طيّب تيزيني يعانق الأبدية بتاريخ شخصي مشرف وجهود فكرية رائدة

7230
عدد القراءات

2019-05-19

استيقظ السوريون والعرب والعالم أمس على رحيل المفكر طيب تيزيني، فاعتصرهم الحزن والفقدان، خصوصاً من عاصروا الراحل وتأثروا بأفكاره، أو خاضوا نقاشات طويلة معه، وممن تتلمذوا على يده، عندما كان أستاذاً لمادة الفلسفة في جامعة دمشق، أو من تعرفوا إليه من خلال مواقفه السياسية في بداية الثورة السورية، وموقفه المنحاز للشعب السوري ومطالبه.

اقرأ أيضاً: رحيل برنار دادييه أعظم كتّاب ساحل العاج

رحل تيزيني عن عمر يناهز الـ 85 عاماً، تاركاً أثره الفكري والإنساني حاضراً في عقول وأذهان كثيرين ممن قرؤوا مؤلفاته وأبحاثه الفكرية، أو تعرّفوا إليه من قرب.
ولد طيب تيزيني في مدينة حمص في سوريا، عام 1934، وكانت مكتبة والده، أحد أهم الأسباب لتفتح وعيه على القراءة والمعرفة، بحسب ما يروي في أحد لقاءاته، بعدها ذهب إلى تركيا، ومن ثم بريطانيا، وصولاً إلى ألمانيا، لينهي هناك دراسته للفلسفة، ليحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، عام 1967، وبعدها دكتوراه في العلوم الفلسفية، عام 1973، ثم يعمل بعد ذلك أستاذاً للفلسفة في جامعة دمشق.

مؤلفه "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" (عام 1971)

صاحب مشروع فكري

ويبرز تيزيني كصاحب مشروع فكري، عبر مؤلفات عديدة، منها: "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" (عام 1971)، "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" (1982)، و"من يهوه إلى الله" (1985)، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" (1994)، وفي مرحلة متقدمة سينشغل تيزيني بقضايا ومسائل آفاق النهضة العربية، وإشكالياتها، من خلال أعمال مثل: "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي" (1996)، و"النصّ القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (1997)، و"من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني" (2001).

خيري الذهبي: كان على صديقنا المرحوم طيب تيزيني أن يبتلع السكين ويمشي في حقل ألغام البعث الأسدية

يقول الروائي السوري، خيري الذهبي، لـ "حفريات": "المثقف في سوريا البعث هو المخلوق الأسوأ حظاً في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم، مثله المثقف السوفييتي في عصر ستالين، الذي كان صاحب الحظ الأسوأ أيضاً، والذي كان عليه أن يبتلع السكين ويصرخ بأنه في الجنة، ويتلوه السوري المحظوظ بدولة البعث؛ فأن تكون محملاً بالأحلام الطيبة لوطنك؛ من عدالة، وحرية، وانتخابات، وأحزاب متنافسة، واحتكام للقانون، كلّ هذا وأنت طالب تدرس في ألمانيا الشرقية؛ حيث الصوت الأعلى للحزب الشيوعي الألماني، أو المنفذ بإخلاص لتعليمات الحزب الشيوعي السوفييتي، فذلك هو الحظ الأكبر".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وأضاف "هذا الخيار كان مطروحاً أمام الصديق المرحوم، طيب تيزيني، والخيار بين قطبين لا ثالث لهما، فإما أن تكون شيوعياً ستاليني الهوى والسلوك، أو أن تكون بعثياً متشرباً للشعارات والأهازيج الخطابية غير الرنانة"، مردفاً: "ذلك كان الخيار المطروح أمام طيب تيزيني؛ الشاب الذي لم تعركه بعد تجارب الحياة، وبعد أن عركته الحياة والفلسفة والغوص في الفكر العالمي والتجربة السورية النادرة، عرف طيب الحقيقة السورية، تلك المتمثلة في حرية الفكر والديمقراطية، ونبذ التطرف السياسي في مجتمع يكاد أن يشتعل من كلّ جهاته".
ولد طيب تيزيني في مدينة حمص في سوريا، عام 1934

حقل ألغام البعث الأسدية
ويتابع الذهبي: "كان على صديقنا المرحوم، طيب تيزيني، أن يمشي في حقل ألغام البعث الأسدية، وأن يعيش العمر ويضع أفضل كتبه الفلسفية والفكرية القارئة للحالة السورية الصعبة، وأن يُعتقل في دولة البعث، ولكن حظ السوري خارج وطنه يكلله في أواخر أيامه؛ حين يختارونه ليكون واحداً من أهم مئة فيلسوف في العالم".

اقرأ أيضاً: رحيل المسرحي اللبناني زياد أبو عبسي... وهذا إرثه الفنّي
وحينما بلغ طيب الأربعين، اعتدل وهدأ فكره، بعد ثورة الأفكار، وحينما بلغ طيب الخمسين تفلسف، وفي الستين اعتزل بطلابه ومدرسته الفكرية، وحينما بلغ طيب سن الحكمة السبعينية، قرر أن يلقن الشباب درساً في الحرية، فنزل في منتصف سنينه السبعينية إلى شوارع دمشق، في أول مظاهراتها ضدّ البطش الأمني، فسُحل واعتُقل، وزُجَّ به في سيارات الأمن، وفي العقد الثامن من عمره كان يصرّح بالحقيقة كما لم يقلها أحد، الفلسفة كلها بكلمة واحدة (حرية)".
ويرى الذهبي أنّه لو قُدِّر لطيب تيزيني أن يصل للعقد التاسع، لتحول إلى "فكرة فوق السجن الكبير، تحلق، وتهطل على كلّ المعتقلين والمظلومين في تلك البلاد".

اقرأ أيضاً: رحيل أزنافور عملاق الأغنية الفرنسية وشاعرها
يقول الذهبي: إنّ تيزيني كان على غير ثقة أنّه سينجو، ويعيش، ويصرخ بما يؤمن به، وتلك هي المعجزة التي عاشها السوريون منذ عام 1963، وعاشها الراحل، وكان عليه، كممثل لجيله، أن يبتلع الموس ويسكت عمّا لا يحبّه ولا يريده، ولكنه صمد وكتب، وصرخ معلناً رأيه في كلّ السواد المحيط، وهذا هو أهون الإيمان السوري البعثي في زمن الصمت".
ويختم الذهبي بكلمة وداع فيقول: "صديقنا طيب، وأنت الطيب، وداعاً مكللاً بتمني الراحة لروحك الهائجة، لن تنسى سوريا دموعك التي ذرفتها حزناً على ما صارت إليه".
 طيب تيزيني لم ينجرف مع الانحراف الذي عاناه اليسار

مشروعات التراث صارت جزءاً من الماضي
أما الباحث الأكاديمي السوري، خلدون النبواني، فقال لـ "حفريات": "لنكن واضحين حيال المشروعات التي انخرط أو اندرج فيها مشروع طيب تيزيني في قراءة التراث العربي، الذي ساد في فترة كان يظن فيها أنّ التراث سينقذ الواقع بقراءة الماضي، ومنقذاً للحاضر والمستقبل. هذه المشروعات الآن، أصبحت جزءاً من الماضي، الذي تم الانتهاء منه، دون أن يعني ذلك احتقاراً له أو التقليل من أهميته. على العكس من ذلك؛ هو يصبح جزءاً من التاريخ العربي المعاصر، لكن لا أظنّ أنّ له صدى أو أثراً، سواء كان مشروع طيب تيزيني، أو غيره من تلك المشروعات"، مضيفاً: "تلك المشروعات، في رأيي، ملويّة العنق، تنظر إلى الخلف بدل أن تنظر إلى الأمام، أو هي تسير في الاتجاه المعاكس لما يُراد أن يكون له حداثةً أو حداثوياً. ومع ذلك؛ قدّمت تلك المشروعات قراءات مهمة في الفكر العربي، وأعادت تصفية التراث، وفكّكت احتكاره من قبل القراءات السلفية".

خلدون النبواني: طيب تيزيني من المفكرين العرب القلائل الذين تميزوا بالنزاهة والصدق والتفكير والاهتمام بالناس الفقراء

ويرى النبواني؛ أنّه "خلافاً لذلك الإخفاق الذي طال تلك المشروعات في تلك الفترة، كانت محكومة في سوريا على الأقل، وعند الكثير من العرب، بالأفق الماركسي المادي، كما رأينا عند طيب تيزيني وحسين مروة، وأنّ إخفاق تلك المشروعات وانتهاءها، لا ينفي الشيء المهم الذي تركه تيزيني، وهو الهمّ والمشروع العربي والرؤية في كيفية الخروج من مأزق المعاصر والحاضر".
يستدعي النبواني عبارة لنيتشه، هي: "نزاهة التفكير"، ويقول: "طيب تيزيني بهذا المعنى، هو من المفكرين العرب القلائل الذين تميزوا بالنزاهة والصدق والتفكير"، ويرى أنّ "أكثر ما علينا أن نحافظ عليه عند طيب تيزيني؛ هو (نزاهة التفكير) وامتلاك همّ حقيقي بالواقع المعيشي، والاهتمام بالناس الفقراء، واليسار، لكن ليس اليسار المُخرّب، وبهذا المعنى طيب تيزيني لم ينجرف مع الانحراف الذي عاناه اليسار عموماً، وخاصة اليسار العربي، من التعاضد والتحالف مع الديكتاتوريات، والدول الشمولية".

مؤلفه "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة"

ظلّ طيب تيزيني مع الناس

ويؤكد النبواني: "ظلّ طيب تيزيني مع الناس، ولم تغرِه أمور السلطة، ولا السياسة ولا المال، رغم ما عُرض عليه من مناصب، منها منصب وزير الثقافة، على ما أظن، حتى إنه رفض أن يكون رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة دمشق".
ويختم كلامه بالقول: إنّ "طيب تيزيني شخص نبيل بكل معنى الكلمة، مقتله أو مطعنه- وسبق أن أشرت إلى هذه النقطة مرات عديدة، في معرض نقدي الفلسفي لمؤلفاته- هو هيمنة الأيديولوجيا بشكل كبير على كتاباته؛ حيث كانت عائقاً حقيقياً، وابتلعت الفلسفة، وكان التوجه الأيديولوجي ثقيلاً جداً وكثيفاً جداً عند طيب".

ماهر مسعود: أمر محزن أن يموت وسط هذا الخراب وضمن هذا الحزن الموجود في كلّ سوريا

الكاتب والباحث السوري، ماهر مسعود، يعاين في تصريحه لـ "حفريات"، الراحلَ طيب تيزيني، من خلال ثلاث نواحٍ؛ بالمعنى الفلسفي، والمعنى السياسي، والمعنى الإنساني، فيقول: "بداية كان تيزيني مثقفاً عضوياً بكل معنى الكلمة، أو بالمعنى الغرامشي للكلمة، وكان مفكراً ماركسياً أيدولوجياً كبيراً. وككلّ المفكرين والمثقفين في زمنه، دخل إلى الماركسية واعتنقها، وكان أيديولوجياً منظراً للماركسية والتنوير، تمّ تصنيفه في نهاية التسعينيات من بين مئة فيلسوف مؤثرين في ثقافاتهم في العالم، ولم يكن تيزيني خلّاقاً بالمعنى الفلسفي للكلمة، لكن مثل العديد من المفكرين الكبار في العالم العربي، انشغل بعد حرب الـ 67 في إعادة قراءة التراث؛ فبدأ مشروعه "من التراث إلى الثورة- حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي"، في الوقت الذي كان حسين مروة يكتب "النزعات المادية في الإسلام"، وفي الوقت الذي كان حسن حنفي يعمل على "من العقيدة إلى الثورة".
هذه الردّة، التي جعلت الكثير من المفكرين العلمانيين، يعودون إلى التراث وينشغلون فيه ويشتغلون عليه، دافعها بالتنوير، وطبعاً كان معروفاً وقتها، أيضاً، شغل محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي".
علِق في التنظير الأيديولوجي
أما بالمعنى الفكري والفلسفي؛ فيعتقد مسعود أنّ "طيب تيزيني علق في التنظير الأيديولوجي، لكن، كأيّ مثقف عضوي، كان همّه الفكري دائماً همّاً اجتماعياً، وهمّاً سياسياً، وكيف ينقل المجتمع السوري والمجتمع العربي نحو الحداثة، ولكن طبعاً الأيديولوجية الماركسية شملت كلّ رفاق تيزيني؛ من صادق جلال العظم، إلى أحمد برقاوي، وإلى مجايليه الكبار، وبهذا المعنى لم يكن مختلفاً عنهم.

اقرأ أيضاً: رحيل اسماعيل فهد اسماعيل عن عمر ناهز آلاف الحكايات
ويرى مسعود؛ أنّ تيزيني بالمعنى السياسي "كان دائماً، كصادق جلال العظم أو غيره، يقف عند حدود معينة، أو يستغل الحدود المسموحة في سوريا لأقصى حدّ، لدرجة حماية نفسه من دخول السجن، فكان يتكلم بقدر الإمكان بشكل نقدي ضدّ الطغيان والاستبداد.
ومعروف كلام تيزيني عن "الدولة الأمنية"، وعن "دولة الفساد"، وطبعاً حاول أن يشجع الإصلاح، خاصة في بداية العهد الجديد في أوائل الألفية الثانية، وبدأ يتحدث عن الحرس القديم، وتفكيك الدولة الأمنية".
كان همّه الفكري دائماً همّاً اجتماعياً، وهمّاً سياسياً

"أكل ضرباً من عنصر أمن تافه"
ويلفت مسعود إلى مشاركة تيزيني في أول اعتصام مع بداية الثورة السورية، حيث "أكل ضرباً من عنصر أمن تافه" على رأسه، ورغم ذلك شارك في مؤتمر "صحارى"، وهو أول من تكلم عن تحريم الرصاص، بكلّ هذه الروح المتواضعة والمدافعة عن مجتمعه ووطنه سوريا، بالمعنى الإنساني؛ كان مفكراً متواضعاً، ومدرّساً محترماً، لم يكن يترك أيّة دعوة، صغيرة كانت أم كبيرة، إلّا ويذهب إليها، ويناقش ويحاجج فيها بشكل جميل وبشكل إنساني".

اقرأ أيضاً: رحيل حنا مينه... ربان الرواية السورية وصوت المقهورين
ويستدرك مسعود: "تيزيني صمت صمتاً قاهراً جداً، هو ابن مدينة حمص، المدينة التي أوجعتنا جميعاً، وكان صمته كبيراً؛ لأنّه اختار أن يبقى في البلد، وبعد أن تدمرت البلد، وهو كان من تنبأ بالحرب الطائفية، في حال استمرت حرب النظام ضدّ الشعب، وكان قد تحدث عن أنّ هذه "الحرب الطائفية" هي بالضبط ما تريده السلطة، وتحدث عن أنّ سوريا ستتحول إلى دول أو "سوريات"، وليس إلى سوريا".
وأعرب مسعود عن حزنه بفقدان قامة عالية كطيب تيزيني: "أمر محزن أن يموت وسط هذا الخراب، وضمن هذا الحزن الموجود في كلّ سوريا، وضمن هذا القهر الذي عاشته مدينته حمص، وانطفأت مثله".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



طيّب تيزيني يعانق الأبدية بتاريخ شخصي مشرف وجهود فكرية رائدة

عدد القراءات

2019-05-19

استيقظ السوريون والعرب والعالم أمس على رحيل المفكر طيب تيزيني، فاعتصرهم الحزن والفقدان، خصوصاً من عاصروا الراحل وتأثروا بأفكاره، أو خاضوا نقاشات طويلة معه، وممن تتلمذوا على يده، عندما كان أستاذاً لمادة الفلسفة في جامعة دمشق، أو من تعرفوا إليه من خلال مواقفه السياسية في بداية الثورة السورية، وموقفه المنحاز للشعب السوري ومطالبه.

اقرأ أيضاً: رحيل برنار دادييه أعظم كتّاب ساحل العاج

رحل تيزيني عن عمر يناهز الـ 85 عاماً، تاركاً أثره الفكري والإنساني حاضراً في عقول وأذهان كثيرين ممن قرؤوا مؤلفاته وأبحاثه الفكرية، أو تعرّفوا إليه من قرب.
ولد طيب تيزيني في مدينة حمص في سوريا، عام 1934، وكانت مكتبة والده، أحد أهم الأسباب لتفتح وعيه على القراءة والمعرفة، بحسب ما يروي في أحد لقاءاته، بعدها ذهب إلى تركيا، ومن ثم بريطانيا، وصولاً إلى ألمانيا، لينهي هناك دراسته للفلسفة، ليحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، عام 1967، وبعدها دكتوراه في العلوم الفلسفية، عام 1973، ثم يعمل بعد ذلك أستاذاً للفلسفة في جامعة دمشق.

مؤلفه "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" (عام 1971)

صاحب مشروع فكري

ويبرز تيزيني كصاحب مشروع فكري، عبر مؤلفات عديدة، منها: "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" (عام 1971)، "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" (1982)، و"من يهوه إلى الله" (1985)، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" (1994)، وفي مرحلة متقدمة سينشغل تيزيني بقضايا ومسائل آفاق النهضة العربية، وإشكالياتها، من خلال أعمال مثل: "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي" (1996)، و"النصّ القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (1997)، و"من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني" (2001).

خيري الذهبي: كان على صديقنا المرحوم طيب تيزيني أن يبتلع السكين ويمشي في حقل ألغام البعث الأسدية

يقول الروائي السوري، خيري الذهبي، لـ "حفريات": "المثقف في سوريا البعث هو المخلوق الأسوأ حظاً في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم، مثله المثقف السوفييتي في عصر ستالين، الذي كان صاحب الحظ الأسوأ أيضاً، والذي كان عليه أن يبتلع السكين ويصرخ بأنه في الجنة، ويتلوه السوري المحظوظ بدولة البعث؛ فأن تكون محملاً بالأحلام الطيبة لوطنك؛ من عدالة، وحرية، وانتخابات، وأحزاب متنافسة، واحتكام للقانون، كلّ هذا وأنت طالب تدرس في ألمانيا الشرقية؛ حيث الصوت الأعلى للحزب الشيوعي الألماني، أو المنفذ بإخلاص لتعليمات الحزب الشيوعي السوفييتي، فذلك هو الحظ الأكبر".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وأضاف "هذا الخيار كان مطروحاً أمام الصديق المرحوم، طيب تيزيني، والخيار بين قطبين لا ثالث لهما، فإما أن تكون شيوعياً ستاليني الهوى والسلوك، أو أن تكون بعثياً متشرباً للشعارات والأهازيج الخطابية غير الرنانة"، مردفاً: "ذلك كان الخيار المطروح أمام طيب تيزيني؛ الشاب الذي لم تعركه بعد تجارب الحياة، وبعد أن عركته الحياة والفلسفة والغوص في الفكر العالمي والتجربة السورية النادرة، عرف طيب الحقيقة السورية، تلك المتمثلة في حرية الفكر والديمقراطية، ونبذ التطرف السياسي في مجتمع يكاد أن يشتعل من كلّ جهاته".
ولد طيب تيزيني في مدينة حمص في سوريا، عام 1934

حقل ألغام البعث الأسدية
ويتابع الذهبي: "كان على صديقنا المرحوم، طيب تيزيني، أن يمشي في حقل ألغام البعث الأسدية، وأن يعيش العمر ويضع أفضل كتبه الفلسفية والفكرية القارئة للحالة السورية الصعبة، وأن يُعتقل في دولة البعث، ولكن حظ السوري خارج وطنه يكلله في أواخر أيامه؛ حين يختارونه ليكون واحداً من أهم مئة فيلسوف في العالم".

اقرأ أيضاً: رحيل المسرحي اللبناني زياد أبو عبسي... وهذا إرثه الفنّي
وحينما بلغ طيب الأربعين، اعتدل وهدأ فكره، بعد ثورة الأفكار، وحينما بلغ طيب الخمسين تفلسف، وفي الستين اعتزل بطلابه ومدرسته الفكرية، وحينما بلغ طيب سن الحكمة السبعينية، قرر أن يلقن الشباب درساً في الحرية، فنزل في منتصف سنينه السبعينية إلى شوارع دمشق، في أول مظاهراتها ضدّ البطش الأمني، فسُحل واعتُقل، وزُجَّ به في سيارات الأمن، وفي العقد الثامن من عمره كان يصرّح بالحقيقة كما لم يقلها أحد، الفلسفة كلها بكلمة واحدة (حرية)".
ويرى الذهبي أنّه لو قُدِّر لطيب تيزيني أن يصل للعقد التاسع، لتحول إلى "فكرة فوق السجن الكبير، تحلق، وتهطل على كلّ المعتقلين والمظلومين في تلك البلاد".

اقرأ أيضاً: رحيل أزنافور عملاق الأغنية الفرنسية وشاعرها
يقول الذهبي: إنّ تيزيني كان على غير ثقة أنّه سينجو، ويعيش، ويصرخ بما يؤمن به، وتلك هي المعجزة التي عاشها السوريون منذ عام 1963، وعاشها الراحل، وكان عليه، كممثل لجيله، أن يبتلع الموس ويسكت عمّا لا يحبّه ولا يريده، ولكنه صمد وكتب، وصرخ معلناً رأيه في كلّ السواد المحيط، وهذا هو أهون الإيمان السوري البعثي في زمن الصمت".
ويختم الذهبي بكلمة وداع فيقول: "صديقنا طيب، وأنت الطيب، وداعاً مكللاً بتمني الراحة لروحك الهائجة، لن تنسى سوريا دموعك التي ذرفتها حزناً على ما صارت إليه".
 طيب تيزيني لم ينجرف مع الانحراف الذي عاناه اليسار

مشروعات التراث صارت جزءاً من الماضي
أما الباحث الأكاديمي السوري، خلدون النبواني، فقال لـ "حفريات": "لنكن واضحين حيال المشروعات التي انخرط أو اندرج فيها مشروع طيب تيزيني في قراءة التراث العربي، الذي ساد في فترة كان يظن فيها أنّ التراث سينقذ الواقع بقراءة الماضي، ومنقذاً للحاضر والمستقبل. هذه المشروعات الآن، أصبحت جزءاً من الماضي، الذي تم الانتهاء منه، دون أن يعني ذلك احتقاراً له أو التقليل من أهميته. على العكس من ذلك؛ هو يصبح جزءاً من التاريخ العربي المعاصر، لكن لا أظنّ أنّ له صدى أو أثراً، سواء كان مشروع طيب تيزيني، أو غيره من تلك المشروعات"، مضيفاً: "تلك المشروعات، في رأيي، ملويّة العنق، تنظر إلى الخلف بدل أن تنظر إلى الأمام، أو هي تسير في الاتجاه المعاكس لما يُراد أن يكون له حداثةً أو حداثوياً. ومع ذلك؛ قدّمت تلك المشروعات قراءات مهمة في الفكر العربي، وأعادت تصفية التراث، وفكّكت احتكاره من قبل القراءات السلفية".

خلدون النبواني: طيب تيزيني من المفكرين العرب القلائل الذين تميزوا بالنزاهة والصدق والتفكير والاهتمام بالناس الفقراء

ويرى النبواني؛ أنّه "خلافاً لذلك الإخفاق الذي طال تلك المشروعات في تلك الفترة، كانت محكومة في سوريا على الأقل، وعند الكثير من العرب، بالأفق الماركسي المادي، كما رأينا عند طيب تيزيني وحسين مروة، وأنّ إخفاق تلك المشروعات وانتهاءها، لا ينفي الشيء المهم الذي تركه تيزيني، وهو الهمّ والمشروع العربي والرؤية في كيفية الخروج من مأزق المعاصر والحاضر".
يستدعي النبواني عبارة لنيتشه، هي: "نزاهة التفكير"، ويقول: "طيب تيزيني بهذا المعنى، هو من المفكرين العرب القلائل الذين تميزوا بالنزاهة والصدق والتفكير"، ويرى أنّ "أكثر ما علينا أن نحافظ عليه عند طيب تيزيني؛ هو (نزاهة التفكير) وامتلاك همّ حقيقي بالواقع المعيشي، والاهتمام بالناس الفقراء، واليسار، لكن ليس اليسار المُخرّب، وبهذا المعنى طيب تيزيني لم ينجرف مع الانحراف الذي عاناه اليسار عموماً، وخاصة اليسار العربي، من التعاضد والتحالف مع الديكتاتوريات، والدول الشمولية".

مؤلفه "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة"

ظلّ طيب تيزيني مع الناس

ويؤكد النبواني: "ظلّ طيب تيزيني مع الناس، ولم تغرِه أمور السلطة، ولا السياسة ولا المال، رغم ما عُرض عليه من مناصب، منها منصب وزير الثقافة، على ما أظن، حتى إنه رفض أن يكون رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة دمشق".
ويختم كلامه بالقول: إنّ "طيب تيزيني شخص نبيل بكل معنى الكلمة، مقتله أو مطعنه- وسبق أن أشرت إلى هذه النقطة مرات عديدة، في معرض نقدي الفلسفي لمؤلفاته- هو هيمنة الأيديولوجيا بشكل كبير على كتاباته؛ حيث كانت عائقاً حقيقياً، وابتلعت الفلسفة، وكان التوجه الأيديولوجي ثقيلاً جداً وكثيفاً جداً عند طيب".

ماهر مسعود: أمر محزن أن يموت وسط هذا الخراب وضمن هذا الحزن الموجود في كلّ سوريا

الكاتب والباحث السوري، ماهر مسعود، يعاين في تصريحه لـ "حفريات"، الراحلَ طيب تيزيني، من خلال ثلاث نواحٍ؛ بالمعنى الفلسفي، والمعنى السياسي، والمعنى الإنساني، فيقول: "بداية كان تيزيني مثقفاً عضوياً بكل معنى الكلمة، أو بالمعنى الغرامشي للكلمة، وكان مفكراً ماركسياً أيدولوجياً كبيراً. وككلّ المفكرين والمثقفين في زمنه، دخل إلى الماركسية واعتنقها، وكان أيديولوجياً منظراً للماركسية والتنوير، تمّ تصنيفه في نهاية التسعينيات من بين مئة فيلسوف مؤثرين في ثقافاتهم في العالم، ولم يكن تيزيني خلّاقاً بالمعنى الفلسفي للكلمة، لكن مثل العديد من المفكرين الكبار في العالم العربي، انشغل بعد حرب الـ 67 في إعادة قراءة التراث؛ فبدأ مشروعه "من التراث إلى الثورة- حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي"، في الوقت الذي كان حسين مروة يكتب "النزعات المادية في الإسلام"، وفي الوقت الذي كان حسن حنفي يعمل على "من العقيدة إلى الثورة".
هذه الردّة، التي جعلت الكثير من المفكرين العلمانيين، يعودون إلى التراث وينشغلون فيه ويشتغلون عليه، دافعها بالتنوير، وطبعاً كان معروفاً وقتها، أيضاً، شغل محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي".
علِق في التنظير الأيديولوجي
أما بالمعنى الفكري والفلسفي؛ فيعتقد مسعود أنّ "طيب تيزيني علق في التنظير الأيديولوجي، لكن، كأيّ مثقف عضوي، كان همّه الفكري دائماً همّاً اجتماعياً، وهمّاً سياسياً، وكيف ينقل المجتمع السوري والمجتمع العربي نحو الحداثة، ولكن طبعاً الأيديولوجية الماركسية شملت كلّ رفاق تيزيني؛ من صادق جلال العظم، إلى أحمد برقاوي، وإلى مجايليه الكبار، وبهذا المعنى لم يكن مختلفاً عنهم.

اقرأ أيضاً: رحيل اسماعيل فهد اسماعيل عن عمر ناهز آلاف الحكايات
ويرى مسعود؛ أنّ تيزيني بالمعنى السياسي "كان دائماً، كصادق جلال العظم أو غيره، يقف عند حدود معينة، أو يستغل الحدود المسموحة في سوريا لأقصى حدّ، لدرجة حماية نفسه من دخول السجن، فكان يتكلم بقدر الإمكان بشكل نقدي ضدّ الطغيان والاستبداد.
ومعروف كلام تيزيني عن "الدولة الأمنية"، وعن "دولة الفساد"، وطبعاً حاول أن يشجع الإصلاح، خاصة في بداية العهد الجديد في أوائل الألفية الثانية، وبدأ يتحدث عن الحرس القديم، وتفكيك الدولة الأمنية".
كان همّه الفكري دائماً همّاً اجتماعياً، وهمّاً سياسياً

"أكل ضرباً من عنصر أمن تافه"
ويلفت مسعود إلى مشاركة تيزيني في أول اعتصام مع بداية الثورة السورية، حيث "أكل ضرباً من عنصر أمن تافه" على رأسه، ورغم ذلك شارك في مؤتمر "صحارى"، وهو أول من تكلم عن تحريم الرصاص، بكلّ هذه الروح المتواضعة والمدافعة عن مجتمعه ووطنه سوريا، بالمعنى الإنساني؛ كان مفكراً متواضعاً، ومدرّساً محترماً، لم يكن يترك أيّة دعوة، صغيرة كانت أم كبيرة، إلّا ويذهب إليها، ويناقش ويحاجج فيها بشكل جميل وبشكل إنساني".

اقرأ أيضاً: رحيل حنا مينه... ربان الرواية السورية وصوت المقهورين
ويستدرك مسعود: "تيزيني صمت صمتاً قاهراً جداً، هو ابن مدينة حمص، المدينة التي أوجعتنا جميعاً، وكان صمته كبيراً؛ لأنّه اختار أن يبقى في البلد، وبعد أن تدمرت البلد، وهو كان من تنبأ بالحرب الطائفية، في حال استمرت حرب النظام ضدّ الشعب، وكان قد تحدث عن أنّ هذه "الحرب الطائفية" هي بالضبط ما تريده السلطة، وتحدث عن أنّ سوريا ستتحول إلى دول أو "سوريات"، وليس إلى سوريا".
وأعرب مسعود عن حزنه بفقدان قامة عالية كطيب تيزيني: "أمر محزن أن يموت وسط هذا الخراب، وضمن هذا الحزن الموجود في كلّ سوريا، وضمن هذا القهر الذي عاشته مدينته حمص، وانطفأت مثله".