  أن "INSTEX" قد أجرت أولى معاملاتها في 30 تموز (يوليو)، ولكن "لكي يتم تشغيلها بالكامل، يجب إكمال بعض الإجراءات البيروقراطية بين INSTEX و STFI".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على حزب الله وسياسة الضغط القصوى على طهران

علِمت الولايات المتحدة بتكتيك التحايل على العقوبات، وقررت، في 1 آب (أغسطس)، منح إعفاءات من العقوبات للاتحاد الأوروبي والصين وروسيا فيما يتعلق بالتجارة مع إيران بشأن جزء من القطاع النووي المدني، من أجل مناورة الحلفاء الأوروبيين والمعارضين الإستراتيجيين لواشنطن، موسكو وبكين. كانت هذه القوى، بموجب اتفاقية فيينا، في الواقع، ملتزمة  منذ عام 2016 في إيران، بتحويل مفاعل الماء الثقيل في أراك، إلى منشأة، ومركز تخصيب في فوردو، وفاعل في محطة بوشهر. فمن بدون هذه الإعفاءات، الممنوحة لمدة 90 يوماً، كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات عليها.
سياسة القسر والإكراه
وبالتالي، فإذا كان للعقوبات الأمريكية ضد إيران تأثير لا جدال فيه على اقتصاد البلاد وعلى الحياة اليومية لسكانها، فإنّ آثارها النهائية؛ أي عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، لا تزال بعيدة، ما دامت طهران تكرر أنّها لن تستسلم للضغوط. هذا لا سيما وأنّ هذه العقوبات ذات الطبيعة الإعلامية تتجاوز في بعض الأحيان الجانب العقابي المطلوب رسمياً؛ وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا العقاب الأخير لا يصبح فعالاً إلا عندما تحترمه الدول الأخرى، وهو ما لا يبدو عليه الحال في الوقت الحاضر. يبدو أنّ الرئيس ترامب في الوقت الحالي يفضل الطريقة القوية التي حقّق بها نجاحه (9) ويواصل سياسته القائمة على  القسروالإكراه.


الهوامش:
(1) وبشكل خاص في عام 979 ، تاريخ الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، والذي استمر من 4 نوفمبر 1979 إلى 20 يناير 1981.
(2) كانت هذه الاحتجاجات تهدف إلى الاحتجاج على عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والفساد، وآية الله علي خامنئي.
(3) وفقًا لمقابلة مع السياسة الخارجية بتاريخ 26/04/2019.
(4) بيان من مقابلة أجرتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز بتاريخ 05/05/2019.
(5) انظر Klopp ، Jacqueline & Zuern ، Elke. (2007). سياسة العنف في الديمقراطية: دروس من كينيا وجنوب إفريقيا. السياسة المقارنة. 39 ، 127-146.
(6) يضع رؤساء الدول في الاعتبار الغرامة القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على بنك BNP Paribas ، الذي تمت إدانته في 1 مايو 2015 لدفع ما يقرب من 8 مليارات يورو لمخالفته الحصار الذي تفرضه واشنطن على كوبا وإيران والسودان وليبيا من 2000 إلى 2010. BNP  ليس الوحيد الذي تم تغريمه من قبل الولايات المتحدة: بالإضافة إلى هذا هناك بنك فرنسي وبنوك بريطانية، ولوكسمبورغية وألمانية وهولندية وسويسرية ونمساوية تم تغريمها من قبل واشنطن.

(7) باختصار، تحدث التبادلات المالية فقط بين المستورد والمصدر الأوروبيين، وبين المستورد والمصدر الإيرانيين: لا تحدث تدفقات مالية مباشرة بين إيران وبلد آخر. INSTEX بالتالي يعمل كنوع من غرفة مقاصة (تعويض).
(8) أدى هذا القيد إلى عدد من الانتقادات لآلية INSTEX ، طالما أن هذه المنتجات تم تجنيبها بالفعل من العقوبات الأمريكية. في الوقت الحالي، يبدو أن نظام المقايضة في مرحلة تطوير و "اعتراف" بشكل أساسي.
(9) عاشق كبير للمفاوضات ومؤيد للطريقة القوية، أي بمعنى دونالد ترامب، لشكل من أشكال التطرف إلى جانب غياب التنازلات، فقد أصدر الرئيس الأمريكي كتاباً بعنوان "ترامب: فن التفاوض" ، نُشر في عام 1987 في الولايات المتحدة وفي عام 2017 في فرنسا.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:



تفجير يستهدف تجمّعاً للرئيس الأفغاني أشرف غني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

قتل 24 شخصاً، وأصيب أكثر من 30 آخرين، بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لرئيس أفغانستان، شمال العاصمة كابول، ولم يصب الرئيس أشرف غني بأذى.

وأشارت قناة "طلوع نيوز" الأفغانية؛ إلى أنّ الانفجار وقع قبيل بدء غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه، بمدينة شاريكار في مقاطعة باروان.

قتل 24 شخصاً وأصيب أكثر من 30 آخرين بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لأشرف غني

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نصرت رحيمي؛ إنّ التفجير نفّذه انتحاري بدراجة نارية.

وفي وقت سابق؛ ذكر مسؤول محلي أنّ التفجير تسبّبت فيه عبوة ناسفة، تمّ تركيبها أسفل إحدى سيارات قوات الأمن.

ولم تتبنَّ أيّة جهة، حتى الآن، المسؤولية عن الهجوم، ولم تعقّب الحكومة رسمياً على الحادث، غير أنّ أصابع الاتهام عادة ما تشير إلى حركة طالبان التي تبنت العديد من العمليات الإرهابية.

وكانت حركة طالبان قد هددت بإحباط الانتخابات الرئاسية، المقررة في 28 أيلول (سبتمبر) الجاري، والتي يخوضها 18 مرشحاً، بينهم الرئيس الحالي ومنافسه الأساسي في الانتخابات السابقة، عبد الله عبد الله.

الانفجار وقع قبيل بدء أشرف غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه لكنّه لم يصب بأذى

وستكون المنافسة الحقيقية في الانتخابات المقبلة بين غني وعبد الله وأتمارا، أما باقي المرشحين فيبحثون عن مكاسب سياسية؛ لأنّ الكتلة التصويتية لكلّ منهم لا تخوّله حتى بالانتقال إلى الجولة الثانية على الأقل.

هذا وقد جرى تأجيل الانتخابات لمرتين؛ حيث كانت مقررة في نيسان (أبريل) الماضي، ثم في تموز (يوليو) الماضي.

 

 

للمشاركة:

المخدرات الإيرانية تعصف بشباب العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

انتشر في الآونة الأخيرة مخدّر "كريستال ميث" الإيراني، بين الشباب العراقي، بشكل ملحوظ، خاصة في العاصمة بغداد ومدينة البصرة.

"نيويورك تايمز" ترصد انتشار مخدر "كريستال ميث" الإيراني بين الشباب العراقي في بغداد البصرة

ورصد تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية؛ أنّ "محافظة البصرة الجنوبية واجهت خلال العام الماضي، إحدى أسوأ الأزمات المتعلقة بالمخدرات، وقد سجن نحو 1400 شخص، معظمهم من الرجال، بتهمة حيازة وبيع المخدرات، الذي يأتي بشكل أساسي من إيران المجاورة".

وأضاف تقرير الصحيفة الأمريكية: "المجتمع والحكومة العراقية غير مستعدين للتعامل مع الأزمة، نظراً إلى أنّها ما تزال جديدة عليهم، باستثناء الحلّ المتمثل في وضع المتورطين في السجون".

وقبل سبعة أعوام، صنّفت الأمم المتحدة العراق على أنّه بلد عبور للمخدرات بشكل أساسي، ما يعني أنّ المخدرات تعبر من خلاله لمنطقة أخرى.

لكنّ هذا تغير الآن؛ إذ أصبح من الممكن شراء مجموعة من المخدرات التي تسبّب الإدمان في العراق، إضافة إلى الحشيش، بحسب تقرير صحيفة "نيويورك تايمز".

وقد بدأت عملية صناعة المخدرات في العراق من خلال الزراعة، وتصنيعها في المختبرات، وفق خبراء الأمم المتحدة والأسر العراقية التي شهدت انتشار الظاهرة.

وذكر التقرير؛ أنّ المخدرات تساهم في زيادة نسبة الفقر في العراق؛ حيث تفقد العائلات جزءاً كبيراً من الدخل الذي يتقاضاه الذكور بسبب الإدمان والسجن.

بدوره، قال قائم مقام مدينة الزبير بمحافظة البصرة، عباس ماهر السعيدي، في تصريح صحفي: إنّ "السلطات الحكومية خجولة للغاية في التعامل مع هذا الوضع".

وأضاف السعيدي: "هم لا يعترفون بالمشكلة بسبب التقاليد الاجتماعية، حتى وسائل الإعلام لا تناقشها".

وتجوب العشرات من فرق التدخل السريع في محافظة البصرة كل ليلة لاعتقال مستخدمي ومتاجري المخدرات؛ حيث تتم إدانتهم وتزدحم السجون بالمئات منهم في زنازين مكتظة.

كثيرون من المتواجدين في السجون بسبب التعاطي يؤكدون أنّ عناصر الحشد الشعبي يعملون مع تجار بالمخدرات

من جانبها، صرّحت رئيسة البحوث في وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، أنجيلا مي، بأنّ "استخدام وانتشار المخدرات بدأ يظهر في العراق قبل سبعة أعوام".

وأكّدت مي أنّ "خلال ذلك الوقت قامت العصابات بالاتّجار بالمخدرات مع دخول كميات كبيرة من مخدر "كريستال ميث" من إيران؛ حيث يوجد العديد من المختبرات المصنَّعة لهذا المخدر.

كبير قضاة محكمة الاستئناف في البصرة، عادل عبد الرزاق، أشار لـ "نيويورك تايمز"، بأنّ تجار المخدرات يأتون بها من خلال الحدود العراقية، أو عن طريق نهر شط العرب بمحافظة البصرة.

وشدّد السعيدي على أنّ تجار المخدرات قد طوروا أساليب التهريب والاتجار؛ إذ استطاعوا تغيير طرق التهريب التقليدية، بجانب استخدام الطائرات المسيرة وكاميرات المراقبة، واتخاذ مراكز محصنة لهم.

وأضافت صحيفة "نيويورك تايمز"؛ "رغم استحالة إثبات تورّط الحشد الشعبي في تجارة المخدرات، فإنّ كثيرين من المسجونين بسبب التعاطي، يؤكّدون أنّ بعض عناصر الحشد يعملون مع تجار المخدرات وأنّهم على صلة بالحكومة".

ولفت تقرير "نيويورك تايمز" إلى أنّ مخدر "الكبتاغون" قد يكون أشهر المخدرات من حيث الاستخدام في العراق.

يذكر أنّ الكريستال ميث؛ هو من أنواع مخدرات "الأمفيتامين" الخطرة، التي تعمل على تنشيط الجهاز العصبي، ويصنَّع تحت مسمى "الكبتاغون"، وتقول وسائل إعلام؛ إنّ هذا النوع من المخدّر شائع بين المقاتلين في الشرق الأوسط؛ حيث يقول خبراء في مجال المخدرات إن متعاطيه يشعرون بطاقة أكبر، لكنّ المنظمات العالمية تحذّر من خطر هذا النوع من المخدر على الصحة.

 

للمشاركة:

الأمم المتحدة تحذّر من "إبادة جديدة" في بورما

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يعيش حوالي 600 ألف من الروهينغا في بورما تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية من قبل الجيش البورمي.

وطالب محققو الأمم المتحدة، أمس، بإحالة كبار العسكريين في بورما إلى المحكمة الجنائية الدولية، على ما ارتكبوه من جرائم حرب ضدّ الروهينغا، وفق "فرانس برس".

وقال رئيس بعثة تقصّي الحقائق، مرزوقي داروسمان، في بيان: "التهديد بالتعرض لإبادة ما يزال يحدق بالروهينغا الذين بقوا في بورما"، مضيفاً: "قبل عام أعلنت البعثة اكتشاف "أعمال إبادة" في عمليات تطهير ارتكبت في 2017، أسفرت عن مقتل آلاف الروهينغا".

الأمم المتحدة: 600 ألف من الروهينغا في بورما يعيشون تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية

وقال كريستوفر سيدوتي، أحد المحققين الأمميين: "في حال لم تتخذ الأمم المتحدة والأسرة الدولية تدابير فعّالة هذه المرة، فستتكرر هذه المأساة المؤلمة، على فضيحة الصمت الدولي أن تنتهي".

وذكرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن بورما، في تقرير: "لدينا أسباب مقنعة للاستخلاص بأنّ الأدلة التي تدفع إلى الاقتناع بأنّ للدولة نوايا بارتكاب إبادة تعززت منذ العام الماضي"، وأنّ "ثمة تهديداً جدياً بوقوع إبادة جديدة".

وقالت البعثة: "ذلك من مسؤولية الدولة، ما يعني أنّه تجب إحالة ملف بورما للمحكمة الجنائية الدولية؛ لتخلفها عن احترام تعهداتها بموجب المعاهدة حول الإبادة، عام 1984، إحدى الأدوات الدولية النادرة المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها".

وأفاد المحققون الدوليون الذين لم يسمح لهم بالتوجه إلى بورما بأنّ "هذا البلد يستمر في ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية في أعمال غير إنسانية، تتسبّب بمعاناة كبرى واضطهاد في إطار هجوم معمم ومنهجي ضدّ السكان الروهينغا".

وفرّ 740 ألفاً من الروهينغا من ولاية راخين (غرب بورما)، في آب (أغسطس) 2017، بعد قمع نفذه الجيش في بورما؛ حيث غالبية السكان من البوذيين.

 

 

للمشاركة:



حرب إيران التجريبية في مواجهة العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

فاروق يوسف

ما هو مؤكد أن إيران تقف وراء الهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط السعودية. ذلك لا يحتاج إلى جدل فائض.

القول بأنها لم تنفذ الهجوم بنفسها لذلك فهي بريئة فيه الكثير من الغباء والقليل من المراوغة المكشوفة.

فإيران هي التي زودت الجهة التي قامت بتنفيذ الهجمات بالسلاح والخرائط والخبراء وحددت لها ساعة الصفر.

اما أن يتبني الحوثيون في اليمن مسؤولية القيام بالهجوم فذلك ما يدخل في إطار الحرب بالوكالة التي تفتح الطريق في اتجاه عمليات انتحارية قد يتبناها الوكلاء من غير أن يكونوا منفذيها الحقيقيين.

حماية إيران بالنسبة لأتباعها ضرورية مثلما هو ضروري القتال نيابة عنها. فلا بقاء للمشروع الطائفي من غير بقاء إيران. كما أن إيران لن تستطيع تحقيق أطماعها التوسعية من غير وجود أتباع يدينون لها بالولاء في الدول التي تسعى لاختراقها.

علاقة متشابكة ومتداخلة العناصر والمقومات من ذلك النوع تسمح بوقوع أحداث تبدو لأول وهلة غامضة وغير قابلة للتأويل خارج معطياتها الواقعية. غير أن ذلك لا يصح إلا من خلال عقل مبسط ومسطح بل ومغسول عن طريق الضخ الدعائي المبرمج الذي تجيده إيران في بيئة تغلب عليها الخرافة.

صدق البعض عن جهل أعمى أو عن قصد مسبق أسطورة التفوق الحوثي الذي تجلى من خلال الطائرات المسيرة التي يزيد مداها على الألف كيلومتر وتضرب أهدافها بدقة، متناسين أن جماعة الحوثي هم مجرد قبيلة بدائية في تقنيات حياتها وتفكيرها.
تذكر تلك الكذبة بما أشيع قبل سنوات من أن جهاز الاستخبارات الأميركية عثر في البيت الذي قُتل في أسامة بن لادن على دفاتر تحتوي على معادلات لصنع قنبلة نووية.
هناك قدر هائل من السذاجة التي يعرف مروجو تلك الأكاذيب أنها لن تستوي مع العقل السليم، غير أن ذلك لا يعنيهم في شيء ماداموا قادرين من خلالها على الاستفادة من غياب القدرة على التفكير لدى البعض لتمرير حقائق أخرى لم يحن الوقت للكشف عنها.

هذا ما تفعله إيران في ظل تردد المجتمع الدولي في اتخاذ موقف موحد منها باعتبارها الدولة المارقة التي يتجمع حولها إرهابيون، لم يتم تصنيفهم حتى اللحظة باعتبارهم خارجين على القانون يجب أن يُلاحقوا.

ليقل الحوثيون ما يروق لهم. ذلك لا يغير من الحقيقة في شيء. تلك الحقيقة التي تعرفها الولايات المتحدة قبل أن يتم ضرب المنشآت النفطية السعودية. لقد نقلت إيران الكثير من الأسلحة المتطورة إلى اليمن كما أن خبراء عسكريين إيرانيين هم من الذين يشرفون على استعمال تلك الأسلحة. وفي ذلك يمكنني أن أشكك بقدرة الحوثيين على استعمال تلك الأسلحة بأنفسهم.

وكما أرى فإن نظرية إطلاق الطائرات المسيرة من اليمن ستغلب النظرية التي تقول بإن تلك الطائرات جاءت من الشمال أي من إيران أو العراق. وهو ما يلقي بظلال من الشك على خطط احتواء إيران أو تحجيم هيمنتها في المنطقة.

فحتى لو قبلنا بفرضية أن الطائرات المهاجمة كانت قادمة من اليمن فإن الإيرانيين هم الذين برمجوها وأطلقوها وراقبوا مسارها. ذلك يعني أن إيران تتحمل المسؤولية كاملة، من غير التمترس وراء كذبة "الحوثيين".

في حقيقة الأمر فإن إيران بدأت الحرب. وهي حرب ترغب الولايات المتحدة في تأجيلها لا تتعلق بسلامة الشعوب الإيرانية أو السلام في المنطقة بل بالعقل السياسي الأميركي الذي يرغب في الاستفادة من الأزمات من غير أن يسعى إلى البحث عن حلول حقيقية لها.

تسعى إيران إلى الخروج من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي سببتها العقوبات الأميركية وهي في الوقت نفسه لا تفكر في التراجع عن سياساتها التي استدعت نشوب تلك الأزمة.

ذلك ما صار معروفا.

في سياق تلك المعادلة تسعى إيران إلى التذكير بأن في إمكانها أن تؤذي العالم وأن لديها ما يؤهلها للقيام بذلك. وهي محاولة ذات حدين. فهي تؤكد أن إيران صارت تشكل خطرا على العالم ومن وجهة نظر الإيرانيين فإن ذلك سيزيد من نقاطهم حين التفاوض. تفجير ناقلات نفط واحتجاز ناقلة نفط بريطانية والاعتداء على منشآت نفطية حيوية في السعودية، كلها تشير إلى الانتقال بالصراع إلى منطقة الحسم.

بدأت إيران حربها التجريبية التي تأمل من خلالها أن تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي القديم وتنهي العقوبات.

غير أن الفشل الأميركي في ردع إيران سيكون هذه المرة أسوأ من الهزيمة في فيتنام. ستظهر الولايات المتحدة كما لو أنها القوة التي تدعم الخارجين على القانون الدولي.

ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

أحمد داود أوغلو يكشف فشل الإسلام السياسي من جديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

إبراهيم الجبين

لم تعد مراقبة تداعي مشاريع الإسلام السياسي في أنحاء العالم أمراً جديداً، بقدر ما تعطي تأكيدات متكررة على أن مشروع الحكم في العصر الحديث لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يرتبط مع أفكار الماضي. فلا يستقيم أن تجدّد آلة السياسة وتبقي آلة الفكر على حالها.

وفي البنية العميقة للأحزاب الإسلامية السياسية يكمن عامل غير قابل لغض النظر أو الإهمال، يشتغل من داخل المؤسسة على تقويضها وهدمها كلما بدت متماسكة وقوية من الخارج، إنه “التفكير المركزي” المشتق من مكانة “الإمام” بحكم أن الهندسة التنظيمية للحزب السياسي الديني تبقى مطابقة لهندسة الجامع.

وفي ظل وجود الإمام الفرد تنتفي الفكرة الديمقراطية من جذورها. ويبدأ تحلل واضمحلال المشروع السياسي كما يحدث اليوم مع حزب العدالة والتنمية التركي الذي كان أحد أعمدته الأساسية رئيس الوزراء السابق المفكر أحمد داود أوغلو.

أعلن داود أوغلو استقالته من حزب العدالة والتنمية، قبل أيام، كاشفا عن أنه سوف يشكل قريبا حزبا سياسيا منافسا، وذلك في مؤتمر صحافي عقده في أنقرة، ليقطع الطريق على قرار تأديبي يعده أنصار صديقه أردوغان بحق داود أوغلو تمهيداً لفصله من الحزب.

غياب الفكر غياب المستقبل
يقول داود أوغلو “إنها مسؤوليتنا التاريخية وواجبنا تجاه الأمة، إنشاء حزب سياسي جديد”. أما اللجنة التنفيذية في حزب العدالة والتنمية فقررت بداية سبتمبر الحالي، إحالة داود أوغلو إلى لجنة تأديبية بسبب انتقاداته المتكررة للحزب وتصريحاته التي أكد فيها أنه انحرف عن مبادئه التي تم التوافق عليها لحظة التأسيس.

جرح كبير يتعرض له الفكر السياسي الذي أعلنه حزب العدالة والتنمية حين يغيب عنه مفكره وعقله الأول داود أوغلو. وهذا يعني أن الحزب تحول من طور الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد إلى طور الحكم المتسلط الطارد للعقول.

وهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها حركات إسلامية سياسية في بلدان مختلفة، وفي أحقاب مختلفة، لمثل هذا الخروج الحاد لقيادات الصف الأول من صفوفها.

لكن ماذا عن مستقبل تلك الحركات وعلى رأسها اليوم وبين أيدينا حزب العدالة والتنمية الذي كان يزعم أنه التجربة الوحيدة الناجحة في العالم لوصول الإسلاميين إلى الحكم؟

إن موقف القوى الديمقراطية المدنية من الأحزاب الدينية، ليس موقفا مبنيا على الإلغاء وحرمان الآخرين من حقهم في العمل السياسي، لكنه موقف عليم يستند إلى استحالة الدمج ما بين الدين والسياسة والمعرفة المسبقة بأن هذه الطريق طريق مسدودة.

بقي داخل حزب العدالة والتنمية تياران هامان كما يقول المتابعون؛ تيار يقوده داود أوغلو رئيس الحزب السابق، معتمدا على القواعد الشعبية في مختلف الخارطة التركية.

أما التيار الثاني فهو بقيادة علي باباجان، وهو واحد من أهم المؤسسين للحزب، وتولى سابقا حقيبتي الاقتصاد والخارجية، ومعه وزير الداخلية الأسبق بشير أطالاي، ووزير العدل الأسبق سعدالله أرغين، والقيادي الأسبق حسين تشييلك، وبالطبع يختفي خلفهم الرئيس السابق عبدالله غول. ولم يعد أحد يدري من بقي مع الكرسي الحاكم الذي يجلس عليه أردوغان، من غير رجالات السمع والطاعة.

صحيح أن بعض هؤلاء يقللون من أهمية استقالة داود أوغلو، ومنهم الكاتب والمحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو الذي يقول لوكالة أنباء تركيا، إن “الحزب ما يزال قويا متماسكا، وشعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هي الرقم الأول على مدى 40 عاما في تركيا”.  إلا أن هذا لا يبدو كلاما مستندا إلى الواقع بقدر ما هو نوع من الرغبة في امتصاص الصدمة.

يتابع كاتب أوغلو إن داود أوغلو “أصبح غير أحمد الذي كنا نكنّ له كل الود والاحترام ونفتخر بدعمه وإنجازاته أثناء وجوده مع الطيب أردوغان طيلة الـ17 عاما في الحياة السياسية للحزب”.

ولكن أوغلو لم يكن يفعل شيئا بعد إقصائه عن الميدان السياسي، وما تغير في الواقع هو خط الفاعلين في ذلك الميدان وعلى رأسهم أردوغان ذاته.

العثمانية ومسار الانحراف

داود أوغلو دأب خلال السنوات الماضية على توجيه انتقادات عميقة وحادة لأردوغان، لاسيما في حقل حرية التعبير المتردية في تركيا، وكذلك في تباطؤ عجلة الاقتصاد، وكان من الذين رفضوا مبكرا إعادة انتخابات بلدية إسطنبول، وسجن رؤساء البلديات الأكراد بتهم الإرهاب.

داود أوغلو صاحب كتاب “العمق الاستراتيجي” الذي كان يعد دستورا فكريا للعدالة والتنمية، ولد في قونية أواخر الخمسينات، ودرس في إسطنبول العلوم الاقتصادية والإدارية والعلاقات الدولية. ويتقن عددا من اللغات منها الإنكليزية والألمانية.

فلسفته كانت تقوم على قراءة المؤثرات الخارجية والتفاعل معها داخليا. وهو صاحب نظرية “صفر مشاكل مع الجيران”. ولطالما قال أوغلو إن “السلام مهم لتركيا لأنه يسمح لها بإظهار نجاحاتها الاقتصادية وتوسيعها”، مركزا على موقع ومكانة تركيا كدولة محورية، وعلى أن هذا الأمر يرتبط بشكل أساسي بإقرار رؤية ديناميكية مؤثرة في السياسة الخارجية.

عمل داود أوغلو حين كان في الحكم على حشد التأييد لمبادرته الخاصة بالتوصل إلى حل سلمي مع الأكراد الذين تفجرت قضيتهم على شكل حرب مستعرة منذ العام 1984. لكن أوغلو طرح السلام بديلا عن الحرب. ثم ما لبث وعاد إلى حديث القوة حين وصف المئات من المعتقلين الأكراد بالإرهابيين في العام 2015. وفي ذات الوقت هاجم معتصمي ساحة تقسيم، في عداء واضح للحق بالتظاهر وفقا للحياة الديمقراطية، ورفض إدانة مجازر الأرمن. إذن ما هو العقل السياسي الذي يصدر عنه داود أوغلو؟ هل هو عقل متغير يتأثر المتحولات على الأرض والمصلحة والكسب لحزبه، أم هو عقل استراتيجي يفارق سابقه؟

وحين ينتقد داود أوغلو حزبه اليوم، فهو لا ينظر إلى الوراء، ولا يرى كيف أنه ساهم في تكريس الفردية في الحكم عبر مواقفه المتناقضة التي كان يعزز فيها السلطة على حساب الديمقراطية، مشاركا في ذلك “الانحراف عن المسار”، الذي يجعله سببا لتقديم استقالته اليوم.

لا يتصور أحد أن العدالة والتنمية في تركيا تتعلق بالمجد العثماني إكراما لدور العثمانيين أنفسهم، وإدراكا للمنجز الذي قدمته الدولة العثمانية بغض النظر عن سلبياتها، بل إن الأمر لا يعدو كونه تعلق بزرع فكرة الخلافة والإمامة التي يحتاجها الإسلاميون في قلب أي تنظيم يؤسسون له.

العثمانية التي ينادي بها داود أوغلو تنطلق من المنطلق الإسلامي السياسي ذاته، مضافا إليها البعد الخارجي الذي يجعلها تتناقض كليا مع قصة “صفر مشاكل”، مذكرة بالهيمنة وامتداد النفوذ.

“إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية. إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا. نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال أفريقيا. والدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب”. بكم تختلف هذه الكلمات عن رسائل حسن البنا حول الأستاذية، وتقديم النموذج العالمي الذي كان يريد للإخوان تمثيله حين يصلون إلى الحكم؟

كتب داود أوغلو، ذات يوم، إن “جغرافية تركيا تعطيها حالة دولة مركزية فريدة تختلف عن الدول المركزية الأخرى، فعلى سبيل المثال تعتبر ألمانيا دولة مركزية في أوروبا ولكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا وآسيا، وروسيا أيضا دولة مركزية في أوروبا وآسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا، وإيران دولة مركزية في آسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أوروبا وأفريقيا، وبنظرة أوسع فإن تركيا تحتفظ بالموقع الأفضل في ما يتعلق بكونها دولة أوروبية وآسيوية في نفس الوقت، كما أنها قريبة من أفريقيا أيضا عبر شرق البحر المتوسط، ومن ثم فإن دولة مركزية تحتفظ بموقع متميز كهذا لا يمكن لها أن تعرّف نفسها من خلال سلوك دفاعي، ويجب عدم النظر إليها كدولة جسر تربط نقطتين فقط، ولا دولة طرفية، أو كدولة عادية تقع على حافة العالم الإسلامي أو الغرب”.

كان داود أوغلو يتحسّر على ما فقدته تركيا من نفوذ، ويبشّر باستعادته قريبا فيما لو سارت تركيا على نهج العدالة والتنمية، ويقول إن “ما فقدناه بين أعوام 1911 و1923 من الأراضي التي انسحبنا منها سيسترد، وسنلتقي مرة أخرى مع إخواننا في تلك الأراضي بين أعوام 2011 و2023”.

وهكذا تفشل عملية تسويق العثمانية في الداخل التركي بحكم كونها تصطدم مع المصالح المحلية للسكان، ولا تلبي سوى غايات الحزب الحاكم الأيديولوجية، ولعل هذا كان سببا كبيرا في تراجع شعبية العدالة والتنمية، وهو ما عكسته الانتخابات الأخيرة بشكل جلي.

دفاتر الإرهاب

ورّط داود أوغلو حزبه في نظرياته، وهو إذ ينقلب على الحزب اليوم، فهو لم يعلن مرة واحدة انقلابه على تلك النظريات، ومن بينها ما ينعكس على العلاقة مع إيران على سبيل المثال. فدولة مثل تركيا ترفع شعار قائدة العالم السني، تجدها في حالة تحالف وثيق لا تشوبه شائبة مع أكثر دول المنطقة عداءا لدولها؛ إيران الحرس الثوري والميليشيات وحزب الله والحوثي وغير ذلك.

يرى داود أوغلو أن علاقة تركيا وإيران علاقة تبادل للمصالح، مهما تناقضت الأفكار، وهذا يُظهر للمراقبين مفهوما مختلفا للانتهازية السياسية التي يمر منها المشروع الإسلامي السياسي للطرفين في طهران وأنقرة معا. الأمر ذاته الذي رأيناه في تحالف حماس، الإخوانية، المفاجئ مع إيران والنظام السوري، وسط حرب الجهتين على الملايين ممن ترفع حماس شعار الدفاع عنهم.

وضع داود أوغلو نظرياته تلك في عدة مؤلفات من بينها “العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية” الذي يعد الأهم مع كتابه الشهير “العمق الاستراتيجي والأزمة العالمية”.

لكن التناقضات التي خلقتها تلك المزاوجة المستحيلة بين الدين والسياسة، فتحت الباب أمام خلافات جذرية لعل أبرز محطاتها تصريح داود أوغلو الأخير بعد اتهام أردوغان له بالخيانة، حين قال “إن الكثير من دفاتر الإرهاب إذا فتحت لن يستطيع أصحابها النظر في وجوه الناس. إنني أقول لكم الحقيقة”. مؤكدا أن العام 2015، كان يمثل أخطر وأصعب الفترات السياسية في تاريخ تركيا.

ما الذي كان يقصده داود أوغلو في الإشارة إلى “دفاتر الإرهاب”، وهل هي فعلا كما فهمها كثيرون تقتصر فقط على إرهاب حزب العمال الكردستاني أم تشمل علاقة تركيا مع القاعدة وداعش؟

مغادرة داود أوغلو سفينة أردوغان بهذه الصورة تشير إلى أن السفينة باتت مليئة بالثقوب، وأن المسار لم ينحرف وحسب، بل ضاعت البوصلة وانكشف التخبط وأننا على مشارف انهيار جديد لحكم الإسلام السياسي.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

هل يحرق نتنياهو إسرائيل إذا خسر الانتخابات؟

2019-09-17

ترجمة: إسماعيل حسن


مع حلول موعد الانتخابات الإسرائيلية، اليوم الثلاثاء، تشهد الساحة السياسية في الداخل الإسرائيلي حالة من الترقّب الحذر، على وقع إعادة انتخابات الكنيست الذي حلّ نفسه في أواخر أيار (مايو) الماضي، فيما تزداد آمال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في الحصول على ولاية خامسة، بعد انتخابات التاسع من نيسان (أبريل) الماضي، في وقت أظهرت فيه استطلاعات الرأي، تراجع نسبة المؤيّدين لحزب الليكود اليميني، الذي يقوده نتنياهو، وهو ما يجعل من فرصة نجاحه في انتخابات الكنيست ضعيفة، على غرار ما يتوقعه وحزبه اليميني المتطرف.

اقرأ أيضاً: هل ستواصل إسرائيل هجماتها على مواقع إيران وحزب الله؟
خلال الأيام الأخيرة، وبعد فشل نتنياهو في تشكيل حكومة ائتلافية، نتيجة الصعوبات التي واجهها في التوفيق بين مطلب حزب "إسرائيل بيتنا"، بزعامة أفيغدور ليبرمان، بتمرير قانون تجنيد لا يستثني المتدينين اليهود من الخدمة الإلزامية بالجيش، وبين مطالب حزب "يهود هتوراه" اليميني، الذي يصرّ على إعفائهم، فشلت حينها الوساطات كافة لإقناع ليبرمان بالتراجع عن صيغة قانون التجنيد، التي وضعها العام الماضي خلال تولّيه منصب وزير الدفاع.

أكثر من ثلث الإسرائيليين لن يشاركوا في الانتخابات وذلك بعد هروب رئيس الوزراء نتنياهو لحظة سماع صافرات الإنذار

على صعيد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، تعدّ الانتخابات القادمة معركة مصيرية بالنسبة إليه على الصعيدَين؛ السياسي والشخصي، على الصعيد الشخصي؛ يواجه لائحة اتّهام بالرشوة والخداع وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا، قد يشرع بمحاكمته فيها مباشرة حيال فشله في الانتخابات، في حين يأمل نتنياهو حال فوزه، بسنّ تشريع يحول دون محاكمته على القضايا المتورط بها، أما على الصعيد السياسي؛ فخسارته بالانتخابات ربما تعني القضاء على مستقبله، لاقتناعه بوجود من يسعى للتخلّص منه من الأحزاب الإسرائيلية المنافسة.

 تراجع نسبة المؤيّدين لحزب الليكود اليميني، الذي يقوده نتنياهو
في إطار ذلك؛ يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، المتهم في عدة قضايا فساد، مستقبلاً غامضاً وتحديات كثيرة لخططه، على المستويَين؛ الداخلي والخارجي، بانتظار حسمها في جولة الانتخابات الجديدة؛ إذ يرى مراقبون أنّ فرص فوز الليكود الذي حصل على 36 مقعداً في الانتخابات الأخيرة باتت بعيدة، فيما يقترب تحالف "أزرق أبيض" الذي حصل على 35 مقعداً من تشكيل الحكومة، خاصة بعد اتفاق فائض الأصوات الذي وقع في وقت سابق، بين غانتس وليبرمان، والذي يقوم على تزويد الحزب الأقرب للفوز بعدد من أصوات الحزب الآخر.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستعين بالخنازير لمعالجة جنودها المصابين بأمراض نفسية وعقلية
نتنياهو سعى إلى أن يسابق الزمن، من خلال عقد مؤتمرات وتقديم وعود واهية، ضمن حملته الانتخابية هنا وهناك، وذلك من أجل تعزيز موقفه أمام شعبه، لكن ثمّة ثغرات حدثت مؤخراً تجعل من إمكانية نجاحه أمراً شبه مستحيل؛ حيث قدّم مؤخراً وعوداً كبيرة للشعب الإسرائيلي، على حساب الفلسطينيين، أبرزها؛ ضمّ غور الأردن وشمال الضفة وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليهما، لكن رغم كلّ ذلك يشعر نتنياهو بشكل حقيقي أنّ مشواره السياسيّ بات أقرب إلى النهاية، وأنّ السجن هو مقرّه القادم بعد إثبات إدانته بقضايا الفساد، الحوامات المسيرة، التي تدخل الأراضي الإسرائيلية من غزة بشكل متكرر، باتت تزداد خطورتها يوماً بعد يوم، عندما دخلت على خطّ استهداف عربات الجنود على الحدود، كما حصل مؤخراً، استمرار إطلاق الصواريخ من قطاع غزة نحو المدن الإسرائيلية، وانعدام الحياة المعيشية الآمنة لسكان الجنوب، وتواصل إطلاق البالونات الحارقة، وحرق المحاصيل الزراعية، كلّها أمور باتت مقلقة، رغم عدم وجود أيّ حلّ جذري لها، لا سيما ما حصل مؤخراً أثناء إلقاء خطاب أمام جموع الإسرائيليين في مدينة أسدود، وما أعقبه من إطلاق حماس والجهاد الإسلامي لصواريخ بشكل متعمَّد على المدينة، بالتزامن مع وجوده على منصة الكنيست واضطراره للنزول إلى الملاجئ، هذه الحادثة في حدّ ذاتها تعدّ رسالة فشل وتحدٍّ له، في أعقاب حالة السخرية العارمة التي عجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي والشارع الإسرائيلي، وبالأخص الطبقة السياسية، التي اشتغلت بالتحريض عليه، وسخرت من حالة عدم اللامبالاة لديه في تقصيره في ردع التنظيمات المسلحة بغزة والاستهتار بأرواح شعبه.

يشعر نتنياهو بشكل حقيقي أنّ مشواره السياسيّ بات أقرب إلى النهاية
أمام كلّ هذه الانتقادات والفجوات التي تهدّد بقاء بنيامين نتنياهو على سدّة الحكم، يجهّز الإسرائيليون أنفسهم لسيناريوهات سلبية متوقَّعة، سيقدم عليها نتنياهو في حال فشله في الفوز بالانتخابات المقبلة؛ حيث أوضح الكاتب الإسرائيلي، يوسى يهوشواع؛ أنّ الخطة التي يتحضر لها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تتمثل بتعميم الفوضى في الساحة السياسية الحزبية، من خلال طلبه إعادة إجراء الانتخابات في حال خسارته لها؛ لذلك فقد بدأ يعدّ الأرضية السياسية لهذا السيناريو، من خلال التلويح بإمكانية حدوث تزوير في إجرائها، مما سيؤدي إلى فوضى عارمة غير مسبوقة في إسرائيل، وأزمة قانونية في الدولة، في حين أنّ اعتبار تلك الانتخابات معركة مصيرية له، قد يدفعه إلى سلوك عنيف سياسياً، أو على أرض الواقع، أو عبر رفض النتائج، في ظلّ إظهار استطلاعات الرأي، حتى الآن، عدم إمكانية تشكيله حكومة؛ لعدم توفر 61 مقعداً، من أصل 120، لكتلة اليمين المتطرف.

اقرأ أيضاً: احتدام الصراع الانتخابي في إسرائيل.. واتفاق على إطاحة نتنياهو
وأشار الكاتب إلى أنّ الهدف الأساسي لنتنياهو من هذا المخطط الفوضوي؛ هو الهروب من الاستحقاق القضائي الخاص بملفات الفساد التي تنتظره، وهو ما يعني أنّ إسرائيل، للمرة الأولى منذ تأسيسها، قبل أكثر من سبعين عاماً، قد تكون معرضة لأن تشهد هذه الحالة، واللافت في الأمر؛ أنّ من يخطط لوقوعها هو من يقف على رأس الدولة، نتنياهو شخصياً.
وكشف الكاتب النقاب عن أنّ هناك قناعات بدأت تتجسد في أوساط تنفيذ القانون في إسرائيل، مفادها؛ أنّ نتنياهو لن يترك مقرّ رئاسة الحكومة في القدس بإرادته، ولذلك فقد عزم على القيام بعملية تخريب موجَّهة لمؤسسات الدولة الرسمية؛ حيث بدأ بالشرطة ومحققيها ومفتشها العام، وصولاً إلى النيابة العامة، مروراً بالمحكمة العليا، ووصولاً إلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية، وانتهاءً بالمستشار القضائي للحكومة.
على صعيد آخر؛ يجمع محللون ومراقبون على أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يخطّط لتصعيد الأوضاع الأمنية في قطاع غزة، في مسعى منه لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مفسّرين قولهم إنّ الأسابيع الأخيرة شهدت جملة تصريحات وتسريبات للمحيطين به في القضايا الأمنية بصورة هستيرية، أكثر مما كان سابقاً، هذا لا يعني أنّ الرجل يتشوّق لحرب قادمة، لكنّه في الوقت ذاته لا يلغي أيّة احتمالية؛ لأنّه مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي القادم، يشعر نتنياهو بأنّ فرص نجاحه مجدداً بالفوز، بعد نيسان (أبريل) الماضي، قد تتحوّل لكارثة لفقدان الثقة به داخل أوساط الإسرائيليين.

نتنياهو يخطّط لتصعيد الأوضاع الأمنية في قطاع غزة في مسعى منه لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية
واستدرك المراقبون، من خلال رؤيتهم؛ أنّ نتنياهو حافظ على شخصية الحذر من أيّة مغامرات عسكرية؛ بسبب رغبته في البقاء بمنصبه؛ لأنّه يعلم أنّه في العقدَيْن الأخيرَيْن لا يمكنه الخروج سليماً معافى، من حرب أو مواجهة عسكرية محدودة، حتى لو كان الجيش الإسرائيلي، الأقوى في الشرق الأوسط، يعمل تحت إمرته، لكنّ الوضع قد ينقلب فجأةً إذا وصلنا إلى نقطة الحسم في مستقبل نتنياهو السياسي، مما قد يجعله يقدم على اتخاذ قرار مصيري، هو الأخطر في حياته.

اقرأ أيضاً: ما سر منح إسرائيل تراخيص بناء للفلسطينيين في المناطق "ج"؟‎
فيما يرى المراقبون؛ أنّ نتنياهو قد يدخل إسرائيل في حالة فوضى، بل ويحرقها بسكّانها، وتعمّ الشوارع بالمظاهرات والفوضى، إذا خسر في الانتخابات؛ وذلك أملاً في إمكانية إعادتها مرة أخرى.
صدمة مدوية أخرى تلقاها نتنياهو في أعقاب فشل تمرير قانون الكاميرات قبل الانتخابات بأسبوع؛ حيث رفض الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون مثيراً للجدل، يسمح باستخدام كاميرات لتصوير ما يجري داخل مراكز الاقتراع خلال الانتخابات المقبلة، وهو ما أثار تحفظاً من المدعي العام الإسرائيلي، الذي صوّتت عليه الأغلبية بالرفض التام، إلى ذلك أيضاً صادق نتنياهو في جلسته الأسبوعية على إنشاء مستوطنة جديدة في غور الأردن، لكنّ المستشار القضائي للحكومة عارض القرار بسبب تزامنه مع اقتراب موعد الانتخابات.

اقرأ أيضاً: "الفصول الأربعة": خطّة الجيش الإسرائيلي القادمة للقضاء على حماس
هذا الفشل الذريع، ربما يعطي صورة مبدئية لنتنياهو بالفشل في الانتخابات القادمة، كما قال رئيس حزب "أزرق أبيض"، بيني غانتس، ثاني الأحزاب المرشحة للفوز في الانتخابات: إنّ نتنياهو فشل خلال الانتخابات السابقة في تشكيل الحكومة، وفشل في تمرير قانون الكاميرات، وسيفشل الأسبوع المقبل في الانتخابات، وقال إنّ إقرار الحكومة مشروع قانون الكاميرات، هو مسعى من نتنياهو للمسّ بشرعية نتائج الانتخابات، وتمهيد لنشر حالة فوضى، خلال الانتخابات وبعدها، مبيناً أنّ خطوة نتنياهو هي هجوم غير لائق على المستشار القضائي للحكومة وعلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية، وسلوك لا يمكن احتماله، قائلاً: إنّ "من يحاول المسّ بأسس العملية الديمقراطية، لا يستحقّ أن يقود الدولة العبرية".

رئيس حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس
أما زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، ثالث الأحزاب المرشَّحة بالفوز، فأشار في مقابلة متلفزة؛ إلى أنّه تلقّى معلومات من أنصار حزب الليكود، تحذّره من إمكانية أن يفتعل أنصار نتنياهو أعمال عنف في مراكز الاقتراع بالمناطق التي يحصل فيها "إسرائيل بيتنا" على نسبة عالية من الأصوات، وقال ليبرمان: إنّ "حالة العنف والفوضى التي سيحدثها ناشطو الليكود، سيكون هدفها إلغاء النتائج"، وشدّد على أنّ قادة الليكود لا يمكن أن يقدموا على تلك الخطوة، دون موافقة المستويات العليا، في إشارة إلى نتنياهو.

اقرأ أيضاً: هل تساعد منظومة الدفاع الإسرائيلية "حيتس 3" في ردع التمدد الإيراني؟

النائبة في الكنيست عن القائمة العربية المشتركة، عايدة توما، قالت إنّ "إسقاط قانون الكاميرات يؤكد أنّ نتنياهو لا يتحكم بمجريات الأمور السياسية، وهو قلق جداً من نتائج الانتخابات المرتقبة، لكنّه أراد أن يقوم بفقاعة إعلامية يجذب إليه بها الأنظار، لكن ذلك دليل قاطع على تراجع التأثير السياسي له"، وتابعت: "القائمة العربية لديها مليون صوت، وبإمكانها أن تقدّم نجاحاً كبيراً"، موضحة أنّ "قوة القائمة المشتركة هو العامل الوحيد للتأثير على الحلبة السياسية، وإزالة اليمين المتطرف المتربّع على سدّة الحكم".
ووفق استطلاعات للرأي، أجرتها هيئة البثّ الإسرائيلي، أظهرت تقدّم حزب "أزرق أبيض"، بــ 32 مقعداً، مقابل 31 مقعداً فقط لحزب الليكود، وأضاف الاستطلاع أنّ ثالث أكبر حزب من حيث عدد المقاعد هو القائمة المشتركة العربية، برئاسة أيمن عودة، ويحصل على 10 مقاعد، أما الأحزاب اليمينية، كتحالف يميني، برئاسة آيليت شاكيد، يحصل على 9 مقاعد، وفي المقابل حزب "شاس" المتديّن، برئاسة أرييه درعي، وحزب يهدوت هتوراه المتدين، برئاسة يعقوب ليتسمان، يحصلان على 7 مقاعد، أمّا الأحزاب المتبقية من كتلة يسار، فيحصل تحالف المعسكر الديمقراطي، برئاسة نتسان، على 6 مقاعد، وتحالف العمل بزعامة عمير بيرتس، يحصل على 5 مقاعد، ويظهر استطلاع الرأي أيضاً؛ حصول حزب "إسرائيل بيتنا"، بزعامة ليبرمان، على 9 مقاعد، وهنا بإمكان حزب ليبرمان إعطاء حزب "غانتس" فائض أصوات إذا شارف على الفوز، واحتاج إلى أصوات لرفع نسبة مقاعده، وهنا يبدو نتنياهو أكثر انزعاجاً؛ نتيجة تقارب نسبة الأصوات بين حزبه وحزب غانتس، التي لربما تكون بفارق مقعد واحد، كما حصل في الانتخابات السابقة.

استطلاعات رأي لهيئة البثّ الإسرائيلي أظهرت تقدّم حزب "أزرق أبيض" بــ 32 مقعداً مقابل 31 مقعداً فقط لحزب الليكود

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أنّ نسبة المشاركة في انتخابات الكنيست المقبلة ستكون منخفضة، في حين أنّ أكثر من ثلث الإسرائيليين لن يذهبوا إلى مراكز الاقتراع، ولن يشاركوا في الانتخابات، وذلك بعد هروب رئيس الوزراء نتنياهو، لحظة سماع صافرات الإنذار؛ حيث إنّ هذا الحدث الإعلامي يتعارض مع الوعودات التي قدمها سابقاً، ومن سيقدّم من المرشحين الآخرين وعوداً لن يلتزموا بها.
ويحتم القانون الإسرائيلي على المرشّح الفائز أن يبلّغ رئيس الدولة، خلال 42 يوماً المتاحة له، بأنّه لم ينجح بتشكيل الائتلاف الحكومي، وفي هذه الحالة سيكون من صلاحية الأخير تكليف عضو كنيست آخر، لإبلاغه باستعداده لهذه المهمة، وقبل تكليف مرشح جديد، عليه القيام بجملة استشارات حزبية مع رؤساء القوائم الحزبية، فيما لا يحدّد القانون الإسرائيلي هوية المرشح الجديد، ما يفسح المجال أمام رئيس الدولة؛ إما بتكليف عضو كنيست جديد من حزب الليكود، أو رئيس حزب "أزرق أبيض"، الجنرال بيني غانتس؛ ما يعني عدم تمكّن نتنياهو من تقلّد موقع رئيس الحكومة الجديد، لانقضاء المدة المسموح له خلالها بتشكيل الحكومة.


المصدر: موقع "0404"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية