فضل الرحمن ومدرسة الإسلام الهندي التعدّدي

فضل الرحمن ومدرسة الإسلام الهندي التعدّدي

مشاهدة

22/12/2019

ولد فضلُ الرحمن عام 1919 في الهند، لأبٍ وأم متديّنين، كانا منبعاً لإلهام حياته الروحية في طفولته، وبناءِ معتقداته، وأخلاقياته، وشخصيته، يصف فضل الرحمن ما استلهمه من أبويه بقوله: "كان لوالدتي ووالدي تأثير حاسم في تكوّن طباعي ومعتقداتي الأولى؛ فقد تعلّمت من والدتي فضائل الصدق والرحمة والثبات، وقبل ذلك الحب، وكان والدي باحثاً دينياً مطّلعاً على الفكر الإسلامي التقليدي، على النقيض من معظم الباحثين الإسلاميين التقليديين في ذلك الوقت، الذين كانوا يرون أنّ التعليم الحديث هو سمّ للإيمان والأخلاق على السواء، وكان والدي مقتنعاً بأنّه ينبغي على الإسلام التعامل مع الحداثة بأنّها تحدٍّ وفرصة في الوقت نفسه، ولم أزل أشاطر والدي الرأي نفسه حتى يومنا هذا"( انظر: دونالد بيري، الإسلام والحداثة من خلال كتابات المفكّر فضل الرحمن، ترجمة: ميرنا معلوف ونسرين ناضر، تنقيح لغوي: د. رياض عثمان، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2013، ص 57. عن سيرة ذاتية كتبها فضل الرحمن، بعنوان "شجاعة الاقتناع").

اقرأ أيضاً: مفارقة فكر محمد إقبال

فضلُ الرحمن، كما يؤكد تلامذتُه ومريدوه، مثال أخلاقي للمثقّف المسلم، فقد كان تفكيرُه مرآةً لالتزامِه وشجاعتِه، والتزامُه وشجاعتُه مرآةً لتفكيره، وما أقلّ هذا المثال في حياتنا اليوم، ظلّ فضلُ الرحمن وفيّاً لأفكاره، ولم يتراجع أبداً أو يراوغ أو يتردّد، رغم ما تعرّض له من هجمات قاسية في باكستان، اضطرته أخيراً لمغادرة موطنه والهجرة إلى الولايات المتحدة، عام 1968، والتي مكث فيها أستاذاً وباحثاً حتى وفاته، عام 1988.
كان فضل الرحمن خبيراً بالتراث، بجوار تكوينه الأكاديمي الرصين واللغوي المتنوع، واهتمّ بتطوير آراء اجتهادية جريئة، ومع أنّ آراءَ فضل الرحمن لم تبتعد كثيراً عن الروح الحرّة لمحمد إقبال، لكنّها لم تقلّده أو تحاكي تفكيرَه، أو تمسي صدى له في كلّ ما قاله، بل تكرّست واغتنت آراء إقبال من خلال فضل الرحمن، كانت أعمال فضل الرحمن أشمل وأوسع من أعمال إقبال، لكنّها لم تذهب بعيداً في تأويلها للقرآن الكريم، ولم تتحرر كلياً من سطوة التراث، كما هي أعمال إقبال وروحه الشاعرية المشبعة بنكهة العرفان، وعقله الحرّ الذي كان أكثر قدرة على التفكير خارج أسوار التراث؛ لذلك صارت رؤى إقبال أنفذ بصيرة وأكثف حضوراً وأشدّ رسوخاً.
اقتفى فضلُ الرحمن نهجَ أحمد خان وإقبال في بيان حقيقة الوحي، لا يكرّر فضلُ الرحمن مفهومَ المتكلّمين المسلمين للوحي، بل يصوغ مفهومَه الذي يقترب من مفهوم بعض العرفاء؛ فالوحي كما يرى تجربة عميقة يتفاعل معها النبي، عليه السلام، وتعمل على إعادة بناء البعد الروحي لشخصيته.

اقرأ أيضاً: أحمد خان ومدرسة الإسلام التعدّدي الهندي
يكتب فضلُ الرحمن: "إنّ تجارب الوحي تشمل تمدداً أو توسعاً لذات الرسول، التي بواسطتها استطاع أن يطوّق كل الحقيقة في شموليتها"، بحسب ما ورد في كتاب دونالد بيري. أما القرآنُ فهو من منظور فضل الرحمن كلّه كلمة الله وكلُّه كلامُ محمد ﷺ، إذ يقول: "القرآن بتمامه كلام الله، وهو بالمعنى الحقيقي بتمامه كذلك كلام محمد"، وكأنه يريد القولَ إنّ القرآنَ كتابٌ يتجلّى فيه اللهُ للناس، كما تتجلّى فيه شخصيةُ النبي محمد ﷺ للناس أيضاً؛ ففيه نستمع لصوت الله بأصداءِ روح النبي الكريم، وملامحِ رؤية النبي للعالم، وانعكاسِ صورة الواقع الذي يعيش فيه.

اقرأ أيضاً: إسلام تعدّدي وإسلام أُحادي: مدرستا الإسلام الهندي
كان فضلُ الرحمن قد تحدث مبكراً عن مسألة الوحي في كتابه "الإسلام"، فأصبحت بموازاة آراء أخرى له، الوثيقة الأبرز لإدانته من التيار التقليدي، ومنها رأيه في الفوائدِ المصرفيّة، وتنظيمِ الأسرة والذبحِ الآلي، تشبّث خصومُ فضل الرحمن بتفسيره للوحي، واتُّهم بأنّه يقول إنّ القرآنَ كتابٌ اشترك النبيّ فيه مع الله، وقد كتب فضلُ الرحمن مدافعاً عن موقفه هذا قائلاً: "دافعت عن فكرة أنّ القرآن نزل بوحي شفوي، وهو الاعتقاد الكوني، لكن بدا لي أنّ الروايات التقليدية المتداولة عن الوحي تنقل صورة ميكانيكية وخارجية وظاهرية عن العلاقة بين محمد ﷺ والقرآن.

اقرأ أيضاً: وليُّ الله الدهلوي والإسلام التعددي الهندي
يأتي جبريل وينقل إليه رسائل الله، وكأنّه ساعي بريد يقوم بتوصيل الرسائل، يورد القرآن أنّ الملاك "نزل على قلب" محمد: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ"، الشعراء: [193- 194]). لقد قلتُ إنّ القرآن هو بكامله كلمة الله، بما يعني أنّه معصومٌ عن الخطأِ وخال من الزور، لكنّه جاء بكامله على لسان النبي ﷺ وهو نابع من قلبه"، كما يرى بيري، وكأنّنا مع كلام فضل الرحمن نتحسّس أصداءَ صوت محيي الدين بن عربي، الذي لم يجعل النبيَّ ﷺ متلقياً ميكانيكياً سلبياً للوحي، والذي اختصر مفهومَه للوحي بقوله: "فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه": (داود القيصري، شرح فصوص الحكم، تحقيق: حسن حسن زاده آملي، قم: 1424هـ، ج1، ص 386). ونجد ما يحاكي هذا الفهمَ فيما سماه عبد الكريم سروش "بسط التجربة النبوية"، و"كلام محمد"، وهو يتحدّث عن كيفية تلقّي النبي للوحي، وكيف أنّه كالنحلة التي تعيد تكوينَ الرحيق عسلاً، وليس كالببغاء الذي يكرر ما يسمع، و"القبض" و"البسط" مصطلحان يستعيرهما سروش من المعجم الصوفي. (قال القشيري: "فإذا كاشف العبد بنعت جماله بسطَه، وإذا كاشفه بنعت جلاله قَبضه، فالقبض يوجب إيحاشَه، والبسط يُوجب إيناسه").

اقرأ أيضاً: شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد
أعمالُ فضل الرحمن تتوكّأ على القرآن، وتتخذه دليلاً إلى ما تبحث عنه وترشد إليه من مفاهيمَ ومواقفَ، وهي ميزة لا نعثر عليها في أكثر أعمال غيره، فيما يكتبه ويتحدّث به عن الدين والإسلام والقرآن من المفكّرين الجدد خارج الفضاء اللغوي للعربية.
ولو قارنا أعمال فضل الرحمن بأسلافه من المجدّدين في الهند، نراها الأكثر إحالة على القرآن، كما نجده لا يغفل توظيف السنة النبوية، والإفادة منها في كتاباته، وكان فضل الرحمن الأكثر براعة في التحرر من منطق تفكير أهل الحديث، فقد ظلّ وفياً لمرجعية القرآن، ومكتشفاً ذكياً لقيمه الكلية، وإن كان لم يستطع التخلص من ترسبات ثقافته الدينية في بيئته الأولى وآثار تكوينه المبكر، وكثيراً ما كان توظيف السنّة على حساب مرجعية القرآن في الإسلام الهندي الحديث، إلى الحدّ الذي اضمحل فيه حضور القيم الكونية الكلية للقرآن عند أغلب مفكري هذا الإسلام المتأخرين، بعد اجتياح تيار أهل الحديث للتفكير الإسلامي في شبه القارة الهندية.

اقرأ أيضاً: السؤال الميتافيزيقيّ الجديد يفرض علينا بناء علم كلام جديد
وبقدر ما نرى هذه الطريقة في التفكير والكتابة ميزة تسود كتابات فضل الرحمن، نجده لا يجرؤ أحياناً على عبور آراء متكلمي الإسلام ومفسريه ومحدّثيه، أو يشتق لاجتهاده طريقاً مغايراً لا يكرر آراءَ تعبر عن وقائع وأحوال عصرهم، لذلك نرى بعض آرائه أسيرة تفكير انتهى زمانه. وعندما نقرأ مجموعة أعماله نجدها تفتقر في مواطن متنوعة منها لتوظيفِ المكاسب الحديثة للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في دراسة الظواهر الدينية، والكشف عن الجوهر العميق للتجارب الروحية، وقلّما نجده يتعاطى مع المناهج الجديدة للتفسير في فهم القرآن وقراءة السنّة، وتكاد بعض آثار فضل الرحمن تبدأ بالتراث وتنتهي بالتراث.

فضلُ الرحمن، كما يؤكد تلامذتُه ومريدوه، مثال أخلاقي للمثقّف المسلم، فقد كان تفكيرُه مرآةً لالتزامه وشجاعته

ورغم النقد المهمّ الذي يسدّده فضلُ الرحمن لتراث التفسير والحديث، وعلم الكلام، الأشعري خاصة، والفقه وأصول الفقه، والفلسفة والتصوف، وإلحاحه على ضرورةِ إعادة اكتشاف رسالة الإسلام الأخلاقية في سياق قرآني، وبناءِ فهم للتوحيد في سياق قرآني، وإنتاجِ فقه في سياق قرآني، إلّا أنّ فضلَ الرحمن لم يحدّثنا في آثارِه عن آلية للتعاطي مع القرآن، تكشف لنا طاقتَه الحيويةَ الديناميكية، ونتبصّر فيها رسالتَه الأخلاقية، أي إنّه لم يقترح أدوات نظر ومناهج بديلة، يتحرّر بها فهمُ القرآن من أدوات نظر ومناهج القدماء التي أنتجت كلَّ ذلك التراث، الذي يطالب فضلُ الرحمن بعبوره، لأنه لا ينتمي إلى عصرنا بل إلى عصر إنتاجه بكل ملابساته، ولأنّه لم ينطق بروح القرآن ويبوح بما ينشده، بل عمل على إهدار طاقة القرآن الأخلاقية الروحية الخلاقة؛ فهل يمكننا أن ننتج رؤية جديدة للقرآن في آفاق أدوات النظر والمناهج الموروثة للمفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين والأصوليين والفقهاء والمتصوفة والفلاسفة والمناطقة والنحويين والبلاغيين، أو إنّ الفهمَ الجديدَ الذي يصرّ عليه فضلُ الرحمن يتطلّب الانتقالَ من زاوية نظر القدماء إلى زاوية نظر تتموضع في الأفق التاريخي الذي نعيشه، وتوظّف علوم ومعارف عصرنا كما وظّف الآباء علوم ومعارف عصرهم، وأنتجوا في ضوء منطقها منطقهم لفهم الدين وتفسير الكتاب والسُّنة؟

اقرأ أيضاً: مدخل إلى فلسفة الدين
لا شكّ في أنّ حجر الزاوية في الفهم الجديد هو قدرتُنا على تطوير وتوظيف منطق بديل في الفهم، وأدوات جديدة في قراءة النصوص الدينية، فمشكلةُ تفكيرنا الديني أنّه ما يزال عاجزاً عن عبور أسوار التراث المغلقة، وما دمنا نجول في مدارات هذه الأسوار لن نتبصّر الطريقَ الذي يقودنا للخلاص. (انظر: عبدالجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط 2، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ودار التنوير، ص 205).

الصفحة الرئيسية