في الذكرى الأربعين لصدور كتاب إدوارد سعيد .. الاستشراق قديماً وحديثاً

في الذكرى الأربعين لصدور كتاب إدوارد سعيد .. الاستشراق قديماً وحديثاً
5934
عدد القراءات

2019-06-13

ترجمة: محمد الدخاخني


يُعد كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد واحداً من أكثر الأعمال تأثيراً في التاريخ الثقافي في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، كما يُعد واحداً من أكثر الأعمال التي يُساء فهمها، وربما يتمثل سوء الفهم الأكثر شيوعاً في الاعتقاد بأنّ الكتاب يدور "حول" الشرق الأوسط؛ على العكس، إنه دراسة للتمثيلات الغربية بشأن العالم العربي الإسلامي، دراسة لما أسماه سعيد "أغلال العقل"، على غرار ويليام بليك.

اقرأ أيضاً: ما الحاجة لإعادة التفكير في الاستشراق اليوم؟

ومن جانبهم، أساء نقاد الكتاب من المُحافِظين وصفه بأنه شجب فِطراني للمعرفة الغربية، متجاهلين ثناء سعيد على لوي ماسينيون وجاك بيرك وكليفورد غيرتس، فيما أشاد بعض الإسلامويين بالكتاب على أساسٍ من سوء الفهم نفسه، متجاهلين التزام مؤلفه بالسياسة العلمانية.

مُذ نُشِر الكتاب لأول مرة في عام 1978، أصبحت كلمة "الاستشراق" واحدة من تلك الكلمات التي تُغلِق النقاش في الأحْرام الجامعية الليبرالية، فما من أحد يُريد أن يُتهم بأنه "مستشرق"، بالقدر نفسه الذي لا يريد أن يُتهم فيه بأنه عُنصري أو جِنسوي ...، وكَوْن كلمة "مستشرق" قد أصبحت الآن نعتاً شائع التطبيق لَهو أمر فيه إشادة بسُلطة سعيد، وإن كان يشير أيضاً إلى نوعٍ من ابتذال المصطلح. فمن خلال كتابته "الاستشراق"، أراد سعيد فتح نقاش حول الطريقة التي تخيلَ بها الغربُ العالمَ العربي الإسلاميّ، وليس الحيلولة دون تقدير متبصّر لمشكلات المنطقة، التي كان على وعي بها على نحو مؤلم للغاية.

كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد

وكان سعيد على وعي تام أيضاً بكتابته لعملٍ تاريخي مقدّر له، شأنه شأن أي عمل تاريخي، أن يُصبِح بحد ذاته وثيقة تاريخية، تَحرِف ضغوط وشجون زمنه. لقد نُشِر "الاستشراق" قبل ما يقرب من أربعين عاماً، في زمن اتفاقات كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر، والحرب الأهلية اللبنانية، وقبيل الثورة الإسلامية في إيران، وقبل غزو أرييل شارون للبنان ومذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين بأربعة أعوام. وبوصفه عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، وقارئاً شغوفاً لفوكو، أراد سعيد أن يكون كتابه "تاريخاً للحاضِر" في حينه، المُختلف تماماً عن حاضِرنا.

اقرأ أيضاً: الجابري بين نقد الاستشراق واستهلاك أحكامه

يُعدّ "الاستشراق" عملاً في التاريخ الثقافي، يقوم على قراءاتٍ لمجموعة هائلة من النصوص الأدبية والعلمية. ولكن، في جوهره، يمكن تلخيص أطروحته بالافتراض القائل بأنّ الاستشراق هو، على حدّ تعبير سعيد، "أسلوب فكريّ قائم على التمييز الأنطولوجي والإبستمولوجي بين الشرق و(في معظم الأحيان) الغرب".

أثارت الانتفاضات العربيّة عدداً كبيراً من المطالب الديمقراطية وسيادة القانون والمساواة في المواطنة والحريّة

وهو لم يقل إنّ تصويرات المستشرقين لـ "آخَر" الغرب عبارة عن خيال محض؛ لأنّها لو كانت كذلك، لكان من الأسهل بكثيرٍ تفكيكها واقتلاعها. على العكس، استند الاستشراق الكلاسيكي إلى عناصر إيجابية من المعرفة والعلم، إلى أعمال غالباً ما أَكْبَرت موضوعها، وفي بعض الأحيان استُلِبَت من قِبل موضوعها.

لم تتمثل مشكلة الاستشراق في كونه زائفاً من الناحية الإمبريقية الخشنة، ولكن لأنه كان جزءاً من نظام خِطابي لعلاقات "السلطة والمعرفة"، وتلك عبارة استعارها سعيد من فوكو. وقد كان الهدف من الاستشراق كنظام تمثيل، واضح في بعض الأحيان وضمني في كثير من الأحيان، هو إنتاج "آخر"، على أفضل نحو يضمن استقرار الذات الغربية وتفوقها.

اقرأ أيضاً: النوبة بعيون الاستشراق.. مآس لا تروى عادة

الاستشراق، بحسب وصف سعيد، هو خطاب يُنتجه الأقوياء حول الضعفاء، تعبير عن علاقة "سلطة ومعرفة" تُعبر بدورها عن عشق للذات، وهذه المتلازمة واضحة اليوم بشكل كبير. الاستشراق هو سفير أجنبي في مدينة عربية، يقلل من الاهتمام الشعبي بفلسطين، ويصوِّر العرب ككتلة طيّعة لم تستيقظ إلا في عام 2011، خلال الثورات العربية، ثم عادت لتكون مثار إحباط لغربٍ خَيّر يسعى فقط إلى أن يأخذ موضع المدرِّس الجيّد. إنه "خبير" غربي يختزل الإرهاب الإسلاموي في أوروبا إلى نفسية قوامها "الضغينة"، دون أن يكلِّف نفسه عناء شرح أسباب شعور المواطنين الأوروبيين من أصول إسلامية بالاغتراب. إنّه مُنظِّر غربي لا ينفكّ يُخبر نقّاده من العرب بأنهم عاطفيون وأنهم يعترضون على عرض قائمٍ على بيانات علمية بحتة، ومن ثم يغضب من سوء فهم هؤلاء الشرقيين.

الاستشراق، بحسب وصف سعيد، هو خطاب يُنتجه الأقوياء حول الضعفاء

إذًا، ما يزال الاستشراق معنا، بوصفه جزءاً من اللاوعي السياسي في الغرب، ويمكن التعبير عنه بطرق عدة: أحياناً على شكل انحياز صريح، وأحياناً على شكل نبرة خفيّة، مثل جَرْس في قطعة موسيقيّة، وأحياناً يندلع في حرارة الجدل، مثل انتقامٍ يصدر عن شخص مكبوت. لكن استشراق اليوم، سواء من حيث حساسيته أو من حيث طريقة إنتاجه، ليس هو الاستشراق نفسه الذي ناقشه سعيد قبل أربعين عاماً.

على كل حال، كان كتاب "الاستشراق" إلى حد بعيد نِتاج حقبة حرب فيتنام، حين قاد "أفضل وألمع" من في أمريكا البلادَ إلى مستنقعٍ مستعصٍ في أدغال جنوب شرق آسيا. كان هناك جيل جديد من الخبراء الذين تلقّوا تعليمهم في أفضل جامعات الولايات المتحدة، كما رأى سعيد الأمر، يضفي الشرعيّة على المواجهة المتنامية لأمريكا مع العالم العربي، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين.

ساعد صعود داعش وتجدد السلفية على استعادة المنظور القديم للاستشراق الجامد والمروِج لوجود اختلاف راسِخ

إنّ كتاب "الاستشراق"، في جوهره، عبارة عن نقد "للخبير"، مُنتِج المعرفة حول العالم العربي الإسلامي، من فلوبير ومونتيسكيو إلى برنارد لويس ودانيال بايبس. بتغير طاقم الشخصيّات ونوعيّته؛ لكن هدفهم ما يزال ثابتاً للغاية.

أثارت الطبيعة التي بدت غير مُتفاوِتة للاستشراق قدراً كبيراً من النقد لأطروحة سعيد، وما تزال تفعل ذلك. ومن الواضح أنّ سعيد كان مهتماً بتفسير الاستمرارية أكثر من التغيير؛ لأنه كان يسعى إلى إثبات وجود تقاليدٍ أيديولوجية. ومع ذلك، فقد فَهِم أن الاستشراق عبارة عن نظام ديناميكي ومِطواع للتمثيلات، ينطوي، بما هو أسلوب، على مجموعة واسعة من التعبيرات، وأنه يُعد مرآةً لعصره. وقد كانت هذه القدرة على تغيير السِجال اعتماداً على السياق السياسي مفتاحاً لمرونته وحيويته.

وبعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ردّت إدارة بوش بنوعٍ من الهياج الاستشراقي، فأعلنت أن تحرير المرأة المسلمة يأتي ضمن أسباب غزوها لأفغانستان، وطبقت رؤى رافائيل باتاي، الخبير فيما يسمى بالعقل العربي، على أساليب التعذيب المستخدمة في سجن أبو غريب.

دُعِي برنارد لويس ليتفَيهَق حول "أسباب الغضب الإسلامي" في مجلة ذي أتلانتيك، وسافر الصحافيون إلى الضفة الغربية للتحقيق في غضب  الانتحاريين الفلسطينيين، ولم يستحضِر أي موضوع هذا القدر من القلق العاطفي مثل الحاجة إلى تحرير النساء المسلمات من رجالهن العنيفين، غير العقلانيين، المتسلطين، وما إلى ذلك من كليشيهات استشراقية كلاسيكية.

في عهد الرئيس أوباما، بدا أن قبضة الاستشراق قد تراجعت

لم تكن لغة الاستشراق خلال عهد بوش دائماً عنصرية بشكل علني، لكنها غالباً ما كانت تعكس عنصرية قائمة على اختلافات مزعومة في الثقافة، اختلافات كما جادل بعض "الخبراء"، بررت رداً عسكرياً، بالإضافة إلى وصاية حضارية أخذت شكل "تعزيز الديمقراطية".

في عهد الرئيس أوباما، بدا أن قبضة الاستشراق قد تراجعت. فقد أوضح أوباما، في البداية، أنه لا ينوي انتهاج سياسة الإملاء مع العالم العربي الإسلامي، بل التعاون معه، وأبدى إيماءات ترحيبية تجاه إيران وإنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. ومع ذلك، كانت الرسالة المضمنة في خطابه الشهير في القاهرة عام 2009 تنضَحَ بمنظورٍ استشرقي، وإن كان منظوراً أكثر ليبرالية وتعددية من الناحية الثقافية. وقد أَمِل عدد ليس بقليل ممن استمعوا إلى خطابه في المنطقة لو أنه خاطبهم باعتبارهم مواطنين لبلدان محددة بدلاً من مخاطبتهم بوصفهم مسلمين، ليس فقط لأن بعضهم كانوا مسيحيين أو ملحدين، ولكن لأن الدين ليس سوى علامة واحدة على الهوية، وليس دائماً الأكثر صِلة بالموضوع.

كان الاستشراق دائماً ما يعتمد على الرغبة في معرفة الآخر وليس فقط نَظم الآخر أو تشويهه

وقد بُرهِن بشكل غير عادي على هذا بعد أقل من عامين في شوارع تونس ومصر. فمن جانبها، أثارت الانتفاضات العربيّة عدداً كبيراً من المطالب الديمقراطية وسيادة القانون والمساواة في المواطنة والخبز والحريّة، لم تكن بينها أي مطالب دينية.

وإذا كانت الانتفاضات قد هدمت الأسطورة الاستشراقية التي تفيد بأن الدين يشكل قوة حاسمة بشكل فريد في العالم العربي الإسلامي، فقد شجعت ولاطَفَت فانتازيا استشراقيّة أخرى: يريد الشرق أوسطيون ببساطة أن يكونوا مثلنا؛ فالليبرالية الأنغلو أمريكية هي الغاية الأخيرة والطبيعية للمجتمعات البشرية، و"اختلاف" الشرق الأوسط هو انحراف سيذوب في النهاية، بمساعدةٍ من فيسبوك وغوغل.

ثم جاء ما يسمى بالشتاء العربي، ومنذ ذلك الحين، ساعد صعود تنظيم داعش، وتجدد السلفية على استعادة المنظور القديم، الاستشراق الجامد والمروِّج لوجود اختلاف راسِخ، تماماً كما ساعدت هذه الظواهر في استعادة الأنظمة القديمة.

في عهد ترامب، اختفى الوجه الإنساني للاستشراق

وأيضاً، ساهم القادة العرب والمسلمون في عملية إعادة تقوية هذه العدسة المشوِهة، وكان للأنظمة الأتوقراطية مصلحة واضحة في الترويج للفكرة القائلة بأن المواطن العربي يحتاج، بل ويفضل حقاً، سلطة صارمة وأبوية، واللعنة على حقوق الإنسان. أما بالنسبة لداعش، فقد كان التنظيم مربوطاً بحماس أكثر من ارتباط تنظيم القاعدة بنظرية صموئيل هنتنغتون عن الصدام الحتمي والقِيامي بين الحضارات، ما يضع "الأُمة" ضد الكفار. لطالما كان الاستشراق إنتاجاً مشتركاً، بالرّغم من أنّ منتجيه لا يتمتعون بسلطة متساوية.

استمر هذا الاتجاه في عهد ترامب، ولكن كان هناك أيضاً انقطاع، باعتباره نظام "سلطة معرفة"، كان الاستشراق دائماً ما يعتمد على الرغبة في "معرفة" الآخر، وليس فقط نَظم الآخر، أو تشويهه. فقد شملت الحملة العسكرية التي أرسلها نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798، 122 عالماً ومثقفاً، وكان من بينهم حفنة من المستشرقين المحترفين. وتاريخ الاستشراق غني بقصص لغربيين يصطنعون مظاهر شرقية، كما لو أنهم أرادوا أن يصبحوا "الآخر"، وليس فقط أن يتسيدوه.

إذا أخذ الاستشراق نبرة خِصامية ومعادية للمسلمين بشكل متزايد فذلك لأن الشرق صار داخل الغرب بشكل متزايد

ومثال ذلك  ت. لورنس في ملابسه الصحراوية الرومانسية، ولو أردنا طرح مثال أكثر تطرفاً إيزابيل إبرهارت، المستكشِفة السويسرية في الجزائر التي كانت ترتدي ملابس الرجال، واعتنقت الإسلام، وأعادت اختراع نفسها باسم سي محمود السعدي في مطلع القرن العشرين. وفي هيئة أكثر حداثة تأتي الشخصية الخيالية لكاري آن ماثيسون، ضابطة الاستخبارات المركزية الأمريكية التي تلعب دورها الممثلة كلير دانيس في مسلسل "هوملاند"، والتي ترتدي العباءة عند اندفاعها نحو أزقة السوق.

إن المعرفة التي جمعها المستكشفون والجواسيس الغربيون كانت بالكاد منزهة من الغرض: لقد وفرت الغطاء للاستعمار، وحروب الفتح، والتدخل "الإنساني". ومع ذلك، فضل هذا النوع من الاستشراق إعادة صياغة الفتوحات العنيفة للغرب باعتبارها تفاعلات متفقاً عليها: إغواء، وليس اغتصاب. ومن الناحية السياسية، كان، في الغالب، استشراقاً ليبرالياً وجمهورياً وعلمانياً، يستند، على الأقل من حيث المبدأ، إلى كسب القلوب والعقول، وإلى استيعاب الآخر داخل القِيم الديمقراطية الغربية.

ففي الإمبراطورية الفرنسية، كما يجادل بيير-جان لويزارد في كتابه الجديد "الجمهورية والإسلام"، كان الاستعمار "مشروعاً بقيادة النُّخَب الجمهورية المعارضة لليمين الديني، الذي كان أكثر حذراً بشأن التوسع الاستعماري". (وهذا، كما يضيف، سبب مهم في تعاطي المعارضين العرب والمسلمين للحكم الفرنسي مع العلمانية الليبرالية بمثل هذا الشك). حتى الاستشراق الذي برر غزو العراق كان له جانبه الاسترضائي: ففي أعقاب 11 أيلول (سبتمبر)، كان جورج و. بوش واضحاً في رفضه رهاب الإسلام.

إن عنصرية ترامب المعادية للمسلمين غير مسبوقة بالنسبة إلى رئيس أمريكي

في عهد ترامب، اختفى الوجه الإنساني للاستشراق، وقد يبدو هذا شيئاً جيداً، بقدر ما يمثل هزيمة للنفاق، لكنه أيضاً شيء آخر، شيء أكثر قتامة. في عام 2008، كتبت مقالاً في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس، عن فيلم وثائقي بعنوان "هَوَس"، كان قد أرسل في شكل أقراص دي. في. دي إلى 28 مليون أمريكي كملحقٍ إعلاني لأربعة وسبعين صحيفة. "هَوَس"، الذي ظهر لأول مرة على شبكة فوكس نيوز وموّله قطب العقارات الأمريكي ومؤيد حزب الليكود شيلدون أدلسون، مدته ستون دقيقة، وادعاؤه الرئيس أن عام 2008 يشبه عام 1938، بل أسوأ، لأن عدد المسلمين أكثر من الألمان في العالم وهم أكثر تشتتاً من الناحية الجغرافية، بما يجعلهم أعداء في الداخل وكذلك قوة أجنبية معادية: "إنهم ليسوا خارج حدودنا، إنهم هنا". كانت نبرة مقالي لاذعة وأيضاً متعجبة لأنني لم آخذ "هَوَس" على محمل الجدّ: فقد بدا بشكلٍ واضحٍ جداً مبهرجاً وهامشيّاً.

حين أنظر إلى الماضي، أعرف أنني كنت ساذجاً. فـ "هَوَس"، على العكس، مهّد لهذا النوع من خوف الإسلام والمسلمين وكراهيتهم الذي جعله ترامب سائداً وحوّله فعليّاً إلى سياسة، وحَظْر سفر المسلمين هو المثال الأكثر وضوحاً.

كانت المعرفة التي جمعها المستكشفون والجواسيس الغربيون منزهة من الغرض ووفرت غطاء للاستعمار

ليس للاستشراق في عصر ترامب مصلحة في الترويج للديمقراطيّة أو القِيَم الغربية الأخرى لأن هذه القِيَم لم تَعُد تصدق، أو تُعتَبر عقبة مزعجة لممارسة السلطة، يتحدث هذا الاستشراق الجديد لغة الصفقات، وفي كثير من الأحيان، لغة القوّة والقمع. إنّه يُبقي الطغاة العرب في السلطة والشبان الغاضبين من أصل عربي في السّجن.

وعلى عكس الاستشراق الذي حلله سعيد، فإنه لا يحتاج إلى خبراء مثل؛ برنارد لويس، والراحل فؤاد عجمي، وهو باحث لبناني أصبح "المُخبِر الأصلاني" المفضل لدى ديك تشيني. قُل ما يروق لك حول عجمي ولويس، لكن يظل كلاهما في عداد الكتاب والمثقفين. ومن المرجح أن يكون مستشرق اليوم أكثر من غيره، ذاك الذي يدرس أعداداً هائلة من التقارير الشّرطية التي تتناول المشتبه في كونهم إرهابيين ويحسب درجات الردكلة.

اقرأ أيضاً: إعادة النظر في الاستشراق

الأسلوب القديم للاستشراق، بالرّغم من أنه لم يخمد تماماً، إلا أنه أقلّ فائدة لأولئك الموجودين في السلطة، لأنه يعتمد على تعلم تاريخي وأدبي عميق من النوع الذي يُعد لعنة بالنسبة إلى رئيس أمريكي لا يتمتع بالصبر على الكتب وتحكمه انفعالاته.

لقد جرد الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أولئك الذين كانوا يُعتبرون في السّابق خبراء من الكثير من سلطتهم، ومكن بدوره غير الخبراء، أولئك الذين تبختروا بالعداء للنزعة الثقافية بوصفه فضيلة بل وقوة. وقد أثبتت نتائج نقد الخِبرة أنها غامضة في أحسن الأحوال، لأنها يمكن أن تُفسِح المجال للجهل والتعصب واللاعقلانية، عوضاً عن توفير أساس لمعرفة مضادة للهيمنة كما تصوَّر سعيد الأمر.

اقرأ أيضاً: الصراع على الإسلام.. من الاستشراق إلى الجهادية الإسلامية

إن استشراق أيّامنا هذه، استشراق فوكس نيوز، وكتاب "أورو-عربيّة" لبات يئور، وستيف بانون، هو استشراق لا يعتمد على معرفة مُغرِضة بل على غيابٍ للمعرفة. إنّ المركزيّة الأوروبيّة الّتي ينطوي عليها هذا الاسشتراق تستند إلى فكرة أن أوروبا تتعرض للتهديد من جانب المجتمعات الإسلامية وغيرها من البلدان التي تعاني صعوبات جمة، وهي فكرة تعبر عن نَظْرة مؤامراتية غير متخفية. وهو استشراق لم ينتشر عن طريق متاجر الكتب والمكتبات العامة ولكن عن طريق تويتر وفيسبوك والـ"دارك ويب". وفي عهد ترامب، أُعِيد تشكيل السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة على غرار الاستراتيجية الإسرائيلية، ممّا يعني الاعتماد المتزايد على القوّة العسكريّة في التعامل مع العرب والمسلمين، بدعمٍ من اليهود المحافظين وبدعم أكبر من الإنجيليّين.

اقرأ أيضاً: برنارد لويس... بطريرك الاستشراق

إن عنصرية ترامب المعادية للمسلمين غير مسبوقة بالنسبة إلى رئيس أمريكي، لكنها ليست فريدة من نوعها بالنسبة إلى أماكن أخرى. تجدون تكرارات مماثلة لها في فرنسا، حيث ثمة خطاب استعماري قديم له جذور في "الجزائر الفرنسية" آخذ في الانتشار ضد الجيل الثاني والثالث من المواطنين ذوي الأصول المسلمة، الذين يوصفون إلى الآن بالمهاجرين، ويعتبرون إلى الآن غير مهيأين لعملية "الاندماج" و"استيعاب" قِيَم الجمهورية الفرنسية القائمة على اللائكية. وتسمعها أيضاً في الدول الاسكندنافية والمجر وإيطاليا وألمانيا، وفي كافة البلدان التي سادت فيها فكرة "حِصْن أوروبا".

إنه استشراق عصر غرقت فيه الليبرالية الغربية في أزمة عميقة، تفاقمت بسبب القلق بشأن اللاجئين السوريين والحدود والإرهاب، وبالطبع، التدهور الاقتصادي. إنه استشراق في أزمة، غير مهتم، انتقامي، وغالباً ما يتحلى بالقسوة، استشراق مدفوع بالكراهية بدلاً من الافتتان، استشراق يقوم على بناء الجدران بدلاً من اختراقها. إن الشكل المعادي للاندماج والكاره للإسلام الذي عليه الاستشراق المعاصر يكفي لإضفاء الحنين على الاستشراق الشِعري الرومانسي الذي رثاه ماتياس إينار، برغبة منه إلى حد ما، بوصفه جسراً بين الشرق والغرب في روايته الحائزة على جائزة غونكور لعام 2015، "البوصلة".

إذا كان الاستشراق قد اتخذ نبرة خِصامية ومعادية للمسلمين بشكل متزايد، فذلك لأن "الشرق" صار داخل "الغرب" بشكل متزايد. ومن ثم فهذا ليس بصدام بين الحضارات، بل تصادم بين ظاهرتين متداخلتين: أزمة الرأسمالية النيوليبرالية الغربية، والتي فاقمت التوترات المتعلقة بالهوية والمواطنة، وانهيار دولة الشرق الأوسط في الحرب، الأمر الذي غذى أزمة اللاجئين. ونتيجة لذلك، هناك شكلان من سياسات الهوية، كلاهما يعكس رؤية استشراقية كاريكاتورية للشرق المسلم، ويتغذّى أحدهما على الآخر: الشعوبية اليمينية من جهة، والإسلام الجهادي من جهة أخرى.

كان الاستشراق الذي وصفه سعيد شأناً يتعلق بالجغرافيا السياسية، "المعرفة" التي احتاجها الغرب في عصر الإمبراطوريات والاستعمار. وتستهدف الحافة الخَشِنة للاستشراق الحالي النسيجَ الهش للسياسة الداخلية، إمكانية التعايش نفسها، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة. أما الذات الغربية، التي أنتجها هذا الاستشراق المعاصر، فهي ليست ليبرالية تقيس حريتها أو عقلها بغياب، أو ضعف، تلك المفاهيم في الشرق. عوضاً عن ذلك، إنها أشبه ما تكون برجل أبيض مغموم ومنزعِج يقف على أرضه، وإصبعه على الزناد، ضد البرابرة الذين نجحوا في اختراق بواباته. إنه ليس لورانس العرب أو حتى "الأمريكي الهادئ" [فيلم أنتج عام 2002]؛ بل "هاري القذر" [فيلم أنتج عام 1970].

كان الاستشراق الذي وصفه سعيد شأناً يتعلق بالجغرافيا السياسي

إن المشهد المعاصر قاتم، ولا إمكانية لتجنبه. لكن هناك أيضاً مقاومة كبيرة للاستشراق وذريته. نرى ذلك في انتفاضات المواطنين في الجزائر والسودان، والتي أظهرت القوة الدائِمة للقِيَم الديمقراطية في حقبةٍ من الانحدار التسلطي؛ وفي ظهور حركة متنامية لمعارضة الاحتلال الإسرائيلي، ترتكز على المُثُل العليا نفسها للعدالة العرقية التي شكلت نضال الأمريكيين السود من أجل الحرية. وفي المجال الثقافي، نسمعها في موسيقى سيد العود التونسي أنور براهم، الذي أنتجَ أعمالاً رائعة صُحبة موسيقى الجاز وأعمال الموسيقيين الكلاسيكيين الغربيين، وفي فرقة "فلسطين الحرة" الرباعية التي يقودها الملحن النيويوركي جون كينغ، والذي تنبني كل حركة من حركاته على الأنماط اللحنية والوحدات الإيقاعية العربية، وتكرس لقرية دُمّرت عام 1948.

ربما تكون رواية إينار، "البوصلة"، أكثر الجهود طموحاً في الأدب المعاصر لتجاوز التراث القمعي للاستشراق، عبر التقليد الاستشراقي نفسه. ومع ذلك، فإن الرواية لا تنجح تماماً في ذلك لأنها تميل إلى غض الطرف عن التسلسلات الهرمية والتّفاوتات التي ميزت حتى أكثر أشكال معرفة المستشرقين تقدماً وتنويراً، وكذلك، بشكل حاسم، لأنها تتجاهل الفصل المركزي في التاريخ الاستشراقي الفرنسي، ألا وهو استعمار الجزائر، وهو ما يُعدّ صمتاً غريباً وكاشِفاً.

وما تزال "البوصلة"، بالرغم من نوايا إينار، قصة للغرب، وليست جدلية حقيقية، وهو قَيْد يغوي أيضاً الكثير من الإنتاج السّينمائي الأوروبي الأخير الذي يدور حول "آخري" أوروبا الداخليين.

لم يكن كتاب "الاستشراق" لسعيد الكلمة الأخيرة في موضوعه، ولم يكن الهدف منه أن يكون كذلك

في فيلم "نهاية سعيدة" (2017) للمخرج الألماني مايكل هانكه، يظهر لاجئو مدينة كاليه على الشاشة لفترة وجيزة كتذكيرٍ مُقلِق للامتياز والنفاق الغربي، لكن لا ترد أسماؤهم أبداً؛ إنهم أدوات أو أكثر قليلاً، مثل العربي اللامُسمى في رواية ألبرت كامو، "الغريب". وتثير دراما "الفتاة المجهولة" (2016)، من إخراج الأخوين داردين، أزمة ضمير يعاني منها طبيب بلجيكي شاب يواجه وفاة مُومِس إفريقية شابة. مرة أخرى، شخصية الإفريقي المسلم سلبية ضحية بلا فعالية، موضوع للشّفقة أو الاحتقار.

ومن بين الاستثناءات البارزة لهذه القاعدة فيلم آكي كوريسماكي الاستثنائي لعام 2017، "الجانب الآخر من الأمل"، والذي تدور قصته حول لاجئ سوري شاب في فنلندا، يُدعى خالد، يعيش حياة سرية، متهرباً من السلطات بمساعدة مجموعة من الفنلنديين الذين يتصرفون انطلاقاً من التضامن وليس الإحسان. وفي الوقت نفسه، تطارده عصابة من الفاشيين الجدد، خالد مصمم على أن يكون بطل قصته، فهو يقبل المساعدة من أصدقائه الفنلنديين، ولكن فقط على أساسٍ من المساواة؛ باذلاً كل الجهد لصناعة حياة لنفسه ولأخته في العالم القديم/الجديد لأوروبا.

إن استشراق أيامنا هذه هو استشراق لا يعتمد على معرفة مُغرِضة بل على غياب للمعرفة

إنّ كوريسماكي صانع أفلام أنزه من أن يكافئ بطله بـ "نهاية سعيدة" على طريقة هانيكه المخادعة، ولكنه، على عكس هانكه، يربط نفسه بمنظور الآخر المسلم في أوروبا، ويسمح لنا أن نلمح، للحظة، ما قد يبدو عليه عالم ما وراء الاستشراق.

لم يكن كتاب "الاستشراق" لسعيد الكلمة الأخيرة في موضوعه، ولم يكن الهدف منه أن يكون كذلك. وقرار أنجيلا ميركل بإعادة توطين مليون لاجئ سوري، وتحالف بوتين مع نظام الأسد يؤكد فشل سعيد في قول أي شيء بشأن الاستشراق الألماني أو الروسي، وهذا أحد الانتقادات الأكثر إقناعاً التي أثيرت آنذاك.

اقرأ أيضاً: العرب والاستشراق.. فصول من سوء الفهم والصّدام

لكن تحذير سعيد بشأن "التدهور المغري للمعرفة" قد حافظ من ناحية أخرى على قدرته العقابية، ففي الأسابيع الأخيرة، عندما صعدت إدارة ترامب حملتها من الترهيب المالي والتهديد العسكري ضد جمهورية إيران الإسلامية، جرى تذكيرنا بأن "خطابات السلطة من السهل جداً صنعها، وتطبيقها، وحراستها". وفيما قد يخيب ترامب أمل جون بولتون وشهوته لمعركةٍ مع طهران، فإنه هدد أيضاً بـ"إنهاء" إيران عبر تويتر. ستبقى الحرب بمثابة إغراء طالما أنّ الولايات المتّحدة ترى العالم العربي الإسلاميّ ليس كنسيجٍ معقدٍ لمجتمعات بشرية متنوعة، بل كـ"مجاورة سيئة" يحكمها "الملالي الإيرانيون والدكتاتوريون العرب والإرهابيون الفلسطينيون والجهاديون الدواعش".

اقرأ أيضاً: مراجعة الاستشراق أم نقض الغرب؟

وكما جادل سعيد، لقد كان فشل الاستشراق "إنسانيّاً بقدر ما هو ثقافي؛ لأنّه بسبب الاضطرار إلى اتخاذ موقفٍ معارضٍ غير قابل للاختزال نحو منطقة من العالم اعتُبِرَت غريبة، فشل الاستشراق في التّماهي مع التجربة الإنسانية، وفشل أيضاً في رؤيتها كتجربة إنسانية". إذا كانت "الحرب العالمية على الإرهاب" قد علمتنا أي شيء على مدى الأعوام السبعة عشر الماضية وأكثر، فهو أن الطريق نحو الهمجية يبدأ بهذا الفشل.


المصدر: آدام شاتس، نيويورك ريفيو أوف بوكس

اقرأ المزيد...
الوسوم:



إياد الحلاق العربي .. و"يوتم" اليهودي!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

لا يفارقني التفكير باللحظات الأخيرة لحياة إياد الحلاق. أنا لست من النوع العاطفي، لكن عندما شاهدت والده في التلفاز انذرفت الدموع من عيني وشعرت بغضب عاجز يتملكني.
لدي أيضاً ابن من ذوي الاحتياجات الخاصة. وفي شهر كانون الثاني سيبلغ عمره 25 سنة، تقريبا مثل عمر الحلاق الذي كان عمره 32 سنة عندما أطلق رجال الشرطة النار عليه في البلدة القديمة في القدس.
كان الحلاق وحيدا تماما عند قتله بدم بارد. هرب إلى غرفة القمامة بذهول. بحث هناك عن ساتر بعد أن هرب راكضا من رجال الشرطة الذين أرادوا فحصه.
هو لم يفهم قصدهم. لم يفهم ماذا يريدون منه، وهم أخافوه. أنا أعرف بالضبط كيف خاف. أعرف بالضبط كيف انغمر بالذعر في ثانية أو ثانيتين.
وفي اللحظة التي نادى عليه فيها رجال الشرطة بلهجة متسلطة ومهددة أعرف بالضبط كيف بدا وجهه وملامحه.
أنا أعرف ذلك من خلال ابني. فعندما كان صغيراً ضممته بذراعي عندما كان يغمره ذعر كهذا. ضممته بشكل قوي حتى يهدأ.
أنا لا استطيع التوقف عن التفكير به وهو مختبئ هناك، في غرفة القمامة، وحيدا تماما، دون أن يكون بجانبه شخص ما يستطيع تهدئته، كي يشرح له الواقع، ويشرح له الوضع، ويوجهه كيف يتصرف.
أنا أفكر فيه وأرى ابني. ابني لم يكن ليتصرف بشكل مختلف عنه. الحلاق كان في الطريق إلى المؤسسة التي يعالج فيها.
مكان فيه يشعر بأنه محمي ومحبوب. ولكنهم أطلقوا النار عليه مثل كلب، هكذا كتبت.
هذا مجرد تعبير غبي. هم لم يطلقوا النار عليه مثل كلب، فهم لا يطلقون النار على الكلاب في البلدة القديمة. هم يطلقون النار على العرب. هم أطلقوا النار عليه كعربي. أنا لا أستطيع تحمل التفكير بأنه على الأقل سبع رصاصات أطلقت عليه.
هل يوجد هناك وحدة أكبر من شخص متوحد يرتجف من الخوف في غرفة قمامة، لا يعرف تماما ماذا يحدث ولماذا، في الوقت الذي يقوم فيه رجال الشرطة بتفريغ مخزن السلاح عليه؟
الله أكبر، هم قاموا بإعدامه. ولو أن هذا حدث مع ابني لكنت سأجد صعوبة في مواصلة العيش.
التفكير به وقد ذبح بهذه الطريقة في غرفة القمامة كان سيقضي علي. أيضا الآن وأنا أكتب يصعب هذا الأمر. تصعب علي الكتابة رغم أنها سهلة علي. ولكن كم هي غير مجدية هذه الكلمات. فهي لن تساعد إياد الحلاق ولن تساعد عائلته.
يصعب عليك أن تكون متوحدا في هذا العالم. عندما كان ابني في السابعة قالت لي الطبيبة النفسية في المؤسسة التي درس فيها، التي دربتني على كيفية التعامل معه عندما يدخل في هستيريا: «تخيل أنه في الغرفة الصغيرة التي نجلس فيها يوجد جهاز تكييف ضخم، وعندما نأخذ ورقة ونمزقها إلى قطع صغيرة والمكيف يخلطها مع الهواء في الغرفة، يلفها ويطيرها بلا توقف. هكذا يبدو العالم بالنسبة لابنك يوتم. فوضى كبيرة جدا، فوضى لا تنتهي».
وقد قالت لي إن يوتم بطل، فقط بسبب حقيقة أنه في كل يوم يفتح عيونه ويواجه هذا الوضع الوجودي. تخيلوا ماذا يعني العيش في فوضى دائمة كهذه. كم هذا صعب. أي جهد مطلوب من أجل القيام بالأمور الصغيرة والهامشية جدا.
أيضا إياد الحلاق كان بطلا. حتى في يوم موته كان بطلا. عندما سار في شوارع البلدة القديمة من منزله إلى المؤسسة.
هذه الجولة في أزقة البلدة القديمة ليست أمرا سهلا على شخص متوحد. هذا يقتضي قوة عقلية. ويقتضي تجنيدا للقوة. ولكن الحلاق محسوب على الأشخاص الضعفاء في هذا العالم، الأشخاص ذوي الجمجمة الضعيفة. الجمجمة التي تتحطم إلى شظايا بسبب ضربة لا تشعر بها مطلقا جمجمة عادية.
الأشخاص الذين يحتاجون إلى درجة من الإنسانية الأساسية، ليس من أجل أن تكون الحياة أسهل عليهم، وليس من أجل أن يستطيعوا قضاء أيامهم في أجواء لطيفة أكثر، بل من أجل أن يتمكنوا من مجرد العيش.
ليس عبثا أن اختار من يشكل في نظري كبير الأدباء في جنوب إفريقيا الذين حاربوا الابرتهايد، ج.م.كوتزي، أن يصف بطل روايته «حياة وزمن مايكل كاي» بالشخص ضعيف العقل.
في المكان الذي لا توجد فيه إنسانية فإن الأشخاص الضعفاء في المجتمع يتم سحقهم بعنف دون أي رحمة تقريبا.
البلدة القديمة كانت مكانا خطيراً بالنسبة لإياد الحلاق، ليس فقط لكونه عربيا، بل لأنه كان شخصا متوحدا.
في ظل نظام ابرتهايد عنصري كان ذلك كما يبدو فقط مسألة وقت إلى أن يقوم ممثلو تطبيق نظام الابرتهايد هذا، أشخاص مخيفون يرتدون الزي العسكري ويحملون السلاح، بالنباح نحوه بعدة جمل تغرق روحه في رعب مذهل.
رعب جعله يلوذ بالفرار، كما يبدو من أجل إنقاذ نفسه، وبالفعل قرر مصيره بالموت على أيديهم. هذا كان فقط مسألة وقت إلى أن يقوم الظلم الذي أحاط به من كل صوب بالوصول إليه وأن يقضي عليه.
حقا، هو خاف منهم. لو كان هناك فقط شخص إلى جانبه كي يشرح له بأنه «متوحد»، معنى ذلك أنه لا يشكل خطرا، لا عليكم ولا أي شخص آخر، خلافا للأشخاص «العاديين» أو «الطبيعيين» (ما هو «الطبيعي» في رجال الشرطة هؤلاء؟).
المتوحدون لا يضرون غيرهم بصورة متعمدة. هم لا يبدؤون بالمعارك. هم لا يسيطرون على أشخاص آخرين. هم ليسوا قتلة. هذا يفعله الأشخاص «العاديون».
عندما شاهدت الأخت الصغرى ليوتم وأنا أشاهد والد الحلاق في التلفاز، رأت أنني أفعل شيئا لم أفعله أثناء مشاهدتي للأخبار، بكيت، قبلت، أطلقت من بين أسناني همسات غضب، حركت رأسي.
ولو أنها لم تكن هناك لكنت سأحطم شيئا ما على الحائط من كثرة اليأس. ضائقتي أقلقتها. وبعد نصف ساعة تقريبا سألتني: «أبي، صحيح أن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث ليوتم؟». أجبتها «صحيح، هذا لا يمكن أن يحدث له لأنه يهودي».

مصدر الترجمة عن العبرية: روغل ألفر - "هآرتس"/نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

فرض السيادة مصلحة حيوية، المخاوف فارغة، وانهيار السلطة فرصة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

معظم الحجج ضد فرض القانون في الغور، في طريق ايالون وفي كتل السامرة، بنيامين وعتصيون، هي مخاوف فارغة. الحجة المنطقية الاساس هي ان الوضع الحالي اكثر راحة لإسرائيل، لأنه واضح ان فرض القانون سيثير ردود فعل ستضر بإسرائيل، بهذا القدر أو ذاك. المحذرون يبالغون، واحيانا يزورون، ولكن لا شك أننا سنضطر للصراع ضد رام الله وحماس، اوروبا، الاردن، الامم المتحدة ولاهاي.
فما لنا والمشاكل إذن، حين تكون كل السيطرة في ايدينا؟ لأنه توجد لنا هنا مصلحة حيوية. «العالم» ردعنا، ولكن حتى دون دعم ترامب، ما كان يمكننا أن نؤجل الى الابد فرض القانون (صحيح أنه دون ترامب سندفع أثمانا باهظة). اسرائيل ملزمة بأن تفصل بريا بين الفلسطينيين الذين في الضفة وبين العالم العربي، وان تثبت بالنص هذا الفصل بشكل يقتلع كل فرضية بأن يكون قابلا للارتداد.
ترى الحركة الوطنية الفلسطينية في العالم العربي جبهة داخلية تخدمها في مواصلة المعركة التاريخية لإلغاء تقرير المصير لليهود. استراتيجيتها هدامة: تطوير هجرة ستنتقل بالتدريج الى اسرائيل وتهز داخليا طابعها اليهودي. لا يوجد سبيل آخر لهم رفضهم الرمزي (عدم الاعتراف بالدولة القومية اليهودية في بلاد إسرائيل) والعملي منذ اكثر من ربع قرن بعد اتفاقات اوسلو. من هنا تنبع مصلحتنا المضادة: احباط خطتهم الديمغرافية، التي تعتمد على الاغلبية العربية المطلقة في المنطقة، من خلال تطوير الهجرة والولادة، منع الهجرة العربية من محيطنا الى بلاد اسرائيل الغربية كلها والتثبيت الديمغرافي والقانوني في اسرائيل في حدود واضحة على نهر الاردن. وعليه فإن اسرائيل ملزمة بأن تستوطن وتعظم اجتماعيا واقتصاديا المحاور الثلاثة المهمة الى الغور: محور العفولة – بيسان وجنوبا، محور رأس العين – ارئيل وشرقا ومحور القدس - البحر الميت عبر «معاليه ادوميم». ان فرض القانون في الغور، في هذه المحاور وفي الكتل الاستيطانية الى جانبها هو شرط حيوي لسيطرة اسرائيلية لا نزاع فيها في الحدود الامنية على نهر الاردن. وحده فرض القانون سيسمح بشق طرق وسكك حديد والتنمية في هذه المجالات الحيوية بكل قوة دولة اسرائيل ومؤسساتها.
كل هذا ضروري ليس فقط لإحباط الرؤيا المغرضة لخلفاء ياسر عرفات وامين الحسيني، من أجل استبدالها برؤيا تنمية، بل ايضا من اجل فتح فتحة للسلام مع الفلسطينيين. لا يوجد اي احتمال للسلام، طالما كان الوضع الجغرافي – الاستراتيجي والديمغرافي يسمح لهم بمواصلة الاحلام الهدامة حتى وان كانت بعيدة. وستطهر الاجواء من كوابيس كهذه مع فرض القانون – بما في ذلك بالطبع منح المواطنة لكل السكان في الاماكن التي يفرض عليها القانون – وعندها ستتاح تسويات سياسية اردنية – فلسطينية.
ان الدولة الفلسطينية ليست قابلة للعيش حتى في كامل الارض التي كانت تسمى ذات مرة «الضفة الغربية». فكل غايتها ستكون الضعضعة الديمغرافية لدولة اسرائيل، من خلال الارهاب والهجرة عبرها الى داخل اسرائيل، وبعد ذلك اثارة تمرد الفلسطينيين في الاردن. ان فرض القانون سيضع سكان «الضفة الغربية»، امام الخيار: إما الاكتفاء بمواطنة في «دولة ناقص»، كما يقول نتنياهو، او الارتباط بالاردن، الذي يرتبط معظم سكانه معهم بعلاقات عائلية، عشائرية وقومية متفرعة وعميقة. هذا شأنهم. ليست اسرائيل هي التي تقرر. ولكن من الحيوي ان تقرر اسرائيل حدود الخيار الفلسطيني: اسرائيل سترسم الحدود. وهي سترفض توطين من هم خارج هذه الحدود. وهي ستمنع بحزم هجرة عربية الى بلاد اسرائيل الغربية كلها (ما سيفترض ترتيبا قانونيا!). ان مجرد وجود الأردن، الذي معظم سكانه فلسطينيون، يسحب الارضية من طلب افتراضي ان توطن اسرائيل سكان الضفة: مفتوحة الطريق امامهم للارتباط بالاردن، وهو افضل بكثير من السلطة الفاسدة والوحشية التي اقامتها هنا «م.ت.ف» انهيار محتمل للسلطة ليس تهديدا، بل العكس.
وبالتالي، فإنه من كل التخويفات من فرض القانون، فتلك التي تبدو ثابتة اكثر تتعلق بالاردن. ولكنها لا ترجح الكفة. المملكة تخاف اكثر من دولة فلسطينية مهزوزة ومتآمرة على ضفة الاردن، وهي تخاف من ارهاب سني ومن تآمر ايراني من سورية ومن العراق. فهل ستخاطر بشرخ مع اسرائيل، شريكتها امام كل هذه تلك التي توفر لها الماء والغاز. يحتمل أن يقف الاردن ضد اسرائيل، كي يرضي رعاياه الفلسطينيين وخوفا من ان تتجه وتهزها مسألة المكانة السياسية للضفة الغربية. ولكن عدم استقراره هو ظاهرة دائمة، سواء فرضنا القانون أم لا، وهذا بالذات سبب وجيه لأن نثبت انفسنا على ضفة نهر الاردن.

مصدر الترجمة عن العبرية: آفي بارايلي - "إسرائيل اليوم"/نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

هل إسرائيل مستعدة للحرب المقبلة مع إيران وحزب الله؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

تحدث زعيم إيران، آية الله علي خامنئي، مؤخراً، مرة أُخرى عن "حل نهائي" للمشكلة الصهيونية. الأوروبيون دانوا، لكن العمل يستمر كالمعتاد. الحرب السيبرانية أيضاً مستمرة. الضرر اللاحق بإسرائيل هامشي، أمّا بإيران فهو جدي أكثر. فقط أمر واحد واضح: مع ومن دون عقوبات، مع ومن دون "كورونا"، النظام الإيراني هو نظام مجنون. الاستثمارات في تطوير منظومة صواريخ ضد إسرائيل هي أهم بكثير من الاستثمار في تحسين حياة الإيرانيين. لذا من الممكن التقدير أن السؤال ليس ما إذا كانت ستحدث مواجهة تستخدم فيها إيران مخزون الصواريخ الهائل الذي زودت به "حزب الله". بل السؤال هو متى ستحدث. صحيح أن هناك فرصة أن يعود لبنان إلى القرون الوسطى. كذلك ليس سراً أن الضرر الذي سيلحق بإسرائيل سيكون شديداً جداً.
على هذه الخلفية، اتصل بي شخص أعرفه وأحترمه، وهو بروفسور معروف في الفيزياء شارك في لقاء مع شخصيات أمنية وعلمية. قال لي إن الجو كان محبطاً. فقد كان هناك إجماع على أن إسرائيل ليست مستعدة للحرب المقبلة، لا في مواجهة إيران ولا في مواجهة "حزب الله". صليات الصواريخ لن تدمر إسرائيل، لكن الجبهة الداخلية ليست مستعدة، والجمهور ليس مستعداً، والضرر سيكون كبيراً جداً.
اسمحوا لي بأن اعترف بأنني لا أحب هذه الأحاديث المقلقة. لدي قاعدة صحافية من الصعب التقيد بها، لكن لها مكانة كبيرة لدي. هذا هو السبب لعدم مشاركتي في النقاش العام لمخطط الغزو، ولعدم اهتمامي. كل حجة سمعتها من طرف معين سمعت تكذيباً ممتازاً لها من الطرف الثاني. الخلاصة هي واحدة: يجب على الصحافيين أن يحصروا أنفسهم في الموضوعات التي يفهمون فيها.
ينطبق هذا أيضاً على الموضوع المؤلم المتعلق بالدفاع عن الجبهة الداخلية. الجدل الكبير هو بشأن منظومة الليزر. ليس المقصود منظومة جديدة لاعتراض البالونات الحارقة، بل المقصود منظومة السكاي غارد. فبحسب المؤيدين لها، وبينهم صديقي البروفسور، هي قادرة على تقديم دفاع أفضل بكثير عن الجبهة الداخلية، بتكلفة أقل بكثير في كل عملية اعتراض لصاروخ مقارنة بـ "القبة الحديدية" مثلاً.
100 مليون دولار تكلفة بطارية واحدة من منظومة القبة الحديدية. 50 ألف دولار يكلف كل صاروخ. بينما تستطيع "حماس" إحداث تدمير في إسرائيل بوساطة إنتاج ضخم من الصواريخ البدائية التي يكلف الصاروخ الواحد منها بضع عشرات من الدولارات. جميل أن يوجد دفاع، لكن المقارنة مدعاة للقلق. منظومة الليزر، بحسب المؤيدين لها، من المفروض أن تكلف أقل بكثير، وكل عملية اعتراض ستكلف مئات الدولارات، لا عشرات الآلاف.
حاولت أن أفهم من معارضي الليزر ما هي حججهم. لكل حجة كان هناك رد عليها من جانب المؤيدين. بالنسبة إلى شخص عادي مثلي، بدا لي أن مؤيدي الليزر أكثر إقناعاً بكثير. هم مجموعة رصينة جداً من العلماء ومطوري العتاد القتالي، ليس لديهم مصلحة شخصية. كلهم قلقون من عملية اتخاذ القرارات. وهم غاضبون على انغلاق المؤسسة الأمنية. ويتخوفون من حدوث تقصير وطني كبير.
أنا لست قاضياً. وليس في إمكاني الحسم في جدل كبير كهذا. لكن ضمن قدراتي المتواضعة في إطار الجدل، وكوني من الذين يرغبون في أن تكون إسرائيل مستعدة للحرب المقبلة، كل ما أستطيع فعله هو الطلب من وزير الدفاع الجديد بني غانتس الجلوس مع هؤلاء الأشخاص. أنت تعرف من هم، وتعرف أنهم أشخاص كرسوا حياتهم من أجل أمن إسرائيل. من المحتمل أن تكون حججهم صحيحة. ومن المحتمل أن نكون أكثر استعداداً للحرب المقبلة. ومن المحتمل أن في الإمكان منع سقوط الكثير من المصابين جسدياً ومعنوياً، وأيضاً توفير الكثير من المليارات.
الأخطر من ذلك، الخوف من أن يكون المعارضون لليزر هم أسرى النظرية. لقد مررنا بذلك سابقاً وكلفتنا النظرية آلاف القتلى. لا يوجد نظام سلطوي وإداري لم يدخل في وقت ما في مرحلة "أنا أو لا أحد" لأسباب تتعلق بالنظرية. لذا من المهم أن ندعو إلى اليقظة، وأن نكون يقظين، وأن نجري هذا النقاش بعقل منفتح، ومن المفيد التوظيف في هذا النقاش حتى لو اتضح في نهاية الأمر أن الكثير من الخبراء والعلماء هم دجالون ولا يفقهون شيئاً. لكن لو كان هناك فرصة واحد من عشرة أن يكونوا على حق، فإن الاستماع إلى حججهم ليس اختياراً بل هو واجب.

مصدر الترجمة عن العبرية: بن درور يميني-"يديعوت أحرنوت"/نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:



مناوشات في جلسة مساءلة الغنوشي.. ونواب: زعيم النهضة خطر على أمن تونس القومي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

شهد البرلمان التونسي، في جلسته المنعقدة اليوم، مشادات كلامية بين نواب محسوبين على تنظيم الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وتدخلاته التي تضر في بلدهم، حول آلية إدارة جلسة مساءلة الغنوشي أمام البرلمان بشأن تحركاته الخارجية التي باتت تهدد دبلوماسية تونس.

جلسة مساءلة الغنوشي تشهد مشادات كلامية بين نواب محسوبين على الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات الغنوشي

واتهم أعضاء بالبرلمان حركة النهضة الإخوانية بالسعي لتقليص الوقت المتاح للنواب لمساءلة الغنوشي، فيما توعد برلمانيون بتقديم إثباتات تزعج الحركة، ولوح آخرون بسحب الثقة من الغنوشي، بعد استيفاء الشروط القانونية، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

وقبيل انطلاق الجلسة أكدت النائبة عبير موسي أنّها ستكشف عن تعمد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تنفيذ الأجندة الإخوانية، مؤكدة أنّ العديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة منه.

كما تعهّدت رئيسة كتلة الدستوري الحر بالكشف عن "تعمد الغنوشي تجاوز صلاحياته في السياسة الخارجية، وتمكين سياسة المحاور من التغلغل في تونس وتوريطها في زعزعة استقرار المنطقة" وفق تعبيرها.

ورغم أنّ العديد من النواب تعهّدوا بالتوقيع اليوم على عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان، بحسب موسي، إلا أنها أشارت إلى وجود "ضغوطات تُمارس على بعضهم".

عبير موسي: الغنوشي تعمد تنفيذ الأجندة الإخوانية، والعديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة

وقالت موسي إنّ "النواب أصبحوا مقتنعين بضرورة سحب الثقة من الغنوشي وبأنّ بقاءه على رأس السلطة التشريعية خطر على البرلمان وعلى المصلحة العليا للبلاد وعلى الأمن القومي التونسي".

ويمثل الغنوشي رئيس حركة النهضة الإخوانية أمام الكتل البرلمانية للإجابة عن أسئلتهم المتعلقة بأسرار علاقته بالتنظيم الدولي للإخوان وتحركاته المشبوهة في محيط الجماعات المسلحة الناشطة في ليبيا والمدعومة تركياً وقطرياً.

ويخضع الغنوشي لمساءلة كتل كل من: الدستوري الحر (18 مقعداً)، وتحيا تونس (14)، وقلب تونس (26)، والديمقراطية (40)، والإصلاح الوطني (15)، والمستقبل (10)، والكتلة الوطنية (10).

للمشاركة:

الخطوط القطرية تخوض معركة مع شركتي إيرباص وبوينج.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

تواجه شركة الخطوط القطرية أزمات كثيرة بسبب المقاطعة الخليجة التي تدخل عامها الثالث، فضلاً عن جائحة كورونا التي ألقت بظلالها السلبية عليها.

أكبر الباكر يطلب من شركتي إيرباص وبوينج بتأجيل تسلم طائرات بسبب تبعات فيروس كورونا

وبدأت الشركة الحكومية منذ الشهر الماضي بمحاولة لملمة شتات ما تبقى منها بفصل المئات من الموظفين، ظناً منها أنّها ستتجاوز الأزمة، لكن مع تزايد حالات فيروس كورونا في قطر أخذت الأزمة في التصاعد، مما سبب عدم الالتزام من قبلها مع شركات تصنيع الطيران. 

وفي هذا السياق، حذّر الرئيس التنفيذي للخطوط القطرية، أكبر الباكر، أمس، شركتي إيرباص وبوينج من رفض طلبات شركة الطيران بتأجيل تسلم طائرات في معركة على من سيتحمل وطأة أزمة فيروس كورونا، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وتجري شركة الطيران التابعة للدولة، التي عُرف عن رئيسها التنفيذي انتقاد التأجيلات من جانب شركات صناعة الطيران، محادثات مثل العديد من المنافسين لتأجيل التسليمات بسبب تداعيات الأزمة.

وقال باكر: "نتفاوض مع بوينج وإيرباص لتلبية طلبنا للتأجيل ونأمل في أن يلتزم كلا المنتجين".

وأضاف "لا تملكان بديلاً عن القبول وإذا جعلا الالتزام صعباً... لن نقوم بالعمل معهما مجدداً".

وذكر الباكر أنّه يأمل في التوصل لاتفاقات مع الشركتين، والا ستلغي شركة الطيران الطلبيات إذا لم يكن التأجيل ممكناً، مؤكداً أنّ الشركة ستبيع الطائرات الخمس التي تم تسليمها وتأمل التوصل "لاتفاق" بشأن الطائرات التي طلبتها.

وطلبت الخطوط القطرية طائرات بعشرات المليارات من الدولارات من أكبر شركتين لصناعة الطائرات في العالم.

ولكن بعد تهاوي الطلب على السفر جواً، تقول الشركة إنه لا يوجد مجال لإضافة طائرات جديدة وإنها ستقلص أسطولها المكون من نحو 200 طائرة.

وامتنعت بوينج عن التعقيب. وقالت إنّ المناقشات مع العملاء سرية.

للمشاركة:

المسماري: هذه شروط القبول بالعودة لطاولة المفاوضات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أكد الناطق باسم الجيش العربي الليبي، اللواء أحمد المسماري، أنّ قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان، وحل ميليشيات حكومة الوفاق، مشيراً إلى أنّ ما يقوم به الجيش حالياً هو محاربة الإرهاب المدعوم خارجياً.

قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان وحل ميليشيات حكومة الوفاق

وقال المسماري، في لقاء "أون لاين" مع عدد من الصحفيين المصريين أمس، إنّ هناك اقتراحاً لعقد مفاوضات من قبل الأمم المتحدة ورحب بها الجيش العربي الليبي بشروط أبرزها؛ انسحاب الأتراك والمرتزقة، وحل ميليشيات الوفاق، وعدم شمول داعش أو النصرة بوقف إطلاق النار، وفق ما نقلت صحيفة "اليوم السابع".

وأعرب عن عدم تفاؤله، قائلاً "لا أتوقع النجاح لهذه الجهود بسبب عدم التزام الوفاق بهذه الشروط، مما قد يعني أنّ الجيش الوطني الليبي سيواصل عملياته في هذه الحالة".

وأضاف أنّ ما يقوم به الجيش الليبي حالياً محاربة الإرهاب المدعوم من دول خارجية وهذا التوصيف لا تستند إليه الأمم المتحدة والغرب، ولو تبنوه لتم حل الأزمة الليبية.

وتابع "القول إنّ هذه معركة سياسة أو معركة على السلطة"، توصيف غير صحيح، مشيراً إلى أنّ العالم بدأ يقتنع بوجود تنظيم داعش في ليبيا وأنّ جماعة الإخوان التي تسيطر على حكومة الوفاق بطرابلس، تنظيم خطير يخرج من عباءتها حركات التطرف والعنف.

المسماري: العالم اقتنع بوجود داعش في ليبيا وأنّ تنظيم الإخوان يخرج من عباءته حركات التطرف والعنف

وانتقد تخاذل المجتمع الدولي إزاء تهريب تركيا السلاح والمرتزقة إلى ليبيا، قائلاً "إنّ ليبيا تعرضت لأكبر عملية تهريب أسلحة من تركيا وتشمل، مدفعيات الميدان المتطورة، والطائرات المسير والدبابات أم 60 ".

وقال المسماري، إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وجماعات مثل حراس الدين، ومما يعرف بالجيش الوطني السوري، محذراً من أنّ أردوغان يجند مرتزقة من شمال سوريا في ليبيا، ولو نجح في ليبيا سيجند شباباً من ليبيا وسوريا في دولة أخرى.

وقال: "إننا نتعامل مع التدخل التركي الذي جاء إلى ليبيا تحت الطاولة منذ عدة أعوام، ولكن الآن أصبح الوجود التركي أمام الناس علنا، لقد دمرنا كثيراً من الطائرات المسيرة التركية، وأنهينا أسطورة أردوغان التي يتباهى بها".

وحول إعلان تركيا عزمها التنقيب عن الغاز والنفط في ليبيا، قال: "إنّ تركيا ليس لديها شركات كبرى في مجال النفط والغاز، وليبيا لديها عقود للاستكشاف والتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية مع شركات دولية".

تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وحراس الدين

وأضاف أنّ هذه المشكلة ليست مشكلة ليبيا فقط، بل تتعلق بالمجتمع الدولي وخاصة الشركات المستثمرة في ليبيا مثل "إيني" الإيطالية و"توتال" والشركات الأمريكية الأربع والشركات الصينية.

وقال "إننا نرفض جميع ما وقع من اتفاقات مع تركيا من قبل السراج، ولن نرضى أن تكون ليبيا مصدر تهديد لدول جارة وسنحافظ على تعاقدتنا مع الشركات الأجنبية".

وبخصوص الحديث عن تحول في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة الليبية، قال "إنّ الموقف الأمريكي جاء بعد إعلان تركيا التنقيب عن النفط والغاز في ليبيا ولم يذهب في اتجاه السراج بل المحافظة على المصالح الأمريكية".

وعن الموقف الروسي، قال إنّ روسيا أصبحت أقوى إقليمياً خاصة عبر دورها في سوريا، وأردف قائلاً: "لا نعلم شيئاً عن تنسيق روسي تركي، وعلاقتنا بروسيا علاقة جيدة وقديمة، وهي لم تتدخل في 2011 في ليبيا، ولم تساعد الإخوان في السيطرة على ليبيا".

وقال: "نحن جاهزون دوماً لاستخدام السلاح الروسي الذي تعود عليه الجيش الليبي، وننظر للعلاقات الروسية أنّها علاقات صداقة قديمة ونرجو أن يتم رفع حظر السلاح إلى ليبيا".

وحول موقف القيادة العسكرية الليبية من فكرة إقامة قواعد أجنبية في لييبا، قال "نرفض وجود قواعد في بلادنا حتى لاتكون ليبيا طرفاً في صراع دولي".

وأضاف "أردوغان يقوم حالياً بتجهيز قاعدة الوطية العسكرية في الشمال الغربي الليبي ليستخدمها، ولكن الأمر لن يستمر لفترات طويلة، وستسمعون أنباء سارة بشأن الوطية".

وحول الموقف الجزائري والتونسي، قال إنّ الموقف الجزائري لا نستطيع أن نحدد اتجاهاته، أما الموقف التونسي فهو موقفان، فهناك موقف 70% من الشعب التونسي المؤيد لوحدة ليبيا، وهناك موقف راشد الغنوشي والإخوان وهو لايعمل لصالح تونس بل تحت راية جماعة الإخوان.

للمشاركة:



حول طلب السودان استقدام بعثة أممية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

بابكر فيصل

تقدم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان، عبد الله حمدوك، في فبراير الماضي بطلب للأمم المتحدة لإرسال بعثة لتساهم في تحقيق السلام وتعزيز التحول الديمقراطي في بلده اعتمادا على ما يقره الفصل السادس من ميثاق المنظمة الأممية.

لا شك أن الوثيقة الدستورية الحاكمة لمرحلة الانتقال في السودان قد منحت مجلس الوزراء صلاحيات تخول له الحق في طلب مثل هذه البعثة من الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة عشر في الوثيقة على أن صلاحيات المجلس تشمل: "العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام".

يعيش السودان أوضاعا متردية من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والتنموية وحتى البشرية جراء السياسات التي اتبعها النظام الإسلاموي الشمولي الذي أسقطته ثورة شعبية عارمة العام الماضي وهو الأمر الذي جعل البلد عاجزة عن تحمل تبعات ذلك الوضع دون مساندة المجتمع الدولي.

على الرغم من هذه الدوافع والخلفيات الواضحة لطلب رئيس الوزراء إلا أن قوى النظام الإسلاموي البائد شنت هجمة إعلامية منظمة لتصوير الخطوة وكأنها تدخل سافر في السيادة الوطنية واستدعاء لجيوش الاستعمار، في الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني أن نظامهم الاستبدادي هو الذي فرَّط في السيادة حينما ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور مما اضطر المجتمع الدولي لأن يضع السودان تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وإرسال بعثة لحفظ السلام في ذلك الإقليم.

من المعلوم أن الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة يعنى بمعالجة وحل النزاعات سلميا كما جاء في عنوانه الرسمي (الفصل السادس ـ في حل المنازعات حلا سلميا) ويحتوي على عدد من المواد بموجبها يحق لمجلس الأمن تقديم توصيات لأطراف النزاع وليس قرارات إلزام، وهذه التوصيات تنطبق على الصراعات بين الدول كما تنطبق على الصراعات الداخلية والحروب الأهلية.

أما الفصل السابع من الميثاق الأمم المتحدة الذي عنوانه "ما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان"، فإنه يعنى بحفظ السلام والأمن الدولي وبه من المواد ما يمنح مجلس الأمن صلاحية فرض العقوبات مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية وغيرها كليا أو جزئيا، كما أنها تجيز له أن يتخذ بطريقة القوات الجوية والبحرية والبرية ما يلزم لحفظ السلم والأمن لإعادته لنصابه، وبمعنى آخر تسمح له باستعمال القوة وتكون قراراته ملزمة وليست مجرد توصيات كما في الفصل السادس.

في مطلع العام الماضي طرأ تغيير على عمليات حفظ السلام حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعديلات في هياكل إدارة حفظ السلام سمح بتقسيمها إلى إدارتين إحداهما تسمى الإدارة السياسية وبناء السلام والأخرى تسمى إدارة عمليات السلام. وهكذا أصبحت مهام بناء السلام تشمل الإشراف على البعثات السياسية الخاصة بمنع النزاعات وبناء السلام في فترات ما بعد النزاع.

الأمر المهم في هذا الخصوص والذي يكمن فيه الرد على ادعاءات قوى النظام الإسلاموي البائد هو أن البعثات المشار إليها يتم إرسالها بناء على طلب ورغبة الدولة المعنية لتنفيذ ما تضعه تلك الدولة من خطط وبرامج وفقا لاحتياجاتها الوطنية مما يعني أن حكومة ذلك البلد هي التي تتحكم بالكامل في عمل البعثة من خلال إنشاء لجنة وطنية تكون مهمتها الإشراف على البعثة حتى تقوم بإنزال الأهداف التي تنشدها تلك الدولة لأرض الواقع.

بناء على ذلك قام السودان بتكوين "اللجنة الوطنية العليا للتعامل مع الأمم المتحدة" التي اطلعت الأسبوع الماضي على مسودة مشروع قرار المنظمة الأممية لإرسال البعثة، حيث صرح وزير الدولة في الخارجية ومقرر اللجنة، عمر قمر الدين، الأسبوع الماضي بأن لجنته قامت بإجراء "التعديلات المطلوبة على مسودة مشروع القرار الأممي ليتوافق مع خطاب حكومة السودان لطلب مساعدات فنية، تمثلت في المساعدة لدعم جهود السلام، والمساعدة على حشد الدعم للمؤتمر الاقتصادي، والمساعدة على العودة الطوعية للاجئين والنازحين، إضافة إلى المساعدة في التعداد السكاني وقيام الانتخابات العامة بنهاية الفترة الانتقالية".

وشدد قمر الدين على مبدأ السيادة الوطنية في التعامل مع المنظمة الدولية وحفظ حق البلاد الأصيل في طلب الدعم بصفته عضوا فاعلا في هيئة الأمم المتحدة موضحا أن برنامج المساعدات المطلوب "لا يتضمن أي مكون عسكري أو شرطي، وأن حفظ الأمن والسلم مسؤولية من صميم أعمال الحكومة السودانية".

من ناحية أخرى، شهد السودان خلال فترة الحكم الإسلاموي الاستبدادي دخول البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام في دارفور المعروفة اختصارا باسم "يوناميد" في عام 2007 والتي تم إنشاؤها تحت البند السابع وضمت ما يربو على 20 ألف جندي وشرطي، وما تزال هذه البعثة موجودة في البلاد، ومع ذلك لم يتجرأ الإسلامويون على الحديث عن استباحة السيادة السودانية وعودة الاستعمار، مما يوضح بجلاء أن أصواتهم التي تتعالى ضد طلب رئيس الوزراء ليست إلا مجرد مزايدة للكسب السياسي.

ورث السودان تركة ثقيلة من النظام الشمولي الذي أحكم قبضته على مقاليد الأمور لثلاثة عقود، وقد تمثلت أبرز وجوه تلك التركة في الحروب الأهلية والفساد المستشري فضلا عن التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وجميع هذه الأمور تلحق أضرارا كبيرة بعملية الانتقال والتحول الديمقراطي لذا صار من المنطقي أن تطلب الحكومة من المجتمع الدولي مساعدتها بالدعم السياسي والفني حتى تستطيع العبور بالبلاد إلى آفاق الاستقرار والحكم الديمقراطي وتحقيق شعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والتنمية.

عن "الحرة"

للمشاركة:

تلويح حزب الله بالانقلاب على الدستور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

محمد قواص

لا يستطيع حزب الله تغيير النظام السياسي في لبنان. لم تستطع قبله الوصاية السورية الثقيلة أن تفعل ذلك. ولا يملك الحزب من موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية ما يسمح له أن يحلم بالأمر. يعي الحزب وأمينه العام حسن نصر الله هذه الحقيقة، وما التهويل بالأمر إلا أدوات لها مقاصد أخرى.

بعد استقلال لبنان عام 1943 كان لا بد لدستور البلاد أن ينتظر حوال خمسة عقود قبل أن يُدخل اتفاق الطائف، المبرم عام 1989، التعديلات التي أنتجت "الجمهورية الثانية" المعمول بها حتى يومنا.

لم تكن الحرب الأهلية (1975-1990) سبب هذه التعديلات بل مناسبة لها، وليست موازين القوى المحلية اللبنانية هي التي فرضت "الطائف"، ولم يتفجر احتراب اللبنانيين أساسا بسبب خلل في دستور البلاد.

قرر العالم وليس المتحاربون إنهاء الحرب اللبنانية. تغيير النظام السياسي والدستور في بلد مثل لبنان يحتاج إلى نظام دولي وإلى انتظام بشأن تحوّل من هذا النوع. اللبنانيون أنفسهم لم يصدقوا أن تصويب الدستور وتقويما لبعض اعوجاجاته أنهيا حربا دموية كثيرة الأطراف وافرة الأبعاد متكاثرة الجبهات.

جاءت إرادات خارجية حاسمة حشرت "نواب الأمة" في مدينة الطائف السعودية، بحيث كان واضحا أن ضغوطا عربية قادتها السعودية، شاركت بها دمشق، وأخرى أميركية، شاركت بها عواصم نافذة (لا سيما فرنسا)، فرضت على الجميع نصا دستوريا خطّه مشرعون لبنانيون وقوة قهر كانت قوات دمشق واجهاتها الجلية.

لا يملك حزب الله هذه العوامل التي تسمح له أن يلمح بالعزم على تغيير "نظام الطائف" (على ما لوّح نصر الله في دعواته السابقة المترددة بالذهاب إلى مؤتمر تأسيسي)، أو الانقلاب على "صيغة 1943" (على ما طالب مؤخرا المفتي الجعفري أحمد قبلان).

لا يستطيع حزب الله أن يفرض على اللبنانيين النظام السياسي الذي يرتئيه. باستطاعة سلاحه أن يرهبهم (وفق روحية "7 أيار" الشهير) وأن يحمي منظومة السياسة والفساد التي تغطي وجوده، لكنه لا يملك أن يلعب بدستور البلاد، فذلك ليس من اختصاصه ولا قدراته، ويحتاج إلى أغطية إقليمية ودولية غير متوفرة.

لا يستطيع حزب الله التعويل على حربه في سوريا، ذلك أن مآلات النظام تمتلكها موسكو وليس طهران، وخيارات نظام دمشق المقبلة لن تتأثر بأنفاس إيران بقدر خضوعها لتسوية تبدو فيها إيران وحزبها اللبناني خاسرين.

يكفي تأمل مفاعيل وتوقيت البدء بقانون قيصر الأميركي لاستنتاج ذلك التقاطع الأميركي الروسي، وربما التركي الإسرائيلي أيضا، لإخضاع سوريا لقواعد تنفخ رياحا بعيدا عن أشرعة سفن جمهورية الولي الفقيه.

يعلم حزب الله ذلك بدقة ولا أوهام لديه في هذا الصدد. تلميحات الحزب ودعوات المفتي قبلان ليست سوى تخاطب داخلي مع الشيعة أنفسهم في السعي لتهدئة تساؤلاتهم حول الطريق الذي أخذهم الحزب، به منذ أن بات دم أبنائهم وقودا للصلاة في القدس، من خلال حروب في سوريا وبلدان أخرى في المنطقة يتقرر إطلاقها في طهران ولمصالح طهران.

تسعى الشيعية السياسية بقيادة حزب الله -بعد أن باتت تجارة تحرير فلسطين تعاني ركوداً لدى الطائفة- إلى إقناع الشيعة بتجارة أخرى توسّع من حصتهم في النظام السياسي اللبناني.

جرى الحديث سابقا، وعلى نحو غير مباشر، عن "المثالثة" بديلاً عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين (التي يفرضها دستور الطائف) على نحو يمنح الشيعة حصصا إضافية تقتطع من الحصص التي أوحى بها ميثاق الاستقلال بين بشارة الخوري (الماروني) ورياض الصلح (السني) على ما باحت كلمات المفتي قبلان به في هذا الشأن.

ولئن تأتي ردود فعل لبنانية رافضة لـ "التأسيسي" والانقلاب على الميثاق والدستور، إلا أن تلك الردود كلاسيكية في معارضتها لحزب الله، لكنها غير قلقة من قدرة الحزب على المسّ بدستور البلاد.

يعرف الشيعة أنفسهم أن "الشيعية السياسية" استولت على "الطائف" منذ بداية التسعينيات. بات نظام البلاد حينها طيّعا بيد حركة أمل بحكم الاستقواء بوصاية دمشق، ثم طيعا بيد حزب الله بحكم الاستقواء بـ "فائض السلاح"، وأن أي حرمان تعانيه الطائفة مصدره القيمين عليها وما يسميه الشيعة أنفسهم "قوى الأمر الواقع". ويعرف الشيعة أيضا أن وعدهم بدستور "منصف" لن يغير شيئا من واقعهم، أولاً لأن الدولة غائبة بسبب هيمنة الدويلة، وثانياً لأن أي تعديل في معادلة تقاسم السلطة والثروة في البلاد يوسع من نفوذ "الأمر الواقع" ولا يبدل شيئا من أمرهم وواقعهم.
يعاني حزب الله قلقا شديدا من هذا القادم المجهول وهو يلمس التبدل الداهم في العراق. استباقا، سيسعى الحزب كل يوم لتقوية عصب شيعي حوله، تارة بتخويفه من الآخر (غير الشيعي) وتارة بإغرائه بزمن شيعي واعد في لبنان.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

العراق يطلق عملية واسعة لملاحقة "داعش" في كركوك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أشرف رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، أمس (الثلاثاء)، على إطلاق أوسع حملة عسكرية ضد تنظيم «داعش» منذ توليه منصبه في 6 مايو (أيار) الماضي. وتهدف الحملة التي تحمل اسم «أبطال العراق - نصر السيادة» وتدعمها طائرات التحالف الدولي، إلى ملاحقة خلايا «داعش» في محافظة كركوك والحدود الفاصلة بين هذه المحافظة ومحافظة صلاح الدين المجاورة.
وأطلق الكاظمي العملية خلال زيارة قام بها إلى مقر القيادة المتقدم في كركوك. وأفاد مكتبه في بيان بأنه «أكد أنه في هذه الظروف الصعبة والتحديات العديدة التي يمر بها البلد، فإن أبطالنا من القوات المسلحة بكافة صنوفها تتحدى العدو وتقوم بدور بطولي لتجفيف منابع الإرهاب». وأضاف البيان أن الكاظمي أطلق تسمية «أبطال العراق ـ نصر السيادة» على العمليات التي انطلقت أمس. وأوضح أن عملية «أبطال العراق» تهدف إلى «تعزيز الأمن والاستقرار وتجفيف منابع الإرهاب وملاحقة بقايا فلول (داعش) الإرهابي في مناطق جنوب غربي كركوك والحدود الفاصلة بين محافظتي صلاح الدين وكركوك».
وأعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي مشاركة التحالف الدولي في عمليات «تدمير أوكار وأنفاق لـ(داعش)» في مناطق مختلفة بالتزامن مع هذه العملية. وقال الجهاز في بيان له إن «تشكيلات جهاز مكافحة الإرهاب، المتمثلة بقيادتي العمليات الخاصة الأولى والثانية، شرعت، بالتزامن مع انطلاق عمليات (أبطال العراق ـ نصر السيادة)، بواجبات تفتيش شملت مناطق قضاء وصحراء الحضر - منطقة جُرف النصر - مناطق جنوب وجنوب غربي بغداد) بإسناد طيران الجيش العراقي وطيران التحالف الدولي». وأضاف أن «تشكيلات الجهاز تمكنت من تدمير كهوف وأنفاق وأوكار وقتل ما بداخلها من الإرهابيين».
كذلك أعلن الناطق الإعلامي باسم القائد العام للقوات المسلحة العميد يحيى رسول أن طيران الجيش والقوة الجوية لهما دور كبير في عمليات (أبطال العراق)». وأضاف رسول في تصريح للوكالة الرسمية للأنباء في العراق أن «صقور القوة الجوية العراقية باشرت مِن ساعات الصباح الأولى بإسناد محاور عمليات (أبطال العراق - المرحلة الثانية) من خلال طائراتهم التي تعزف نشيد النصر في سماء الوطن»، على حد وصفه. وتهدف هذه العملية إلى تفتيش مناطق جنوب غربي كركوك في الحدود الفاصلة مع محافظتي صلاح الدين وكركوك، بمساحة تتجاوز 738 كيلومتراً مربعاً.
وقال الناطق باسم التحالف الدولي، الكولونيل مايلز كاغينز، في تغريدة على «تويتر» أمس، إن «الكل يعمل معاً من أجل تحقيق هزيمة (داعش)، حيث تتضافر جهود أبطال القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها مدعومة من صقور القوة الجوية العراقية في ملاحقة فلول (داعش) ضمن عملية (أبطال العراق - المرحلة الثانية)، بينما يواصل التحالف تقديم الدعم الجوي من خلال الغارات الدقيقة».
وفي هذا السياق، يقول الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «مناطق جنوب شرقي كركوك تمثل الحلقة الأكثر تشدداً في العراق؛ لأن التنظيم برمته يكاد يكون في تلك المناطق، بدءاً من تدريس الشريعة إلى وجود مضافات كبيرة جداً، وهي مناطق تتخللها وديان بين محافظتي كركوك وصلاح الدين»، مبيّناً أن «هناك تواصلاً بين ولاية صلاح الدين وولاية دجلة (لدى داعش)، وهذه مناطق خطرة جداً وتُعدّ فعلاً ملاذات آمنة» للتنظيم. وأوضح أبو رغيف أن «عبد الله كركوك، أمير التنظيم الجديد، يعدّ كركوك مثل لقمة الأسد، لأنها تحدها محافظات ساخنة مثل غرب نينوى وصلاح الدين وصحراء تكريت وديالى وصحراء حديثة، وهي مناطق تشجع التنظيم على أن يتعامل مع كركوك بوصفها منطقة ذات مكانة وموقع خاص بالنسبة له، كما أن التنظيم يستفيد كثيراً من الخلافات السياسية في كركوك بين مكوناتها وكتلها وأحزابها».
أما الباحث الأمني هشام الهاشمي فأشار على «تويتر» إلى انطلاق «عمليات عسكرية عراقية لملاحقة فلول (داعش) في جبهات متعددة، بوقت واحد؛ في شمال شرقي ديالى وجنوب غربي كركوك وشرق صلاح الدين وغرب الثرثار وشمال بابل»، مضيفاً أن هذه العمليات تشارك فيها «الوحدات التقليدية للقوات الأمنية و(الحشد العشائري) و(الحشد الشعبي)».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية