خالد عزب: العمارة الإسلامية ثمرة اشتباك السياسة والفلسفة والدين

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
4072
عدد القراءات

2018-07-25

أجرت الحوار: منى يسري


قال رئيس قطاع الخدمات والمشروعات بمكتبة الإسكندرية، الدكتور خالد عزب إنّ العمارة الإسلامية كانت ذات فلسفة دينية بنيت على أسلوب حياة، وراعت في أولوياتها قيمة الإنسان، وإنّ هذه القيمة التي نبعت من طبيعة المجتمع الإسلامي قد غابت عن مجتمعاتنا المعاصرة، مما نتج عنه تفسخ مجتمعي ملحوظ، وعدم مراعاة لطبيعة واحتياجات المجتمع الذي يقطن تلك المدن.

العرب قدسوا الماء كما لم يفعل أحدٌ من قبل بسبب ندرة الماء الذي طوّر منهاجاً أساسياً في فقه العمران

وأضاف رئيس اللجنة القومية للمتاحف المصرية والباحث في الآثار الإسلامية في حواره مع "حفريّات" أنّ السبب في الوضع الحالي للمدن الإسلامية يتمثل في عدم مراعاة طبيعة واحتياجات المجتمع التي تحدد شكل المعمار، وأنّنا نأخذ نماذج غربية ونطبقها على العمران المحلي دون مراعاة لاحتياجات مجتمعنا وثقافته وسكولوجيته التي تتطلب أموراً مختلفة في بنية المنازل ومراعاة حقوق الجيرة وقيمة الترابط الأسري في المجتمع.

وهنا نص الحوار الذي أجري مع الدكتور خالد عزب في مكتبه بحي المنيرة بالقاهرة.

تزاوج العمارة بالسلطة

كيف يمكن استنتاج الوضع السياسي القائم في مجتمع ما من بنية المدن وشكل العمران؟

ترتبط العمارة ارتباطاً وثيقاً بثقافة الشعب وطبيعته، لذلك فإنّ السياقات الخاصة بكل مجتمع تختلف مدلولات العمارة فيها من مجتمع لآخر، فعلى سبيل المثال، في مصر نستشف من المدلولات اللغوية أنّ فعل أفعل التفضيل المفضل لدى المصريين، ومنه أعلى، أوسع، أكبر، هو فعل مطبق على الحالة النفسية للشعب المصري؛ فالحاكم في مصر القديمة بنى الهرم الأكبر بناءً على فعل أفعل التفضيل، وبذلك يمكنه القول إنه بنى أكبر هرم في التاريخ، هذه الحالة النفسية لدى المصريين تمثل نوعاً من الافتخار والتحدي، وتدفع إلى التطور العلمي والتكنولوجي طبقاً لمعطيات كل عصر، وهذا انعكس في العصور الإسلامية. لذلك في مصر هناك أعلى قلعة في العالم وهي قلعة صلاح الدين، وأكبر وأعلى مدرسة في العالم وهي مدرسة السلطان حسن، هذا يتواكب مع الطبيعة السيكولوجية للشعب المصري، وفي حالة كبلاد المغرب والأندلس نجد الرقة والجمال المطلق، المبني كمتانة وعلو لا يمثل أهمية، لذلك نجد المساجد وقصور الحمراء رقيقة المشاعر، وذلك لطبيعة هذه الدول حيث لم تكن دول حرب، على عكس الحالة المصرية، هذا من ناحية.

ترتبط العمارة ارتباطاً وثيقاً بثقافة الشعب وطبيعته لذلك فإنّ السياقات الخاصة بكل مجتمع لها مدلولات عمارة مختلفة

من ناحية أُخرى العلاقة بين العمارة والسياسة لها ثلاثة مستويات: علاقة رمزية العمارة ودلاتها على هذه الرمزية السياسية، فنجد مثلاً عبدالملك بن مروان في مدينة القدس، يذهب لأعلى ربوة في المدينة، ويستعيد حدثاً دينياً كالإسراء والمعراج، ويؤسس عليها قبة الصخرة والمسجد الأقصى، والذي تتجاوز في ارتفاعها كنيسة القيامة، في دلالة على قوة الإسلام وحضوره وسطوته، ودائماً ما يحرص المسلمون على ارتفاع مآذن المساجد كمدلول رمزي على حضور الإسلام وقوته في هذا المكان؛ فالرمزية مهمة جداً، باب زويلة الذي أُعدِم عليه السلطان طومان باي، أصبح له رمزية سياسية ارتبطت بالحدث، أمّا المستوى الثاني وهي العمارة كشاهد سياسي فمثلاً موكب السلطان مرّ من هنا، يصبح الموقع هنا شاهداً تاريخياً على حدث ما، ثمّ يأتي المستوى الثالث وهو العلاقة الفكرية بين العمارة والسياسة، نجد في الحضارة الإسلامية تحديداً لسلطات الحاكم، فالحاكم لم يكن لديه ثلاث سلطات أساسية في حياتنا اليوم (الرعاية الصحية، التعليم، الرعاية الاجتماعية)، أما بقيّة الوظائف فتتمثل في الحماية الأمنية، وكذلك توفير المياه وتشريع القوانين الخاصة بها؛ فالحاكم مُلزم بإحاطة المدينة بأسوار تحمي الشعب من الغزو والعدوان، ومخول له توفير المياه لكل الناس على حدٍ سواء وحتى لعابري السبيل، فأصبح هناك سلطة للدولة وسلطة للمجتمع.

بناء على ما أوضحت، كيف مارس المجتمع الإسلامي في القرون الوسطى سلطاته وإلى أي مدى تمكن من إدارة الموارد بشكل جيد، وهل انتهت سلطة المجتمع في الوقت الحالي أم لها أشكال مختلفة؟

سلطة المجتمع جعلت المجتمعات الإسلامية في حالة استقرار مهما اختلفت السلطات والحكام، وهو ما يتواجد حالياً بصورة في مختلف ما يسمى دور المجتمع المدني؛ فالدولة الإسلامية ابتكرت سلطة المجتمع المدني على صورتها الحالية في سلطة المجتمع في الحضارة الإسلامية وهذا المجتمع ابتكر سلطة الوقف لإنشاء مصادر اقتصادية لتمويل بقية الوظائف التي لم تكن مخولة للحاكم، وهي فكرة أخذها الغرب وقام بتقليدها فيما يعرف حالياً باسم الـ .(Financial endowment).

(Financial endowment)

اقرأ أيضاً: لا إعمار في بلد ينهبه أبناؤه!

فالمجتمع هو من خلق المؤسسة الاقتصادية والتي لا يد للحاكم عليها، وأخذها الأوروبيون فيما بعد عبر الحروب الصليبية، التي غيّرت وجه أوروبا وأعادت بناء أفكارها من جديد، ولا سيّما أنّ تلك الحرب لم تحدث فقط لأجل نهب الثروات أو فرض السيطرة، لكن ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية من رقي فكري ونهضة علمية، جعلتها مطمعاً لأوروبا التي أخذت الكثير من أفكار المسلمين وتأثرت بها ولم تستطع التأثير في المجتمع الإٍسلامي بقدر ما تأثرت هي به، فالحروب الصليبية أثرت سلباً على العالم الإسلامي وإيجاباً على العالم الغربي، على الرغم من انتصار المسلمين في النهاية، فالمهزوم استفاد من الهزيمة والمنتصر غرق في التفاصيل والخوف بعد انتهاء الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس، وخصوصاً أنّ ما مثلته الهزيمة لأوروبا بعد خروجهم من عكا كان صدمة كبيرة لإمبراطورايات بأكملها، وهو ما دفع الأوروبيين إلى عمل ما يشبه المراجعات داخل الأديرة والكنائس، وبدأت حركات جديدة عرفت لاحقاً بالهرطقة وهي العلمانية الأوروبية التي بدأت منذ القرن الرابع عشر وحتى التاسع عشر، نتيجة للرأسمالية وتراكم الثروة بدأ أصحاب رؤؤس الأموال في تمويل تلك الحركات للخروج على الكنيسة التي أصبحت مهددة لمصالحهم، وهكذا أخذت العلمانية الجديدة طريقها في إزاحة النظام الكنسي وإقامة نظام جديد خارج عن سيطرة القساوسة، ولا دور فيه لرجال الدين خارج الأديرة.

الفلسفة الإسلامية في الفن

كان المسجد في بداية الدولة الإسلامية هو محور المدينة

كيف استطاع الفنانون المسلمون ابتكار لمسة فنية خاصة بهم استطاعت تغيير شكل المدن التي أقام بها المسلمون وبداية نهج لمدرسة فنية جديدة لم تكن معهودة من قبل؟

أولاً يجب التفرقة بين فن العمارة والفنون المصاحبة لفن العمارة، ولا بد من الأخذ في الاعتبار التخطيط الحضري الذي في كان المسجد فيه، في بداية الدولة الإسلامية، هو محور المدينة، فمثلاً نجد مسجد عمرو بن العاص ودار الإمارة الصنوان بناية واحدة، وبالنظر إلى مدينة القطائع التي أسسها أحمد بن طولون، أصبح الجامع يوازي دار الإمارة من حيث المساحة، وبالانتقال إلى الدولة الفاطمية نجد انحسار المسجد في الثلث الشرقي الجنوبي للحي وأصبح قصر الحاكم يبلغ ثلاثة أضعاف مساحة المسجد، وبالصعود إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي أصبح المسجد نقطة في مقر الحكم، وهذا في مدلوله السياسي يمثل تراجعاً مباشراً للسلطة الدينية في الدولة الإسلامية لصالح السلطة المدنية على عكس ما يعتقد الناس.

اقرأ أيضاً: مدينة تستفتي سكانها حول بناء مسجد!

ثم بالنظر إلى العمارة الإٍسلامية نحن بصدد دين لديه فلسفة تعبر عن أسلوب حياة كامل، وهو ما انعكس في ابتكارات الفنانين المسلمين لأشكال فنيّة هي بداية الفن التجريدي للفن الغربي، وهو ما ظهر بصورة بارزة في مدينة سامراء في العراق حين أنشأها الخليفة المتوكل؛ فبرزت الزخارف التجريدية التي تحرف الأشكال الطبيعية والنباتية عن شكلها الطبيعي نتيجة ظن الناس أنّ كل ما فيه روح يعود إلى الله، فلا يجوز تجسيد الروح من قبل الإنسان، فتم تجريد الأشياء الحية من صورها إلى أشكال تجريدية، وهو ما نشأ عليه فن التوريق وهو المعروف شعبياً بـ"الأرابيسك"، ويُعد أكثر الفنون الإسلامية شُهرة، وهناك نقطة إبداعية اُخرى؛ حيث إنّ أواني الذهب والفضة كانت مُحرمّة، لذا صنعوا الخزف ذا البريق المعدني، للتحايل على عدم استخدام الذهب في أواني الطعام والشراب، ثم بدأت في الظهور العديد من الزخارف المنبثقة من هذه الفلسفة طوال الوقت.

لكن التساؤل هنا: هل شكل المدينة اختلف من عصر لآخر؟

بالطبع اختلف من عصر لآخر، ففيما يسمى فقه العمارة الإسلامية، هناك ثلاثة مستويات من الشوارع؛ هناك شارع عام السلطة فيه مشتركة بين المجتمع والدولة يتفرع منه شارع آخر تستحوذ السلطة المجتمعية على 70% منه بينما تأخذ الدولة منه 30% منه فقط، ثم شارع خاص، على بابه باب يسمى بـ "باب الحارة"، وهنا لا سلطة فيه للدولة وهي الأحياء والأزقة الشعبية التي تخضع بشكل كامل لسلطة المجتمع؛ وهو ما ترتب عليه أمر غاية في الأهمية، فنجد أنّه كلما زادت الخصوصية زادت زخارف واجهات المنازل وهو ما يدل على استشعار الناس بقيمة ملكيتهم الخاصة، وبالتالي يبدعون ما شاءوا من جماليات معمارية، لكن لو كان هناك حضور للدولة، ستقل نسبة الزخارف، لذلك في المنازل القديمة كلما دخلنا إلى أعماق الحارات والأزقة نلاحظ زيادة الزخارف المعمارية على الواجهات وتلك كانت بيوت الأغنياء والملوك، فهم يفضلون السكن في الحارات والأزقّة على عكس الشوارع الرئيسية التي سكنها العمال والحرفيون والصناع، وهو عكس نظامنا القائم حالياً.

غلاف كتاب "فقه العمران" لخالد عزب

في كتابك "فقه العمران" أشرت باستفاضة إلى كتابات ابن خلدون وابن أبي الربيع حول فقه العمران في الدولة الإٍسلامية، لماذا نرى هذا الإخفاق الواضح في تصميم المدن الحديثة بينما التكنولوجيا ذلّلت عقبات كثيرة أمام المهندسين يمكنها إنتاج ما هو أكثر جمالاً من الماضي؟

الأمر يرجع إلى القيمة التي يستند إليها فقه العمران، ففي الإسلام تمحور فقه البناء حول"القيمة الإنسانية"، وجزء كبير من قواعد فكر البناء في الحضارة الإسلامية قامت على فكرة حق الجار، حيث أدى تدهور الاهتمام بالقيمة الإنسانية في العمارة إلى تدهور العلاقة بين المنشآت وبعضها، مما يعكس أيضاً تدهور علاقات الجيرة بين الناس وبعضهم البعض، فقيمة الجوار انتهت،. وهناك أمر آخر أكثر أهمية وهو تقليد المدارس المعمارية لبلدان وثقافات أُخرى دون إعمال العقل في متطلبات المجتمع، وهذا يفسر لماذا حين يقوم أحدهم في بلداننا العربية بشراء عقار يبدأ في إدخال بعض التعديلات الأساسية عليه، بينما لو اشترى مواطن أوروبي عقاراً لا يقوم بإدخال أية تعديلات؛ لأنّها مجهزة بطريقة تتناسب مع عقليته وإدارته للداخل الأسري، بينما الآخر ليس مجهزاً لإدارة عقلية مجتمعنا، فالمفترض أنّ كود البناء المصري ينظم هذا الأمر، لكن كود البناء في مصر معني بالمواد وليس بالإنسان والمجتمع، وهي نقطة مهمة جداً لا يلتفت إليها صُناع القرار والمُشرعون، والقضية تتلخص حول افتقارنا لمدرسة معمارية خاصة، وما نفعله ليس إلّا تقليداً للعمارة، وليس لدينا مبدعون للعمارة.

عزب: فتحي مهندس مبدع، لكنه عمِل على القيمة التراثية للعمارة، وأغفل الجانب الإنساني

لكننا في مصر نملك نموذجاً للعمارة هو نموذج حسن فتحي، هل ترى أنّ مثل هذا النموذج الهندسي الفريد المأخوذ من طبيعة المجتمع والجغرافيا ليس كافياً لصياغة مدرسة معمارية مصرية وعربية؟

حسن فتحي مهندس مبدع، لكنه عمِل على القيمة التراثية للعمارة، وأغفل الجانب الإنساني، فاكتفى بالقيمة التراثية ولم يطور في هذا الجانب، لذا فإنّ اشتباك حسن فتحي بالواقع كان اشتباك أحلام أكثر منه اشتباك واقع، واشتباك الحلم هذا انتهى به الأمر أن يكون معماراً سياحياً، فنجد هذا النموذج هو ما انتشر في القرى السياحية في البحر الأحمر والساحل الشمالي والغردقة، وغيرها من المدن التي نقلت نموذج حسن فتحي للأثرياء وليس للفقراء، لعدم قدرته على الاشتباك مع الواقع وتقديم معطيات جديدة تقنع الإنسان المصري بأنّ هذه العمارة خاصة به، حيث تعامل فتحي مع الماضي ولم يُلبس الماضي ثوب الحاضر. وبينما استفاض العديد من الكُتّاب في مظلومية حسن فتحي وإهدار حق منهجه المعماري في تغيير شكل بيوت المصريين، فإنني أرى ذلك ليس واقعياً؛ فحسن فتحي لم يظلم، ونال العديد من الجوائز والأوسمة، واشتهر عالمياً كما لم يفعل مصري قبله، ويمكن أن تكون جائزته الكُبرى هي تشكيله لقالب معماري جديد يُعد القالب الوحيد الذي نبت من الأراضي المصرية، وهذه قيمة حسن فتحي الحقيقية، فالتحدي الحقيقي الذي واجه حسن فتحي ويمكننا رؤيته حتى اليوم هو القرية التي بناها في الأقصر، فالقرية أصبحت مزاراً سياحياً وليست ملاذاً لأهل الأقصر، التي بدأ بها منهجه المعماري ولكن تحديات الواقع التي عجز عن مخاطبتها وقفت حائلاً دون تحقيق ذلك.

الإبداع الهندسي السابق لعصره

المسلمون لديهم ابتكارات عديدة في علم الرياضيات والعلاقة بين الرياضيات والعمارة

في كتابك "قوة مدينة المساجد"، استفضت في ذكر الفنون التي ابتكرها المسلمون لتجميل المسجد وجعله حاضراً بقوة في المشهد السياسي، ولكن العديد من الكتاب أشاروا إلى أنّ كل الهندسة التي بنى عليها المسلمون مدنهم أخذت من نظريات إغريقية ويونانية ترجمها المسلمون واستلهموا منها أعمالهم، كيف ترى ذلك؟

ليس صحيحاً، فالمسلمون لديهم ابتكارات عديدة في علم الرياضيات والعلاقة بين الرياضيات والعمارة، وهذه ابتكارات لا حدّ لها، لدرجة أنّ هُناك كتب تناولت المناقشات التي كانت تجري بين المُهندسين وعُمّال البناء وهي مناقشات فريدة وتعكس مدى إبداع هؤلاء الصناع، فمثلاً أبو الوفاء البوزجاني وهو مهندس وبنّاء وعالم رياضيات بارز في التاريخ الإسلامي له كتاب فريد في هذا الأمر بعنوان "ما يحتاج إليه الصانع"، واستفاض فيه في ذكر ما يحتاج إليه الصناع من علوم رياضيّة تساعده في ابتكار وتصميم الزخارف، وهناك أيضاً حسابات متعلقة بأحجام الدور وأحجام مواد البناء، فحجم الابتكار الرياضي والهندسي الإبداعي الموجود في العمارة الإسلامية كبير جداً وإن لم ينشر منه الكثير حتى الآن مع الأسف الشديد، لكن بالتأكيد هم تأثروا بالعمارات القديمة وهذا أمر طبيعي لكنهم ابتكروا ما صنعوه ابتكاراً خالصاً، ووصل بهم الأمر إلى ابتكار المقرنص، وهو عبارة عن اختراع مثلثات من حسابات رياضية معقدّة، وابتكار العديد من وحدات القياس، فمثلاً النسبة الذهبية وهي إحدى وحداث القياس الرياضية المستخدمة حتى يومنا هي إحدى ابتكارات المسلمين.

أشرت إلى سلطات الحاكم في الدولة الإسلامية والتي كان أحدها توزيع المياه على الناس، في كتابك "المياه ومشكلاتها وحلولها في التاريخ الإسلامي"، عرضتَ كيف أبدع العرب المسلمون في إدارة المياه وعمليات الري، وربما أكبر شاهد على هذا الإبداع كان عملية توصيل مياه النهر إلى الربوة العليا لقصر الحمراء..

العرب قدسوا الماء كما لم يفعل أحدٌ قبل، وهذا نتج عن بيئتهم الأم، وهي الصحراء القاحلة حيثُ ندرة الماء، وهو المبدأ الذي تعاملوا به معها وكان منهاجاً أساسياً في فقه العمران لديهم، وبالفعل هم أولى دول العصور الوسطى التي أنشأت قوانين للمياه، وكذلك أنشأوا محاكم لها، ومبدأ الندرة هذا جعلهم يتعاملون معها كسلعة اقتصادية نادرة، وهو ما دفعهم لابتكار صهاريج لتخزينها تحت المباني، تطلبت منهم ابتكار مادة بناء خاصة لمنع تسربها والحفاظ على نقائها أطول فترة ممكنة وهي مادة "الجبس الباريسي".

اقرأ أيضاً: المئذنة.. أكثر من مجرد بناء

يمكننا القول إنّ العرب هم أول من شرعوا في ابتكار فكرة الاستغلال الأمثل للمياه، حتى مبدأ الري بالتنقيط أول من ابتكره كان ابن العوام في تونس؛ حيث كانوا يأتون بالجرار ويقومون بثقبها من أسفل ويقومون بزراعتها إلى جانب النباتات حتى تروي الجرة النبات طول فترة وجوده، فيأخذ النبات ما يحتاج من المياه طبقاً لحساباتهم دونما إهدار، لذا فهي فكرة اقتصادية بالدرجة الأولى واستخدموا فيها معطيات من العصر، بسيطة وليست مكلفة، وتبقى على المدى البعيد، كما أنهم حرموا فكرة إحراز المياه، فلا يجوز لأي مواطن تخزين الماء إلّا على قدر استخدامه، ومنع كذلك الإتجار بها، ومن هذا انتشرت سبل الماء في الشوارع والطرقات، لذا فإن إنشاء صهاريج الماء وتوفيرها لعابري السبيل هو شيء حيوي جداً بالنسبة للمسلمين.

ولكن ما التأثير السلبي الذي صنعته الحداثة على العمران الإنساني وجعلته أسيراً لكتل خرسانية صماء خالية من الجمال، كيف ترى الأمر حالياً، وكيف بدأ حتى وصل لهذا الحد؟

هناك عاملان غيّرا الوضع، الأول: كان اختراع المدفعية والتي أنزلت الحاكم من حصنه ذي الربوة العالية إلى المدينة، فلما نزل الحاكم إلى المدينة وسكن وسط العامة في القصر، تنازل عن جزء من سلطته لصالح المجتمع، فبدأت الحكومات والوزارات في التشكل والبرلمانات والتي أخذت جزءاً من مسؤولية المجتمع وصلاحيات الدولة، وهذا ترتب عليه فكرة انتشار العربات التي تجرها الخيول داخل المدن، ثم جاء ابتكار السيارات التي تدار بالوقود، والتي صنعت اتساعاً كبيراً في المدينة ترتب عليه فقدان قيمة الترابط الأسري، فبعد أن كانت الأسرة تعيش في بيت واحد كأسرة ممتدة، أصبحت الأسر تعيش كوحدات نواة صغيرة للغاية، وبعد فترة ينتقل الأبناء لمسافات أكثر بُعداً، وهذا انعكس على الترابط الإنساني داخل المجتمعات.

الازدواجية العمرانية بمصر والتي تتمثل بالعشوائيات والكومباوندات هي فكرة أنشأها المستعمر إذ بنى مستعمرات خاصة بالمستوطنين

في ضوء ذلك، بدأت فكرة التحلل الاجتماعي في الظهور، وظهر الكيان الفردي، وغابت فلسفة الأسرة والمجتمع لتحل محلها فلسفة الفرد التي عززتها الرأسمالية، فالفردانية هنا أصبحت الطاغي على المجتمع والفرد والأسرة نتيجة التمدد الضخم للمدن، حيث بدأ المجتمع في فقدان قيمته الكلية، وبدأت أوروبا في تبني فلسفة الفرد وقيمته، وهذا بدوره ينقلنا لما حدث في مصر من تفكك وتفسخ اجتماعي، فمثلاً الازدواجية العمرانية في مصر التي تتمثل في العشوائيات والكومباوندات (التجمعات السكنية)، ترجعنا لفكرة الاستعمار، وهي فكرة أنشأها المستعمر حيث بنى مستعمرات خاصة بالمستوطنين محاطة بأسوار آمنة وبعيدة عن العامة، وكذلك ظهر في أمريكا أثناء فترة الفصل العنصري، ثم أخذنا هذا النموذج لمجتمعنا نتيجة أنّ هناك طبقة محددة أرادت أن تنعزل وتحصل على خدمات لا توفرها الدولة، بعيدة عن المجتمع الآخر الذي تراه أقل منها، وهذا تعبير عن تراجع دور الدولة في خدمة المجتمع الحضري، وتعبير أيضاً عن رغبة بعض الأفراد في الإنعزال عن المجتمع، وهذا ترتب عليه وجود مجتمعين داخل مجتمع واحد.

إذاً، هل يمكن القول إنّ السبب في الواقع العمراني المصري سببه تراجع الدولة عن ممارسة دورها في خدمة المجتمع المصري؟

بالطبع لا؛ فالسبب الرئيسي هو غياب القوانين المحلية التي لا تقوم بسلطاتها المطلقة في تقديم خدمات للمجتمع الحضري، في هذه المسألة يجب التحدث عن القوانين الملزمة لتوفير تطوير الخدمات التي تحتاجها الأحياء، وتوفير احتياجات عامة للناس توازي الخدمات التي تقدم داخل أسوار "الكومباوند" أو التجمعات السكانية للأثرياء، فغياب دور المحليات المنوط بها فعله تسبّب في إخفاق كبير وظهور ازدواجية اقتصادية أدت إلى فوضى مجتمعية تعجز المؤسسات عن إدارتها في دولة بحجم مصر.

اقرأ أيضاً: عريضة لإيقاف بناء مسجد في حيّ مغربي تعيد طرح الأولويات

اقرأ المزيد...

الوسوم: