المجال العامّ: مقدّمة قصيرة جداً

5508
عدد القراءات

2018-08-14

ماذا يعني المجال العامّ؟ عندما يخرجُ النقاد والسياسيّون إلى التلفاز، أو يكتبون في الصحف، ويستعملون مصطلح المجال العام، ماذا يقصدون؟ هل يقصدون حيّزاً ماديّاً متعيّناً، أو فضاء سياسيّاً، أم مدينة متخيّلة من المتحاورين في الشؤون العامّة؟ مَن يُشكّل الفضاء العام؟ وما هي سماته؟ ومَن الفاعلون فيه؟ تلك كلّها أسئلة كبيرة، أحاول بإيجاز التعرُّض لها في هذا المقال الذي يعرّج تعريفيّاً على المجال العام، ويوضّح أحدث المساهمات في تنظيراته.

ولعلّ البدء بدحض فكرة "المكان" المرتبطة بالمجال العامّ من أوجب ما يكون. فعندما نتحدّث عن المجال العامّ نتخيّل مكاناً بعينه. إلّا أنّ  تشارلز تايلر -الفيلسوف الكنديّ ذا الإسهامات المهمّة- في كتابه المتخيّلات الاجتماعيّة الحديثة يساعدنا على فهم ذلك عندما يقول إنّنا نشعرُ بشيءٍ غريب نوعاً ما عندما نفكّر في "المجال العامّ". ليس لأنّه مفهوم حديث، فقد وُجدت أشكالٌ من المجال العامّ فيما قبل القرن الثامن عشر، حتى لدى اليونان؛ حيث تتناقشُ الطبقةُ المثقّفة حول القضايا التي تشغل "المدينة". بيد أنّ تايلر يعيّن هذا النوع ما قبل الحديث لحدث الالتقاء الذي يجمع الناس باسم "الفضاء العامّ الموضعيّ". فصحيحٌ أنّ النّاس كانوا يجتمعون لأداء شعائر دينيّة معيّنة، وعلى مائدة نقاشات معيّنة، إلّا أنّ اجتماعهم ذلك كان في فضاءٍ "مموضع"؛ أي فضاءٍ لا يرتكز على مجال عامّ لا سياسيّ، بعيد عن الدولة، ومُحايد في بنيته المتعالية. ومن ثمّ، فإنّ "المجال العام" الحديث هو، بتعبير تايلر، "فضاء فوق موضعي"؛ إنّه فضاء ينشأ من شعور سبْقيّ بين المواطنين بتعالي مشتركهم الذي يجمعهم؛ أي إنّ ثمّ شيئاً يسبقُ اجتماعهم على هذا النحو لمناقشة "المشترك العامّ".

اقرأ أيضاً: الصراع على الإسلام.. من الاستشراق إلى الجهادية الإسلامية

ومن ذلك يمكن الولوج تماماً إلى تعريف الكنديّ تشارلز تايلر في كتابه المتخيّلات الاجتماعيّة الحديثة للمجال العامّ؛ لأنّه دقيق جداً، ويشرح ما سلف؛ حيث يعرّف تايلر على النحو التالي: "المجال العامّ فضاءٌ مشترك، يلتقي فيه أفراد المجتمع عبر جملةٍ من الوسائط […] وذلك لمناقشة مسائل ذات اهتمامٍ مشترك، والتوصّل من خلال ذلك إلى تشكيل تفكيرٍ مشتركٍ في هذه المسائل. […] إنّ المجال العامّ سمة مركزيّة في المجتمع الحديث". ولذلك، ومن خلال هذا التعريف، يعني المجال العامّ فرضيّة مسبقة حول ما هو مشترك، ولذلك فهو من "المتخيّلات الحديثة"؛ أي من جملة التخيّلات التي يتصوّر من خلالها المواطنون كونهم مواطنين، كونهم ذواتاً تعيشُ في فضاءٍ سياسيّ ما، وعليها أن تشتركُ في الفضاء السياسيّ الذي يعني أنّهم منتمون له. وفي هذا افتراضٌ مسبق بعقلانيّة مَن يدخلون إلى هذا الفضاء، وبـ"أهليّتهم" في حيازة مضامين مبرّرة على نحو عموميّ.

وإذا أردنا أن نفهمَ طبيعة المجال العامّ الحديث، فيمكن أن نعرض للثلاث سمات التي عرضها تايلر في كتابه آنف الذكر بوصفها السمات النّاظمة له؛ أي كونه؛ فضاءً فوقَ موضعيّ"، وعلمانيّ خارج السياسة.

١- المجال العام كفضاء ما فوق موضعيّ

يعني كون الفضاء العامّ فوق موضعيّ باعتبار أنّه لا يتعلّق فقط بالاجتماع الماديّ/العَينيّ للمواطنين، إنّما يفترضُ المجال العامّ وحدة متخيّلة للمواطنين بوصفهم مهموميين بالإشكالات نفسها. فإذا كانت هناك أشكالٌ ممّا "فوق الموضعيّ" قبل العصر الحديث كالكنيسة وغيرها، إلّا أنّ المجال العام الحديث يختلف عنه بوصفه خارج السياسة، ومصدراً للمشروعيّة من الداخل لا من خارجه.

 يفترضُ المجال العامّ وحدة متخيّلة للمواطنين بوصفهم مهموميين بالإشكالات نفسها

لا بدّ أن نميّز بين نمطين من تجمّع النّاس في الفضاء العموميّ. فصحيح أنّ النّاس يشتركون ويشعرون بلحمةٍ واحدةٍ وهم يؤدّون، على سبيل المثال، عبادةً معيّنة، وهم مجتمعون في "موضع" معيّن. بيد أنّ هذا النّوع من الفضاء العامّ "الذي ينشأ على نحوٍ حدسيّ" بتعبير تايلر، لا يفي بالمعنى الحديث للمجال العامّ الذي يناقشه يورغن هابرماس وتايلر وغيرهم من المعنيّين بالشأن الاجتماعيّ الحديث. ومن ثمّ، يميّز تايلر هذا النوع من التشارك المجتمعيّ حول شعيرة، مبارةٍ، أو غيرهما، بأنّه "فضاء عامّ موضعيّ". وفهم هذا النّوع حاسمٌ، ههنا، في تمييز المجال العامّ في صيغته الاجتماعيّة الحديثة، بدءاً من القرن الثامن عشر.

٢- المجال العام علمانيّ

أمّا السمة الثانية للمجال العامّ فهي كونه علمانيّاً. ماذا يعني أن نقول إنّ المجال العامّ مجالٌ علمانيّ؟ فحسب فهم تايلر المتميّز للعلمانيّة كما صاغها في كتابه الذي لم يُترجم بعنوان عصر علمانيّ (A secular Age) وفي المتخيّلات الاجتماعيّة الحديثة، فالعلمانيّة هي نوعٌ من فهم الزمن، وهي لا تعني الإلحاد كما يُفهم منها غالباً، لأنّ العلمانيّة لم تلغِ الدين. إنّ العلمانيّة لدى تايلر ستأخذ بُعداً آخر، إنّها هيمنة ما هو مُحايث ويوميّ على ما هو متعالٍ الذي كان سائداً في القديم.

اقرأ أيضاً: المخبر المحلي من فرانز فانون إلى حميد دباشي: تاريخ فكرة

وهذه نقطة تحتاج توضيح. فلمّا كان في العصر ما قبل الحديث ما يُملي على نماذج العيش البشريّة هي الإطارات المتعالية سواء تمثّلت بالدّين أو بالطبيعة، فإنّ العصر الحديث سيهيمن عليه النسق المحايث، حيث العيشُ والتدبيرُ أصبحا قضيّة من داخل الزمن لا خارجه. ولا يعني هذا أن الدين لم يعد يُملي شيئاً، إنّما ستُعاد موقعته على يد العلمانيّة. يقول تايلر في كتابه عصر علمانيّ موضّحاً هذا المعنى:

"لقد انتقلنا من عالَمٍ حيث كان مكان الامتلاء مفهوماً على نحوٍ لا إشكال فيه بوصفه خارجَ أو "ما وراء" (beyond) الحياة البشريّة، إلى عصرٍ مُتنازعٍ عليه تعرّض فيه هذا التأويل إلى التحدّي من قبل تأويلات أخرى صار مكانها (في نطاقاتٍ واسعةٍ من الطرق المختلفة) “في صلب" الحياة الإنسانيّة". (تايلر، عصر علمانيّ، ص. 15).

إنّ علمانيّة المجال العامّ تفترضُ أن الإملاء الدينيّ لا يوجّهه، إن ما يوجّهه هو المضامين العقلانيّة، أو لنقُل الصياغات العقلانيّة، للمشاكل المشتركة. فإذا كان المجال العامّ بهذا المعنى علمانيًّا، وعقلانيًّا، وغير محايد، وهو ما يعني، ضمناً، أنّه يقيّم الحقائق الدينيّة على نحوٍ سلبيّ؛ فما "موضع" المتديّنين في هذا الفضاء العقلانيّ المعلمَن الذي ندعوه مجالاً عامًّا؟ وهذا هو المأزق الذي ابتدأ الفلاسفة المنظّرون للمجال العامّ بالاشتباك معه -كهابرماس مثلاً- في حلّه مؤخراً، وذلك كما أوضح مثلاً في اللقاء الأكاديّميّ الذي جمعه بجوديث بتلر وتشارلز تايلر بالولايات المتحدّة قبل سنوات تحت عنوان قوّة الدين في المجال العامّ. ويحلّ هابرماس هذا المشكل عن طريق ترجمة المضامين الدينيّة إلى لغةٍ عامّة مشتركة؛ أي عندما يدخل المتديّنون إلى الفضاء العام عليهم أن يترجموا مضامين كلامهم الدينيّة إلى لغة عقلانيّة للجميع (ولهذا الطرح مشكلات، لا يمكن استقصاؤها في هذا المقال).

٣- المجال العامّ كمجال خارج السياسة

يوضّح تايلر هذه السمة بقوله: "ينطوي كون المجال العام خارج السياسة على وجهٍ من أوجه جدّته؛ ففيه يجب أن يُنظر إلى أفراد المجتمع السياسيّ جميعاً (أو أفراده الأكفياء المتنوّرين على أقلّ تقدير) باعتبارهم يشكّلون مجتمعاً خارج الدّولة". ومن ثمّ، فهو فضاء بين المجتمع والدولة، بنية وسيطة بين الاثنين. ويبقى هذا التحديد مهمًّا مفاهيميًّا، ولكن يجب التساؤل عن المآل التاريخيّ لأفعال الدّولة تجاه هذا المجال العامّ، في ضوء دول حديثة لا يقع شيءٌ خارجها، ومن ثمّ فهناك حاجة ملحّة للتفكير عن البنى الوسيطة هذه، كالمجال العامّ وسؤال الهيمنة.

اقرأ أيضاً: اللاجئون كضحايا لأنفسهم: في نقد النقد الطائفيّ!

إنّ المجال العامّ هو فضاء عقلانيّ بالمقام الأوّل، فضاء عقلانيّ بمعنَيين: فهو عقلانيّ باعتبار أنّه يستبعد غير العقلانيين، كالمجانين مثلاً والأطفال والنساء حتى عهدٍ قريب من جهة، وعقلانيّ باعتبار ما يُناقشُ فيه من حيث دلالته المعياريّة. فأيًّا كانت المسائل التي تُناقَش فيه، فإنّه لا بدّ لها من "إعادة تلسين"، إذا صحّ تعبيري؛ أي من إعادة استنطاقها ضمن لغة عموميّة عقلانيّة، كما أشرت لطرح هابرماس. فبالاعتماد على كانط، ومن ثمّ على جون رولز الذي أسّس "عدالته" على الكانطيّة، يشيرُ هابرماس إلى أنّ "المصطلح الكانطيّ عن" الاستخدام العموميّ للعقل" في المجال العامّ ذو جاذبيّة؛ إنّه يخدم بوصفه طريقةً تساعد على تفسير توقّعات أخلاقيّة معيّنة بشأن المواطنة".

وبما أنّ المجال العام فضاءٌ عقلانيّ بالمعنيين اللذين ذكرتهما، فهو في بنيته استبعاديّ بشكلٍ أساسيّ، وذلك لما يرتكز عليه من عقلانيّة متعالية تُعيد صياغة الذوات التي تدخله، وهو على عكس الشائع بأنّ الناس هم الذين يصوغون هذا المجال ويؤطّرونه، فإنّه ليس كذلك لأنّ له بنية متعالية مسبقة.

اقرأ أيضاً: حوار مع ثائر ديب حول الترجمة والحرب

كما إنّ المجال العام ليس كما يعرضه هابرماس وغيره بحياديّته هذه، فهو مجال عامّ برجوازيّ، ومن يمثّل الناس فيه ليسوا سوى نخبة محدّدة، ولذا فهو فضاء شريحة معيّنة إذا شئنا الدقّة. إنّه فضاء، كما توضّح المنظّرة السياسيّة نانسي فرايزر، نشأ على أيدي نخبة برجوازيّة. وبالتالي، عندما يقوم السياسيّون والنّقاد باستعمال مصطلح "المجال العامّ" باعتباره للنّاس، فهو خداع. فليس الجميع مؤهلاً للدخول. ونموذج المرأة المُستبعدة من النقاش العموميّ كان إلى وقت قريب.

حاول هذا المقال الإلمام بأحدث الطروحات حول المجال العامّ، الممثّل بطرح تشارلز تايلر وآخرين؛ كاستضاءة لمفهوم غالباً ما يُلقى على المارة، والمتفرجين، والمستمعين، دون فحص ونقد. فالمجال العام، إذا أوجزنا، هو "المتخيّل" الذي نفكّره فيه باعتباره ما يجمعنا كمواطنين ذوي قضايا مشتركة، لا بدّ أن تنافش بحريّة، خارج مجال الدولة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: