في ذكرى سقوطها.. كيف فقد العرب الأندلس؟

7386
عدد القراءات

2019-05-09

رغم سقوطها منذ ما يزيد على 525 عاماً، ما يزال بعض العرب يتذكرون الأندلس في مثل هذه الفترة من شهر أيار (مايو)، على أنّها جنة الإسلام التي خرجوا منها، ليبدأ الانحدار بغزو جسد الحضارة العربية، بعد انتهاء أمجادها في أوروبا من علم وفلسفة وفنون معمارية وتراث ديني تميز بالتسامح والقوة في آن.

اقرأ أيضاً: التطهير الديني والعرقي لإسبانيا المقدسة: إبادة شعب الأندلس
أسماء عديدة، بقيت عالقة في تاريخ الأندلس وسقوطها المدوي في العام 1492 ميلادية، كالمعتمد بن عباد، وابن عمار.. وغيرهما، ممن محل جدل؛ لأنهم يبقون متهمين بتقسيم أرض الأمجاد العربية، وجعلها لقمةً سائغةً للإسبان والبرتغاليين. فيما رأى مؤرخون حديثون أنّ الأندلس ليست سوى أرض عادت لأصحابها.

فردوس الأندلس

في عصر الأمويين، أخذت فتوحات العرب المسلمين تمتد شمال بلاد الشام، ثم تتوسع تجاه إفريقيا، إلى أن وصلت أقصى حدودها غرباً في العام 711 ميلادية، حين تمكن طارق بن زياد، من ضم شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال) إلى الخلافة الأموية. وفي ذلك الحين أسماها العرب بالأندلس، حيث تتضارب الروايات حول تسميتها، فهي إما تعود إلى سكان شبه الجزيرة الأصليين من قبائل "الأندلوش"، أو أنّ معناها باللغة العربية يعود إلى "الخفية والتخفي" بحسب "معجم البلدان" لياقوت الحموي.

كانت الأندلس أرضاً واحدة بحكومة مركزية موحدة وبدأ العرب ينشرون فيها معمارهم وعلمهم ودينهم

وبمرور الزمن، وصولاً إلى العام 718 ميلادية، أحكم العرب سيطرتهم على الأندلس جميعها تقريباً، بعد هزيمتهم النهائية للقوطيين الذين كانوا قد تشرذموا إلى دويلاتٍ وأمراء مناطق، فتفوقوا عليهم بسهولة، وانشأوا أندلساً موحدة، تحت حكم الأمويين.
القرون الثلاثة الأولى من حكم العرب، بحسب المؤرخين، ومن أهمهم رينهارت دوزي في كتابه "ملوك الطوائف: نظرات في تاريخ الإسلام" شهدت "ازدهاراً لم يكن له مثيل من قبل في شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث صارت الأندلس أرضاً واحدة بحكومةٍ مركزية موحدة، وبدأ العرب ينشرون فيها معمارهم وعلمهم ودينهم وثقافتهم، دون أن تتعرض أي طائفةٍ دينيةٍ للظلم أو الاضطهاد على أيديهم".
وكانت الأندلس شكلت منذ وصول عبد الرحمن الداخل إليها، بعد سقوط الخلافة الأموية في دمشق، موطناً للاستقرار والتقدم، وفي القرن العاشر الميلادي، حين كانت قرطبة عاصمة الدولة الأموية في إسبانيا، أصبحت  معروفة في الشرق والغرب بثرائها وتطورها، كما أنّها شكلت جسراً بين الفلسفة اليونانية وأوروبا.

دخل العرب الأندلس وأنشأوا مملكةً ذات حكم موحد

وتفوق العرب في الأندلس، فكانت مدن غرناطة وإشبيلية وقرطبة وبلنسية ومرسية وغيرها، شاهدةً على "أنظمة التخطيط المعماري والأبنية الجميلة والمهيبة، فيما تفوق العرب في علم الفلك والتوقيت وتخطيط الشوارع وتنظيمها، وكذلك شق قنوات الري والزراعة" وفقاً لكتاب "الحياة الاجتماعية في الأندلس" لمؤلفه محمد سعيد الدوغلي.

شكلت الأندلس في أوج ازدهارها جسراً بين الفلسفة اليونانية وأوروبا

أما الحياة الاجتماعية، بحسب الدوغلي، فتمتعت بتسامح تاريخي مميز، حيث منح اليهود مثلاً، العديد من حقوقهم، فعملوا "في دواوين الحكام المسلمين، ولم يمنعوا من ممارسة أي عملٍ يريدونه، كما سمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية دون أي اضطهاد"، ويضيف الدوغلي أنّ الطوائف الأخرى لم تضطهد كذلك، بل كانت تعيش دون أي عنف، حيث إنّ جامعات الأندلس مثلاً، كانت تستقبل الطلاب؛ مسلمين وغير مسلمين، من عدة أنحاءٍ في أوروبا وتقدم العلم لكلّ من يطلبه.
وبرأيه، كانت هنالك حياة أكثر حرية، "تختلف وتبتعد عن مضامين الحياة في الشرق، كما إن ما كان يبدو استقراراً سياسياً خلال العصر الأموي الذي حكم الأندلس، سوف يتكشف بعد سقوط الأمويين، فالناس في الأندلس غير الناس في دمشق أو بغداد، إنهم يثورون على السلطان ويعزلونه رمياً بالحجارة إن لم يحتملوا حاله وحكمه!".

اقرأ أيضاً: ملوك الطوائف في الأندلس: ما أشبه الليلة بالبارحة!
ويختم الدوغلي بأنّ الأندلسيين كانوا متدينين، لكن هذا لم ينعكس على الحياة الاجتماعية بأي تشدد. غير أنّ الفردوس الذي صنعوه، برأيه، لم يكن ليدوم، ففي الأندلس عائلات وطبقات اجتماعية ظاهرة، سوف تنتهز كل منها فرصة سقوط الدولة الأموية في 750 ميلادية، لتقتطع لها جزءاً من هذا الفرودس.

مشهد لقصر الحمراء في غرناطة كإشارة على التقدم والرخاء الأندلسي

ملوك الطوائف والسقوط

بعد سقوط الخلافة الأموية بزمن، أخذت أهم وأقوى عائلات الأندلس، بنشر الفوضى، فكل عائلةٍ أرادت مدينة، ونشبت معارك بينها، فتقسمت الأندلس إلى دويلات، تختلط أسماؤها بكثرة حكامها، من بني عباد إلى بني عامر وبني جهور وبني حمود، وغيرهم، ليس انتهاء بالمرابطين والموحدين في القرن الثاني عشر الميلادي.

بعد سقوط الخلافة الأموية بزمن أخذت أهم وأقوى عائلات الأندلس بنشر الفوضى

الصراعات التي نشبت، والمؤامرات بين ملوك الطوائف ضد بعضهم، قسمتهم إلى 22 دويلة، معظمها ثرية، لكنها ضعيفة بسبب صراعاتها، وهو ما جعلها، بحسب المؤرخ رينهارت دوزي في كتابه آنف الذكر "ضعيفة، ومجرد فريسةٍ لمسيحيي الشمال من إسبان وغير إسبان". وأصبح حكام هذه الدويلات، مضطرين إلى "دفع الجزية لملك البرتغال وجزء من فرنسا ألفونسو السادس، إضافةً إلى أنهم كانوا يستعينون بقواتٍ من جيشه، لأجل الدفاع عن أنفسهم ضد هجماتهم على بعضهم البعض".
ويتحدث دوزي بصورة أعمق "عن الخلافات التي كانت تنشب في داخل الدويلات نفسها كذلك، فقد شهد بلاط العديد من هؤلاء الحكام، كالحموديين، وديوان المعتضد بن عباد، وغيرهما، جرائم قتل ودسائس مختلفة، من أجل الظفر بحكم الدويلة".

اقرأ أيضاً: الأندلس: اليمين المتطرّف ينهي حكم اليسار
وانتهز الإسبان هذه الفرصة، للقيام بما سمي آنذاك، بـ"حروب الاسترداد" ونجح الملك فرديناند الأول في الاستيلاء على العديد من المدن العربية، ومن أهمها طليطلة، التي سقطت في 1085 ميلادية. وبعد سقوط طليطلة، اضطر ملوك الطوائف للاجتماع، وطلب المعونة من إفريقيا (المغرب) من أجل تحرير ما سقط من مدن الأندلس، فتمكن القائد العسكري يوسف بن تاشفين، في 1086 ميلادية، من تحرير معظم مدن الأندلس، وتوحيدها، غير أنّ جهده التاريخي لم يشفع للأندلس؛ إذ سرعان ما عاد حكام المدن للصراع والاقتتال، وأخذت الحواضر العربية تسقط واحدةً تلو أخرى من جديد.

لوحة زيتية للفنان فرانثيسكو باديا توضح استسلام أبي عبد الله لفرديناند الثاني وإيزابيلا

وقبل العام 1492 ميلادية، كانت الأندلس قد تغيرت فعلاً، فلا أثر للفردوس ومن بناه؛ التعصب أكثر انتشاراً، والعنف من أجل المكاسب والسلطة حاضر بقوة، والمدن ممزقة بين الإسبان والمسلمين وغيرهم. حتى أخذت المدن تسقط واحدةً تلو أخرى، بامبلونة، برشلونة، وقرطبة التي انتهت من قبل، إلى أن وصل الإسبان إلى غرناطة، آخر معاقل العرب والمسلمين في الأندلس. فسقطت المدينة في أيديهم، وسلمها حاكمها آنذاك؛ أبو عبد الله الصغير، إلى الإسبان، وفر الكثير من سكان الأندلس، ثم بدأ عصر محاكم التفتيش المظلم. ولم يبق من الأندلس إلا تاريخها، والصراع حول كونها إسلاميةً أم أرضاً تم تحريرها على يد أصحابها، أم أنها كانت القول الفصل، فيما يسمى صراع الشرق والغرب، هذا كله ينتهي عند أبيات الشاعر أبو البقاء الزندي، الذي رثا الأندلس قبل سقوطها النهائي قائلاً:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ فلا يُغرّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

اقرأ المزيد...

الوسوم: