بعد 10 سنوات على إسقاط النظام: التونسيون ينتفضون من جديد

بعد 10 سنوات على إسقاط النظام: التونسيون ينتفضون من جديد

مشاهدة

29/11/2020

رغم تعهّدات الحكومات التونسية المتعاقبة، ما تزال إشكالية الفوارق الاجتماعية بين محافظات تونس، وتحدّي إخراج بعضها من دائرة التهميش بهدف تقريبها، على الأقل من المستوى العامّ في البلاد، عبئاً ثقيلاً على كاهل الدولة واقتصادها المنهك بطبعه، فظلّت جغرافيا الغضب محسوبة حصرياً على دواخل البلاد وهوامشها، منذ عقود ما قبل ثورة 2011.

عدم المساواة بين المحافظات فاقم شحنة الغضب، والشباب وجدوا أنفسهم بعد تغيير النظام في طريق مسدود وهو ما فجّر الوضع الاجتماعي حالياً

وتنتشر في هذه الأوساط المعدمة، والواقعة في أسفل السلم الاجتماعي، حيث تنهشها الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، التحركات الاحتجاجية التي تطالب في مجملها بالتنمية والتشغيل، وبعض المطالب الاجتماعية الأخرى التي لا تختلف عنها كتسوية وضعيات مهنية أو اجتماعية.

غضب من رحم التهميش

وتعيش بعض محافظات تونس على وقع تحركات احتجاجية شعبيةٍ اتّسعت رقعتها خلال هذه الفترة، ولم تهدأ وتيرة الغضب الشعبي تجاه الطبقة السياسية، التي حكمت البلاد منذ عام 2011؛ حيث انفجرت الأوضاع في محافظة القصرين (غرب البلاد)، والتي يصنّفها المعهد التونسي للإحصاء (حكومي) كأفقر محافظة تونسية، من حيث نسب الفقر المرتفعة (35% من سكانها تحت خطّ الفقر)، ونسب البطالة التي تصل حدود 40%.

 وحاول مئات الأهالي من منطقة العيون التابعة للقصرين (منطقة حدودية)، إغلاق حقل "الدولاب " النفطيّ، وتعطيل إنتاجه، مطالبين بحقّهم في التنمية والتشغيل، وتحسين ظروف حياتهم.

يأتي ذلك بعد أيام قليلةٍ من التوصل إلى حلّ جزئيّ مع الأهالي المحتجين في محافظة تطاوين الجنوبية، التي يطالب شبابها المعتصم في "الكامور" (مقرّ حقول النفط في الجنوب التونسي)، بإيجاد فرص عمل للعاطلين من أبناء المحافظة، وهي ذاتها التي طالبت بها منذ 2012، وفشلت الحكومات التونسية المتعاقبة في إيجادها.

اقرأ أيضاً: تونس.. لماذا ترفض عبير موسي الحوار مع الإخوان؟

 المعتصمون طالبوا الدولة التونسية أيضاً بتنمية محافظة تطاوين اقتصادياً، لمواجهة ارتفاع نسبة البطالة؛ حيث بلغت 32%، بحسب المعهد التونسي للإحصاء.

وانفجرت أمام الحكومة، خلال هذا الأسابيع الأخيرة، عدّة أزمات، لا يبدو أنّها ستشهد انخفاضاً، منها: اعتصام مئات المواطنين في محافظة الكاف، شمال غرب البلاد، ويوم غضب في مدينة الشابة دفعت جزءاً من أهاليها إلى تنفيذ هجرة جماعيّة نحو إيطاليا، قبل أن يصدّهم الحرس البحريّ التونسيّ.

اقرأ أيضاً: ركة النهضة تواجه مصيراً مهجولاً.. ما سيناريوهات المستقبل لإخوان تونس؟

كما شهدت منطقة "الرديف" من محافظة قفصة (وسط غرب تونس)، بداية تحركات شعبية للمطالبة بإتاحة فرص عمل، إضافةً إلى تحركات اجتماعية سابقة، عرفتها، الأسبوع الماضي، منطقتا "المكناسي" وجلمة من محافظة سيدي بوزيد (وسط غرب تونس).

كما وجّهت عدة منظمات وجمعيات بمحافظة القيروان (وسط غرب تونس) رسالة مفتوحةً إلى كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمانيين، طالبوا فيها بحقّه بالمحافظة في التنمية والتشغيل، معبّرين عن "استعدادهم التامّ للدخول في كلّ الأشكال النضالية المشروعة للدفاع عن المطالب الملحّة للجهة في صورة تمادي التجاهل والتسويف"، بحسب نصّ الرسالة.

ويؤكّد في هذا الشأن، الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية)، رمضان بن عمر؛ أنّ التحركات الاحتجاجية التي تشهدها تونس مؤخراً تتصدّرها من حيث العدد محافظة قابس (جنوب شرق)، تليها محافظة القصرين، ثم القيروان، فسيدي بوزيد، ثم قفضة، وهي محافظات وسط غرب تونس، لافتاً إلى أنّ هذه المحافظات تصّدرت، منذ عام 2011، التحرّكات الاحتجاجيّة.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت تونس بؤرة لتجنيد التكفيريين؟

ولفت بن عمر، في تصريحه لـ "حفريات"؛ إلى أنّ هذه المحافظات  الأولى في تونس من حيث نسب البطالة ومؤشر الفقر والتنمية، وأيضاً من حيث نسب إنجاز المشاريع العمومية، رغم أنّها تعتمد في الغالب على القطاع الحكومي، نظراً إلى غياب المشاريع الخاصة فيها بسبب طابعها الجغرافيّ.

الناشط التونسي رمضان بن عمر لـ"حفريات": التحرّكات الاحتجاجيّة التي تشهدها تونس مؤخراً تتصدّرها المحافظات التي انتفضت ضدّ نظام بن علي في 2011

الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، شدّد أيضاً على أنّ هذه الجهات هي الأولى من حيث ظاهرة الهجرة، غير النظاميّة، وتعدّ الخزان الرئيس للشباب، الذي يهاجر سرّاً نحو أوروبا، بحثاً عن مستقبل أفضل.

وتُعدّ هذه المناطق التي تنفجر فيها التحرّكات الشعبية، وانطلقت منها أحداث ثورة 2011، وكانت عبر التاريخ مناطق معارضة؛ إذ عارضت الرئيس السابق، الحبيب بورقيبة، وساندت عدوّه، الزعيم صالح بن يوسف، كما فجّرت ثورةً أطاحت بنظام بن علي، الذي حكم البلاد لـ 23 عاماً، وهي المناطق الأكثر غضباً لليوم من سياسات الحكومات العشر التي تتالت على البلاد منذ عقدٍ من الزمن.

ميراث التفاوتات الإقليمية

وضعٌ مأزوم لم يكن وليد اليوم أو الأمس، بل إفرازاً لعقودٍ من القطيعة والتنافر، بين ما يجب أن يحدث وما حدث في الواقع، وتراكم غضبٍ من سياساتٍ تمييزية، أدّت لأن يصبح المشهد العام على هذه الشاكلة، محكومٌ بين شارع غاضب يلوح بالتصعيد، ينظر إلى الدولة كعدوّ سرق حقوقه، وطبقة سياسية منشغلة بالصراعات الهامشية.

تاريخياً؛ ركّزت الدولة التونسية إستراتيجياتها التنموية في مناطق محددة، يبرز فيها الساحل التونسي كمنطقة تنمية ذات أولوية، نظراً إلى التمثيل القوي لهاته الجهة في مختلف دواليب الدولة، خصوصاً أنّها المنطقة التي نشأ فيها الرئيس الراحل، الحبيب بورقيبة، أوّل رئيسٍ يتولى حكم تونس بعد الاستقلال، وهي أيضاً بلد نشأة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وأغلب وزراء الدولة الذين تداولوا على مراكز القرار.

اقرأ أيضاً: تونس: "الدستوري الحر" يواجه جماعة الإخوان من بابها الخلفي

وبحسب دراسةٍ لمركز "كارنيجي" للشرق الأوسط، فقد ضاعفت تونس من السياحة والتصنيع منخفض التكلفة، لتعزيز النموّ الاقتصادي، منذ سبعينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، وهو النهج الذي أبقى على معظم الاستثمارات في البنية التحتية، محاصرة في المناطق الساحلية، بدلاً من تعزيز النموّ في المجتمعات الزراعية النائية، فيما واصل نظام بن علي في السياسة نفسها، وهو ما فاقم منسوب الغضب لدى أبناء باقي المناطق.

وتظهر أغلب الدراسات الحكومية، وغير الرسمية، تمركز النسب العالية للفقراء في الجهات الغربية من البلاد، خاصة في الوسط الغربي، كما كان المؤشر الأعلى للبطالة في البلاد عام 2011، لجهة الوسط الغربي (28.6%)، تليها جهة الجنوب الغربي (24.8%)، في حين أنّها لم تتجاوز 11% في الوسط الشرقي.

اقرأ أيضاً: اتحاد القرضاوي.. سرطان التطرف ينهش تونس برعاية الغنوشي

وكشفت دراسة حديثة أصدرها المعهد التونسي للإحصاء ارتفاع نسبة الفقر بشكل كبير على مستوى الوسط الغربي، المكوّن من محافظات (القيروان والقصرين وسيدي بوزيد)، إذ يعدّ هذا الإقليم، وفق الدراسة، أحد أفقر الجهات، بمعدّل 29.3%.

ويرى الباحث في علم الاجتماع، السياسي سامي نصر، أنّ ما تعيشه تونس من غضبٍ اجتماعي هو إفراز طبيعي لسياسات الدولة، التي اتّبعتها مختلف الحكومات التي تداولت على الحكم، التي لم تعتمد معيار تكافؤ الفرص بين المحافظات، وهو ما خلق شعوراً بالظلم والقهر لدى بعضهم.

ورأى بن نصر، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ عدم المساواة بين المحافظات فاقم شحنة الغضب لدى بعضهم، ممن يعانون منذ عقودٍ من الفقر والاحتياج و"الحقرة" (اللامبالاة)، وهو أيضاً ما خلق لديهم، خلال العام 2011، روح الثورية، التي ما تزال متواصلة إلى اليوم.

وأشار الباحث في علم الاجتماع إلى أنّ الحكومات المتتالية قد أخطأت في سياساتها؛ فهي عوض أن تحلّ الإشكال الاجتماعي الذي أشعل الثورة، واصلت عملية التهميش، وغذّت مفهوم "الجهويات" في البلد، وهو ما يؤدي إلى حرب أهلية، بالنظر إلى التحركات الأخيرة؛ حيث كلّ محافظة تطالب بحقّها لوحدها من ثروات الوطن.

وتشير أغلب نتائج سبر الآراء إلى أنّ التونسيين لا يبدون ثقةً في جدّية الخطط الحكومية ويصنفونها في إطار التصريحات الشعبوية لإخماد غضب الشارع، وتوجّساً من رقعة الاحتجاجات المناهضة لأدائها، في حين يلاحظ الخبراء أنّ اعتماد تونس على ذات المنوال التنمويّ الذي كان من أبرز أسباب ثورة يناير، من منابع الخلل الحقيقية.

آمال معلّقة منذ 2011

المطالب التي رُفعت خلال الأسابيع الأخيرة، كانت في مجملها مكرّرة منذ العام 2011، حين خرج الشباب الغاضب لإسقاط نظام بن علي، الذي همّشه، وطالبوا بالتشغيل والتنمية العادلة؛ إذ كان الشعار المركزي حينذاك، وفق الناشط في الحراك الاجتماعي، المعطل عن العمل، عبد الحليم حمدي، "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق"، و"شغل.. حرية.. كرامة وطنية".

اقرأ أيضاً: تونس تفكك 33 خلية إرهابية.. ما علاقة الإخوان؟

وقال حمدي، لـ "حفريات": "الشباب الغاضب وجد نفسه، وبعد عشر سنوات من تغيير النظام، في طريق مسدود، بعد أن فوّتت كلّ الحكومات التي تتالت على البلد فرصة تحقيق المطالب الاجتماعية المشروعة، وهو ما فجّر الوضع الاجتماعي حالياً، حتى اختلفت مطالب المحتجين، ولم يعد الشعار المركزيّ يجمعهم، فباتت كلّ فئة تطالب بحقّها لوحدها، وكلّ محافظة تريد نصيبها لنفسها.

ولفت عبد الحليم إلى أنّ مطالب المحتجين ليست جديدةً، بل هي مكرّرة منذ عشر سنوات، غير أنّ الدولة عجزت عن استيعابها، رغم إقرارها دستورياً، منذ 2014، وأنّ على الحكومة الحالية أن تتحمّل مسؤولية قطع الطرقات، وإغلاق حقول النفط، لأنّ الحكومات التي سبقتها لم تحترم الدستور، ولا إرادة الشباب.

الصفحة الرئيسية