كيف تحوّل الإعلام الديني من الوعظ لخطاب أيديولوجي سياسي؟

كيف تحوّل الإعلام الديني من الوعظ لخطاب أيديولوجي سياسي؟

مشاهدة

31/12/2020

يُعتبرالإعلام بوسائلة؛ المقروءة والمسموعة والمرئية من أهم مصادر الثقافة العامة أو الشعبية، في سائر المجتمعات، وتسهم صناعته في نمو المجتمع؛ اقتصادياً وفكرياً واجتماعياً؛ إذ يكون دور الإعلام شاملاً لجميع مجالات الحياة؛ فهو يساهم أو يمكن أن يساهم في تطور المجتمع من حيث تأثيره في الأفراد والجماعات. والإعلام المرئي، الذي دشن ثقافة الصوت والصورة، هو الأكثر تأثيراً في ترسيخ القناعات والاتجاهات أو تغييرها، والأكثر تعبيراً عن النشاط الإنساني والتفاعل الإبداعي في بناء المعرفة ونهضة الحياة الثقافية بشكل عام.

اقرأ أيضاً: كيف تغّذي وسائل الإعلام حالة العداء للإسلام؟

فعلى الرغم من استمرار القنوات التلفزيونية الرسمية في تقديم البرامج الدينية، التي تتفق مع أيديولوجية السلطة السياسية، وتخدم أهدافها، وتدمج هذه الأهداف في خطاب الوعظ والإرشاد والتوجيه والإفتاء والتفسير برزت إلى جانبها، أو بمعارضتها، قنوات دينية خاصة، وقنوات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، كموقع يوتيوب وغيره، نقلت الخطاب الديني من مجال الوعظ والإرشاد والعبادات، إلى مجالات جديدة تترجم واقع التفكك الاجتماعي والتخبط السياسي والتطرف الأيديولوجي، وقد وضعت القنوات الدينية، خاصة قضية الحفاظ على دونية المرأة ونمطيتها، في صلب توجهاتها.

ينظر كثيرون إلى تنوع القنوات الدينية وتعددها على أنه تعبير عن الحرية والحق في الكلام وشكل من أشكال الديمقراطية

يرى بعضهم أنّ وظيفة الإعلام كلياً لم تتغير "الذي تغير هو مجال الفعل (والتفاعل أيضاً) وهاجس الرقابة وسيف المتابعة، والذي تغير هو الانتقال من مجال لمجال، من جمهور لجمهور أوسع. يقول برتراند جيني في هذا الخصوص: "إن القنوات الباثة عبر السوائل قد منحت الأرضية لأفراد خارج الحكومات، ومكنتهم من التواصل مباشرة مع المسؤولين السياسيين، ومع الجمهور بوجه عام. المعلقون بات بإمكانهم لأول مرة، التحرر أو على الأقل الابتعاد عن سيف الرقابة الذي كان يثوي خلف رقابهم"[1].

اقرأ أيضاً: ما مصير المؤسسات الدينية مستقبلاً؟

وإلى ذلك صار يمكن القول إنّ التقنيات الحديثة أدت إلى ظهور إعلام شخصي، وإعلام مجموعات؛ حيث يستطيع أي شخص أو أيه مجموعة أن ينشئ أو تنشئ مدونة أو قناة يوتوب، ويرسل ما يشاء من صور وفيديوهات وأفلام .. هذا النوع من "الإعلام" ليس متحرراً من رقابة الحكومات فحسب؛ بل هو متحرر من المعايير الاجتماعية، والأخلاقية أحياناً، ويتنافس الأفراد والمجموعات على المشاهدين وإعجاباتهم وتعليقاتهم، وعلى المشاهدات بالطبع، وتشجع بعض الشركات الكبرى هذا الاتجاه.

لا يجوز لأي شخص أن يصادر حق آخر في التعبير عن رأيه لكن التطرف في التعبير لا يحمي صاحبه من معارضة الآخر

ينظر كثيرون إلى تنوع القنوات الدينية وتعددها على أنه تعبير عن الحرية والحق في الكلام، وشكل من أشكال الديمقراطية، ولكن تحليل الخطاب "الديني"، الذي تبثه هذه القنوات يبين عكس ذلك تماماً؛ لأنه يتنكر إلى جميع المبادئ الديمقراطية، وخاصة مبدأ المواطنة المتساوية، وتساوي النساء والرجال في الأهلية والجدارة والحقوق، ويتجاهل أهمية الروابط الاجتماعية والإنسانية وضرورتها. فهو يقوم على مبدأ حاكمية الله؛ أي حاكمية المتكلم باسم الله، وعلى مبدأ الجهاد، لا على مبدأ حكم الشعب نفسه بنفسه، ولا على حل المشكلات الاجتماعية بالحوار والنقاش والمشاركة الإيجابية. فإن تكفير المختلف واستحلال ماله وعرضه، لا يمكن أن يتماشى مع الديمقراطية، أو مع القيم الإنسانية.

ما من شك في أن حرية الرأي وحرية التعبير عنه بالطريقة التي يراها الفرد مناسبة هما حقّان مشروعان من حقوق الإنسان، لا يجوز لأي شخص أن يصادر حق شخص آخر في التعبير عن رأيه، لكن التطرف في التعبير لا يحمي صاحبه من معارضة الآخر، في ظروف تفتقر إلى إمكانية الحوار، وثقافة سائدة تفتقر إلى شروط الحوار، بل تمنعه تحت طائلة العقاب. علاوة على أن القنوات التلفزيونية لا تفسح مجالاً لذلك؛ إذ تقتصر مهمتها على إرسال رسالتها الإعلامية وعلى المواطن أن يتلقى الرسالة فقط، فتكون آلية الإعلام إشكالية شائكة ومعقدة لأنها أحادية القطب والخطاب الديني داخل هذه الإشكالية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب والإعلام العربي.. معضلة المواجهة

يتمثل خطر هذا النوع من الإعلام الديني في أنه صار مصدراً من مصادر المعرفة، ومصدراً من مصادر المعلومات والأخبار، خاصة للشابات والشباب وأكثرية النساء، في مناخ الحروب الداخلية، التي تقوض أركان المجتمعات والدول، كما أنه شكل من أشكال "اقتصاد المعرفة"؛ أي إنه صار عاملاً من عوامل بناء الشخصية، إلى جانب التربية والتعليم، بل صار منافساً للتربية والتعليم، وينشر ظلاله القاتمة عليهما.

يستخدم الإعلام الديني، في الوقت الراهن، إستراتيجية جديدة، تواكب التطور الفني والتقني في الظاهر، لكن المحتوى الإعلامي يتجه بعكس اتجاه التطور العالمي، كإعلام داعش، على سبيل المثال، وقد صار إعلام داعش وخطابه نموذجاً، لا يحيد عن مبادئه أي تنظيم ديني. وقد أخذت وسائل الإعلام عامة منحيين اثنيين: الأول اقتصادي أو بمعنى أدق منحى تجاري، هدفه تحقيق الربح المادي، والثاني أيديولوجي - سياسي هدفه وسم الأفراد بميسم السلطة السياسية التي تستثمر هذا الإعلام، كما توسم الماشية.

يُعتبر الإعلام من أهم مصادر الثقافة العامة أو الشعبية في سائر المجتمعات وتسهم صناعته في نمو المجتمع اقتصادياً وفكرياً واجتماعياً

لقد تمكنّت السلطة السياسية في المجتمعات العربية والإسلامية من استغلال الدين أبشع استغلال، بوقوف معظم رجال الدين إلى جانبها، وتأمين مساحة واسعة للمنابر الدينية في وسائل الإعلام، سواء في القنوات الفضائية أو المنصات الإلكترونية التي شاع فيها خطاب ديني مضاد للدين وقيمه الإنسانية ورسالته الأخلاقية. حتى صار بإمكاننا أن نقول: ليست العلمانية هي المضادة للدين، كما تدعي جماعات الإسلام السياسي والناطقون باسمها صراحة أو مواربة، بل هذا الإعلام الديني، الداعشي شكلاً ومضموناً، هو المضاد للدين وهو الذي "يؤجج المخيال الجمعي" المذهبي، والمخيال الجمعي المذهبي المضاد أو المقابل. والإعلام القومي والقومي المضاد لا يقلان خطراً عن الإعلام الديني والإعلام الديني المضاد.

اقرأ أيضاً: هل يتعارض الإسلام مع العلمانية؟

إن ما يقدمه الإعلام الديني "ليس فقط "خطاباً إسلامياً" يراد ترويجه من خلال الفضائيات إياها بصورة رسمية، بل هو أيضاً بناء إيديولوجي وسياسي، قد يتماهى في العديد من جوانبه مع الإسلام الرسمي الذي تتبنّاه الحكومات، وتقوم التلفزيونات العمومية على إعادة إخراجه إعلامياً، ثم بثه وترويجه على نطاق واسع"[2]


هوامش:

[1] - يحيى اليحياوي، الفضائيات الدينية، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

[2] - المصدر السابق.

الصفحة الرئيسية