قطر ووهم السيطرة على ليبيا

قطر ووهم السيطرة على ليبيا

مشاهدة

16/11/2020

الحبيب الأسود

بقطع النظر عما توصل إليه ملتقى الحوار الليبي بمنتجع قمرت شمالي العاصمة التونسية، فإن الأوضاع قابلة للانفجار في أي حين، وذلك لأسباب عدة، أهمها على الإطلاق التدخل التركي القطري الذي ارتفعت وتيرته خلال الأيام الماضية، سواء من خلال بدء الاستعدادات الأمنية في طرابلس لاستقبال أردوغان الذي يريد لزيارته إليها وإلى مدينة مصراتة، أن تكون زيارة استعراضية، يؤكد من خلالها أنه صاحب موقع في غرب ليبيا، وصاحب دور لا ينوي التراجع عنه، وصاحب مشروع يريد أن يستمر فيه إلى ما لا نهاية.

تزامن ذلك مع إعلان أركان نظامه وكبار حلفائه الليبيين، بأن لا مجال للمساس بالاتفاقيات المبرمة بين أنقرة وحكومة الوفاق، ولا نية لمغادرة القوات التركية وجحافل المرتزقة للأراضي الليبية، أو من خلال جرّ النظام القطري لسلطات طرابلس نحو إبرام اتفاقية أمنية سرعان ما أردفت خلال أسبوع باتفاقية عسكرية، وذلك في استباق لنتائج ملتقى تونس، وفي محاولة لتثبيت التحالف الحاصل بين الدوحة وجزء من ليبيا بما يعنيه من خدمة مباشرة لقوى الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان ومن يدور في فلكها من المسؤولين الانتهازيين الذين يرون في قطر وتركيا غطاء لطموحاتهم وضمانا لاستمرارهم في التلاعب بمصير البلد، الذي لا يزال يئن منذ تسع سنوات تحت وطأة ما سمي بالربيع العربي.

والدور القطري يناور على عدة أصعدة وعبر اتجاهات مختلفة، فقد استقبلت الدوحة خلال أيام قليلة وزير الدفاع الليبي المفوض بحكومة الوفاق ووزير الدفاع الإيطالي، وجمعت بينهما في جلسة عمل، ثم الرئيس التونسي قيس سعيد، وقبل ذلك رئيس النيجر محمد يوسوفو، إضافة إلى التنسيق المباشر مع أغلب دول الجوار الليبي، في إشارة إلى رغبة القطريين في إعادة خلط الأوراق، وهم أمام فرضيتين، إما سيطرة الإخوان على السلطات القادمة ودعمهم إلى حين بسط نفوذهم على كامل البلاد، وإما فشلهم والدفع بهم إلى المربع الأول من الفوضى، وذلك بالتعاون مع الجانب التركي الذي يوافق على هدف العبث بليبيا إلى حين إخضاعها لمشروعهما التوسعي الإخواني في شمال أفريقيا.

ولا يخفى على المراقبين أن الإسلام السياسي عاد بعد فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة، ليراهن من جديد على موجة ثانية ممّا يسمى بالربيع العربي، معتقدا أن مشكلته كانت مع ترامب الذي خسر الرهان على الحصول على عهدة ثانية، وأن الديمقراطيين العائدين إلى البيت الأبيض سينسجون على منوال أوباما وهيلاري كلينتون اللذين تحالفا مع الإخوان والقاعدة لبث الفوضى والخراب في المنطقة العربية، والدفع نحو صراع دموي لا تزال ارتداداته إلى اليوم واضحة للعيان وخاصة في اليمن وليبيا وسوريا.

ورغم موقف بايدن المتشدد من أردوغان، وإعلانه في مناسبات عدة أنه سيدعم المعارضة التركية، إلا أن القطريين غير مهتمين بذلك، وهم يحسبون أن لديهم من خيوط اللعبة ما سيساعدهم على تغيير موقف الرئيس الأميركي المنتخب بالاعتماد على اللوبيات المتنفذة ووسائل الإعلام ومراكز الدراسات وبعض الأجهزة داخل الدول العميقة، مما يمكن إنعاشها برائحة الغاز ولون الدولار.

لا أحد ينكر أن قطر حققت خلال العقدين الماضي الكثير من الاختراقات لمراكز القرار الأوروبي والأميركي، واستطاعت بما لديها من ثروة طائلة أن تجعل من دبلوماسية الصفقات والاستثمارات، ومن قدرتها على ربط علاقات شخصية مع مسؤولين فاعلين كتلك التي فضحها كتاب فرنسيون، أن تؤثر في القرار الدولي، وأن تجد دائما من يحميها من تبعات تورطها في دعم الإرهاب وتمويل الجماعات المسلحة والتحالف مع قوى الشر، وفي مقدمتها إيران وتركيا، ومن تبنيها خطاب الكراهية والتحريض ضد الدول الأخرى.

تحاول قطر وتركيا حاليا الانقلاب على أي تفاهمات جدية قد تشهدها ليبيا، حيث أنّ السلام داخل هذا البلد، لا يكون مقبولا لديهما إلا إذا حصّنت مصالحهما بتحصين الميليشيات والجماعات الإرهابية وتمكين الإخوان من مفاصل الدولة، واستبعاد قيادة الجيش من أي دور مستقبلي، والتمدد نحو الشرق للاقتراب من الحدود مع مصر التي لا تزال بالنسبة إليهما عقدة العقد، منذ أن أطاح شعبها بحكم المرشد في الثالث من يوليو 2013، وهما يجدان عونا غير معلن من شريكتهما الثالثة إيران التي تهدف بدورها إلى تكريس نظام في ليبيا ليس مهما أن يكون حليفا لها، وإنما المهم أن يكون معاديا للسعودية والإمارات، وبالتالي لمصر، خصوصا وأن الدول الثلاث لا ترى في ليبيا مجرد مساحة واسعة وثروة ضخمة، وإنما هي بالأساس بوابة نحو العمق الأفريقي، وامتداد رهيب على ضفة المتوسط يمكن أن تجد من خلاله منطلقا للتأثير على السياسات الأوروبية، وهو ما يتضح حاليا على الأقل من خلال مواقف مالطا وإيطاليا.

ليس خافيا أن قطر لم تتعلم من دروس الأمس القريب، ولم تثب إلى رشدها، وهي مستمرة بكل اندفاع في قيادة حربها من أجل تحقيق طموحات الإسلام السياسي وخاصة من حيث الدفع بأردوغان إلى وهم الخلافة بالسعي إلى استعادتها، ولو رمزيا، في الذكرى المئوية لتفكيك الدولة العثمانية التي توافق العام 2023، وهي فكرة تجد هوى لدى الإخوان وحلفائهم ويراد لها أن تروّج في مستويات الإسلام الشعبي عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وكذلك من خلال المساجد والمؤسسات التربوية المنفلتة في الدول المخترقة، وعبر تشبيك الجماعات الإخوانية في الدول المتجاورة، كما هو الشأن بالنسبة إلى ليبيا وجاراتها تونس والجزائر ودول الصحراء الكبرى.

يبقى موضوع ليبيا مهمّا بالنسبة إلى قطر، بل ويمثل لها رهانا لا يمكن التنازل عنه، فلذلك لن تسمح لليبيين بالتوصل إلى حل فعلي على الأرض لا يعطيها قوة النفوذ والتأثير والتسيير من وراء الستار أو من أمامه، ويدرك أهل القرار في طرابلس أن دخول تركيا إلى بلادهم كان بإيعاز وتمويل قطريين، ودعم مباشر من ترامب الذي استبشر الإخوان بسقوطه.

تكريم وزير الدفاع المفوض بحكومة الوفاق صلاح الدين النمروش قبل أيام للضابط القطري حمد بن فطيس المري، الذي رفع علم بلاده فوق باب العزيزية تحت تكبيرات عبدالحكيم بالحاج ومهدي الحاراتي، لم يكن وليد صدفة، وإنما هو من باب الإيحاء بأن قطر كان لها دور مهم في إسقاط نظام القذافي، وهي اليوم مستعدة للاستمرار فيه، إلى أن تتحقق دولة الإخوان في ليبيا كواحدة من أجنحة الخلافة الوهمية التي يتم الترويج لها على نطاق واسع.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية