كيف أصبحت الأصولية ملاذَ المغتربين في المدينة؟

3452
عدد القراءات

2019-10-07

هناك مقولة ذهبية لإميل دوركايم مفادها: "التحديث يولد الثورة" وتكشف هذه المقولة طبيعة التوتر والقلق والإحباط والاختلال الوظيفي للقيم والعقائد والمنظومات الأخلاقية في خضم عملية التحديث.
ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي ظهرت الأيديولوجيا الأصولية في أوساط تلك القطاعات الاجتماعية التي ترى أنّ النظرة السائدة الموروثة من العصور الدينية لم تعد ملهمة ولا كافية للتعاطي مع العالم، وبالتالي أتت تلك الأيديولوجيا كحاجة ملحّة لتفسير الواقع (عبر تبسيطه بالطبع) وتقديم قيم جديدة للذين يحتاجون إليها.
عالم جديد جداً
يحاجج سمير أمين في "التطور اللا متكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية المحيطة بالرأسمالية" بأنه خلال القرن التاسع عشر نجحت الرأسمالية الأوروبية بشكل نهائي في إخضاع الكوكب الأرضي لهيمنتها وتغلغلت في قلب الأسواق المحلية لكافة بلدان العالم.

أن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة في العراء تميل مع كل ريح

وفيما يخص مصر فقد تمحوّر الإنتاج القومي حول الزراعة وتمحورت الزراعة حول محصول القطن، وهو ما أفرز طبقة محدودة العدد لكن مؤثرة وفعالة هي طبقة كبار الملاك (القاطنين في العاصمة) الذين عمقوا عملية إلحاق الاقتصاد المحلي بالاقتصادات الصناعية الأوروبية.
وآنذاك استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي، وكان لهذه التطورات أن تؤدي إلى تغيير تدريجي في مسار الحياة الاقتصادية؛ فبعدما كان هناك الحرفي والفلاح ورجال القوافل والمراكبي، على سبيل المثال، أصبحنا نرى الموظف وعامل المصنع والمهني والفني كما يقول بول سالم في "الميراث المر: الأيديولوجيا والسياسة في العالم العربي".
وأدت هذه التحولات الاقتصادية إلى إعادة تنظيم الأنماط الديمغرافية من قبيل تفكك الأسرة وإعادة تنظيم وسائل الاتصال وإجبار العمال على التوجه نحو اقتصاد ذي ركيزة حضرية وخاضع لتوجيه الدولة، وبالتالي خلق هذا التحوّل ضغوطاً وتوترات غير معهودة، وخلق معايير اجتماعية وأنماطاً ثقافية جديدة؛ لتتهيأ البنية الاجتماعية لاستقبال أيديولوجيات شتى، كما يشير سالم.
تناسلت من طبقة كبار الملاك، التي حرصت على تعليم أبنائها في الخارج، كما يقول إريك دافيز في "مأزق البورجوازية الوطنية الصناعية في العالم الثالث: تجربة بنك مصر 1920- 1941"، نخبة وطنية مصرية عصرية متأثرة بالقيم الثقافية الغربية ذات البعد الكوني؛ وبسبب هيمنة الأجنبية على كافة نشاطات الحياة الاجتماعية حاولت النخبة الصاعدة أن تكوّن لنفسها رؤية عالمية قادرة على تحدي الاحتلال المسلح بثقافة متفوقة: هذه النخبة هي التي أسست الدولة القومية المصرية وبشّرت بأيديولوجيتها الإدماجية.

ديانة جديدة؟
كانت هذه النخبة متأثرة بأنماط جديدة للهوية والولاء وتصورات عن الجماعة السياسية تتناقض جذرياً مع تلك الأنماط والتصورات الموروثة من عصور الخلافة، ونبتت تطلعات مغايرة لبناء مجتمع حديث جرى تعميمها خلال الممارسة السياسية الطامحة للاستقلال.

اقرأ أيضاً: طاقية بيضاء فوق الرأس ولبس القميص: مأزق الأصولية
فقد أسهمت الطبيعة التدخلية للدولة الحديثة في الوصول إلى الأطراف التي لم تكن السلطة تتمتع فيها من قبل سوى بنفوذ رمزي (كالريف والواحات والتجمعات البدوية) واستفادت النخبة القاهرية من ميراث التدخلات هذا في تحريض هذه القطاعات السكانية على المشاركة السياسية لصالح قضية الاستقلال، وهو ما أدمجها في صلب مشكلات الدولة الحديثة.
بدأ المجتمع المصري يخضع لتأثير معضلات ضخمة من قبيل السيطرة الاستعمارية وتأسيس الدولة القومية على غير سابقةٍ في التاريخ السياسي المصري (حتى دولة محمد علي كانت ولاية تابعة رسمياً للخلافة العثمانية) وكانت البلاد بحاجة إلى هوية إدماجية للقطاعات العرقية والإثنية والدينية والقبلية التي كانت متجاورة بلا رابط عضوي يشملها في ظل الخلافة التي لم تكن تتطلب سوى الولاء السياسي والالتزام بالنظام العام.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
وبالتالي كانت الهوية القومية المصرية: مصر للمصريين، ومصر مختلفة عن محيطها الإسلامي، المصريون شعب فريد ذو جذور ضاربة في التاريخ وخصائص فريدة، مدعُوّة لإنجاز المهمة الإدماجية بالغة التعقيد والصعوبة؛ إذ ما أن تقدمت خطوات، بفضل ثورة 19 والرموز الوطنية المُجمع عليها (الزعيم سعد زغول) وشعارات الوحدة الوطنية (مسلمون وأقباط ضد الاحتلال) حتى تبين قصورها الفادح عن إنجاز مهمتها.
حوّلت الوطنية الوليدة (مثل كل الأيديولوجيات الحديثة) مفاهيم الإيمان بالله تعالى إلى الإيمان بالوطن واستبدلت بالرموز الدينية رموز سياسية (العلم والنشيد) وأمدت الصحافة والتعليم النظامي السكان بمنظومة جديدة من القيم المشتركة نافست المنظومة الموروثة، (أثار هذا التنافس العاصف اضطراباً سياسياً لاحقاً) كما بُعث الماضي الفرعوني في مواجهة الماضي الإسلامي الذي حُمل وزر التخلف.
الرد الأصولي
أثارت هذه القطيعة السياسية مع الماضي نضالاً متشنجاً من قبل الأصوليين الذين حاولوا إعادة موضعة مكانة الماضي في الوعي العام، بعد أن بدأ التراث (المخزون الشعوري بلغة حسن حنفي) يفقد دوره في توجيه الوعي والسلوك (لذا انتشرت عمليات تحقيق التراث بكثافة) ودوره الأساسي في تحديد طبيعة الجماعة السياسية (هوية الشعب) ويمكن فهم استدعاء رشيد رضا لمدونة السياسة الشرعية إلى قلب النقاش مجدداً، بعد أن حدد الوطنيون المصريون الانتماء القومي كأساس للهوية الجماعية والشخصية أيضاً.
وسرعان ما اصطدمت الهوية القومية المُصوغة حديثاً بهوية جاهزة نابعة من ثقافة "الإسلام" صاغتها جماعة الإخوان المسلمين، وجرى ذلك في ظل الدور فائق الأهمية للإسلام تاريخياً في تنظيم الحياة الاجتماعية إلى درجة أن جيل كيبل يذهب في كتابه "النبي والفرعون" إلى أنّ العلمانية المصرية كادت أن تذهب إلى غير رجعة قبل ثورة يوليو تحت الضغوط الأصولية، وأنها لم تنتعش إلا مع مجيء عبد الناصر الذي قدم نموذجاً للعلمنة مدعوماً بسلطة فائقة.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
ففي هذا الأفق المتجه نحو قطيعة مع الماضي أحس حسن البنا (مؤسس الإسلام السياسي) بعجز المؤسسات الدينية وطرائق التفكير القديمة عن إيجاد حلول للمعضلات التي تواجه العالم الإسلامي بحكم تقليدية تلك المؤسسة وسكونية تلك القيم، ومن هنا وضع على عاتقه مهمة تفكيك السلطة الرمزية للشيوخ على الجمهور الإسلامي، وخلق إيديولوجيا ملهمة للإنتلجنسيا التي أنتجها التحديث (وهي فئة اجتماعية تشمل كل القائمين بعمل ذهني، إبداعي أو تنظيمي، أو مهني).

ملاذ التائهين
انتعشت الأيديولوجيات بفضل التغير الاجتماعي: نمو طبقة وسطى، ظهور طبقة عاملة، الهجرة المتزايدة من الريف، والسياسي: سقوط الخلافة، نشوء الدولة القومية، والثقافي: العلمنة، التغريب، الانقسام حول المرجعية الأخلاقية بين تقليدية موروثة وتقدمية وافدة. وآنذاك طرح الصراع على توجيه المجتمع وتنظيمه إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها الجماعة السياسية.

استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي

وبالنسبة إلى الذين مسهم الحراك الاجتماعي بعمق، خصوصاً أولئك الذين انتقلوا من الريف إلى المدينة، أو انتقلوا من وضع اجتماعي إلى آخر (أبناء الفئات المهمشة الذين منحهم التعليم امتياز الصعود الاجتماعي) كان لهذه التحولات وقع الكارثة؛ إذ كشفت عدم ملاءمة ثقافتهم التقليدية ومعاييرهم الأخلاقية مع البيئة الحضرية المُستحدثة، وكان من الطبيعي أن يؤدي التناقض بين الثقافة الموروثة والواقع الاجتماعي الجديد إلى وضع هؤلاء في رحى الاغتراب.
فعلى عكس أبناء كبار الملاك الذين تأثروا إيجابياً بالتحديث الذي منحهم امتيازاً اجتماعياً تجلى في إدارتهم لجهاز الدولة وللعملية السياسية وإنتاج المعرفة، أو بكلمة: كانوا الفئة القائدة التي أنتجها التحديث وقادته عملياته لاحقاً؛ فإنّ الذين عانوا اغتراباً (ثقافياً وسيكولوجياً) فقدوا إمكانية التواصل مع ثقافة آبائهم المغرقة في البساطة والتواضع (وبالتالي تجاوزوها في مرحلة مبكرة من حياتهم التعليمية) في وقتٍ عجزوا فيه أن يزرعوا جذورهم في الحياة الحضرية، أو المشاركة الفعالة في وسطهم الاجتماعي الجديد وثقافته وقيمه. يقع من يفقد إمكانية العودة إلى جذوره والاندماج في واقعه في شَرَك اغتراب ساحق ومذبحة "لا يقين" تبتر إحساسه بدوره وقيمته في الحياة التي أصبح على هامشها بحكم اغترابه.
وأن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة التي تقف في العراء تميل مع كل ريح قادمة من أي اتجاه، أو بمعنى أقل أدبية: يصبح عرضةً للتأثر للمثيرات الأيديولوجية وأكثر حساسية تجاه عزلته وبحاجة إلى جماعة يذوب فيها توفر له الهوية والدور والصحبة ومهمة تعطي لحياته، معدومة القيمة، معنىً يغطي على خوائها، ولن تكون مؤسسات الدولة الوطنية (غير المألوفة بالنسبة للمغترب) جذابة في هذا السياق، بل ستكون المنظمات الدوغمائية الصاخبة ذات الشعائرية الفجة والانضباط الصارم والأيديولوجيا المُبسِطة للواقع المعقد هي الملاذ الأخير للمغتربين في المدينة: لقد جاء حسن البنا في الوقت المناسب.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق

2019-11-06

يهتمّ العلم الاجتماعي دائماً بعمليات إنتاج وإعادة إنتاج الهوية عن طريق التلقين والتنشئة الاجتماعية، التي تنهض بأدائها أجهزة الدولة الأيديولوجية (بتعبير المنظر الفرنسي الأبرز لوي ألتوسير)، من مدرسة ومسجد وكنيسة وقانون وصحافة، إلا أنّ هذا الاهتمام لن يكون كافياً في حالتنا العربية التي لم تصل في كلّ الأحيان إلى إنتاج هوية جماعية تعلو على الهويات الفرعية المعطاة سلفاً (القبيلة والطائفة والمنطقة)، حتى تصبح إعادة إنتاج الهوية الوطنية عن طريق الخطاب السياسي والإعلامي ممكنة.
البنية التحتية للوطنية
ما تحتاجه لحظتنا السياسية العاصفة هذه؛ هو التركيز على البنية التحتية للسياسة الوطنية؛ فلا تنهض بين المجتمعات روابط "سياسية" (عن طريق الصهر والدمج الاجتماعي) ترتفع على علاقات الانتماء الطبيعي، إلا إذا قامت بينها مصالح مادية تجعل كلّ جماعة تتعرّف إلى نفسها داخل الكلّ الاجتماعي؛ إذ لا يمكن للمرء، كما يقول عبد الإله بلقزيز، في "الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر"؛ أن يتخلى عن روابطه "الموروثة" لصالح نسق اجتماعي أعلى، إلا إذا استفاد من مصالح مادية منفصلة عن البنى الطبيعية، وترتبط هذه العملية من "الارتقاء السياسي" بإستراتيجية الدولة للدمج الاجتماعي.

الصراع المذهبي أصبح المحرك الأبرز للسياسة العراقية والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية

في كتابه "السلطة السياسية"؛ يربط جان وليام لابيار التقدّم الحقيقي لأيّ مجتمع بالسلطة السياسية التي تحرّكه، أو تقف حاجزاً دونه؛ فالسلطة هي التي تدير المجتمع المدني بأكمله، وتتدبر تنظيم العلاقات بين الجماعات المتباينة التي تؤلّفه بشكل يكفل لها البقاء مندمجة بالمجموع الكلي (النظام).
ما يمكن البناء عليه في طرح لابيار؛ أنّ صناعة الوعي الوطني ليست مسألة أيديولوجية يجري الترويج لها في الإعلام والأفلام والكتب المدرسية؛ بل هي وظيفة سياسية بامتياز؛ فمن دون إنتاج مصالح عامة تربط الأفراد ببعضهم لا يمكن أن تمنحهم الخطابات السياسية شعوراً جماعياً بالانتماء إلى شيء أعلى من واقعهم المحدود بحدود الطائفة أو القبيلة.
وليس في هذا تقليلاً من أهمية الأيديولوجيا؛ بل تأكيد على أنّه ما لم تكن هناك مصلحة اجتماعية عامة تبرّر الانتماء المشترك، فلن يكون للأيديولوجيا سوى "صدى منافق" لدى أصحاب الامتيازات الذين يجارون الجماهير في الانتماء لوطن مفترض، في مقابل أصحاب المطالب الذين سيذهبون إلى من يلبّي حاجتهم، وإن كان طائفياً، يتلاعب بمصير البلد من أجل موقع سياسي متبوع بامتيازات اقتصادية.
ومن دون فهم الوطنية كمعضلة سياسية تجد ركيزتها الأساس في الاقتصاد، فليس من الممكن خلق جماعة سياسية موحدة، ولا مجال سياسي عقلاني، تُدار فيه التناقضات الاجتماعية، وستكون الديمقراطية، في سياق كهذا، عبارة عن تدوير السلطة بين "تشكيلة متنوعة من الفاسدين" وهكذا حالها في العراق.

غلاف  كتاب "السلطة السياسية" لجان وليام لابيار

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
فبإمكان العراقيين أن ينتخبوا ممثليهم السياسيين بسلاسة، لكن، مع ذلك، لا يمكنهم تغيير حقيقة انقسامهم (قبل السياسي)، ولا واقعهم الحياتي المتدنّي، وليس ذلك لأنّ العراقيين "جُبلوا على التفرق والتشرذم"، كما تذهب الأطروحات الاستشراقية التي تختزلهم في مقولة شبيهة للحجاج بن يوسف الثقفي! ولا لأنّ العراق بلد فقير الموارد؛ فهو يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم (حتى مع استثناء احتياطات إقليم كردستان).
فالوطنية تتلاشى إذا ما تخلّت الدولة عن وظيفتها السياسية (التوحيد القومي لمكوناتها، لا ترسيخ الانقسام والاستثمار فيه كما تفعل النخب السياسية العراقية) أو انسحبت من وظيفتها الاجتماعية: خلق البنى التحتية، نشر التعليم، توفير الطبابة، توفير الوظائف، حماية حقوق العاملين والمساواة بينهم على أساس الكفاءة وليس الانتماء الطائفي أو العرقي، أو الولاء السياسي لحزبٍ ما في السلطة، أو لمرجعية عقائدية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وليس تلاشي الوطنية سوى الترجمة السياسية لغياب المؤسسات السياسية المستقرة والمعبّرة عن القرار الوطني المستقل (لا الإملاءات الخارجية)، وهذا لا يكون إلا بالمشاركة السليمة لكافة مكونات المجتمع في إدارة الدولة.
العراقيون (في مواجهة حكم القنّاصة) يحصدون، الآن وهنا، الثمرة المرّة لتفكّك دولتهم؛ هذا التفكك من الطبيعي أن يُسقط آلة الدولة في حجر الطائفة الأكبر (الشيعة)، كرغبة متوقّعة في الاستئثار بالسلطة لصالحها، إلا أنّ جماهيرها بعد أن يرونها حازت سلطة الدولة لا يحصدون امتيازات تُذكر، ولا يرون تغييراً لواقعهم للأفضل، بل يرون تغييراً في صور اللصوص وأسمائهم، ومن ثم يشعلون ثورتهم الخاصة على ممثليهم، وهي الثورة التي سرعان ما تجذب بقية مكونات المجتمع التي ترى في الطائفية محض غطاءٍ للنهب: في ساعة الحقيقة تدرك جماهير الطوائف أنّها خاسرة، سواء كانت السلطة بيد طائفتهم أو بيد الآخرين، وهنا يبدأ الوعي الوطني بالتشكّل، من الأسفل هذه المرة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
وهناك وجه آخر أكثر مرارة لتفكّك الدولة، يعرفه العراقيون الذين اعتصموا في ساحة التحرير معرفة دموية، هو أنّه يشجع القوى الإقليمية على الاستثمار فيه عبر خلق ميليشيات تتنازع السيطرة على سلطة الدولة ومواردها وتسخيرها لصالح الراعي الإقليمي لها، أما ما الذي أوصلنا إلى هنا؛ فهو مسيرة تاريخية لتشكّل الدولة والأمة تحتاج إلى ضوء جديد يبرزها، ويجيب عن السؤال الأكثر أهمية: لماذا وكيف يتمكن الماضي من صياغة الحاضر والتأثير عليه؟

ليس كياناً مصطنعاً
يتطلّب فهم تشكل الهوية الوطنية العراقية تتبع التسلسل التاريخي لنموّها وازدهارها وانهيارها، ثم إعادة تشكّلها من أسفل، كما هو حاصل في هذه اللحظة السياسية الفارقة، ومن ثمّ يجب تحدي السرديات المبسطة التي ترى في العراق كياناً مفتّتاً، جوهرياً وأزلياً، أو السرديات التي ترى فيه بلداً حديثاً ابتُليَ بتشكيلة متباينة من الطائفيين المجانين الذين يسيطرون على السلطة والثروة سواء لمصلحتهم الخاصة أو لمصالح قوى إقليمية نافذة (إيران)، أو دولية عظمى (أمريكا).
هناك ضرورة لإيضاح أنّ ما قد تبدو حقائق ثابتة في الواقع العراقي من قبيل الانقسام الطائفي/العرقي، هي في العمق ابتداع ذو طبيعة سياسية واجتماعية حديثة (حتى مع جذورها التاريخية)؛ خُلق واستُخدم لأغراض سياسية بحتة.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
وقبل كلّ شيء؛ إذا كان النظام السياسي العراقي (في محطاته كافة) فشل في خلق دولة وطنية، فالعراق حتى اللحظة (وفي ذروة انقسامه) ليس دولة قومية فاشلة، لسبب بسيط؛ أنّ هناك أمة تشكّلت، بكل اختلالات التشكّل، وقادرة على إعادة لحم نسيجها المبعثر؛ والذين يهتفون الآن بعراقيتهم في الساحات والميادين ضدّ النخب الطائفية يبرهنون على ذلك ببلاغة صاعقة.
يحدّد أنطوني سميث، في كتابه "الأصل العرقي للأمم"، سمات محدّدة للدولة القومية، هي: ثقافة مشتركة، أسطورة مشتركة تتعلق بالأصل (السلالة)، تاريخ مشترك، شعور قوي بعاطفة ولاء للجماعة، الارتباط بقطعة محددة من الأرض، حقوق مواطنة متساوية، تماسك اقتصادي، لغة مشتركة.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
وعلى ضوء هذه السمات؛ يمكننا مقاربة واقع الدولة في العراق؛ فباستثناء (حقوق المواطنة المتساوية، والتماسك الاقتصادي) يمتلك سمات الأمة الموحّدة، وإن كان هذا الاستثناء كفيلاً بوضع الدولة على خطوط أزمة الانقسامات الطائفية/العرقية.
ما تؤكّده الاحتجاجات الملحمية الحالية (في وجه حكومة القناصة)؛ أنّ الطائفية تمثّل سياسة دولة أكثر بقدر كبير من كونها انعكاساً لانقسام اجتماعي متأصّل ثقافياً، وأنّ هناك رغبة جماعية لتجاوز هذا الاستثناء، سواء فيما يتعلق بالمطالبة باقتصاد منتج (وليس ريعياً)، وتجاوز الطائفية (سنّة شيعة وطنّا ما نبيعه)، وإلغاء المحاصصة الطائفية.
ما يفعله المنتفضون في ساحات العراق، بوعي في حدود خطابهم، هو خلق هوية وطنية جماعة عابرة للطوائف وطامحة للتوحيد القومي، وبما أنّ خروجهم كان ضدّ سوء توزيع الريع النفطي أساساً، وهو لا يكون إلا سيئاً، فإنّهم يضعون نهاية محتمة لهذه السياسة التي دمّرت بلدهم؛ إذ إنّ أكبر تحدٍّ للوحدة الوطنية في العراق ليس الشكل الثقافي أو السياسي للطائفية؛ بل أساسها الاقتصادي، وهو توزيع الريع، ولم تكن عملية التوزيع متساوية أو شاملة للجميع منذ الثمانينيات، ولا حتى موزعة على نحو مطرد على كافة مكونات الطيف العراقي، وبالتالي كانت سياسة التوزيع الزبائني للامتيازات والمنافع تحدّ من الاندماج القومي.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
وفي العمق؛ فإنّ اعتماد "الريع النفطي" (الذي يهتف ضدّه المحتجون) يضع الدولة تحت رحمة الأسواق الدولية، وما إن تبرز أيّة ضغوط سياسية (من نوع محاباة السنّة حتى لا يقعوا تحت إغراء الجماعات الجهادية مجدداً)، أو تقلبات في أسعار النفط حتى تصاب القدرة التوزيعية للدولة بالوهن، وتقلّص قدرة السلطة على المناورة وتنطلق التوترات الاجتماعية، ومن حسن حظّ العراق أنّ التوترات جاءت ضدّ الدولة، ولم تكن بين مكونات الأمة.
 لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته

ميراث تاريخي لعراق جديد
لا شكّ في أنّ الدولة في العراق ظاهرة حديثة العهد بالعالم، وتفتقد إلى العمق التاريخي والمؤسسات المتجذرة، لكنّه يتشابه في ذلك مع أغلب الدول العربية التي تأسست في القرن العشرين، وقد يكون العراق أقدم من أغلبها، وأسبقها جميعاً في الحصول على الاستقلال.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
ليست الحداثة التاريخية، إذاً، هي مشكلة العراق، بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً؛ هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها وتعلو فوقه دائماً، منذ أيام الدعم العسكري البريطاني في الجيش والإدارة، وبفضل ريوع النفط والمساعدات الأجنبية، وصولاً إلى الدعم والرعاية الإيرانية/ الأمريكية لشركاء السلطة.

الحداثة التاريخية ليست مشكلة العراق بل يتعلق مأزقه بشيء آخر تماماً هو أنّ الدولة فيه معزولة تاريخياً عن مجتمعها

وإذا كان لا يمكن الجزم بأنّ العراق يتألف من مجتمع متماسك ومنسجم؛ بحكم الخلافات الموروثة بين مكوناته، إلا أنّ هذه المكونات ليست مفتتة بالكامل، والـ 84 عاماً التي عاشها العراقيون معاً (منذ بزوغ العراق الحديث (1921) وحتى الاحتلال (2003)، لا يمكن طيّها تحت حطام انقساماتهم؛ فالزمن هو العامل الأكثر حسماً في خلق الشعور بالوحدة الوطنية ووحدة المصير.
العراق، كما أثبتت تجربة مسعود البارازاني الفاشلة في الانفصال، لا يمكن تقسيمه، عرقياً أو مذهبياً، ومكوناته الثلاثة: شيعة، سنّة، أكراد، متداخلون مناطقياً (رغم كلّ محاولات التطييف والعرقنة) أولاً، ومنقسمون على أنفسهم بما لا يسمح بتشكل أمة منفصلة، وحتى الأكراد الذين يتميزون بطابع عرقي أكثر تميزاً وتبايناً يظهرون، على المستوى الشعبي، رغبة مستمرة في البقاء ضمن الدولة القومية العراقية.
إنّ فهم مسألة الهوية الوطنية العراقية هو أمر حاسم إذا ما كانت هناك إرادة لفهم عوامل استقرار الدولة أو تفككها، فالصراع المذهبي/ العرقي أصبح، منذ عقود، المحرك الأبرز للسياسة العراقية، والوسيلة التي أضعفت الدولة حتى تحولت إلى ملاذ مُشجع للحركات الإرهابية السنّية التي تطلبت اصطناع ميليشيات شيعية لدحرها، وفي الحالتين كان المجتمع هو الضحية؛ إذ اتّضح أنّ جزءاً وازناً ونشطاً من هذه الميليشيات لا يدين بالولاء للدولة العراقية بل لإيران، وتحوّل إلى جماعة ضغط سياسية/ عسكرية على الدولة، لتمرير المصالح الإيرانية في الداخل: تفريغ التداعيات السلبية لحصارها من قبل الولايات المتحدة في السوق العراقية، عبر سياسات تهريب السلع والبضائع وصفقات الإعمار والأعمال المصرفية، وهو ما أوصل اقتصاد بلد كبير غني بالموارد إلى حدود الشلل، وهو ما اضطر الجماهير إلى الخروج للشارع، وأملى عليهم شعار "إيران برّا"، وهو يجسد خلاصة الوعي الوطني منذ تأسيس العراق.

للمشاركة:

كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟

2019-10-31

خلال حياته الزاخرة بالكتب والمحاضرات والأفكار، لم يكد نجم المفكّرين العرب في القرن العشرين، طه حسين (1889-1973)، يترك باباً موصداً في اللغة أو التاريخ أو الأدب العربي، إلا وطرقه، مصرّاً على دخوله من وجهة نظرٍ خاصة، مقلقاً حراس التأويل النائمين في غياهب الماضي، ومثيراً عاصفةً من الجدل لم تنته بموته.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
ولا يمكن في ذكراه السادسة والأربعين، التي حلّت مؤخراً، إلا أن يتمّ استحضار طه حسين، الذي ترك أسئلة عالقة وإجاباتٍ قابلةٍ للنقاش، على أرضيةٍ عربية لم تحسم كثيراً من توجهاتها الفكرية والتاريخية والمستقبلية بعد، في مساحاتٍ عديدة، خاضها حسين بخطواتٍ ثابتة، بينما علِق كثيرون بعده في مستنقعات طائفية أو أصولية أو مدرسيةٍ تاريخية، ولم يحاولوا الفكاك منها، فما الذي بقي اليوم من أسئلته واشتباكاته وإرثه؟

الأعمى يرسم الطريق
قصة عمى طه حسين، التي ضمّنها سيرته في كتابه "الأيام"، مشهورة؛ فمن المعروف، وفق الكتاب، أنّه ما كاد يبلغ الخامسة من عمرهِ حتى أصابه "الرمد"، ليفقد الطفل المولود في محافظة المنيا في الصعيد الأوسط من مصر، بصره إلى الأبد، ولم يمنعه ذلك، في المقابل، من دخول الأزهر في سنّ الثالثة عشر، ليدرس فيه مدة من الزمن، ثم يتجه للانتساب إلى الجامعة المصرية، التي فتحت أبوابها في 1908، وكانت بوابته ليغادر مصر؛ حيث أوفدته، في 1917، إلى جامعة "مونبلييه" الفرنسية، ليدرس هناك التاريخ الحديث وعلم النفس واللغة الفرنسية وآدابها.

تمرّد طه حسين على التعليم في الأزهر مبكراً، ووصفه بأنّه لا يقدّم علماً أو تجديداً

لكنّ الشاب الذي أريد له أن يكون أكاديمياً مصرياً وعربياً آخر، يحمل اطلاعاته على علوم وثقافات العالم من نافذة فرنسا، تمرّد، وبدأ يخوض معاركه المبكرة، معترضاً على أساليب التدريس في جامعة الأزهر، مقارنةً بالجامعات الغربية، مما كاد أن يحرمه من منحته الدراسية، لولا تدخّل الباشا مصطفى كامل، الذي أعاده ليدرس في جامعة باريس هذه المرة؛ حيث درس علوم الاجتماع والتاريخ الأوروبي القديم، ثم قدم أطروحته في الدكتوراه في فكر ابن خلدون.

وبعد عودته إلى مصر، في 1919، بدأ يعمل أستاذاً للأدب والتاريخ الغربي في الجامعة المصرية، ثم تمّ تعيينه عميداً للآدب في كلية الآداب في الجماعة، عام 1928، لكنّ سيرته سبّبت له العديد من المشاكل، إضافةً إلى تمرده وتنصله من المناصب التي عيِّن فيها أصلاً، ما جعل تقاعده عن التعليم والعمل يأتي مبكراً، قبيل منتصف الأربعينيات من القرن الماضي.

شكّلت مؤلَّفات طه حسين نقداً عميقاً للمنهج والموروث في التعليم والفكر العربيَّين

وخلال تلك الفترة، كان طه حسين يرسم معالم شخصيته، كناقد ومؤرخ ومفكر، يعتمد منطق الشكّ الديكارتي، ويتّخذ منهجاً نقدياً، يجعل من الأكاديمي والباحث، شخصاً جريئاً ومختلفاً عن صورته التقليدية، وبدأ مسيرته هذه بقوله: إنّه "وجد الأزهر يمثّل سجناً للأفكار والتجديد، وإنّ العلم يغيب فيه"، وذهب أبعد من هذا قائلاً، في كتابه "الأيام"؛ إنّه لم يستفد ممّا تعلّمه من الأزهر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
أخذ طه حسين، الأعمى بصراً، والمتقد علماً، يرسم طريقاً مميزة وخاصة، يرى فيها الكاتب والأديب المصري المعروف شريف صالح "ثورةً أكاديميةً من طه، ميّزته عن رفاق دربه، مثل شوقي ضيف أو العقاد أو المازني، وجعلته الأكثر انشغالاً وحضوراً في الفضاء العام؛ لأنّه لم يقدّم صورة منعزلة للأكاديمي، ولم يفصل الثقافة عن السياسة ولا عن الدين"، وجعل الأكاديمية تتجاوز أروقة الجامعة، لتقتحم أروقة الواقع.

كيف نرى بعيونه اليوم؟
إن أفضل تعريف محتملٍ لطه حسين، عدا عن لقبه الشهير "عميد الأدب العربي"، هو تلك الصفة التي يطلقها الكاتب شريف صالح عليه، وهي "المتعدّد في واحد"، ويوضح صالح، في تصريحه لـ "حفريات": "عند استدعاء طه حسين، الاسم والمشروع، في ذكراه، ألمس علاقته وتأثيره مع محيطه الأوسع من الناطقين بالعربية؛ ففي بعض الأحيان كان طه هو "الواحد" المتمرد، قابس النار، في مواجهة "الكل: الحكومة والأزهر والمجتمع، كما حدث إبان أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي"، والتي أدّت إلى فصله من الجامعة المصرية، وفي أحيان أخرى؛ كان طه هو "الكلّ"؛ أي ممثل السلطة ووزيرها، و"عميد الأدب"، وممثل الثقافة بمختلف أفرعها".

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
لكنّ هذا كلّه لم يمنع روح التمرد في حسين، الذي كان، وفق مقولة صالح؛ "يمثّل المثقف العضوي لغرامشي بالفعل، من خلال إيمانه بدوره في التغيير باشتباكه مع السلطة والمؤسسات والدولة، حتى إنّه كان يمكن اعتباره يسارياً أصيلاً حين أطلق دعوته ليكون التعليم في مصر كالماء والهواء، خلال عصر الباشوات الذين كانوا يهابون هذه المقولة، التي يمكن أن تحرمهم رفاهيتهم بحرمانهم من (طبقة الخدم والجهلة) التي كانوا يحكمونها".
وفي كلّ هذا؛ تبقى روح التمرد مرافقةً للمفكر الذي تجرأ وانتقد مصادر الشعر الجاهلي، حتى إنّه انتمى إلى حزب الأحرار الدستوريين خلال أول عقدين من القرن العشرين، وكان يعدّ حزب أقلية، في مواجهة حزب الوفد، حزب الأكثرية، الذي وجد هو ومفكرون عديدون اختلفوا مع طه حسين، انتماءه السياسي مفتاحاً لمهاجمته في معظم الأحيان.

لا يمكن ببساطةٍ اتهام حسين بالهدم خلال مواجهته النقدية والإصلاحية مع الأزهر

ولم يكتفِ حسين بانتقاد سياسات التعليم في مصر، بل انتقد مصادرها، وقصّته مع كتابه "في الشعر الجاهلي" عصيةٌ على النسيان؛ إذ مُنع الكتاب، لأنّ طه حسين اعتبر الشعر الجاهلي منحولاً باختصار، أي أنّه "كتب بعد الإسلام" ودلّل على ذلك بأنّه كتب بلغة القرآن الكريم، التي وحّدت العرب لغوياً، ولم يكتب ذلك الشعر بلغات أخرى كانت منتشرةً في الجزيرة العربية قبل انتشار لغة القرآن الكريم، كما أنّ المنهج التاريخي المادي مثلاً، لم يقد، برأي حسين، إلى أيّ دليل على أّنّ الشعر الجاهلي يعبّر عن روح عصره في تلك الأثناء.
وقد واجه هجوماً شديداً، بعد كتابه هذا، أوصله إلى المحاكمة، وساق إليه تهماً عديدة، منها الخروج عن الدين؛ لأنّه انتقد المرحلة الجاهلية والمكّية أدبياً، وبنى تصوراً عنها غير التصوّر الديني؛ إذ عدّت هذه مسألة خطيرة في نظر كثيرين، أيضاً اتُّهم بالتأثّر بالغرب، وتكرار مقولات المستشرقين الغربيين وأفكارهم.
وبسؤاله عن هذه التهم، وإذا ما كان يمكن استخلاص شخصية حسين من بينها، ورأيه في طه حسين الذي قرّر تنقيح التراثَين: العربي والإسلامي، ممجداً اللغة العربية، ومستقصياً "السيرة النبوية"، وأزمة الحكم والدولة الإسلامية، كما يليق بوعي (أصولي)، وإن كان ناقداً حصيفاً، علّق شريف صالح بالقول: 

تكمن خطورة طه حسين في نقده الثقافة العربية البائسة في عصره التي أدخلها مباشرةً إلى العصر الحديث وواجه مؤسساتها

"في مواقفه وكتبه، لم يكن "واحداً" أبداً، ولم تكن مسيرة الثمانين عاماً على متصل واحد؛ بل اشتبكت فيها ذواته هو نفسه: الأزهري والأصولي بالفرنسي والليبرالي، واليساري، والمتمرد بالسلطوي، والأكاديمي والصحفي بالسياسي والأديب والمؤرخ، كان "متعدداً" بامتياز، بما يقتضيه ذلك من مراجعات وتناقضات، وهو ما يظهر عبر تغيير "في الشعر الجاهلي" إلى "في الأدب الجاهلي"، أو حرصه على أداء مناسك الحجّ لدحض تهمة الكفر".
ويبدو أنّه، من بين هذه المتناقضات والتغيرات، تظهر صورة طه حسين اليوم، متماسكة وقوية، وذلك بسبب راهنية أفكاره حتى اللحظة، خصوصاً في منهجه النقدي القوي، الذي واجه من خلاله المؤسسة التعليمية العربية والمصرية، كما واجه في مصادرها التاريخية والتراثية، منتقداً إياها بجرأة، وفي هذا السياق، يختم صالح قائلاً: "خطورة طه حسين ومركزيته في الثقافة العربية، أنّه ظهر في لحظة فراغ تاريخية هائلة، كانت الثقافة العربية حينها تجترّ ملخصات بائسة موروثة عن القرون الوسطى، فجاء ودشّن لها وأدخلها سريعاً إلى العصر الحديث، وواجه المؤسسات كفرد".

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
قلّة من المثقفين العرب، من لعبوا مثل تلك الأدوار المركزية الخطيرة، التي وإن تناقضت، كانت رهاناً على التقدم وإعلاء قيم الاستنارة، حتى في معالجتها للنصّ الديني، ورغم التناقضات وبعض اتهامات (الانتهازية) الوظيفية، التي رافقت مسيرة طه حسين، إلا أنّه كان واضحاً ومباشراً، في ضرورة جعل التعليم ابن الحاجة والحاضر الحاليَّين، وابن العالمية والإنسانية لا المحلية فقط، حتى يسهم في تطور البلاد والشعوب العربية، كما أنّه دافع عن دوره وحقّه كمثقف وناقد وأكاديمي، في نقد النصوص الأدبية والتاريخية العربية، التي رفعها البعض هي ومصادرها إلى مرتبة القداسة، رغم أنّها من تدوين البشر، من أجل بناء ذاكرة لغوية وثقافية معاصرة، تشتبك مع العرب في سياقاتهم الفكرية والاجتماعية الحالية.
لمس حسين الجرح المفتوح حتى اليوم، في فترةٍ مبكرة من فجر بلادنا العربية، وأسئلته ما تزال في بعضها حارةً، تقود إلى إمكانية رؤيتها من جديد اليوم، باستعارة عيونه، التي تطلعت إلى مجد العرب ومستقبلهم، رغم أطروحاته التي اتفق معها كثيرون، واختلف معها آخرون.

للمشاركة:



هل تبيع حكومة الوفاق في ليبيا احتياطيَّ الذهب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قال مسؤول في مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء؛ إنّ المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في طرابلس يستعدّ لعقد صفقة مع طرف أجنبي من أجل بيع كمية من احتياطي الذهب الليبي لجهة أجنبية، لتأمين التمويل اللازم للميليشيات المسلحة التي تقود معارك طرابلس ولحماية مصالحه وضمان بقائه.

مسؤول في مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء يؤكّد أنّ المجلس الرئاسي يستعدّ لعقد صفقة لبيع كمية من احتياطي الذهب

وكشف رمزي آغا، رئيس لجنة أزمة السيولة بالمصرف المركزي بمدينة البيضاء، الواقعة شرق ليبيا، أنّ لديهم معلومات، وصفها بـ "الموثوقة"، حول وجود اتفاق سري بين المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق والمصرف المركزي بطرابلس، لبيع 16 طناً من احتياطي الذهب الموجود في خزائن المصرف، بقيمة 600 مليون دولار إلى رجل أعمال أجنبي، لم يذكر اسمه أو صفته أو جنسيته، مشيراً إلى أنّ "هذا الاتفاق تمّ في الأيام السابقة، بالتحديد بعد انتهاء أعمال اللجنة المشكلة المخصّصة لتقييم وجرد احتياطي الذهب الموجود بالمركزي"، وفق ما أوردت "العربية".

وأكدّ الأغا؛ أنّ هذه الصفقة السريّة تمّت من أجل دفع إتاوة إلى أمراء الميليشيات المسلّحة التي تتولى حماية المجلس الرئاسي وتأمين بقائه، وتقود العمليات العسكرية ضدّ الجيش الليبي الذي يهاجم طرابلس، لافتاً إلى أنّ هذه التجاوزات خطيرة جداً، وغير قانونية، وتمرّ دون قيد ورقابة.

من جهته، أكّد مصدر بالمصرف المركزي في طرابلس في تصريح لصحيفة "صدى" الاقتصادية، أنّه لا صحة للأخبار المتداولة حول اتفاق بين المركزي والمجلس الرئاسي لبيع الذهب الموجود بخزائن البنك المركزي لرجل أعمال أجنبي، مضيفاً أنّ هذه الأخبار عارية عن صحة وكاذبة.

المصرف المركزي في طرابلس: لا صحّة للأخبار المتداولة حول اتفاق لبيع الذهب الموجود بخزائن البنك المركزي

وفي ليبيا، تثير علاقة حكومة الوفاق بالميليشيات المسلّحة سجالاً كبيراً؛ حيث يُتهم رئيسها، فايز السراج، باستخدام المؤسسات المالية الليبية، لخدمة الميليشيات المسيطرة على العاصمة طرابلس وإرضائها، عبر إغداق الأموال عليها، رغم الأزمة الاقتصادية التي تعيش فيها البلاد وشحّ السيولة الذي يعاني منه المواطنون.

وتمتلك ليبيا 116.6 طن ذهب احتياطي، بحسب إحصائيات نشرها مجلس الذهب العالمي، شهر تموز (يوليو) الماضي، ما يمثل 5.3% من احتياطي البلاد، وتحتل بذلك ليبيا المركز 32 عالمياً، والثالث أفريقياً، والرابع عربياً.

 

 

 

 

للمشاركة:

معارك "كرّ وفرّ" بين المحتجين والأمن العراقي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

أصيب ما لا يقل عن 27 متظاهراً عراقياً، في اشتباكات متجددة، صباح اليوم، وسط بغداد، بالقرب من جسر الأحرار.

وكان المحتجون قد احتلوا، في وقت سابق، جانباً من الجسر، فيما انتشرت قوات الأمن على الجانب الآخر، وفق ما نقلت "فرانس برس".

إصابة ما لا يقل عن 27 متظاهراً عراقياً في اشتباكات متجددة صباح اليوم وسط بغداد

هذا واستعادت القوات الأمنية العراقية، اليوم، السيطرة على جسر الأحرار، وأبعدت المتظاهرين إلى ساحة الخلاني وشارع الرشيد باتجاه جسر السنك وسط بغداد.

واستخدمت قوات الأمن العراقية الغاز المسيل للدموع لمنع المتظاهرين من التقدم إلى المنطقة الخضراء المحصنة، حيث يقع مقر الحكومة.

وغالباً ما تشهد جسور السنك والجمهورية والأحرار شدّاً وجذباً بين المحتجين الذين يتمسكون بها، وبين القوى الأمنية التي ترى أنّ إقفال تلك الجسور مسألة أمنية لا يمكن القبول بها.

وواصل عدد كبير من المتظاهرين العراقيين، أمس، احتجاجاتهم دون اكتراث بالوعود التي أطلقتها الحكومة على مدى الأيام الماضية أو البرلمان.

وتجمّع مئات المتظاهرين في ساحة التحرير وسط بغداد، التي تشكل نقطة الثقل الأساسية للاحتجاجات المستمرة منذ الشهر الماضي.

يذكر أنّ الاحتجاجات، التي انطلقت منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، ما تزال تعمّ بغداد ومدناً عدة في جنوب العراق، مطالبة بـ "إسقاط النظام"، والقيام بإصلاحات واسعة، متهمة الطبقة السياسية بـ "الفساد" و"الفشل" في إدارة البلاد.

وقتل أكثر من 330 شخصاً، غالبيتهم من المتظاهرين، منذ انطلاق موجة الاحتجاجات الأخيرة.

 

للمشاركة:

كيف ستواجه فرنسا الإسلام السياسي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس؛ إنّ "بلاده ستقدم على خطوات جديدة فيما يخص مكافحة الإسلام السياسي، خلال الأسابيع المقبلة".

وقال ماكرون، في كلمة خلال مشاركته في "مؤتمر رؤساء البلديات"، بالعاصمة باريس: "سيتم الإقدام على خطوات جديدة فيما يخصّ مكافحة الإسلام السياسي، وزارة الداخلية ستصدر توجيهات جديدة لرؤساء الولايات، في هذا الموضوع"، دون إعطاء تفاصيل إضافية، وفق روسيا اليوم.

إيمانويل ماكرون يقول إنّ بلاده ستقدم على خطوات جديدة فيما يخصّ مكافحة "الإسلام السياسي"

وشدّد ماكرون على معارضته لمنع الأشخاص الذين يحملون فكر الإسلام السياسي، من المشاركة في الانتخابات المحلية، المزمعة في 2020.

وأضاف ماكرون؛ هذه المشكلة (في إشارة للإسلام السياسي) لن يتم حلّها عبر منع المشاركة في الانتخابات، مؤكداً على أهمية مكافحة الإسلام السياسي في البلاد.

واستطرد: "الذين يطالبون بتخصيص ساعات محددة، خاصة بالنساء المسلمات في المسابح، ويفضلون عدم إرسال الأطفال إلى المدارس، هم من منتسبي الإسلام السياسي وليس الجمهورية".

وأوضح أنّه "بالإمكان مكافحة هذه الظاهرة عبر إغلاق الجمعيات والمدارس التي لا تلتزم بقوانين الجمهورية الفرنسية".

وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد حذّر، في نيسان (أبريل) الماضي، من أنّ الإسلام السياسي تهديد للجمهورية الفرنسية ويسعى للانعزال عنها.

وقال في تصريح صحفي إنّه طلب من حكومته "ألا تظهر هوادة مع الحركات الإسلامية، وأن تحول بينها وبين الحصول على أي تمويل من الخارج".

 

للمشاركة:



حماس تختار الحُكم بديلاً عن الحرب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

عدلي صادق

بعد الجولة الأخيرة من التصعيد في غزة، إتضح جلياً، أن تفاهمات حماس مع إسرائيل، جعلت الحركة التي تسيطر على قطاع غزة وتحكمة بقبضة أمنية صارمة، وبمنهجية اعتصار للمجتع فيه؛ غلّبت اعتبارات وواجبات حددتها لنفسها، على قاعدة ما يُسمى “برنامج المقاومة”.

فعندما اغتالت إسرائيل القائد العسكري الميداني في غزة بهاء أبو العطا، في خرق مستفز للتهدئة، وما أعقبته من ردود أفعال سريعة، من “حركة الجهاد الإسلامي” التي باشرت إطلاق القذائف الصاروخية؛ كفّت حماس يدها عن المشاركة مع “الجهاد” على الرغم من تصعيد إسرائيل للقصف الذي أودى بحياة نحو ثلاثين مواطناً.

وبعد يومين من التوصل الى تهدئة جديدة، على قاعدة التهدئة مقابل التهدئة، أعلنت حماس عن تدابير جديدة لضبط حدود غزة مع مصر، لمنع تسلل الإرهابيين الى سيناء. وكانت التدابير الجديدة، تمثل رسالة تأكيد لمصر، على أن الحركة التي تحكم غزة، لن تتوانى عن مساعدة الجانب المصري في الحرب، التي تشنها القوات المسلحة المصرية على “داعش” في شمال ووسط شبه جزيرة سيناء.

فقد منحت التهدئة التي توصل اليها المصريون، حركة حماس، فرصة لالتقاط الأنفاس والخروج سريعاً من الحرج ومن دائرة الانكشاف، وكان الإعلان عن التدابير الإحترازية الأمنية على الحدود مع مصر، يتضمن الإشارة إلى عزم حماس على محاربة ما تسميه “الفكر المنحرف” وتقصد به التنظير الديني، الذي يغذي الإرهاب وجماعات “السلفية الجهادية”.

وفي هذا السياق أمرت خطباء المساجد، بالتركيز على دحض هذا التنظير، كما أمرت منتسبيها بعدم التعرض لمصر أو إظهار أي نوع من التعاطف مع جماعة “الإخوان” التي تتفرغ في هذه الأثناء لمهاجمة النظام في مصر.

تحولات حماس الجديدة، وهي ذات طبيعة انتقالية أو مؤقتة، توضح المقاصد الراهنة لحركة حماس، وهي تندرج في سياق محاولاتها تثبيت الحكم في غزة. وهذا بالنسبة لها هدف تهون من أجله كل التنازلات، سواء على المستوى الفكري أو السياسي أو المقاومة التي كانت في العام 2007 قد انقضّت باسمها، وبالقوة المسلحة، على النظام السياسي الفلسطيني في قطاع غزة.

في التصعيد الأخير، الذي بدأ يوم 12 نوفمبر الجاري، وجدت حماس نفسها مجبرة على التزام موقف من شأنه الإجهاز على ما تبقى من صدقيتها في داخل إطارها نفسه، ناهيك عن الإنكشاف المسبق، في ناظر المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.

فقد فصلت نفسها طوعاً عن بُنية المقاومة، التي لطالما تحدث قادتها العسكريون عن قدراتها الإعجازية، حتى قبل ساعات من بدء التصعيد الإسرائيلي، ولطالما أفاضوا في الحديث عن جاهزيتها، وعن تنامي قوتها الصاروخية، وعن استطاعتها دك تل أبيب على النحو الذي لم تشهده إسرائيل من قبل.

أما رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، فقد دفعه مأزقه السياسي والشخصي المتعلق باحتمالات فقدانه منصبه ومثوله أما القضاء؛ الى بدء التصعيد، تحت عنوان إظهار قوة الردع الإسرائيلية. فهو يدرك تماماً أن الإغتيال الذي أودى بحياة أبي العطا وزوجته، سوف تتبعه ردود أفعال سريعة من الجانب الفلسطيني، وأن الأمور سوف تتداعى من جديد، وهو معنيٌّ بكسر التهدئة، لكي يقطع الطريق على منافسه غانتس لتشكيل حكومة.

وفي ذلك التوقيت (12 نوفمبر) لم يكن قد تبقى أمام نتنياهو سوى ثمانية أيام على المهلة المحددة للتشكيل الحكومي. وعندما ينفجر الوضع الأمني، لن يكون هناك متسع للتفاوض بين الأحزاب على هذا التشكيل، ولا متسعاً من الوقت للتركيز على المستشار القانوني للحكومة، لكي يحسم الأمر في ملف الفساد، توطئة لإحالة نتنياهو الى القضاء.

ولأن الإعتداء يمثل خرقاً فاضحاً للتهدئة، فقد أضطر نتنياهو لأن يُعزز روايته مستعيناً بقائدي الأركان والمخابرات، لكي يقنع جمهور الإسرائيليين بـ”وجوب” القيام بالعملية، وكأنّ بهاء أبو العطا، هو المعادل الموضوعي لقاسم سليماني. وفي ذلك السياق، عرض نتنياهر وقائدي هيئة الأركان والمخابرات، سيرة حياة بهاء أبو العطا، باعتباره الرجل الذي يزعزع الأمن الإقليمي، وأن التخلص منه مع زوجته، لن يُبقي أي خطر على إسرائيل، ولن يُبقي إيران، ولن يتبقى بعد الإغتيال “حركة جهاد إسلامي” ولكي يوهم الفلسطينيين والعرب أيضاً، بأن المشكلة محصورة في “الجهاد”.

أراد نتنياهو أيضاً، هو وجنرالاته والإعلام الإسرائيلي، التركيز على “حماس” باعتبارها هادئة ومتفاهمة وملتزمة وتشعر بالمسؤولية، ما يفتح الباب إلى سجالات فلسطينية داخلية تحت وقع الغارات. ولأن العامل الإيراني، مطلوبٌ لاسترضاء الإدارة الأميركية؛ كان ضرورياً بالنسبة لإسرائيل، الربط بين “الجهاد” وطهران. وفي التركيز على هذه النقطة، تعمد الجيش الإسرائيلي إرفاق عملية الهجوم على منزل بهاء أبو العطا، بهجوم على منزل أكرم العجوري، أحد قياديي “حركة الجهاد” في دمشق، مسرح تواجد الإيرانيين!

انتهت جولة التصعيد، وأسفرت عن خسائر مؤلمة في الجانب الفلسطيني، دون خسارة تذكر في الجانب الإسرائيلي. وهذه النتيجة الأخيرة، كانت سبباً في اشتعال وسائل التواصل، بتعليقات أمعنت في السخرية من حماس، التي كان في وسعها ــ إفتراضاً وقياساً على تصريحات العنفوان ــ أن “تعدل” النتيجة قليلاً!

حماس لا تزال تنتظر فرصتها لإعادة تعويم نفسها بـ”صفقة تبادل أسرى” تعيدها إلى خطاب الطنين والحديث عن القوة الوازنة. وقد يممت وجهها شطر مصر، لكي تؤكد على جدارتها في تأمين الحدود. فالمهم عندها، أن تظل تحكم وأن تؤسس للجماعة جغرافيا سياسية في المنطقة، ولو بحجم غزة، وما على “الإخوان” ومرجعياتهم إلا أن يصبروا قليلاً، بينما “الفكر المنحرف” الذي تتحدث عنه حماس في غزة، ما هو إلا فكرها نفسه، على الرغم من الفارق في التكتيكات.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

سلطان بن زايد حامي التراث

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

المغفور له الشيخ سلطان بن زايد بن سلطان آل نهيان من مواليد أبوظبي في الأول من ديسمبر عام 1956م، وهو الابن الثاني للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيَّب الله ثراه»، تلقى تعليمه الأولي في العين وأبوظبي، وواصل دراسته في بيروت، وتخرج عام 1973م، من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، والتحق بدورات عسكرية خارجية في كل من باكستان ومصر.
يعد أحد رجالات الدولة الأوفياء ورمزاً من رموزها الوطنية.. عمل مع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على وضع لبنات مؤسسات الاتحاد وخدمة شعبه.

مناصب شغلها الفقيد:
* ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
* نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رئيس دائرة الأشغال في حكومة أبوظبي.
* قائد عام القوات المسلحة.
* نائب قائد قوات دفاع أبوظبي وقائد للمنطقة العسكرية الغربية.
* رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تابعه منذ إنشائه، واهتم به اهتماماً خاصاً، إذ كان من أشد المهتمين بالحفاظ على تراث الإمارات وعادات وتقاليد شعبه، وحمل لقب رجل التراث في العالم العربي.
* رئيس مركز سلطان بن زايد.
* رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم من عام 1976 إلى غاية 1981م.
* شغل العديد من المناصب الأخرى، منها عضويته في المجلس الأعلى للبترول ومجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجالس العديد من الدوائر.
امتدت هوايات فقيد الوطن إلى رياضة الصيد بالصقور، وأولى الفروسية أهمية بالغة، حيث أقام قرية وأكاديمية للفروسية على أسس مدروسة، كما له مكتبة خاصة عامرة بأمهات الكتب ونصوص التراث.

توظيف التراث لتعليم الأجيال
كان فقيد الوطن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان يمتلك رؤية متقدمة لتوظيف التراث لتعليم الأجيال، وجعل من نادي تراث الإمارات الذي كان يرأسه منصة لخدمة هذا الهدف السامي.
وبدعم واهتمام الفقيد حصل النادي على جائزة مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عن فئة المؤسسات الداعمة للتعليم بمبادرة «تراثنا.. هويتنا» لطلبة المؤسسات التعليمية، في الدورة الحادية والعشرين للجائزة.
وقد حرص في تلك المناسبة على إهداء الفوز بالجائزة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لجهوده في تطوير التعليم بكافة مجالاته وتخصصاته، وتشجيع سموه ودعمه السامي لنادي تراث الإمارات في أنشطته لصون التراث الثقافي الوطني ونقله إلى الأجيال المقبلة، وذلك ضمن رؤية سموه لتعزيز المحافظة على موروث الشعب وهويته وشخصيته الوطنية.
وأكد أن التعليم أساس تطور الأمة ونموها وحضارتها، قائلا « إن المفردات التراثية تشكل مصدراً مهماً وملهماً للتعليم وتعزيز وحفظ هوية ومكتسبات الوطن ومنجزاته واستشراف المستقبل.
كما أكد أن فوز نادي تراث الإمارات بهذه الجائزة التعليمية جاء تقديراً لجهود النادي ومراكزه ومرافقه المتعددة وعمله المتواصل على نشر وتعليم وتوثيق الحركة التراثية والثقافية بالدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية