جدل العيد ومعضلة الرؤية

جدل العيد ومعضلة الرؤية

مشاهدة

03/06/2019

بين الدين والعلم كثير من الجدل والاختلاف ومن القبول والرفض، ومن الشك والالتباس، ومن الحذر والمغالطات، وكثير منها يحدث نتيجة رغبة البعض البقاء في قوالب دينية نمطية وبناء الأحكام عليها، وفق منظورات وتصورات لا ترفض الجديد وحسب؛ بل وتعتبر التجديد خطراً على الدين ومساساً به وتحريفاً لأحكامه ومقتضياته.

اقرأ أيضاً: صلاة العيد في مصر تتخلى عن روحانيتها.. لهذه الأسباب
وفي الحياة شواهد كثيرة، بعضها يمكن القبول بالاختلاف فيها، وبعضها يكون الاختلاف عليه بمثابة حشر للدين في الزوايا المعتمة وتكبيل حركته وتجميد مرونته وتعطيل قدرته على استيعاب الجديد في العلم والحضارة والحياة .
في الممارسة الدينية ثمة مستويات للأداء الديني؛ فأداء الصلاة مثلاً في مرتبة أهم من تحديد هلال العيد، ومع ذلك يقر المسلمون خضوعاً والتزاماً بالشرط العلمي لتحديد مواقيت الصلاة عن طريق "الساعة"، ويرفضون الشرط العلمي في تحديد موعد العيد أو هلاله.

لو نظر المسلمون إلى العلم باعتباره خادماً للدين فإنّ مساحات الجدل السلبي ستتضاءل وسينتصر الدين بدلالة أحكامه وببرهان العلم

سيكون مهماً تشكيل قناعة أولية أنّ الهدف هو القطع بصحة الوقت، "وقت العيد" وتولّد هلاله، فإذا كان العلماء ينظرون إلى شهادة أحدهم باعتبارها "ظنّية الثبوت"، وأنّ الحساب الفلكي قطعي الثبوت، يجب أن يصبح الأمر خارج سياق الجدل الذي يثيره كثيرون رغبة منهم في تعطيل الاجتهاد والتجديد والثقة بالدين.
الذين ينظرون مثلاً إلى الحديث النبوي الثابت في الصحيحين حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب .. الشهر هكذا وهكذا وهكذا، والشهر هكذا وهكذا وهكذا "، ودلالة هكذا تعني عشرة أيام في إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى أنّ الشهر ثلاثين يوماً، وفي كلمة "هكذا" الأخيرة نقص إصبع في إشارة إلى أنّه يمكن أن يكون الشهر 29 يوماً وليس ثلاثين يوماً. الذين ينظرون إلى هذا نظرة جامدة وتتوقف عند حدود كلمة لا نحسب بل نعتمد الرؤية البصرية، عليهم أيضاً أن يتوقفوا عن قراءة القرآن مكتوباً؛ لأن النبي الكريم، عليه السلام، قال في نفس نص الحديث "لا نكتب".

اقرأ أيضاً: صلاة العيد..وقتها وكيفية أدائها وآدابها
يقول أحد العلماء المتخصصين، د. رحيل الغرايبة، إنّ الحساب الفلكي مقطوع بصحته وهو أكثر ثباتاً ويقيناً من شهادة الواحد والاثنين بكل يقين، وإنّ الأوان قد حان  للاعتماد على الحسابات الفلكية الصحيحة بشكل كامل وقاطع بعدما تأكدت دقة الحسابات الفلكية بطريقة تخلو من الشك والريبة؛ لأن الرؤية الواردة بنص الأحاديث النبوية ما هي إلا آلية للتحقق من ولادة هلال الشهر فقط، والنص لا يمنع التحقق من ذلك بالحساب الفلكي إن أمكن ذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يتطور العلم العربي؟
ويضيف غرايبة أيضاً أنّ إطلاق شهر شرعي وشهر غير شرعي ونظام كوني ونظام شرعي ليس صحيحاً؛ فالله، عز وجل، جعل الأهلّة للحساب والتقدير ولنعلم عدد الشهور والسنين، كما رتب الأوقات على حركة الشمس فيثبت الفجر من خلالها ويثبت وقت الظهر بزوالها ويثبت وقت المغرب بغروبها وهكذا، ولذلك فإنّ الكون وآياته مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمواقيت من أجل أداء فروض الدين التي تحتاج إلى علم ونظر وحسن تقدير. فهو يخلص إلى أنّه يجب الاعتماد على العلم اليقيني بحقيقة تولّد الهلال من خلال الحسبة الفلكية المؤكدة؛ حيث إنّ غرة الشهر القمري الحقيقية والطبيعية تثبت بولادة الهلال وليس برؤيته وهنا بيت القصيد، معتبراً أن ليس هناك أشد ضرراً على الدين من انغلاق العقل وتسرب الوهم لأحدهم بأنّه حارس الدين وأنه الأكثر حرصاً على الإسلام وبيده مفاتيح الاجتهاد يمنحها لمن يحب ويحجبها عمن يريد.

غرايبة: إنّ الحساب الفلكي مقطوع بصحته وهو أكثر ثباتاً ويقيناً من شهادة الواحد والاثنين بكل يقين

تلك المعضلة في الذين يرون أنفسهم أوصياء على الشرع والدين والأحكام، وأنّ ما يرونه وما يقطعون به لا ينفع معه مخالفة ولا رأي آخر، ولا بديل عنه، فهم في الحقيقة يسيئون للدين ويكبّلونه بأحكامهم الفردية وأفهامهم الجامدة التي تتوقف عند ظواهر النصوص لا يلجؤون إلى دلالاتها وتأويلاتها العميقة.
كل مسائل الخلاف بين العلم والدين هي مسائل مفتعلة؛ لأن بعض المسلمين ينظرون إلى العلم بالريبة والشك، وأنّه متهم دوماً في علاقته بالدين والأحكام الشرعية، أما لو نظر المسلمون إلى العلم في عصر العلم باعتباره خادماً للدين ومسائل الدين وأحكام الدين، فإنّ مساحات الجدل السلبي ستتضاءل حتماً، وسينتصر الدين بدلالة أحكامه وببرهان العلم ونظرياته.


الصفحة الرئيسية