فيلم "غزة"... وثائقي عن بهجات عابرة تحت الحصار

غزة

فيلم "غزة"... وثائقي عن بهجات عابرة تحت الحصار

مشاهدة

16/07/2019

في الأعوام الأخيرة؛ بات المرء حين سماعه لأسماء بلدان ومناطق ومدن معينة، لا يحضر في ذهنه سوى الوضع الراهن، السياسي والعسكري، الذي وصلت إليه تلك المدينة أو ذاك البلد.
مدن وبلدان عربية، اليوم، بعضها قد دُمّرت بعض مدنها، والبعض الآخر منكوب ومدمّر بأكمله، والحروب ما تزال مشتعلة فيه.

شارك فيلم "غزة" في مهرجان "سندانس" السينمائي الأخير كما عُرض ضمن تظاهرة "أيام بيروت السينمائية"

وفلسطين، أمّ النكبات العربية في العصر الحديث، لا تكاد تتوقف أخبارها "السريعة"، أو "العاجلة"، ويبدو عام 2007 عاماً بعيداً، لكن رغم بعده، يذكّرنا ببداية حصار "غزة"؛ المدينة التي ما عاد المرء يعرف عنها سوى أنّها "سجن كبير مفتوح"، يجري قصفه من قبل الاحتلال الإسرائيلي بين الحين والآخر.
يأتي فيلم "غزة" للمخرجيْن الإيرلندييْن؛ غاري كين، وأندرو ماكونيل، ليروي لنا قصة أخرى عن غزة؛ قصة الحياة اليومية لأهل المدينة، صراعهم مع الاحتلال الإسرائيلي، والحصار المفروض عليهم، يشكّل جزءاً من حكاية غزة المدينة، وليس قصتها الكاملة.

اقرأ أيضاً: ..وقطاع غزة أيضاً يضيق باللاجئين السوريين
يُفتتح الفيلم بمجموعة صبية، أعمارهم تتراوح ما بين 12 و15 عاماً، يسبحون على شاطئ البحر.
فيلم "غزة" هو للمخرجيْن الإيرلندييْن غاري كين وأندرو ماكونيل

بماذا يحلم أحمد؟
أحمد؛ أحد هؤلاء الصبية، وهو ينتمي لعائلة كبيرة، أبوه متزوج من ثلاث نساء، وأنجب منهنّ 12 طفلاً، ويحلم أحمد، ورفاقه، بامتلاك قارب يوماً ما، كما نراه يرافق رجالاً بالغين في رحلة على مركب مخصص للصيد، ليحاول التعلم منهم.

اقرأ أيضاً: حماس في غزة: محصلة 11 عاماً من الهيمنة
كانت واضحة رغبة المخرجيْن في أن يقدّما صورة لأهل غزة من خلال الفيلم، مغايرة تماماً عن الصورة النمطية أو المختزلة، التي تقدمها بعض القنوات والمواقع الإعلامية، المشغولة فقط بربط كلّ ما يتعلق في المدينة بالحدث السياسي فقط، وليس المقصود بعبارة "صورة مغايرة"، القيام بـ "اختراعها"، أو "تجميلها" مثلاً، لكنّها صورة أكثر موضوعية، وتعكس هموم ومشاغل وأحلام الناس الذين يعيشون في المدينة؛ إذ ركّز الفيلم على أن يكون هناك تنوّع في إلقاء الضوء على شخصيات مختلفة عن بعضها، سواء كان الاختلاف طبقياً أم جيلياً.

اقرأ أيضاً: 150 عائلة في غزة تفتقد الشهداء الراحلين: رمضان أقسى الشهور
فبعد أن أضاءت بداية الفيلم على حلم الصبي أحمد، الذي ينتمي لطبقة اجتماعية معدمة، ويعيش في أحد المخيمات الفقيرة، تدخل كاميرا الفيلم أحد بيوت الطبقة المتوسطة العليا في المدينة، لتعرفنا إلى عازفة تشيللو، شابة تدعى " كرمة"، تبلغ من العمر 19 عاماً. تنتمي لعائلة متحررة، لا أحد من عائلتها، ولا هي، يرتدين الحجاب، على عكس المظهر العام للمدينة، التي ترتدي أغلب نسائها الحجاب والخمار، تحلم في السفر للخارج، ومتابعة تعليمها، وأن تختصّ في مجال القانون الدولي.
استراق لحظات من البهجة
انغماس الناس في الحياة اليومية، واستراق لحظات من البهجة، تنسينا ولو للحظات قصيرة، داخل الفيلم، أنّ هذه المدينة تعاني الحصار، ومهددة بالقصف بأيّة لحظة؛ فسائق التاكسي، الذي يتجوّل في المدينة طوال النهار، وينقل العابرين من مكان لآخر، نراه رجلاً غارقاً في همّه، وهو يفكر في عجزه عن سداد ديونه، لكنّه يضحك مع الزبائن الذين يركبون معه في التاكسي ويشاركهم الغناء، وعند ذهابه لأخذ استراحة على شاطئ البحر، وشرب كوب من الشاي، ورغم أنّ تأمّل البحر يشعره بالراحة، لكنّه في نفس الوقت يذكره بالحصار.

اقرأ أيضاً: بالصور.. غزة عقب العدوان.. أمل الحياة يكسر ألم المجزرة
كما يظهر في الفيلم شابٌّ كان يمارس رياضة كرة القدم، وبعد إصابته بثلاث رصاصات، عام 2006، أصيب بشلل نصفي، وبات يمشي على كرسي متحرك، لكنّه اكتشف موهبته في كتابة وتأليف الأغاني، وغناء الراب.
ومغني الراب، الذي يدعى ساري الربايعة، كان قد ظهر عام 2016، مع فرقة "زقاق بروجيكت"، التي تتكون من مجموعة مغنين ومغنيات من غزة، في فيديو كليب أغنية "Today We Sing".
المدينة تعاني الحصار ومهددة بالقصف بأيّة لحظة

معاناة الصيادين مع خفر السواحل الإسرائيلي
وفي العودة للبحر، نرى معاناة الصيادين، مع خفر السواحل الإسرائيلي؛ إذ يسمح للصيادين الغزيين في التقدم في البحر مسافة لا تتجاوز ثلاثة أميال، وفي حال جرى تجاوزها، يطلقون الرصاص عليهم، أو يجري اعتقالهم، ويعدّ هذا الإجراء من ضمن الشروط، غير الإنسانية وغير العادلة، التي يمارسها الاحتلال في فرض حصاره على قطاع غزة؛ إذ نرى صياداً عجوزاً يروي كيف أثّر ذلك في حياته وحياة أبنائه؛ إذ إنّ الاحتلال الإسرائيلي اعتقل أحد أبنائه، وهو متزوج ولديه أطفال مسؤول عن تربيتهم، لنرى الرجل العجوز يحتضن أحفاده، وينتظر اليوم الذي يفرَج فيه عن ابنه.

كانت واضحة رغبة المخرجيْن في أن يقدّما صورة لأهل غزة مغايرة تماماً عن الصورة النمطية أو المختزلة

وبما أنّ المخرج قد أشار في البداية إلى أنّ تصوير الفيلم استمرّ منذ عام 2014 حتى عام 2018، فكان من ضمن الأشياء التي جرى توثيقها في الفيلم؛ الحرب على غزة عام 2014، ومظاهرات العودة الكبرى.
يبدع المخرجان في التقاط مشاهد تعبّر عن آثار الدمار، فاللقطات هنا مأخوذة بعناية، عدسة الكاميرا تمثل عين الفلسطيني، ابتداءً من اللقطة العابرة لأبنية مدمّرة من داخل غرفة مظلمة، يطلّ علينا مشهد الدمار من إطار نافذة الغرفة، المعلق فوقها من الخارج، علم فلسطين، يحركه الهواء إلى اليسار تارة، وإلى اليمين تارة أخرى، وكلّما تحرك العلم، يخفي الدمار عن العدسة، ومن ثم يعود ليظهر مرة أخرى.
ألعاب نارية أثناء انقطاع الكهرباء
مشهد الأطفال وهم يلعبون بالألعاب النارية في الشوارع، أثناء انقطاع الكهرباء، التي لا يرونها سوى أربع ساعات في اليوم، لتبدو الأضواء التي يحدثونها بألعابهم النارية، وكأنّها تنير مستقبلاً ما وسط هذه العتمة.
كما جعل المخرجان من الصبي أحمد ثيمة للفيلم، فبين كلّ قصة وأخرى يظهر أحمد، وهو يستعد لرحلة صيد للبحر برفقة أحد أصدقاء، أو وهو يحاول تعلم القراءة والكتابة، وكأنّ المخرجان ربطا بين مثابرة أحمد على تحقيق حلمه، ومصير المدينة المجهول.

اقرأ أيضاً: غزة.. بيضة قبان "صفقة القرن" وموقف حماس الصعب
حاول الفيلم أن يلقي الضوء على انشغالات كثيرة يمارسها أفراد المدينة، والصعوبات التي يواجهونها بسبب الحصار؛ كالخياط الذي كان الانقطاع الطويل في الكهرباء سبباً في تعطيله عن الإنتاج، واضطراره لبيع معمل خياطة يملكه من أجل أن يأكل ويشرب.

ورشة لتصميم الأزياء
كما نشاهد سيدة مصممة أزياء جعلت بيتها ورشة لتصميم الأزياء، لم تمنعها ظروف الحصار من التوقف عن التصميم، وإقامة عرض أزياء في منزلها، ودعوة بعض فتيات المدينة ليكونوا عارضات لتصاميمها، التي تمزج فيها بين الثوب الفلسطيني التراثي بتطريزاته المعروفة، وأشكال وتصاميم معاصرة، كما أنّها تحلم في أن تشارك في عروض أزياء في فرنسا.
في المشاهد الختامية للفيلم؛ تظهر لقطة للصبي أحمد، وقد بات شاباً، وهو واقف ضمن شباب كثيرين في مسيرة العودة الكبرى عام 2018.
شارك فيلم "غزة" في مهرجان "سندانس" السينمائي الأخير، كما عُرض مؤخراً ضمن تظاهرة "أيام بيروت السينمائية" في بيروت.


الصفحة الرئيسية