فيلم "واجب": الفلسطيني خارج إطار الأسطورة

فيلم "واجب": الفلسطيني خارج إطار الأسطورة
2480
عدد القراءات

2019-03-14

لم يسعَ فيلم "واجب"، الذي قام ببطولته الفنان الفلسطيني المعروف محمد بكري ونجله صالح، لتقديم بطولات خارقة للفلسطيني، فلم تكن ثمّة تجميلات للواقع الذي حاول هذا العمل الجريء تقديمه كما هو دون أن يقع في فخ الشعارات المثالية والعبارات الرنانة.
ما يفعله الفيلم، الذي أخرجته الفلسطينية آنماري جاسر، هو جعل المتلقي يستذكر نماذج الشخصيات الفلسطينية التي كان قد التقاها في أعمال الشهيد غسان كنفاني، حين كان كل منها إنساناً عادياً، ربما يخطئ أكثر مما يصيب، لكنه يظل ضحية، كبرت أخطاؤه أم صغرت؛ ضحية احتلال ومفرزات احتلال أقلّها التناحر الداخلي والأمراض الاجتماعية.

يتجنب الفيلم تقديم المجتمع الفلسطيني في الداخل مثالياً بتسليط الضوء على مكامن ضعفه وأخطائه بلمسة كوميدية

"واجب"، فيلم فلسطيني دشنت صالات السينما العربية عرضه في مستهل العام ٢٠١٩، وقد استمر لمدّة زمنية لافتة للنظر، مقارنة بغيره من أفلام حملت ثيمات جادّة ومشابهة؛ فلسطينياً وعربياً.

اللافت في "واجب" هو تناوله شريحة فلسطينية منسيّة تكاد تكون منسية في السينما العربية، وهي أبناء الأراضي المحتلة في العام 1948 وتحديداً في مدينة الناصرة؛ حيث تجري أحداث العمل، بكل ما يحفل به واقعهم من تناقضات وأزمة هوية، ومشاكل اجتماعية، وصراع أجيال وقيم.

اقرأ أيضاً: فيلم "ليلة طولها اثنتا عشرة سنة".. تحفة فنية عن أدب السجون

ينطلق الفيلم من حكاية أب ونجله يمضيان في أزقة وشوارع الناصرة؛ لتوزيع بطاقات دعوة عرس الشقيقة الصغرى. العائلة مثخنة بالجراح؛ إذ اختارت الأم السفر مع عشيق لها وترك ابنها وابنتها وزوجها نهشاً لألسنة المجتمع، وليمضي الابن البكر، الذي أدّى دوره صالح بكري، في دروب الغربة في إيطاليا، وليبقى الأب في محاولة مستمرة للتحايل على جراحه وحماية ابنه وابنته معنوياً من كل ما قد يحيق بهما.

لا تدّعي جاسر في مناقشتها المجتمع الفلسطيني في الداخل المثالية، بل على العكس من ذلك تحاول تسليط الضوء على مكامن ضعفه وأخطائه، بلمسة كوميدية، على الرغم من تصنيفه عبر الصفحة الرسمية الخاصة بالفيلم بالدرامي، لكنه كوميديا سوداء بامتياز، تبرع بتشريح الواقع الفلسطيني بين الداخل والخارج، لكنها تدرك بقوة أهمية مناقشة المجتمع الفلسطيني في الداخل على وجه التحديد، وهذه ما منح العمل فرادته.

اقرا أيضاً: فيلم "كتاب أخضر": صورتنا في مرآة العنصرية

الفيلم، الذي تصل مدّته إلى تسعين دقيقة ونيف، نال جائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان دبي السينمائي، كما حاز بطله، محمد بكري، جائزة أفضل ممثل مناصفة مع ابنه صالح، إلى جانب تمثيله فلسطين في محافل سينمائية عالمية، ما يُعيد تسليط الضوء على الفيلم الفلسطيني المشغول بسويّة عالية، والذي باتت آنماري جاسر اسماً بارزاً فيه؛ إذ تميل دوماً لتناول الحكايات غير الخارقة، كما يريدها البعض عن الفلسطينيين، بل تصوّرهم من خلال حكايات بسيطة وعميقة في آن بشراً عاديين يصيبون ويخطئون، شأنهم شأن باقي شعوب الأرض، وتجنب وضعهم في مصاف الأسطورة التي أضرت بصورتهم عوضاً عن إنصافها.
آنماري جاسر، التي جمعت بين كل من التجربتين الأكاديميتين في فلسطين وأمريكا، تحاول دوماً في أعمالها المسكونة بالهم الفلسطيني الابتعاد عن خطاب الأبراج العاجية والاقتراب من أرض الواقع، متسلّحة بالأدوات اللازمة التي يفهمها المتلقي الغربي بشكل خاص، من دون تذلّل أو استجداء.

آنماري جاسر، المولودة في فلسطين في العام 1974 والتي تحمل شهادة عليا في تخصّص السينما، كانت قد قدّمت سابقاً فيلما مميزاً أيضاً تناولت فيه العمل الفدائي الفلسطيني، تحت عنوان "لما شفتك"، وقد كان مبهراً كذلك من حيث المشهد البصري الغني، بالإضافة للأداء اللافت للممثلين والحبكة المميزة في التناول.

اقرأ أيضاً: فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء
ونجاح جاسر الذي بدأ منذ "ملح هذا البحر" كان لافتاً أيضاً، من خلال حكاية عائدة من أمريكا للداخل الفلسطيني، هذه الأفلام وهذا التناول الذكي واللغة السينمائية الرشيقة والمشهد البصري الغني يُثبت أن نجاح الصبية التلحمية ليس مصادفة، ما يقدم دفعة أخرى لتقديم أعمال مماثلة توسع من قاعدة المتلقّين داخلياً وخارجياً، في ما يتعلق بالترافع عن الحق الفلسطيني على الساحة الفنية.

"واجب"، فيلم بمثابة استراحة ممتعة للراغبين بمعاينة الواقع الفلسطيني داخل الأرض المحتلة في العام 1948، من خلال حكاية طريفة تجعل المتلقي يغرق في دوّامة ضحك مستمرة حتى نهاية العرض، لكن هذا لن يحول البتة دون انهمار دموعه أمام مقاطع كثيرة تُذكّر الفلسطيني أنّ الكون فسيح جداً، لكنه لا يغني حتى عن أزقة "حارة نصراوية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



فيلم "الباباوان": رحلة بين الشك واليقين في أروقة الفاتيكان

2020-02-17

تدور أحداث فيلم الباباوان (The Two Popes) حول المرحلة التي تلت وفاة البابا "يوحنا بولس الثاني"، عام 2005؛ إذ تجري الكنيسة عملية انتخابات، حيث تجتمع الكرادلة من كلّ أنحاء العالم، لاختيار بابا جديد لها، وتحتدم المنافسة بين الكاردينال الألماني، جوزيف راتزنغر(البابا بينديكت السادس عشر لاحقاً)، والكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرجوليو (البابا فرنسيس حالياً)، وليفوز بالنهاية راتزنغر، الرجل الذي يُعبّر عن النزعة اليمينية والمحافظة داخل الكنيسة، مقابل خسارة بيرجوليو الذي يدعو للتغيير والإصلاح من داخل الكنيسة الكاثوليكية.

اقرأ أيضاً: هكذا كشف فيلم "تقوى" الفساد المستشري في التنظيمات الإسلامية التركية
بورجوليو (الممثل جوناثان برايس)، القادم من مدينة بيونس آيرس، لم يكن يطمح لمنصب البابا، لكنّه بالمقابل لم يكن راضياً عن نتائج الانتخابات، يقول لكاردينال، زميل له: "صوتت الكنيسة لتبقي الإصلاحات المتأخرة متأخرة"، وعندما يسأله زميله: ماذا ستفعل الآن؟ يجيبه بأنّه سيعود للأرجنتين، ويخطط لتقاعده.

بوستر الفيلم
في عام 2012؛ تكون الكنيسة قد غرقت بالفضائح المسربة عن فساد في مصرف الفاتيكان، والتحرش الجنسي بالأطفال، ويتزامن ذلك بطلب البابا بينديكت السادس عشر (الممثل أنطوني هوبكنز) للكاردينال خورخي بورجوليو من الأرجنتين، لمقابلته في إيطاليا.
بورجوليو يظنّ أنّ سبب طلب الزيارة هو الردّ على أكثر من رسالة بريدية أرسلها للفاتيكان، يطلب فيها الاستقالة من منصبه، لكن ما إن يقابل البابا حتى يكتشف أنّ استقالته مرفوضة، والأسباب التي نفهمها في بداية الفيلم؛ أنّ استقالة بورجوليو سيفهمها الرأي العام باعتبارها احتجاجاً على سياسة الكنيسة، بسبب الفضائح التي عصفت في أروقتها مؤخراً.

هل يكون فيلم "الباباوان" عبارة عن بروباغندا "ناعمة"، تحمل نزعة تطهيرية لصورة الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان؟

لم يبتعد نصّ سيناريو الفيلم عن شرطه المسرحي كثيراً؛ إذ إنّ كاتب السيناريو، أنطوني مكارتين، اقتبس نصّ السيناريو من مسرحيته ("The Pope " 2017)؛ لذلك شكَّلَ الحوار الثنائي بين البابا بينديكت السادس عشر، والكاردينال خورخي بورجوليو، حجر الأساس في الفيلم الذي حاول المخرج توظيفه بصرياً عبر ربط الحوار بسيرة حياة الكاردينال بورجوليو في شبابه على طريقة "الفلاش باك"، ورغم أنّ هذه الحيلة فيها مجازفة ما، ربما، من ناحية دخول مسار مختلف عن مسار الحدث الرئيس الذي هو الأزمة التي تمرّ بها الكنيسة، إلا أنّنا من الممكن أن نراها مقبولة، بحسب سياق الاختلاف الجذري بين البابا بينديكت وبورجوليو، لفهم رحلة الشك واليقين عند رجل دين مسيحي، وأسباب مواقفه الإصلاحية ضدّ المواقف المحافظة والسلبية لبينديكت والكنيسة الكاثوليكية في عهده، والذي سيكون بالنهاية خليفة البابا بينديكت السادس عشر.

يبدأ البابا بينديكت بانتقاد الكاردينال بورجوليو منذ بداية حوارهما معاً؛ إذ يقول البابا لبورجوليو: "أظنّ أنك تقدّم القربان المقدس علناً إلى أشخاص لا تحقّ لهم المناولة للمطلقين مثلاً"، ليجيب بورجوليو: "أعتقد أنّ القربان ليس مكافأة للطاهرين، إنّه طعام للجائعين"، بعدها يقول البابا: "إذاً، المهم ما نؤمن به، وليس ما علَّمته الكنيسة لمئات السنين"، ليردّ بورجوليو: "لا.. "مرقس" الإصحاح الثاني، العدد 17 "جئت لأدعو خطاة" كما علَّمت الكنيسة لآلاف السنين، ليتحدث بعدها البابا بينديكت عن ضرورة وضع حدود، وتشييد جدران، فيقول بورجوليو في النهاية: "الرحمة هي الديناميت الذي يهدم الجدران".

اقرأ أيضاً: فيلم "طفيلي": هل تهدّد الفوارق الاجتماعية مصير العالم؟
شيئاً فشيئاً، تتكشف لنا شخصية أخرى للبابا بينديكت السادس عشر، فرغم اختلاف الآراء بينه وبين الكاردينال بورجوليو، إلا أنّ البابا يبدأ في الحديث عن نفسه، وعن شبابه، لنكتشف أنّ البابا يحبّ العزف على البيانو، ولديه أسطوانة موسيقية من تأليفه، كما أنّه كان يسمع فرقة "البيتلز" في شبابه، كما أنّه، إلى الآن، يتابع برامج فكاهية على شاشة التلفزيون.
تأتي لحظة الكشف عن السبب الذي دعا فيها البابا، الكاردينال بورجوليو، لزيارته، وهو أنّ البابا يرغب بالتخلي عن منصبه والاستقالة من البابوية، بشرط ألّا يقدم بورجوليو استقالته، وأن يكون هو خليفته.

اقرأ أيضاً: 20 فيلماً ينبغي أن تكون على قائمة مشاهداتكم عام 2020
يصاب الكاردينال بورجوليو بصدمة؛ إذ يصرّ على أنّه ليس الشخص المناسب لمنصب البابا، لكن عند إلحاح البابا عليه، وبأنّه لن يتراجع عن قراره، يصارح بورجوليو البابا بأنّ له ماضياً لا يعرف عنه شيئاً، وأنّه ماضٍ غير مشرف؛ إذ يعترف بورجوليو بأنّه؛ إلى الآن يشعر بتأنيب الضمير لوقوفه مع الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، وكان السبب بتعذيب أصدقائه المقربين في تلك الفترة، وما يزال الإحساس بالعار يلاحقه حتى هذه اللحظة.
كما أنّ البابا بينديكت، بدوره، يقرّر الاعتراف للكاردينال بخطاياه، التي لا يعرف المشاهد ما هي؛ إذ إنّ المخرج يصور لنا الاعتراف من غير أن نسمع ما يعترف به البابا للكاردينال.

 فيلم "الباباوان" للمخرج البرازيلي فرناندو ميريليس
فيلم "الباباوان" ينتمي لتلك النوعية من الأفلام، التي تطرح وجهات نظر في قضايا كبيرة؛ دينية أو سياسية أو اجتماعية، لن يحلها عمل فني في النهاية، إنما يلقي الضوء على جانب من جوانبها؛ لذلك لم يكن نصّ الفيلم يمضي في مسار واحد، إنما كانت هناك مسارات تتقاطع وتلتقي فيما بينها.

يختم المخرج البرازيلي الفيلم بجلوس الباباوين بينديكيت السادس عشر وفرنسيس يتابعان مباراة كرة قدم بين الأرجنتين وألمانيا

لا يمكن القول إنّ الفيلم هو سيرة ذاتية لخورخي بورجوليو فقط، ولا هو بالمناظرة الفكرية بين بابا وكاردينال، ولا هو إلقاء الضوء على كواليس ما يجري بالكنيسة الكاثوليكية، إنما هو اجتماع كلّ ذلك؛ صدف و"أقدار"، وتجربتان حياتيتان، سينتج عنهما اختلافات جذرية، ظاهرها يُصورّ على أنّه صراع بين قوى الخير وقوى الشرّ داخل أروقة الكنيسة، لكنّ الحوار والنقاش الطويل بين الرجلين سيفكّك للمشاهد ثنائية الخير والشرّ بصورتها الحادة والثابتة.
يختم المخرج الفيلم بجلوس الباباوين بينديكيت السادس عشر وفرنسيس يتابعان مباراة كرة قدم بين الأرجنتين وألمانيا.
خاتمة تشير ربما لنهاية الخلافات بين الرجلين، أو ربما لتقول للمشاهد؛ حتى رجال الدين الذين تدور حولهم هالة من القداسة يخطئون، ولهم حياة تشبه حياة الناس العاديين. 
يضع فيلم "الباباوان"، للمخرج البرازيلي فرناندو ميريليس، المشاهد في حيرة من أمره؛ هل يستسلم لمتعة مشاهدة عمل سينمائي مختلف من حيث الطرح والأسلوب ورشاقة أداء بطلي الفيلم؛ (أنطوني هوبكنز وجوناثان برايس)، أم يشكّك في أن يكون الفيلم عبارة عن بروباغندا "ناعمة"، تحمل نزعة تطهيرية لصورة الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان؟

للمشاركة:

التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

صورة غسان مفاضلة
كاتب وتشكيلي أردني
2020-02-13

لم تكن طريقة الموت المأساوية التي باغتت حياة التشكيلي السوري، لؤي كيالي (1934- 1978)، أثناء نومه، سوى التمثيل الأشدّ رمزيةً واختزالاً للاضطرابات النفسية التي تناوبت على أعوامه الأخيرة بالعزلة والاكتئاب، وهو التمثيل الأخير الذي خطف حياته بفعل حريق متسلّل، ليطويَ معه سيرة الرائي مع الجمال المخضّب بالأحزان.

عشرة أعوام تقريباً فصلت مأساة احتراق الفنان، الذي احتفى محرك "غوغل" مؤخراً، بعيد ميلاده الـ 86

عشرة أعوام تقريباً فصلت مأساة احتراق الفنان، الذي احتفى محرك "غوغل" مؤخراً، بعيد ميلاده الـ 86، عن إقدامه على حرق "أو تمزيق" لوحات معرضه "في سبيل القضية"، الذي تزامن مع هزيمة حزيران 1967، لتبدأ معها، أو بسببها، انتكاساته النفسية. ورغم الأزمات النفسية المتكررة التي اعتزل بسببها التدريس والرسم "بين الحريقين"؛ فإنّ إنجازاته في الأعوام العشرة الأخيرة من حياته المضطربة، شكّلت منعطفاً مفصلياً في خياراته وتحولاته الفنية التي جعلت منه أحد أعلام الحداثة التشكيلية في مشهدها العربي المعاصر.

لؤي كيالي (1934- 1978)
وسواء كانت حادثة موته احتراقاً في منزله بمسقط رأسه في مدينة حلب، جراء سقوط لفافة تبغ على فراشه، عندما داهمه النوم بفعل المهدئات النفسية، حادثة عرضية، أم كانت انتحاراً، بحسب من اعتبروها نتاج معاناته وعزلته، وأحياناً نتاج "تشكيكه بجدوى الفنّ في بعض المفترقات"؛ فإنّ حادثة إحراقه لأرشيفه الصحفي، ولوحات معرضه "أو تمزيقها"، لم تكن عرضيةً أبداً؛ كانت أشبه ما تكون بصرخةٍ مكتومةٍ استدرجته إلى طريق الحريق الأخير؛ حريقٌ فاجعٌ وجارحٌ.

التجريح الذي طال معرضه "في سبيل القضية" كان ظاهرياً؛ بسبب التحوّل الذي طال موضوعاته المعروفة بقسماتها التعبيرية والجمالية، وانتقالها إلى موضوعات أخرى غير مألوفة عن الفنان، تتعلّق بالقضايا الوطنية والقومية، لكنّ باطن التجريح عند الذين هاجموه من النقّاد والفنانين الذين رأوا أنّ تحوّله الفني كان "تحولاً انتهازياً"، لم يخرج عن كونه "ثرثرة عابرة" حول منبت الفنان الأرستقراطي الذي صار "فناناً ملتزماً".

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لم يكن تعامله مع مظاهر المأساة الفلسطينية، منقطعاً عن سياق محطاته التعبيرية السابقة، والتي وشّحت وجوه الناس وعادياتهم اليومية بحزنها الشفيف؛ إنّه الحزن نفسه الذي أطلّ من خلاله على المأساة الفلسطينية "مأساة اللاجئين النازحين عن الأرض المحتلة، مأساة ضخمة، حاولت قدر استطاعتي توظيف إمكاناتي لتغطية أبعادها في اللوحة"؛ يقول عن لوحات معرضه الذي أقيم حينها، في المركز الثقافي العربي بدمشق، ليطوف، بعد ذلك، على عدد من المحافظات السورية، وتضمّن المعرض نحو ثلاثين لوحة صوّرت مأساة الشعب الفلسطيني.

لم يكن تعامله مع مظاهر المأساة الفلسطينية، منقطعاً عن سياق محطاته التعبيرية السابقة
الضجة التي أثيرت حول معرضه، ورأت أنّ تأثّره بالقضايا الوطنية والقومية "تأثر زائف"، خاصة من فنان اشتهر، بحسبهم، برسم الوجوه النسائية المفعمة بأسباب الحياة والجمال، ورسم "البورتريهات" ليشتريها الأثرياء؛ هي ما دفعته إلى إتلاف لوحات معرضه، ليدخل بعدها في أزمات نفسية لازمته حتى رحيله.

ظلّت حالات الاكتئاب تتناوب كيالي إلى أن قرّر بيع منزله في حلب، ومغادرة سوريا، عام 1977، للعيش في روما

موته التراجيدي لم يكن سبباً في تسليط الضوء، بأثر رجعي، على موهبته الفنية المبكّرة، والكشف عن فرادة منجزه في مشواره المعذّب والقصير؛ ففي عام 1952، وهو في سنّ الثامنة عشر، أقام معرضه الأول في مدرسته الثانوية بحلب، قبل أن ينتسب الى كلية الحقوق بجامعة دمشق، التي انقطع عنها لدراسة الفنون في روما، عام 1956، وبعد مرور أكثر من ستة عقود على معرضه الأول، عُرضت إحدى لوحاته التي تصوّر جنوداً سوريين وسط المعركة، في مزاد "كريستيز" العالمي، في دبي عام 2014.
في الأعوام الخمسة الأولى، بعد عودته من إيطاليا، حقّق الفنان شهرة محملة بمنجزه اللافت في الوسط التشكيلي بدمشق؛ كانت لوحات ابن الطبقة الثرية، الوسيم المرهف والمزاجي، تباع منذ تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة في روما، عام 1961، بأسعار هي الأعلى في مشهدها السوري، وحظيت على الدوام بتقدير مجايليه من الفنانين والنقاد، وفي مقدمتهم فاتح المدرّس، الذي شاركه في بينالي "فينيسيا" عام 1960، أما معرضه في صالة "لافونتانيلا" في روما، عام 1959، حينما كان طالباً في أكاديميتها، فقد شكّل نافذة الوسط الفني الإيطالي للتعرّف إلى صاحب التعبيرية الناعمة التي تؤاخي بين الحزن والجمال.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
هل كانت موهبته وبزوغه الفني المبكّرين، وحساسيته المفرطة تجاه إكراهات الحياة وعذابات الإنسان، سبباً في توتراته النفسية وصراعاتها؟! ربما، لكنّها في جميع حالاتها، المكتومة والصارخة، لم تكن لتحدّ من إنجازاته التي شكّلت إضافةً مبكرةً للحداثة التشكيلية في أفقها العربي المعاصر.

موته التراجيدي لم يكن سبباً في تسليط الضوء، بأثر رجعي، على موهبته الفنية المبكّرة
الفنان الذي بدأت رحلته الإبداعية المبكرة مع الموضوعات المحببة لعشاق الفنّ الأثرياء، وجد نفسه بعد منتصف ستينيات القرن الماضي مأخوذاً بهموم الناس البسطاء والهامشيين، ومنحازاً للقضايا الوطنية والقومية؛ لم تكن تعنيه مسايرة رغبة المقتنين والأثرياء ممن اعتادوا موضوعاته الفنية، وألِفوا قسماتها التعبيرية، كلّ ما كان يعنيه، هو الإنصات إلى صدى صوته الداخلي، وهو يمور بالقلق والاضطراب، الصدى الذي خلع على تعبيراته الواقعية المعجونة بالعزلة والتوجّس، وشاحاً منسوجاً من الحزن والجمال. 

اقرأ أيضاً: ست نساء يرصدن انفعالات الوجوه في معرض تشكيلي بعمّان
بعد أن تفاقمت أزمته النفسية، عام 1969، انقطع عن الحياة العامة ليلوذ بعزلته البيتية في مدينة حلب، ذهب مع أهله للعلاج في بيروت، وما إن تحسّنت حالته، مطلع سبعينيات القرن الماضي، حتى عاد للتدريس مرة أخرى في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ثم ما لبثت الأزمة الثانية التي شفي منها أن عاودته مرة ثانية، واستمرت تداعيات أزمته النفسية حتى قيام حرب تشرين، عام 1973، ليستعيد بعدها تمالكه النفسي، ويعود لمزاولة الرسم بإيقاع جديد من حيث التقنية والتكوين؛ فجعل من الخشب المضغوط مفردة تعبيرية شفيفة، لها مذاق موضوعاته وملمسها، فيما راحت مساحاته اللونية، ضمن بنيتها التكوينية الرشيقة، بالتمدّد والاتساع  والاستقرار.

اقرأ أيضاً: التشكيلي عصام طنطاوي: مسافر زاده الخيال
ظلّت حالات الاكتئاب تتناوبه بوتائر مختلفة، إلى أن قرّر بيع منزله في حلب، ومغادرة سوريا، عام 1977، للعيش في روما، التي سبق أن شكّل علاقات واسعة ووثيقة مع مثقفيها وفنانيها، غير أنّه ما لبث أن عاد إلى حلب، عام 1978، بعد أن اكتشف أنّ المناخ الثقافي والفني الذي عرفه سابقاً في حاضرة الفنّ والجمال، لم يعد له وجود.
لكنه عاد بأزمة نفسية أكثر ضراوة من سابقاتها، لجأ معها إلى المهدئات التي فتحت الطريق أمام النار، لاختطاف "الرائي" من نومه الأخير.

للمشاركة:

أشهر 6 أفلام عن الاضطرابات النفسية.. هل شاهدتها؟

2020-02-11

تتميز السينما عن غيرها من الفنون الإنسانية، بقدرتها على الجمع بين الحوارات العميقة والمشاهد البصرية، في معالجة الأفكار والقضايا المجتمعية والغوص في أعماق النفس البشرية، وقد حازت مواضيع علم النفس والاضطرابات النفسية اهتمام الكثير من المخرجين السينمائيين، الذين سلطوا الضوء على أعراض الأمراض النفسية المختلفة وشخصية المضطرب وفهمه لواقعه وتفاعله مع محيطه، فضلاً عن تلك التي تناولت السير الشخصية لأشهر علماء النفس.
"حفريات" اختارت ستة من أهم وأشهر الأفلام السينمائية، التي تناولت هذا الموضوع.

1975 One Flew Over the Cuckoo's Nest

فيلم "أحدهم طار فوق عش الوقواق"، ويتداوله البعض باسم "أحدهم طار فوق عش المجانين"، وهو فيلم دراما أمريكي، مقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأمريكي؛ كين كيسي، اختاره معهد الفيلم الأمريكي ليكون على قائمة أفضل 100 فيلم في التاريخ الأمريكي، كما احتل المرتبة الخامسة عشرة في قائمة أفضل 250 فيلماً بتاريخ السينما على موقع IMDB.

"فتاة مضطربة" مستوحى من قصة حقيقية للكاتبة الأمريكية سوزانا كيسن التي عاشت عاماً ونصف العام في مصحة النفسية

وتدور أحداث الفيلم حول قصة "راندل باتريك"، الذي يدّعي الجنون بعد إيداعه السجن، ليتم نقله إلى مصحة نفسية وإجراء الفحوصات اللازمة له، للتأكد من صحته العقلية، حيث يعيش باتريك (الذي يجسد شخصيته الممثل الأمريكي جاك نيكلسون)، مع المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية مختلفة، فيما يواجهون جميعاً تسلط وديكتاتورية الممرضة التي تجسدها الممثلة الأمريكية لويز فليتشر؛ حيث تتحول المصحّة من مهرب للبطل من السجن، إلى سجن آخر يحاول الفرار منه.

اقرأ أيضاً: قائمة بأبرز الأفلام والمسلسلات الأجنبية في 2020

ويغوص الفيلم، الذي أخرجه الأمريكي، ميلوش فورمان، في تفاصيل الحياة اليومية لقاطني المصحّات النفسية، وآلية تعامل النظام مع المرضى وأثر الحبوب المُهدئة على شخصياتهم من خلال التفاصيل اليومية للأبطال.
وقد حاز الفيلم 5 جوائز أكاديمية عن فئات؛ "أفضل فيلم، أفضل ممثل، أفضل ممثلة، أفضل إخراج، أفضل سيناريو".

1988 Rain Man

فيلم أمريكي مقتبس عن قصة حقيقية؛ تدور حول الشاب ريموند، الذي يجسد شخصيته الممثل داستن هوفمان؛ حيث يعاني ريموند من التوحد منذ صغره، الذي يعيق تواصله وفهمه لمحيطه وللآخرين، لكنه يتمتع بقدرات عقلية استثنائية تمكنه من إجراء العمليات الحسابية بقدرة خارقة.

اقرأ أيضاً: أفلام المافيا: أيقونات فنية تعيد قراءة الجريمة المنظمة فلسفياً
ويتوفى والد ريموند أثناء تواجده في المصحة النفسية، تاركاً له ميراثاً كبيراً، في حين يترك لأخيه المعافى شارلي، والذي يجسد شخصيته الممثل توم كروز، سيارة قديمة فقط، حيث يقرر الأخير استغلال حالة ريموند الصحية ليسيطر على ميراثه.
وفاز الفيلم الذي أخرجه الأمريكي؛ باري ليفنسون، بـ 4 جوائز أوسكار عن فئات؛ "أفضل فيلم، أفضل مخرج سينمائي، أفضل نص سينمائي أصلي، وأفضل ممثل"، كما ترشح لعدة جوائز أخرى.

Girl, Interrupted 1999

"فتاة مضطربة"؛ فيلم مستوحى من قصة حقيقية للكاتبة الأمريكية سوزانا كيسن، التي عاشت عاماً ونصف العام في إحدى المصحات النفسية، بعد محاولتها الانتحار، حيث عمدت خلال وجودها في المصحة إلى تسجيل مذكراتها الشخصية ورحلة تعافيها من المرض.
ويتناول الفيلم قصة كيسن، التي جسدت شخصيتها الممثلة الأمريكية وينونا رايدر، ومعاناتها من اضطراب "الشخصية الحدية"، الذي بدأت أعراضه بالظهور بعد تخرجها من المدرسة الثانوية، ويوضح الفيلم تفاصيل حكاية الكاتبة الأمريكية التي ينتابها التيه والاكتئاب.

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الأفلام المصرية التي عالجت إشكاليات عصر الانفتاح
ويسلّط الفيلم الضوء على ثنائية الإصرار على المضيّ في التعافي من المرض، والخوف والتهرب من مواجهته، ليتنقل بالمشاهد بين مشاعر البطلة في لحظات الضعف والقوة ومواجهة محيطها، وعلاقتها مع نزلاء المصحة، التي تتشابك بطريقة درامية إنسانية.
الفيلم من إخراج الأمريكي؛ جايمس مانجولد، وبطولة كل من رينونا رايدر وأنجلينا جولي، التي حصلت على الأوسكار عن فئة أحسن ممثلة لدور ثانٍ، لتجسيدها شخصية ليزا في الفيلم. 

The machinist 2004

الميكانيكي؛ فيلم غموض تم تصوير مشاهده في إسبانيا، تدور أحداثه حول الميكانيكي "تريفور"، الذي جسد شخصيته الممثل كريستيان بيل، حيث يعاني البطل من الأرق المزمن وقلة النوم، وهلاوس تؤثر على عمله بعد فترة.

اقرأ أيضاً: أشهر أفلام عالجت صراعات الصحافة والسياسة

تمر الأحداث وتزداد حالة تريفور سوءاً، الأمر الذي ينعكس على حياته الاجتماعية والعملية، حيث تؤثر الهلاوس التي يراها على عمله في المصنع الذي يعمل فيه، ما يدفع زملاءه في العمل إلى نبذه والتعامل معه بحذر وريبة.
الفيلم من إخراج؛ براد أندرسون، وبطولة كل من جينيفر جيسون، وكريستيان بيل، الذي اضطر لفقدان 27 كيلوغراماً من وزنه ليتلاءم مظهره مع دور تريفور الهزيل.

When Nietzsche Wept 2007

"عندما بكى نيتشه"؛ هو فيلم مأخوذ عن رواية شهيرة، تحمل نفس العنوان، للأخصائي النفسي؛ إيرفين يالوم، يتحدث عن الحقبة التي سبقت كتابة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه لكتابه الشهير؛ "هكذا تكّلم زرادشت"، حين كان نيتشه مجرد أستاذ جامعي مغمور لا يحضر محاضراته سوى قلّة قليلة، تشعر بالضيق ممّا يطرحه من نظريات، حيث يقع في حب فتاة تُعجب بأفكاره السابقة لعصره، قبل أن ترفض الارتباط به ويُصاب بحالة اكتئاب تدفعه لمحاولة الانتحار.

فاز فيلم Rain Man بـ4 جوائز أوسكار عن فئات أفضل فيلم وأفضل مخرج سينمائي وأفضل نص سينمائي أصلي وأفضل ممثل

ويتناول الفيلم لقاءً مُتخيلاً بين نيتشه، والأخصائي النفسي الشهير جوزيف بروير، والذي يحاول علاج الأول من اكتئابه بطلب من الفتاة التي حاول الانتحار لأجلها، ليُدخل المشاهد في حوارات عميقة توضح وجهتي نظر الفلسفة وعلم النفس حول الحياة والعلاقات الإنسانية من خلال بطلي الفيلم.
كما يتضمن الفيلم حوارات بين الدكتور بروير وعالم النفس الشهير؛ سيغموند فرويد، حول علم النفس، مُلقياً الضوء على تطور علم النفس التحليلي في تلك الحقبة.
الفيلم من إخراج؛ بينشاس بيري، ويلعب به الممثل الأمريكي أرماند أسانتي دور نيتشه، إلى جانب؛ بين كروس الذي يلعب دور الدكتور بروير، وجيمي إلمان بدور سيغموند فرويد.

A Dangerous Method 2011

فيلم يتناول السيرة الذاتية لعالمي النفس الشهيرين؛ سيغموند فرويد وكارل يونغ، وسابينا سبيلرين، التي تحولت من مريضة نفسية إلى واحدة من أوائل النساء المتخصصات في علم النفس التحليلي، تدور أحداث الفيلم حول العلاقة المضطربة بين فرويد ويونغ، حيث يحاول الأخير، وهو تلميذ فرويد، تخطّي منهج فرويد التحليلي وابتكار منهج خاص به، من خلال علاقة غير مشروعة مع مريضته؛ سابينا سبيلرين.

"عندما بكى نيتشه"؛ فيلم مأخوذ عن رواية شهيرة تحمل نفس العنوان للأخصائي النفسي إيرفين يالوم

ويتضمن الفيلم حوارات معمقة بين بطليه حول تفسير الأحلام والخيالات اللاواعية ومناهج التحليل النفسي، في حقبة عانى فيها فرويد من انتقادات لاذعة في الأوساط الأكاديمية حول منهجه القائم على التحليل في علم النفس.
كما يُلقي الفيلم الضوء على قصة علاج سبيلرين، وكيفية تحولها من مريضة نفسية إلى مُتخصصة في علم النفس التحليلي بمساعدة يونغ.
الفيلم من إخراج؛ ديفيد كروننبرج، وبطولة؛ كيرا نايتلي، التي تلعب دور سبيلرين، إلى جانب فيجو مورتينسون، الذي يلعب دور فرويد، ومايكل فاسبندر بدور يونغ.

للمشاركة:



سعيّد يلوّح بحلّ مجلس النواب.. ما هو موقف حركة النهضة الإسلامية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

لوّح الرئيس التونسي، قيس سعيّد، بحلّ البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية جديدة إذا انتهت مهلة الحكومة، بعد محاولة حركة النهضة الإسلامية عرقلة تشكيلها مرات عديدة.

ونقلت وكالة الأنباء التونسية الرسمية عن سعيّد قوله، لدى استقباله في قصر قرطاج، رئيس البرلمان (رئيس حركة النهضة)، راشد الغنوشي، ويوسف الشاهد، رئيس حكومة تصريف الأعمال: إنّه "لا سبيل للخروج من أزمة تشكيل الحكومة إلا بالاحتكام إلى الدستور وحده، وليس للتأويلات التي ترد علينا ممن فتحوا دور إفتاء".

وخلال اللقاء؛ أكّد سعيّد أنّ "الفصل 89 من الدستور ينصّ على أنّه إذا مرّت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحقّ في حلّ مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه 45 يوماً، وأقصاه 90 يوماً"، ورأى أنّه "يجب تطبيق نصّ الدستور في هذا الشأن".

سعيد: لا سبيل للخروج من أزمة تشكيل الحكومة إلا بالاحتكام إلى الدستور وحده وحلّ البرلمان

وقال الرئيس التونسي: "الفتاوى الدستورية بشأن الخروج من مأزق تشكيل الحكومة ليست بريئة، وليست مؤسسة على أسس علمية".

وشدّد على أنّه "إذا لم تحصل الحكومة التي سيتم تقديمها إلى البرلمان على الثقة، فسيتمّ اللجوء إلى الشعب، فهو صاحب السيادة يمنحها لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء، وله الكلمة الفصل"، مؤكداً ضرورة أن يتحمّل الجميع مسؤوليته التاريخية.

ومنذ تكليف سعيد لإلياس الفخفاخ بمهمة تأليف الحكومة، قبل نحو 3 أسابيع، فإنّ الأخير يواجه صعوبات، تزامناً مع حجج واهية يطرحها حزب النهضة الإسلامي الذي يسعى للحصول على أكبر قدر ممكن من المكتسبات، التي تحصّنه من المسائلة القانونية بما يتعلق بانتهاكاته، هو وتنظيمه السرّي، وجرائمهم في تونس.

 

 

للمشاركة:

هل يوقف التدخّل الأوروبي تدفق الأسلحة التركية والمرتزقة إلى ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

اتفقت دول الاتحاد الأوروبي، أمس، على بدء مهمة بحرية وجوية جديدة في شرق البحر المتوسط، لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا، وذلك بعد تخلي النمسا عن اعتراضاتها.

وقال وزير الشؤون الخارجية الإيطالي، لويغي دي مايو، للصحفيين عقب اجتماع في بروكسل: "اتفقنا جميعاً على بدء مهمة تمنع تدفق السلاح إلى ليبيا"، مشيراً إلى حظر فرضته الأمم المتحدة، عام 2011، على إرسال أسلحة لليبيا، لكنّه الآن يواجه عدم التزام بشكل كبير، وفق "فرانس برس".

وقال دبلوماسيون: إنّ سفن الاتحاد الأوروبي ستفتش السفن المريبة في شرق البحر المتوسط، حيث تحدث معظم حالات تهريب السلاح، بعيداً عن طرق الهجرة وذلك كحلّ وسط لتهدئة مخاوف النمسا من أن تؤدي أيّة مهمة بحرية إلى وصول المزيد من المهاجرين إلى أوروبا.

الاتحاد الأوروبي يوافق على إرسال دوريات بحرية وجوية لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا

وعبّر بوريل عن أمله في إمكانية بدء عملية الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية آذار (مارس) المقبل، وفي البداية ستجري هذه العملية في المياه الدولية، لا المياه الليبية، موضحاً أنّه لا يمكن توقع قيام الاتحاد الأوروبي بدوريات على الحدود البرية بين مصر وليبيا.

وقال متحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك، الذي يتزعمه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان: إنّ الأمم المتحدة، وليس الاتحاد الأوروبي، هي التي يجب أن تشرف على حظر إرسال أسلحة إلى ليبيا.

وقال جليك، خلال مؤتمر صحفي: "نعتقد أنّ إشراف الاتحاد الأوروبي على حظر السلاح لليبيا لن يحقق نتائج واقعية؛ لأنّ بعض الدول في الاتحاد الأوروبي تدعم حفتر بشكل مباشر وترسل أسلحة إليه".

وأضاف: "تركيا ترى أنّ آلية الأمم المتحدة هي أفضل آلية هنا، بالطبع يجب إعطاء أولوية لتنفيذ وقف إطلاق النار".

وكان من بين الحلول الوسط؛ استخدام الطائرات بدلاً من السفن لمراقبة مهربي السلاح، لكنّ وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، حثّ الاتحاد الأوروبي على الموافقة على القيام بمهمة بحرية، لأنّ "الطلعات الجوية لن تكون كافية".

هذا وقد حذّر مسؤول كبير بالأمم المتحدة، الأحد، من أنّ حظر السلاح ليس له معنى لأنّ لا أحد يلتزم به.

من جهته، قال وزير الخارجية النمساوي؛ إنّ بلاده تخلت عن رفضها لأنّ المهمة الجديدة عسكرية تماماً، وليست إنسانية، ولكن بموجب القانون الدولي سيتعين على سفن الاتحاد الأوروبي إنقاذ من يواجهون صعوبات في أعالي البحار.

وانتقلت تركيا من التسليح السرّي لحكومة الوفاق، التي تعدّها قيادة الجيش الوطني الليبي واجهة لحكم الإخوان، إلى التسليح العلني بطائرات مسيرة وبأسلحة ثقيلة وبالذخيرة وبعربات عسكرية مصفحة وبمرتزقة سوريين، ومع ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الانتهاكات واكتفى ببيانات تجاهلها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

 

 

للمشاركة:

البعث الأممية تطالب بحماية المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

دانت بعثة الأمم المتحدة في العراق، اليوم، عمليات استهداف المحتجين السلميين في العاصمة بغداد، خلال الأيام الثلاثة الماضية، داعية إلى وقف العنف وحماية المتظاهرين.

وقالت ممثلة الأمم المتحدة، جينين هينيس بلاسخارت، في بيان: "البعثة تتلقى معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني، في بغداد، مساء 14 و15 و16 شباط (فبراير)"، وفق ما أوردت وكالات أنباء عالمية وعربية.

وأضافت: استهداف المتظاهرين أدّى إلى إصابة 50 شخصاً، على الأقل، كما أصيب عدد من أفراد الأمن، مشيرة إلى أنّ معلومات وردت من كربلاء حول إصابة أكثر من 150 محتجاً، في كانون الثاني (يناير) الماضي.

البعثة تلقت معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني

وطالبت السلطات العراقية بـ "منع استخدام القوة ومحاسبة المسؤولين عن إساءة استخدام القوة"، معتبرة أنّ ذلك مصدر قلق أمني خطير يجب التعامل معه بشكل عاجل وحاسم.

وأتت هذه التصريحات تزامناً مع مهاجمة عناصر "القبعات الزرقاء"، وهم أنصار للتيار الصدري، بداية الشهر الجاري، المعتصمين داخل خيامهم قرب ساحة التحرير وسط بغداد، ما أدّى إلى إصابة عدد من الجرحى.

فيما ما يزال المتظاهرون العراقيون، حتى اليوم، مصممين على مطالبهم، رغم مرور أكثر من 4 أشهر على "انتفاضتهم"، وعلى رأسها تكليف شخصية مستقلة من أجل تشكيل الحكومة، وإنهاء النفوذ الإيراني، وبالتالي رفضهم مساعي رئيس الوزراء المكلَّف، محمد علاوي.

يشار إلى أنّه منذ بداية التظاهرات قتل نحو 550 شخصاً، غالبيتهم العظمى من المتظاهرين الشبان، بينما أصيب حوالي 3 آلاف بجروح.

 

 

للمشاركة:



لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية