لماذا تحولت "القاعدة" إلى نمط الاندماج؟

لماذا تحولت "القاعدة" إلى نمط الاندماج؟
7716
عدد القراءات

2019-08-15

إنّ تنظيم القاعدة لم ينشأ إلا انطلاقاً من مفهوم سلفي يربط ما بين الجهادية والأصولية، أو بمعنى أدق الحالة الوجدانية التي صنعتها النواة الأولى من الأفغان العرب، لكن بعد أحداث "الربيع العربي"، خاصة في سوريا، وبروز "داعش"، وقع التنظيم في مجموعة من التداخلات الفقهية والفكرية العقدية، إضافة إلى جملة من الاستراتيجيات الحركية، التي تداخل فيها المحلي بالأممي، والعنقودي بالمنفرد، حتى شهدنا الآن ما يُطلق عليه النمط الاندماجي، كما شهدنا أيضاً تلك التحولات التي تشير إلى جملة من الأفكار الجديدة المعقدة، التي تجاوزت الأطروحات القديمة في الفكر والمنهج.

بمرور الوقت أصبحت القاعدة حاضنة أيديولوجية

تجديدات حركية

بمرور الوقت أصبحت القاعدة حاضنة أيديولوجية، وبؤرة لفصائل قد لا تحمل نفس الاستراتيجيات، حيث أسست وحدة افتراضية بين أفراد وجماعات لا ترتبط تنظيمياً، وكان قتالها في نشأتها الأولى تضامنياً مع الأفغان أو الشيشان، ثم انتقلت إلى مقاتلة العدو البعيد، وخلال هذه المرحلة ظهر ما يسمى (الجبهة الأيديولوجية) على يد أبو مصعب السوري في كتابه: "دعوة المقاومة الإسلامية"، وهي الجبهة التي تعمل دائماً في خطين متوازيين بين العنقودي والمنفرد، والتنظيمي والذئب المنفرد الذي يحمل الفكرة.

اقرأ أيضاً: بعد عملية الواحات: "أنصار الإسلام"... مصر تواجه اتحاد منظمات إرهابية
ولم ينتقل التنظيم من العمل حركياً من جهاد النكاية إلى التمكن وإمساك الأرض، إلا في سوريا، التي حدث فيها الصراع، ووقع فيها الدمج بين المقاتلين، وكانت ساحة للصراع بين تنظيمات متعددة أهمها داعش، الذي دمج بين مقاتليه، وكانت له سياسة واضحة، هي إمساك الأرض، عن طريق مزيج من قتال الجيوش النظامية، وحرب العصابات، وما ابتدعه من تطهير المكان (أي مذابح للمخالفين)، ثم التهجير، لكي يخلق مشكلة للجوار، وإذا انسحب يدمّر المكان تماماً كما جرى في كوباني والفلوجة، عن طريق خمسين ألف مقاتل، بينهم خمسة عشر ألفاً أطلق عليهم (قوات النخبة)، ومن هنا حدثت جملة من التجديدات في التنظيم، أهمها دمج الشبكة اللامركزية في جماعات قريبة معاً في الفكر والسلوك الاستراتيجي.

لم ينتقل التنظيم من العمل حركياً من جهاد النكاية إلى التمكن وإمساك الأرض إلا في سوريا

ما يشار إليه أنّه في تنظيم القاعدة شهدنا عدة أنواع من الأنماط، لكن النمط الاندماجي الذي يقوم على توحيد هيكل القيادة والتحكم، والدمج التام للقوات المقاتلة، هو الذي استجد خلال الثلاثة أعوام الأخيرة؛ حيث انتقل من نمط المظلة الأيديولوجية، الذي تلتزم فيه جماعات شريكة وحليفة نفس الأفكار، والتمويل وغيرها، إلى الدمج بين الفصائل الإقليمية والميليشيات.
بدأت المرحلة الجديدة (النمط الاندماجي) عقب الثورة السورية، وهي التي تستتبع بالضرورة الاستراتيجية اللامركزية، في التعامل مع الفروع، ودمج الفصائل والتنظيمات القريبة، وإدارتها من خلال قيادة مشتركة واحدة، وفق ما أورد تقرير نشرته وكالة "سبوتنيك".

اقرأ أيضاً: مقتل حمزة بن لادن ومرض الظواهري.. تنظيم القاعدة إلى أين؟
كانت سياسة القاعدة هي تقسيم العالم إلى 7 قطاعات، لكن التحول هنا جاء لكون التشكيلات الجديدة لم تعد تعتمد على التقسيم القديم؛ بل هي جامعة ومنعزلة في ذات الوقت، فهي تجمع كلّ من يعمل إقليمياً، وفي الوقت نفسه يريد الاحتفاظ بخصوصيته الإدارية وبقيادته وتكتيكاته، وهذه هي النقطة الأولى، التي استتبعها فيما بعد العملية الاندماجية بين تنظيمات هي أقرب على مستوى المكان أو الاستراتيجيات، أو ما يمكن أن نطلق عليه (تنظيمات السلسلة الواحدة) التي لا يوجد تغيير في رؤيتها السياسية والعسكرية، التي تعتمد بشكل أساسي على الارتباط بتنظيم القاعدة؛ أيديولوجياً وسياسياً.

تنظيم القاعدة يحاول حالياً تقديم نفسه كبديل معتدل لداعش ويسعى لاستعادة مكانته التاريخية
من أهم الأمثلة على ذلك ما جرى في مطلع العام 2017 حين أعلنت كبريات التنظيمات الإسلامية المسلّحة النشطة في الصحراء الكبرى، ودول الساحل الإفريقي عن حركة جديدة تحمل اسم "جماعة أنصار الإسلام والمسلمين"، وضم التنظيم الجديد جماعة أنصار الدين، وإمارة الصحراء الكبرى (ست كتائب تابعة لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي)، وكتيبة "المرابطون"، وكتائب "ماسينا".
أعلنت هذه التنظيميات المندمجة أنّ قادتها بايعوا أمير جماعة أنصار الدين، إياد آغ غالي، أميراً للتنظيم الجديد، ثم أعلن الأخير مبايعته لأمير تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وفق ما ذكر تقرير نشرته صحيفة "صوت الأمة".

اقرأ أيضاً: هل أعاد تنظيم القاعدة بناء نفسه؟
الملاحظ هنا، أنّه رغم قاعدية هذه التنظيمات المتحالفة واندماجها إلا أنّها لم تطلق على نفسها "القاعدة" بشكل مباشر، بل "أنصار الإسلام والمسلمين"، ورغم ضمها لأكثر من عشر جماعات إلا أنّها أعلنت عن العمليات التي تقوم بها بنفس الاسم رغم تباعد الجغرافيا، وحدث هذا في مصر، في عملية الواحات.

مع النمط الاندماجي وقعت إشكالية الصراع بين العمليات القتالية المحلية والمعولمة

يقول الخبير في الحركات الإسلامية، صلاح الدين حسن، في تقرير نشرته صحيفة "حفريات"، إنّه كان لافتاً أن يقف أمير كتيبة "المرابطون" الموالية للقاعدة "مختار بلمختار" ليوجه خطاباً إلى المسلمين من المحيط إلى النيل في إشارة واضحة، "إلا أنّ القاهرة تقع ضمن ولاية تنظيمه الذي يتمركز نشاطه في الساحل الإفريقي، وضم مصريين نفذوا عمليات انتحارية ضد القوات النيجيرية والفرنسية على أراضي النيجر"، مضيفاً "لذا عندما أطلق هشام عشماوي على تنظيمه هذا المسمّى لم يكن ذلك مصادفة، فليس من المنطقي أن يتسمّى تنظيمان تابعان للقاعدة في قطاع جغرافي واحد "الشمال الإفريقي" بمسمّى واحد؛ أي إنّ تنظيم "المرابطون" الذي كان يعد نفسه للانتشار في الصحراء لبداية شن هجمات شرسة على الدولة المصرية، هو المسؤول عن عملية الواحات، لكن الذي تبنى هو اتحاد المنظمات الذي يحمل اسم "أنصار الإسلام".

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل تصدير الإرهاب وتعيد زراعة "القاعدة" في اليمن
وفي هذا السياق، يقول الصحافي المختص في الإسلام السياسي، أحمد سلطان، في تصريح لـ "حفريات": تنظيم القاعدة يحاول، خلال الفترة الماضية، تقديم نفسه كـ "بديل" معتدل لـ "داعش" ويسعى لاستعادة مكانته التاريخية في ما يسمى بـ"قيادة الجهاد العالمي"، وهو ما دفع زعيمه أيمن الظواهري إلى أن يتحدث في مقاله الذي كتبه في افتتاحية العدد الأول من مجلة التنظيم الجديدة "أمة واحدة" إلى طرح فكرة المراجعات وتصحيح الأخطاء التي وقع فيها التنظيم والتي تسببت في إبعاد الأمة عنه، من وجهة نظره.

ويحاول الظواهري وتنظيمه، عبر هذه المناورة، إعادة تسويق نفسه من جديد، والخروج من الثوب القديم لتنظيم القاعدة الذي فقد بريقه في أعين الأجيال الجديدة التي تفتحت أعينها على مشهد تمدد تنظيم داعش، وانحسار تنظيم القاعدة.
استتبع النمط الاندماجي والسلسلة الواحدة أن تكون الاستراتيجية لامركزية، مع السماح بظهور أكثر من تنظيم "قاعدي" داخل الدولة الواحدة، على أن يقوموا بالالتزام بقواعد عدم الاشتباك، وعدم التمدد إلى مناطق سيطرة الفصائل الأخرى التابعة لـ"القاعدة"، بحسب ندوة نظمها مركز المستقبل للدراسات بتاريخ 13 كانون الأول (ديسمبر) 2018، حملت عنوان "مستقبل التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط".
صراع القتال المحلي والمعولم
مع النمط الاندماجي وقعت إشكالية الصراع بين العمليات القتالية المحلية والمعولمة، ورغم أنّ القاعدة المعولمة لم تنته إلى غير رجعة، إلا أنّ فلسفة إدارتها القديمة تغيرت، من قرأ ما كتبه أبو بصير الطرطوسي، أحد المشايخ الروحيين للقاعدة، ونقده للظواهري، يلمس بداية تلك المرحلة، وأن ما وضعه أبو مصعب السوري على مستوى الصعيد الأيديولوجي والواقعي تغير؛ حيث إنّ الأيديولوجيا الملتبسة التي تم تأسيس التنظيم عليها، وهي الحرب الشاملة للعالم، جعلها تتحرك في مساحة رمادية، بين المحلي والعالمي؛ بين قتال العدو البعيد والقريب، وجاءت الظروف الواقعية التي أعقبت "ثورات الربيع العربي"، لتحسم لدى بعض الفصائل خيارات أخرى، وكان هذا أشبه بعملية تفجير داخلي للانشقاقات، ما حدا بالتنظيم فيما بعد لرأب الصدع بدمج الفصائل القريبة مكانياً واستراتيجياً، وظهور ما يسمى تنظيمات "السلسلة الواحدة".

 

نموذج الأفرع المتحالفة والشبكة الاندماجية أدى بالضرورة إلى معسكرات متنقلة إقليمياً والتوجه إلى مناطق جغرافية جديدة

يقول الطرطوسي في رسالة للظواهري نشرها موقع "التوحيد والجهاد": لو عزم الشيخ على إزالة العقبة (الكأداء)، وهي ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة وباستراتيجيتها، التي لا تناسب قط جهاد وتطلعات الأمم والدول والشعوب، التي بات الارتباط بها ضرراً محضاً لا مرية ولا شك فيه، ولا يُقبل من الشيخ ولا غيره أن ينادي بالوحدة، ثم هو في نفس الوقت يحرص على الأسباب التي تمنع من تحقيق هذه الوحدة، التي منها إلزام أهل الشام ومجاهديهم بأن يتحدوا تحت مسمى واستراتيجية القاعدة، فيكون مثله مثل من يقول بالشيء وضده معاً، وهذا لا يليق!
تظهر في رسالة الطرطوسي إلى الظواهري تلك الإشكالية، حين أراد من "جبهة النصرة" أن تنفصل عن القاعدة، حرصاً على ما أسماه (الجهاد السوري)، وهو ما حصل فيما بعد تحت مسمى "فتح الشام ثم جبهة تحرير الشام"، وهي الاستراتيجية القائمة على "استرضاء المجتمع"، عبر ما يسمى تكوين الجبهات والتحالفات الداخلية، وهي أفكار يؤمن بها عدد كبير من قيادات القاعدة الآن، بل وتؤمن بها فصائل مثل "أحرار الشام"، وهو ما أوجد صراعاً عميقاً مع جناح القاعدة المعولم، ومشايخ التنظيم، مثل أبو قتادة، وأبو محمد المقدسي.

أيمن الظواهري
إنّ المسألة في التنظيمات التي تحمل أيديولوجيا القاعدة مثل "جبهة تحرير الشام" أو جماعات السلفية الجهادية كـ"أحرار الشام" أنّها ليست لها علاقة فقط بـ"المظلة القاعدية المعولمة"، و"المظلة المحلية"، فهي علاقة عكسية، فكلما اتسعت الأولى ضاقت الأخرى، ومن هنا ظهر تنظيم "حرّاس الدّين" الذي عمل على بناء أيديولوجية خاصة به في الشّمال السوري، قائمة على التمدّد باتجاه العراق، وإعادة نفوذ الجهاديين المرتبطين بـ"القاعدة" إلى مناطق بلاد الشّام بشكلٍ عام، بحسب مقال نشره موقع "ميدان" بعنوان "حراس الدين.. هكذا تعيد القاعدة طرح نفسها في سوريا"، وهو الذي ينضوي تحته العديد من المجموعات الجهادية، التي عمل أغلبها سابقاً في إطار تحرير الشام، منها "جيش الملاحم"، و"جيش الساحل"، و"جيش البادية"، و"سرية كابل"، و"جند الشريعة"، وكلهم يؤمنون بعولمة العمليات الجهادية، وفق المصدر ذاته.

اقرأ أيضاً: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب
كان تشكيل "حرّاس الدّين" يسعى بشكلٍ أو بآخر، إلى أن يكون الجامع والمنعزل في ذات الوقت، فكان جامعاً لكلّ من يرفض العمل مع "جبهة النّصرة" (جبهة فتح الشّام بمسمّاها الجديد) والهاربين من مناطق "داعش"، إضافةّ للشقّ المهاجر والذي يعتبره قياديو تنظيم "حرّاس الدّين" الشقّ القادر على جذب الشّخصيات المهاجرة من سوريا وخارجها، إضافةً لكونه يستطيع التأثير على البنية الداخلية للجهاديين في باقي التّشكيلات؛ بسبب الأثر الكبير للمهاجرين على مهاجري التّشكيلات الأخرى، ولا سيّما المهاجرين الآسيويين المتّصفين بالانضباط والقوّة العسكرية، يُضاف إلى ذلك قبول الحاضنة الشعبية لهم حتّى الآن في مناطق المعارضة السّورية، كونهم كانوا أشدّ وطأةً من القيادات المتشدّدة الأخرى، خصوصاً القيادات السّورية والعراقية، والذين سببت طريقة تعاملهم شروخاً في العلاقة بين الحاضنة الشّعبية من جهة، والشقّ الجهادي في سوريا من جهة أخرى، بحسب ما أورده تقرير نشره موقع "الاتحاد برس" بتاريخ 7 آذار (مارس) الماضي بعناون "تنظيم حرّاس الدّين: الهيكلية والتحديّات والمستقبل".

اقرأ أيضاً: إيران إذ تتحالف مع "القاعدة".. هل بقي هناك شيطان أكبر؟
وحول هذه النقطة يقول أحمد سلطان: "أما عن اندماجات أفرع القاعدة، فهي جزء من استراتيجية التنظيم الكبرى في تقوية فروعه خلال مرحلة "الجهاد التضامني"؛ لأن اندماج هذه الأفرع يتيح انتشاراً أكبر له، كما يعطيه الفرصة لاستقطاب مجندين جدد بدلاً من تفرقهم بين الجماعات المقاتلة.. اندماج الأفرع القاعدية كما حدث في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين- المثال الأبرز حالياً- محاولة أخرى من القاعدة للتأكيد على مكانتها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، وهو حلقة أخرى من حلقات الصراع بين القاعدة وداعش في تلك المنطقة".

النمط الاندماجي القائم على توحيد هيكل القيادة والتحكم والدمج التام للقوات المقاتلة استجد خلال الثلاثة أعوام الأخيرة

القاعدة في إفريقيا تلعب على وتر التوترات العرقية بين القبائل وبعضها ويستغل حالة الضعف التي تمر بها بلدان القارة، ويسعى لاستكمال تمدده داخلها وخلق معاقل جديدة له لكي يستمر في العمليات الإرهابية خاصةً بعد تراجع فرعي خراسان، واليمن رأسي حربة التنظيم في العمليات الخارجية.
إنّ نموذج الأفرع المتحالفة والشبكة الاندماجية أدى بالضرورة إلى معسكرات متنقلة إقليمياً والتوجه إلى مناطق جغرافية جديدة، "ومن المحتمل أن يشبه مستقبل الحركة الجهادية العالمية ماضيها، حيث تنتشر مجموعات متشعبة ومقسمة من المسلحين إلى ساحات القتال الجديدة، من شمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، وهناك سينضمون إلى الحروب الأهلية الحالية، وينشئون ملاذات آمنة، ويبحثون عن طرق لشن هجمات مذهلة"، بحسب ما أورد تقرير نشره موقع "صواب" بتاريخ 17 آذار (مارس) الماضي بعنوان "خبير أمريكي يضع أربع فرضيات لمستقبل الحركة الجهادية العالمية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟

2020-01-26

بعد مشاركة الآلاف من مؤيدي الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، الجمعة، في مظاهرة حاشدة ببغداد للمطالبة بطرد القوات الأمريكية من العراق، يبقى هذا الملف الشائك في الواجهة، وسط إصرار أمريكي على عدم ترك الساحة لإيران وحلفائها، ما يؤشّر إلى أنّ الولايات المتحدة تعتقد بأنّ موقفها قوي في هذه المواجهة، وأنّها تعتمد على عدد من أوراق الضغط، وهي في معركتها تلك تحاول وضع جملة من المحددات والخطوط الحمر وقواعد الاشتباك، التي تعكس إعادة تموضع في العراق وسوريا، وعلى حدودهما، ومن شأن ذلك أن يعيد تعريف الوجود الأمريكي وحدوده؛ بعد التفاعلات التي أفرزها مقتل الجنرال قاسم سليماني.

تسعى إدارة ترامب إلى تعزيز وجودها العسكري على جانبي الحدود السورية - العراقية لأسباب عدة بينها "مواجهة إيران"

وأورد تحليل للباحث ديفيد دي روش، نشره "معهد دول الخليج العربية في واشنطن"، أنّه خلال الفترة المقبلة، تواجه الولايات المتحدة ثلاث مسائل أمنية مهمة في العراق، وشرط ثابت واحد يحدّد ما إذا كانت القوات الأمريكية أو قوات التحالف ستبقى في البلاد، وإن بقيت، كم سيبلغ عديدها وما ستكون عليه مهمتها. ويتمثل مصدر القلق الأول في الحفاظ على القدرة على مواصلة محاربة تنظيم "داعش"؛ والثاني في الحفاظ على بعض القابلية للحدّ من نفوذ إيران في المنطقة؛ والثالث في ضمان أن يبقى إقليم كردستان مستقلاً في العراق. أما الشرط الثابت، فهو ضرورة الحؤول دون وقوع إصابات خطيرة في صفوف القوات الأمريكية، أو حصول هجوم يتسبب بوقوع ضحايا على قاعدة عراقية تضمّ عناصر من الولايات المتحدة أو التحالف أو على مجمع دبلوماسي أمريكي.
وتسعى إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى تعزيز وجودها العسكري على جانبي الحدود السورية - العراقية لأسباب عدة، بينها "مواجهة إيران"، بالتزامن مع ضغوط في بغداد لوضع مستقبل الوجود الأمريكي على الطاولة، وضغوط من روسيا لتعزيز وجودها العسكري شرق الفرات، وفق تقرير خاص نشرته صحيفة "الشرق الأوسط".

اقرأ أيضاً: العراق ولبنان.. وتحدي الطائفية

تضمنت المقترحات رفع عدد القوات الأمريكية من 500 إلى ألفي جندي، إضافة إلى 5000 موجودين في العراق
وكان موضوع الوجود العسكري الأمريكي في العراق، بنداً رئيسياً في لقاءين منفصلين عقدهما الرئيس ترامب في دافوس مع نظيره العراقي برهم صالح، ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني؛ إذ برز تباين بين تأكيد البيت الأبيض "استمرار الشراكة الاقتصادية والأمنية" مع العراق، والتعاون مع كردستان العراق في الحرب ضد "داعش"، مقابل حديث صالح عن "السيادة".
10 اقتراحات
ونقلت "الشرق الأوسط" عن مسؤولين غربيين، لم تسمّهم، أنّ هناك 10 اقتراحات للتعاطي مع مطالب سياسيين عراقيين ببحث الوجود الأمريكي والحفاظ على أدوات لـ "مواجهة إيران"، تشمل:
1. تأكيد أنّ أي بحث للوجود الأمريكي يجب أن يتناول أموراً أخرى أوسع من الجانب العسكري؛ إذ أعلن المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد "داعش"، السفير جيمس جيفري، الخميس الماضي، أنّه "على المسؤولين العراقيين التفكير في العلاقات الثنائية التي تتجاوز مسألة الوجود الأمريكي".

أفادت مصادر استخباراتية بأنّ هناك اقتراحات شملت إقامة نقاط -قواعد عسكرية قرب السليمانية وجنوب أربيل وقرب حلبجة

2.  حضّ "حلف شمال الأطلسي" (ناتو) على لعب دور أكبر في قتال "داعش" حال قررت واشنطن بموجب تفاهم مع بغداد إعادة الانتشار، أو لانشغال القوات الأمريكية بضرورة الدفاع عن نفسها بعد تصاعد الضغوط والتهديدات في الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد اغتيال قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" قاسم سليماني. وسيكون هذا بنداً على محادثات اجتماع التحالف الدولي في الدنمارك، الأربعاء المقبل.
3.  البحث مع رئاسة إقليم كردستان زيادة الوجود الأمريكي سواء من حيث عدد الأفراد أو القواعد العسكرية. وأفادت مصادر استخباراتية، أول من أمس، تضيف "الشرق الأوسط"، بأنّ هناك اقتراحات شملت إقامة نقاط -قواعد عسكرية قرب السليمانية وجنوب أربيل وقرب حلبجة. وتضمنت المقترحات رفع عدد القوات الأمريكية من 500 إلى ألفي جندي، إضافة إلى خمسة آلاف موجودين في العراق. وقال دبلوماسيون إنّ تعزيز الانتشار في كردستان يرمي إلى حماية القواعد العسكرية إزاء زيادة المخاطر.

وماذا عن سوريا؟
4.  التكامل بين الوجود العسكري غرب العراق وشرق سوريا، ذلك أنّ معظم القوات التي انسحبت من شرق الفرات، بداية العام، أقامت في كردستان العراق، بحيث انخفض عدد القوات الأمريكية من ألف إلى 500 عنصر موجودين قرب حقول النفط شرق الفرات.
5.  الحفاظ على قاعدة التنف في زاوية الحدود السورية - العراقية - الأردنية بوجود 150 جندياً أمريكياً وراجمات صواريخ وحماية جوية، لقطع طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت.

اقرأ أيضاً: حقائق مريرة عن العراق يقدمها رئيسه للعالم.. ما هي؟
6.  الإبقاء على الوجود الجوي للتحالف الدولي ضد "داعش" في أجواء شمال شرقي سوريا، وبقاء الحلفاء الرئيسيين، بريطانيا وفرنسا، في أرض المعارك لقتال "داعش" ودعم "قوات سوريا الديمقراطية".
7.  منع القوات السورية والتنظيمات الإيرانية من التقدم إلى قاعدة التنف والتزام "قواعد الاشتباك".
8.  إبعاد القوات الروسية عن الشريط الممتد من فش خابور في الزاوية السورية - العراقية - التركية إلى شمال البوكمال على نهر الفرات. وحصل هذا مرات عدة في الأيام الأخيرة، عندما قامت دوريات أمريكية بقطع الطريق أمام الشرطة الروسية التي حاولت الوصول إلى فش خابور، بوابة شرق الفرات على كردستان العراق.

اقرأ أيضاً: ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟
9.  التمسك باتفاق "منع الصدام" بين روسيا وأمريكا في الأجواء الشمالية الشرقية لسوريا، خصوصاً بعد تعزيز موسكو منظومتها الجوية في القامشلي.
10.  استمرار حصول "غارات غامضة" على مواقع إيرانية في البوكمال، التي حاولت طهران تأسيس بنية تحتية فيها لتكون طريقاً بديلاً بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت.
وحسب المعلومات التي أوردتها "الشرق الأوسط"، فإنّ وفداً أمريكياً يقوم بجولة إلى لندن وبروكسل في الأيام المقبلة لإجراء محادثات مع مسؤولين أوروبيين لفرض عقوبات اقتصادية، والاتفاق على تنسيق الخطوات في العراق وسوريا للضغط على موسكو ومواجهة نفوذ طهران بعد سليماني.

للمشاركة:

دروس مجانية من روما: كيف تعود حدائق الحيوانات العربية للصدارة؟

2020-01-26

أقدم حديقة حيوان في أفريقيا، والأشهر من نوعها في الشرق الأوسط؛ حيث تشاركت أجيال وراء أجيال من محافظات مصر المختلفة لحظات بهجتها الأولى في الحياة، أمام الأسود والزرافات وفرسان النهر؛ حيث اجتمع عشاق شكلوا فيما بعد أسراً ممتدة، لكنّهم لم يشاركوا حينها سرّ عشقهم إلا أمام حيوانات كتومة، وحيث جلس الطلاب الفقراء يحفظون كلمات دروس اللغة الإنجليزية في المدرسة القريبة، يرددونها على مسامع القردة أمامهم ليثبت الحفظ، سيصيرون فيما بعد أطباء ومهندسين وقادة وزعماء ومناضلين.


إنّها حديقة الحيوانات المصرية في الجيزة، التي تمّ استبعادها من عضوية الاتحاد الدولي العام لحدائق الحيوان (waza) عام 2004، بعد اتهامات بتجاهل توصيات الاتحاد فيما يخصّ معاملة الحيوانات، بسبب تفاقم مشكلات عدّة فيها، وانبعاث الروائح الكريهة، وإهمال النظافة، والأعطال المتكررة في موتورات ضخّ المياه في البحيرات الصناعيّة، وإهمال تغذية الحيوانات على النحو المقبول، وقد وصل الأمر إلى حدّ إقدام بعض الحيوانات في الحديقة في الأعوام الماضية على الانتحار، هذا كلّه إلى جانب الإهمال الطبي، والحالة الرديئة لدورات المياه.

اقرأ أيضاً: كيف تساعد الحيوانات الأليفة المسنين على تخفيف آلامهم؟
بشكل عام؛ حين يبدأ الحديث، على استحياء، عن ضرورة تطوير حدائق الحيوان في البلدان العربية، يتجه التفكير مباشرة إلى أنّ هذه ليست أولوية في مجتمعات فقيرة تعاني من مشكلات لا حصر لها في قطاعات أهم كثيراً من حدائق الحيوان، ثم تتحول دفّة الحديث مباشرة إلى أنّ هذا الأمر يتطلب أموالاً كثيرة، وفكراً استثمارياً، بل وأن يوكل الأمر برمّته إلى رجال المال والأعمال بعيداً عن الدول، حتى تتحول تلك المشروعات إلى مشروعات استثمارية نافعة، تفيد زائر الحديقة والدولة والمستثمر في ذات الوقت.


ثمة مجموعة حلول مجانية قد تستطيع تبديل حال حدائق الحيوان العربية من حال إلى حال، دون الحاجة إلى المستثمر، بل بالأحرى مع ضرورة عدم التوجه إلى هذا الحلّ.

هناك حاجة إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار بأخرى زجاجية ومساحات أوسع

الهدف هنا ليست الرغبة في رؤية حدائق الحيوانات العربية تتصدر المؤشرات العالمية الخاصة بتصنيف هذا النوع من الحدائق، وليس تطويرها على النحو الذي يجذب السياحة ويحقق عوائد للمجتمعات والدول العربية، هذه كلّها فوائد مهمة بالطبع تنتج عن تطوير حدائق الحيوان، لكنّ الحديث سيكون عن شيء مختلف عن ذلك، والصدارة التي يبتغيها لحدائق الحيوان العربية، ليست في تصنيف كلّ عام على موقع "trip advisor"؛ فحدائق الحيوان العربية مهما ارتقت لن تلبي طموحات تلك المؤشرات التي تحتاج تلبيتها إلى ملايين الدولارات.

لا السياحة ولا السياح.. الأهمية الحقيقية لحدائق الحيوان
عادة حين يكتب الناشطون في الغرب، سواء هؤلاء المؤيدون لما تسمى حقوق البيئة وحقوق الحيوان، أو أولئك اليمينيون الذين لا يعيرون قضية البيئة والتغير المناخي والأجيال القادمة أيّ انتباه، فهؤلاء لا يقتربون من الاتفاق إلا في أمر واحد؛ وهو أنّ حدائق الحيوان، ويشددون هنا على الحديث عن الحدائق المتحضرة لا تلك المفتقدة لأدنى درجة من المعايير في الدول النامية، تلعب دوراً مهماً كمخزن للحيوانات المهددة بالانقراض في البرية، فتلك الأنواع تزداد قوة وقدرة على البقاء في حدائق الحيوان بالأرقام والإحصاءات، رغم كلّ الدعوات التي يرفعها البيئيون حول حقّ الحيوان في الحرية.

اقرأ أيضاً: حيوانات مختلفة استخدمت في عمليات التجسس.. تعرف إليها
يأتي هذا التشديد على دور حدائق الحيوان في ظلّ الهجوم البشري الشرس من أجل الانتفاع الاقتصادي، أو نتيجة للزحف السكاني باتجاه الغابات ومواطن الحيوان، على أعداد مهولة من الحيوانات؛ إذ أصبح من الصعب أن تسمع عن حيوان في برامج التلفاز أو في إحدى المطبوعات دون أن تتوقع جملة "لكنّ هذا النوع شهد نقصاً كبيراً في أعداده في الأعوام الأخيرة". 


يجادل آخرون من علماء الحيوان والناشطين في العالم الغربي أيضاً بأنّ هناك فائدة أكبر، غير مباشرة، من حدائق الحيوان، تحمي هي الأخرى الحيوانات من الانقراض، هذه الفائدة بحسبهم أنّ الناس لن تهتم بخبر في التلفاز حول احتمالية انقراض الدب القطبي إذا لم يدخلوا في تجربة حقيقية مع هذا الدب، ويشاهدوه وهو يلعب على بعد أمتار قليلة منهم، وهو يقوم بحركاته المدهشة، وأنّه بهذا النحو فقط يمكن تشكيل وعي لدى زائر الحديقة يجعله يهتمّ حين يختار مرشحاً سياسياً إن كان هذا المرشّح سيساهم بسياساته في قتل هذا الدب أم إنّه سيحميه.

اقرأ أيضاً: مشاعر مشتركة بين الإنسان وبعض الحيوانات.. هل تعرفها؟
في الواقع؛ كلّ ما سبق نقاشه مقبول ومتفهم في السياق الغربي، لكن على مستوى دولنا العربية فإنّ حدائق الحيوان، لها دور أكبر لتلعبه في تشكيل الأمة، دور لا علاقة له في الأساس بالحفاظ على البيئة أو حماية أكبر أعداد ممكنة من الشمبانزي كي تحيا، فهذه الأدوار البيئية ربما يكون من الإجحاف بمكان مطالبة فقراء العالم بالقيام بها.


قال الفيلسوف اليوناني كزينوفانيس، قبل ميلاد المسيح بأربعة قرون: إنّك لو أعطيت الخيول قلماً لترسم الإله كما تتخيله لرسمته فرساً عظيماً، والأسود لرسمته أعظم القساور، أما في منطقتنا العربية فنحن حين عرفنا الإله وأردنا أن نتعبده تعبدناه عبر الحيوانات، فالمصريون القدماء تخيلوا الآلهة حيوانات، وحين جاءت الرسالات الإبراهيمية وبزغت في منطقتنا ودعت لعبادة إله واحد فوق القدرة على التخيل، ضربت القصص والعبر دوماً بالحيوانات، ولا تكاد تخلو قصة رجل صالح أو نبي في القرآن، دون إشارة إلى حيوان يلعب دوراً أساسياً في قصته، ويكون وسيطاً لفهم الرموز الإلهية من خلاله؛ فمن حوت يونس إلى ناقة صالح، وصولاً إلى ذئب يوسف وكلب أهل الكهف، كانت الحيوانات دوماً وسيطاً بين الإنسان وطلب الحكمة في الدنيا.


فهم المتصوفة ذلك بشدة، فكان بعضهم يقول "لا نقبل مريداً لم يصاحب حيواناً"! وبشكل عام كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات من تلك التي كانت تلقاها في الحضارة المسيحية بالقرون الوسطى؛ إذ إنّ الوصايا في الإسلام على مراعاة الحيوان قد وصلت إلى حدّ قول الرسول ﷺ ذات مرة؛ إنّ امرأة بغياً من بني إسرائيل قد غفر الله لها كلّ ذنوبها لأنّها سقت ذات يوم كلباً.

اقرأ أيضاً: 7 حيوانات حظيت بمكانة خاصّة في الأديان والثقافات.. تعرّف عليها
بالنسبة إلى كاتب هذه السطور؛ فإنّه لم يكن ليكتب هذه السطور، أو أيّة سطور، لولا زيارة أسبوعية على مدار أعوام الطفولة، ولّدت العديد من الأسئلة حول الطبيعة والوجود والحق والخير والعدل، استعصت على الإجابة لكنّها كانت تلين حين تتحول إلى كتابة على ورق.


حديقة الحيوانات هي، باختصار، مكان مثالي، إذا ما تم تنظيمه على النحو التثقيفي الأمثل، لتوليد الأسئلة الكبرى في عقول النشء بطريقة سلسة، ولتفجير طاقات الخيال والرحمة ومقاربة القضايا الكبرى في العالم في آن واحد، على سبيل المثال؛ تعرض الآن شبكة "نتفليكس" على شاشتها سلسلة أخطر 72 حيواناً في قارة آسيا، وفي الواقع، إضافة إلى المتعة والاحترافية والمعلومات المهمة التثقيفية التي تطرحها السلسلة والتي تناسب الصغار والكبار، فإنّها لو عُرضت على أطفالنا في الصفوف الابتدائية ستكون درساً أكثر إثارة عن التنوع وتقبل الاختلاف والتعددية، من محاضرات مطولة تقليدية ينام في أثنائها الطلاب عن الموضوعات نفسها، حينها لن يتسابق الطلبة على الهروب من الدروس، إنما سيتسابقون على الحضور من أجل المتعة أولاً، ومن بعد المتعة يأتي كلّ شيء.
إذاً، ما هي دروس روما المجانية؟  
اتفقنا إذاً في أنّ حديقة الحيوان، خاصة في بلداننا الفقيرة، قبل كلّ شيء، هي وسيلة تعليمية وتثقيفية يسيرة، بإمكانها أن تفجر داخل العقول الصغيرة أسئلة اندهاش قد تقود فيما بعد لأسئلة أكبر فأكبر، ثم إجابات لعلّها تغير مستقبل أمتنا وتمنحها غداً أفضل من أمسها، لكن هل يحتاج تحقيق ذلك إلى أموال كثيرة واستثمارات ضخمة؟ الإجابة مدعومة بالصور، وهي "لا" لحسن الحظ، كلّ المطلوب هو رغبة حقيقية في التطوير بأقل الإمكانات وتحقيق الهدف المرجو.

اقرأ أيضاً: تعرّف على أشهر 8 حيوانات أصبحت رموزاً لدول

بإمكاننا هنا أن نتخذ من حديقة حيوانات روما، وهي بالمناسبة ليست مصنفة وفق المؤشرات العالمية ضمن العشرة الكبار في عالم حدائق الحيوانات، لكنّها تعدّ نموذجاً فريداً في ربط التسلية عند الطفل بالمتعة، أنموذجاً جيداً ندرسه ونطوره.


كما هو موضح بالصور؛ فإنّ كلّ بيت لحيوان ما حوله مجموعة كبيرة وبديعة من الصور التثقيفية الشيقة، وكما هو موضح، فكلّ لوحة من اللوحات قد صممت بإتقان فنّي ليكون عامل الجذب فيها على أعلى درجة ممكنة لتتمكن من جذب الأطفال، كلّ لوحة تتضمّن معلومات جذابة ومهمة عن حياة الحيوان، والأماكن التي يعيش فيها بخرائط تفاعلية، ودرجة تعرضه لخطر الانقراض، ومعلومات عن سلوكه وأطعمته المفضلة.

كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات

هذه اللوحات الجذابة التي تتضمن في بعضها أيضاً قصصاً قصيرة يكون بطلها هو الحيوان محلّ الزيارة نفسه، لا تضمن فقط تعريف الطفل على معلومات جديدة تنشط خياله، وإنّما هي وسيلة فعّالة لربط الطفل بالقراءة، ولك أن تتخيل تأثير قراءة هذا الكمّ من اللوحات والقصص الميسرة على قدرات الطفل اللغوية، في زمن يشكو فيه كلّ الآباء من أنّ أطفالهم لا يقرؤون. هذه اللوحات غير مكلفة بالطبع، ويمكن ببساطة أن يصنعها، على هذا النحو التفاعلي والجذاب، طلاب الكليات العربية من أقسام الآداب والفنون الجميلة وعلوم الحيوان ومعهد السينما، على نحو يكون هذا الأمر فيه هو مشروع تخرجهم تحت رعاية الدولة، وبذلك سيكون النفع العائد على الدولة والطلاب والأطفال أكبر بكثير مما يمكن تخيله، ولن يحتاج إلى مستثمر غني يشتري حدائق الحيوان العربية ليطورها، أو شيء من هذا القبيل، هو فقط يحتاج إلى تخطيط يمكّنك، كفرد، من تحقيق أكبر استفادة ممكنة من القدرات الكامنة في شباب وطنك، وغني عن القول إنّ هذه اللوحات ستكون أفضل بكثير من تلك الأوراق الخضراء القاتمة التي عهدناها بجوار أقفاص الحيوانات في حدائقنا، والتي لا تتضمّن إلا معلومات قصيرة مملة عن الحيوان.


على جانب آخر؛ هناك ألعاب تفاعلية أيضاً لا تحتاج إلى إنفاق سوى اليسير جداً من المال، أمام بيت كلّ حيوان، فإذا ذهبت أمام الذئب وجدت مجسماً على هيئة رأس ذئب، وإذا فتح فمه يجد معلومة عن الأطعمة المفضلة لهذا الذئب، على سبيل المثال، وإذا وقف أمام بيت النمر يجد مجسمات على شكل أعضاء جسم النمر، كتِبت على كلّ عضو عبارات عن الاستفادة الطبية التي تتحقق منه، إلى جانب الأساطير التي يعتقدها الناس فيه والحقائق العلمية، كذلك تستغل الحديقة بيت القرد لتحكي للأطفال بشكل مبسط عن نظرية التطور، وتوفر معلقاً صوتياً أمام هذا البيت المهم، ليحكي قصصاً شيقة عن هذا الكائن الذي يتشارك معنا في العديد من الصفات.
أما على صعيد الاتهامات التي توجه دوماً لحدائق الحيوان العربية بسوء معاملة الحيوان، فالحلّ هنا أيضاً لا يحتاج إلى الكثير من المال، فقط يحتاج إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار، بأخرى زجاجية، ومساحات أوسع جغرافياً للحيوان ليمارس حياته الطبيعية بحرية، مع إضافة ألعاب زهيدة السعر لكلّ حيوان في بيته الزجاجي الواسع، بما يتلاءم مع طبيعة تكوينه المتفردة.

للمشاركة:

هكذا عزّزت شركة "سادات" التركية القدرات العسكرية لحماس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

تغريد علي

في محاولة لإيجاد موطئ قدم له على الساحة العربية؛ يسعى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى استغلال القضية الفلسطينية سياسياً، على أمل تحقيق الوهم باستعادة الخلافة الإسلامية والإمبراطورية العثمانية الزائلة؛ حيث تتلاعب حماس وتركيا بالقضية الفلسطينية باعتبارها من القضايا التي تشغل العالم الإسلامي والدولي، لتحقيق مكاسب ذاتية على حساب الشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني حماس بإعادة جدولة "مسيرات العودة"؟
وترتبط حركة حماس بعلاقات وثيقة مع تركيا، في ظلّ الزيارات المتبادلة، التي كانت آخرها زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في 8 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والتي تعدّ الأولى من نوعها منذ انتخابه رئيساً للحركة في عام 2017، إضافة إلى تقديمها ملاذاً آمناً لبعض قياداتها السياسيين والعسكريين، رغم اعتبار حركة حماس من قبل بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا بأنّها منظمة إرهابية.

يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى استغلال القضية الفلسطينية سياسياً
وتعدّ تركيا أحد أبرز الداعمين لحركة حماس، منذ تولّي حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002؛ حيث انتقدت أنقرة القرار الأمريكي بإدراج رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، على لائحتها السوداء لـ "الإرهابيين"، وبات الدعم التركي مهماً للغاية لحركة حماس، بعد أن تحطمت آمال أنقرة بالاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي أطيح بها بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.

المحلل السياسي تيسير الريماوي: عدم جدية السلطة الفلسطينية في معالجة الانقسام يعطي الذريعة لحماس للاستمرار في ذلك

واتّهمت إسرائيل، في 12 شباط (فبراير) 2018، "مقربين" من الحكومة التركية بمساعدة حركة حماس، بعد اعتقال وطرد مواطن تركي من إسرائيل، في أعقاب تحقيق أجراه جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشين بيت" عن الأنشطة العسكرية والاقتصادية واسعة النطاق التي تقوم بها حماس في تركيا دون أيّة معوقات، متهماً السلطات التركية بغض الطرف عنها بمساعدة مواطنين أتراك بعضهم مقربون من الحكومة التركية لحركة حماس.

وأفادت تحقيقات "الشين بيت"؛ بأنّ تركيا تساهم في تعزيز قدرات حماس العسكرية من خلال الكشف عن نشاط واسع النطاق تقوم به حركة حماس لغسيل الأموال في تركيا، يقدَّر بملايين الدولارات، وتمّ نقل هذه الأموال إلى الضفة الغربية المحتلة، وساعدت في تجنيد مواطنين عرب، إضافة لمساهمة تركيا في القدرات العسكرية لحماس عبر شركة "سادات" التي أنشأت "بتوصية من عدنان باشا، وهو مستشار قريب من مسؤولي الإدارة التركية".

اقرأ أيضاً: هل أساء ولاء حماس لإيران وتركيا للقضية الفلسطينية؟

وبحسب ما هو منشور على موقعها على الإنترنت؛ فإنّ "سادات" هي شركة لاستشارات في الدفاع الدولي، وأنّها "الشركة الأولى والوحيدة في تركيا التي تقدّم خدمات الاستشارات والتدريب العسكري على المستوى الدولي في قطاع الدفاع والأمن الداخلي، وتأسست تحت رئاسة العميد المتقاعد، والمقرَّب من أردوغان، عدنان فردي، وبدأت أنشطتها، في شباط (فبراير) 2012.

وتقول الشركة؛ إنّ هدفها "تأسيس تعاون بين الدول الإسلامية في مجال الصناعات العسكرية والدفاعية"، فيما يتضح من أنشطتها، داخل تركيا وخارجها، إنّها إحدى أذرع أردوغان لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية، الذي يأمل تنفيذه من خلال الهيمنة على الدول العربية والتلاعب كذلك بالقضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: إيران وحماس.. حبل لن ينقطع

المؤشرات تظهر أنّ "سادات" تتبنى أيديولوجيا "سلفية جهادية"، ولعبت دوراً في قمع المعارضين الأتراك، في تموز (يوليو) 2016، فضلاً عن أنّ هناك تقارير تشير إلى أنّها تتورط في توفير السلاح للميليشيات الإرهابية المتحالفة مع نظام أردوغان، في سوريا وليبيا، إضافة إلى دورها في إنشاء ميليشيات جديدة مؤيدة للرئيس التركي، بحسب تقرير لموقع تحليل قضايا الإرهاب "تيروريزم أناليستس".

دعم تركيا لحركة حماس

وفي تعليقه على ذلك، يقول المحلل السياسي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، غيث العمري، لـ "حفريات": إنّ "الدعم التركي لحركة حماس ينبع من عاملَين رئيسَين: أولاً الدعم التركي لمشروع الإخوان المسلمين إقليمياً؛ حيث تعدّ حماس التجربة الإخوانية الوحيدة المتبقية في السلطة في العالم العربي بعد انحسار الربيع العربي، وثانياً: تشكل حماس المدخل لتركيا للانخراط في الموضوع الفلسطيني بكل ما يحمله من أهمية رمزية وسياسية، مبيناً أنّ هذا الدعم يتجلّى أحياناً في محاولة تقديم حماس كبديل عن منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني، كما تمّ في مؤتمر كوالالمبور، على سبيل المثال، الأمر الذي من شأنه، بلا شكّ، تعميق الانقسام".

اقرأ أيضاً: محللون لـ "حفريات": تركيا تدعم حماس لتقوية التواجد الإخواني في غزة

ولفت إلى أنّ "العلاقة بين حماس وتركيا ترتكز على اشتراكهما في تبني رؤية الإخوان المسلمين، غير أنّ هذه العلاقة تعمقت إثر أزمة سفينة "مافي مرمرة"، وخروج حماس من سوريا مع بدايات الأزمة السورية، أثناء الربيع العربي؛ حيث استضافت تركيا بعض قيادات حماس، ومنحت الحركة دعماً سياسياً، وفي بعض الأحيان لوجستياً، ورغم إبعاد تركيا لبعض قيادات الحركة لاحقاً، فإنّ العلاقة لم تتأثر سلباً؛ حيث يستفيد الطرفان من استمرار العلاقة، مشيراً إلى أنّ تركيا تستفيد من استخدام الورقة الفلسطينية، وحماس تستفيد من الدعم السياسي التركي، وسماح تركيا لبعض عناصر حماس بالعمل داخل أراضيها".

تغليب المصالح التركية

وتابع العمري: "زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأخيرة إلى تركيا تندرج تحت مسمَّى الزيارات الروتينية، لا البحث عن ملاذ آمن لقيادتها في الخارج، لعلم حركة حماس بأنّ تركيا على استعداد لطرد جميع عناصرها وقياداتها عندما تستدعي المصلحة التركية ذلك، كما حصل عند طرد القيادي بالحركة، صالح العاروري، من قبل السلطات التركية خلال العام 2015، إثر الاتفاق التركي الإسرائيلي في ذلك العام".

الباحث غيث العمري: حماس تدرك بأنّ تركيا على استعداد لطرد جميع عناصرها وقيادتها عندما تستدعي المصلحة التركية ذلك

وبيّن أنّ "رهانات حماس الإقليمية كانت سبباً في قطيعتها مع المملكة العربية السعودية، باعتبار أنّ حماس جزء من المحورَين الذين تعدّهما السعودية تهديداً لأمنها ومصالحها، أولهما: المحور الإخواني بقيادة تركيا وقطر، وثانيهما: هو المحور الإيراني، كما ظهر في مشاركة وفد رفيع من حماس في جنازة قاسم سليماني، وقد أوضحت السعودية موقفها من حماس قبل عدة أعوام؛ حيث طلبت منها الخروج من هذَين المحورين، إذا ما رغبت في بناء علاقات معها، الأمر الذي ترفضه حماس، مما يبقيها في حال قطيعة ليس فقط مع السعودية بل مع دول عربية أخرى، في الخليج العربي وخارجه".
وعن إمكانية أن تخاطر تركيا بعلاقاتها الاقتصادية القوية مع إسرائيل، بدعمها لحركة حماس، يقول العمري: "تركيا لم تخاطر بعلاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، حتى في أوج الأزمة السياسية بين البلدين، إثر حادثة سفينة "مافي مرمرة"، وعندما اشترطت إسرائيل إبعاد قيادات من حماس، وبشكل خاص صالح العاروري، كشرط لتطبيع العلاقات الدبلوماسية امتثلت تركيا للشرط الإسرائيلي".

 

القضية الفلسطينية لتسويق السياسات التركية
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي، تيسير الريماوي أنّ "حركة حماس هي مدخل تركيا لاستخدام الورقة الفلسطينية، كإحدى أدوات تسويق سياساتها الإقليمية، إضافة إلى أدوات كثيرة أخرى منها السياسية، كاستغلالها الأزمات الليبية والسورية والخليجية، ومنها الأدوات الناعمة؛ كمحاولتها إعادة كتابة التاريخ، خاصة المتعلق بالفترة العثمانية، وأثرها في العالم العربي".

اقرأ أيضاً: حماس والأعرابي: ما الذي كشفه مقتل قاسم سليماني؟

ويضيف الريماوي، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "زيارات قادة حركة حماس لتركيا يضرّ بالتمثيل الفلسطيني، فهي تطرح نفسها كبديل عن منظمة التحرير"، مبيناً أنّ "حماس استغلت ضعف المنظمة والضرر الذي ألحقته السياسة الأمريكية الحالية بالتمثيل الفلسطيني، من أجل تقديم نفسها كبديل عنها، غير أنّه، وعلى المدى البعيد، تبقى المواقف والأهداف الأمريكية متعارضة تماماً مع مواقف وأهداف حماس".
ولفت إلى أنّ "حركة حماس تسعى إلى فصل قطاع غزة عن القضية الفلسطينية، وتقديم نفسها بديلاً عن الشرعية"، مؤكداً أنّ "ممارسات حماس على الأرض منعت السلطة الفلسطينية من ممارسة مهامها، وممارسات الحركة سياسياً، كما ظهر مؤخراً في تصريحات رئيسها، إسماعيل هنية، خلال تقديم واجب العزاء في السلطان قابوس، كلّ هذه الممارسات تشير إلى أنّ حماس تحاول تقديم نفسها كبديل عن الشرعية، بالتالي؛ فإنّ عدم جدية السلطة الفلسطينية في معالجة الانقسام يعطي الذريعة لحماس للاستمرار في ذلك".

للمشاركة:



اللبنانيون يرفضون حكومة دياب..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وقعت، أمس، مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة، والقوى الأمنية، في ساحة رياض الصلح، وسط بيروت، أثناء محاولة عدد من المتظاهرين الدخول إلى السراي الحكومي.

وأصيب في المواجهات 20 شخصاً، على الأقل، في صفوف الجانبين تمّت معالجة 18 منهم ميدانياً، وفق ما كشف الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، لوكالة "فرانس برس".

وحاول متظاهرون تجمّعوا قرب مقر رئاسة الحكومة إزالة الأسلاك الشائكة وسياج حديدي وإزاحة المكعبات الإسمنتية، كما رشق المحتجون بالحجارة والمفرقعات النارية قوات مكافحة الشغب التي ردّت باستخدام خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع،  وتمكّن عناصر مكافحة الشغب من تفريق المتظاهرين الذين كانوا قد تخطّوا تقريباً كلّ العوائق الموضوعة أمام مدخل مقر رئاسة الحكومة.

مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة والقوى الأمنية أمام مقرّ رئاسة الحكومة

وعبّر عدد من المتظاهرين، خلال مشاركتهم في احتجاجات أمس، عن رفضهم لحكومة دياب، مؤكدين أنّها ليست الحكومة التي طالبوا بها، وأنّها "ليست حكومة إنقاذ من اختصاصيين بعيدة عن المحاصصة"، مضيفين: "بعد مئة يوم، وكأنّ الشعب لم يقل شيئاً، نرفع صوتنا ضدّهم، لكنّهم يقومون بما يناسبهم".

 وكتبت وزيرة العدل، ماري كلود نجم، في تغريدة: "مُدانٌ ومرفوض هذا العنف، وتدمير أرزاق الناس وسط بيروت، الحراك قام لغاية نبيلة وليس لتخريب المدينة على حساب أهلها وتجّارها".

يذكر أنّ المظاهرات الاحتجاجية في لبنان، بدأت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وسط بيروت، عقب قرار اتخذته الحكومة بفرض ضريبة على تطبيق "واتس أب"، وسرعان ما انتقلت المظاهرات لتعم كافة المناطق اللبنانية.

ويواجه لبنان انهياراً اقتصادياً مع شحّ في السيولة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية، وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار، حتى تحولت فروع البنوك إلى مسرح يومي للإشكالات بين مودعين يطالبون بأموالهم وموظفين ينفذون القيود المفروضة.

 

 

للمشاركة:

الأردن: توجيه تهمة الإرهاب لثلاثة أشخاص.. ماذا فعلوا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وجهت محكمة أمن الدولة الأردنية، اليوم، تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي والترويج لأفكاره، بحقّ ثلاثة أشخاص.

وذكر القضاء الأردني، وفق ما نقلت صحف محلية؛ أنّ اثنين من المتهمين الثلاثة نفذوا عملية طعن ثلاثة سياح أجانب وثلاثة أردنيين في مدينة جرش الأثرية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وكشفت التحقيقات؛ أنّ المتهمين نفذوا عمليتهم الإرهابية انتقاماً لمقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي، بتوجيه مع أحد الإرهابيين الذي قدّم لهم فتوى بجواز قتل السياح.

محكمة أمن الدولة توجه تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بداعش والترويج لأفكاره بحقّ ثلاثة أشخاص

وتتلخص وقائع القضية، وفق لائحة الاتهام، في أنّ المتهم الأول من حملة الفكر التكفيري (داعش)، وهو صديق للمتهم الثاني، حيث باشر المتهم الأول بعرض فكره الإرهابي على المتهم الثاني واقتنع الأخير بهذا الفكر .

ثمّ خطط المتهمان للالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، وتواصلا مع شخص يدعى "أبو زينة" من تنظيم داعش.

ثم اتفقا مع المتهم الثالث على الترويج لتنظيم داعش، بعد أن اجتمعوا داخل مزرعة يعمل بها المتهم الثالث، وأثناء محاولة المتهم الأول الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، عرض عليه المدعو "أبو زينة" من داعش أن ينفذ عملية إرهابية، وأعطاه فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب، لتكون العملية انتقاماً لمقتل زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي".

الإرهابيون حصلوا على فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب لتكون العملية انتقاماً لمقتل البغدادي

وفكروا في البداية بتنفيذ عملية ضدّ كنيسة في منطقة دبين، ثم اتفقوا أن يتولى المتهم الأول تنفيذ العملية بالاعتداء على السياح الأجانب في جرش.

وكان الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام في الأردن، عامر السرطاوي، قد أوضح أنّ المصابين هم ثلاثة سياح ومرشد سياحي ورجل أمن أصيب اثناء محاولة القبض على المهاجم.

 

للمشاركة:

الحوثيون يستغلون المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

 لا تتوانى ميليشيات الحوثي الإرهابية عن استخدام أية وسيلة كانت لترفد قواتها بعناصر جدد يحاربون إلى جانبها، في ضوء الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها خلال المعارك الأخيرة.

هذه المرة حاولت الميليشيات استغلال الدين بتحويل منابر الجمعة إلى وسيلة للتحريض والتجنيد؛ حيث عمد خطباء الميليشيات الحوثية في العاصمة، صنعاء، الأول من أمس، إلى الدعوة لتجنيد المزيد من المقاتلين، وإن كانوا أطفالاً، للزجّ بهم في جبهات القتال.

وأكّد مصلون في عدد من المساجد، في العاصمة صنعاء، نقلت عنهم صحيفة "الشرق الأوسط"؛ أنّ "خطب مساجد الحوثيين بمعظم مناطق العاصمة صنعاء، أمس، تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي ودعوة اليمنيين للهبة والقتال بجبهة نهم والموت في سبيل مشروعها الظلامي الكهنوتي".

خطباء الميليشيات الحوثية في صنعاء يدعون لتجنيد المزيد من المقاتلين حتى إن كانوا أطفالاً

والاحظ المصلون أنّ جلّ خطب الميليشيات، أمس، على منابر المساجد كانت متشابهة بشكل كبير في استنجادها للمواطنين، وطلب الدعم والمساندة والإنقاذ منهم لمقاتليها، الذين تلقوا ضربات موجعة بمختلف الجبهات على أيدي قوات الجيش الوطني.

وبحسب المصلين؛ فإنّ خطباء الميليشيات دعوا مرتادي المساجد إلى "النفير والهبة الشعبية والدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال والجهاد دفاعاً عن العرض والدين".

في سياق متصل، كشف مصدر بمكتب الأوقاف والإرشاد، بالعاصمة صنعاء، أنّ المسؤولين الحوثيين في وزارة الأوقاف ومكتبها في الأمانة الخاضِعَين لسيطرتها، استدعوا، الخميس الماضي، عدداً من الخطباء والمرشدين لإعطائهم أوامر وتعليمات لحثّ المواطنين والسكان في خطبهم ودعوتهم إلى رفد جبهات الحوثيين بالمقاتلين، خصوصاً جبهة نهم، الواقعة شرق العاصمة صنعاء".

وقال المصدر بمكتب الأوقاف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، خشية انتقام الميليشيات؛ إنّ قيادة الجماعة طلبت من خطبائها الطائفيين أن يعملوا على تخويف جموع المصلين، وتحذيرهم من على المنابر، من خطورة اجتياح نهم ودخول صنعاء من قبل قوات الشرعية.

خطب مساجد الحوثيين بصنعاء تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي

بدورهم، أكّد سكان محليون بصنعاء لـ "الشرق الأوسط"، تركيز غالبية خطباء الجماعة في خطبتَي الجمعة بصنعاء، على بثّ خطاب الكراهية وتحريض الناس ليتحركوا إلى الجبهات، وإلحاق أبنائهم بالجهاد والقتال ضدّ من وصفوهم بـ "المنافقين والتكفيريين"، و"المرتزقة والغزاة".

من جانبهم، تحدّث مواطنون، يقطنون بالقرب من مساجد بصنعاء، عن مغادرة مصلين كُثر لعدد من المساجد فوز تحريض خطباء الجماعة الناس على الانضمام لجبهاتها القتالية العبثية.

ورأى المواطنون، أنّ العزوف الجماعي للمصلين عن مساجد الميليشيات جاء عقب موجة من الغضب الشديدة التي اجتاحتهم فور سماعهم خطب الميليشيات المتكررة المحرضة على العنف والقتل ونشر المذهبية والطائفية، التي سعت وتسعى الميليشيات منذ انقلابها لزرعها في أفكار المواطنين بصنعاء وبقية مناطق سيطرتها.

يذكر أنّ الميليشيات الحوثية تحكم قبضتها وسيطرتها حالياً على غالبية المساجد في العاصمة، وذلك بعد اعتقالها للمئات من الدعاة والأئمة والخطباء والمرشدين والزجّ بهم في السجون، واستبدالهم بخطباء موالين لها طائفياً.

وفي الوقت الذي وجهت فيه الميليشيات من خلال خطبائها الطائفيين، دعوات مكثفة من على منابر المساجد لجموع المواطنين بصنعاء للدفع بهم للانضمام لصفوفها والقتال بجبهاتها، دقت الميليشيات الانقلابية، أواخر الأسبوع الماضي، ناقوس الخطر، وجابت سياراتها شوارع وأحياء صنعاء بهتافات مختلفة عبر مكبرات الصوت، تدعو اليمنيين للنفير العام والهبة الشعبية لإنقاذ ميليشياتها في جبهة نهم.

مستشفيات العاصمة استقبلت على مدى الأيام الخمسة الماضية المئات من القتلى والجرحى الحوثيين

وذكرت المصادر المحلية؛ أنّ ميليشيات الموت أفردت دوريات مسلحة مهمتها جمع الشباب والأطفال من المارة في شوارع وأحياء وحارات صنعاء ونقلهم قسراً، بعد خداعهم والتغرير بهم، للقتال إلى جانب عناصرها.

وفي سياق متصل؛ كشفت مصادر طبية في صنعاء لـ "الشرق الأوسط"؛ أنّ "مستشفيات العاصمة استقبلت، على مدى الأيام الخمسة ماضية، المئات من القتلى والجرحى التابعين للميليشيات، الذين سقطوا إثر المواجهات المستمرة على امتداد خطوط التماس في جبهة نهم، البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء".

في المقابل، أكّد شهود عيان في أحياء متفرقة بصنعاء، أنّ الميليشيات الحوثية شيعت، خلال اليومين الماضيين فقط، أكثر من 60 عنصراً من قتلاها الذين لقوا حتفهم خلال المعارك الدائرة في جبهة نهم.

وتتكبد الجماعة الحوثية في جبهة نهم خسائر بشرية كبيرة، في ظلّ استمرارها في التحشيد والدفع بعناصرها، ومن تجنّدهم من الأطفال وطلبة المدارس، للقتال في محارق خاسرة ومحسومة سلفاً.

 

للمشاركة:



حالة مرضية في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

خيرالله خيرالله

يُعاني عدد لا بأس به من السياسيين العراقيين من حالة مرضية. يعود ذلك الى الرغبة في استرضاء ايران في وقت يعرف هؤلاء ان نظام "الجمهورية الإسلامية" يعاني من ازمة عميقة، بل ازمة مصيرية، كشفتها عملية اغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. ادّت هذه الحالة المرضية في العراق الى ردود فعل غير طبيعية ردّا على تصفية الولايات المتحدة لسليماني بعيد مغادرته مطار بغداد مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" مطلع هذه السنة. كانت البداية طلب مجلس النوّاب العراقي، في غياب معظم النوّاب السنّة وكل النواب الاكراد، انسحاب القوات الاميركية من العراق.

كلام عراقي كثير قيل منذ تخلّص الاميركيين من سليماني، بما في ذلك ما صدر عن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي يريد التخلّص من القواعد الاميركية من دون الإشارة الى الوجود الايراني في العراق، وهو وجود اقلّ ما يمكن ان يوصف به انّه طاغ. لم يتردد مقتدى الصدر، الذي عاد الى تحت الجناح الايراني قبل اشهر قليلة وشوهد في مجلس "المرشد" علي خامنئي الى جانب قاسم سليماني، في التهديد والوعيد للاميركيين قبل ان يدعو الى تظاهرة "مليونية" في بغداد لا يبدو انّها ستقدّم او تأخر. قبل كل شيء، لم تكن التظاهرة "مليونية". فضلا عن ذلك، بدأ مقتدى الصدر نفسه يعدّل من لهجة خطابه
بدعوته الى مجرد "غلق القواعد الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية" مؤكدا ان "الهدف والمطلب الأساسي هما جدولة خروج قوات الاحتلال فعليا وبشكل منظور على الأرض". قام مقتدى الصدر بنقلة نوعية تؤكّد انّه ليس سوى ضحيّة أخرى للحالة المرضية التي يعاني منها قسم كبير من الطبقة السياسية العراقية.

متى يعود أي سياسي عراقي، من السياسيين الحاليين، الى نفسه، يدرك في العمق انّ الدبابة الاميركية هي التي عادت به الى بغداد وان المشروع الايراني ليس سوى مشروع ذي افق مسدود في المدى الطويل. لكن ما العمل عندما يكون هذا السياسي او ذاك مضطرا الى ان يأخذ في الاعتبار انّ عليه مراعاة ايران الى ابعد حدود بعدما اكتشف ان لديها القدرة على منع أي شخص لا يعجبها من الوصول الى موقع رئيس الوزراء، كما حصل مع حيدر العبادي او مع اياد علّاوي، كما لديها ما يكفي من النفوذ لاقالة ضابط كبير مثل عبدالوهاب الساعدي لعب دورا مهمّا في الانتصار على "داعش" في الموصل وفي كلّ معركة.

من حسن الحظ انّه لا يزال في العراق عدد من السياسيين القادرين على التمتع بحدّ ادنى من الاستقلالية مع امتلاك لبعض من ذاكرة ايضا. لا شكّ ان الاكراد يمثلون نوعا من الاستثناء العراقي هذه الايّام على الرغم من ان اميركا خذلتهم بعد الاستفتاء على الاستقلال في الخامس والعشرين من أيلول – سبتمبر 2017. لم تقدم واشنطن على أي خطوة من اجل مساعدة مسعود بارزاني في ترجمة نتائج الاستفتاء، التي جاءت لمصلحة الاستقلال، على ارض الواقع. امتلك مسعود بارزاني ما يكفي من الحكمة وقدّم استقالته معترفا بفشله في تحقيق الحلم الكردي القديم. تعاطى مع الواقع ورضخ له. استوعب ان الدعوة الى استفتاء في ظروف معيّنة لم يكن خطوة في الاتجاه الصحيح على الرغم من ان نسبة مؤيدي الاستقلال في إقليم كردستان بلغت 92 في المئة.

ما يؤكد ان اكراد العراق متصالحون الى حدّ كبير مع الواقع ومع الحقائق العراقية تصرّف برهم صالح رئيس الجمهورية في مؤتمر دافوس. التقى برهم صالح الرئيس دونالد ترامب وتعاطى معه بصفة كونه رئيس الدولة الأكبر في العالم. لهذه الدولة فضل على كلّ سياسي حالي في العراق. لم يتجاهل الاكراد انّه لولا الجيش الاميركي لكان العراق لا يزال تحت حكم صدّام حسين وذلك بغض النظر عن ايّ مقارنة بين عراق ما قبل 2003 وعراق الآن. وهي مقارنة لمصلحة صدّام. اجتمع رئيس الجمهورية العراقية الكردي مع الرئيس الاميركي مع علمه المسبق انّ ايران ستعترض على ذلك وستستخدم ازلامها لشنّ حملة تهويل عليه. رأى برهم صالح اين مصلحة العراق وذلك على الرغم انّه لا يعتبر من السياسيين المعادين لإيران.

ما يؤكّد أيضا وايضا ان الاكراد يتعاطون مع الواقع العراقي كان موقف الرئيس الحالي لإقليم كردستان نيجرفان بارزاني في دافوس. ففي جلسة حوارية في اطار المنتدى الاقتصادي العالمي قال نيجرفان: "عندما يتعلق الامر بما يحصل في العراق فإننا نتحدث عن جيل تراوح أعمار المنتمين اليه بين 15 و23 عاما، أي أن هؤلاء لم يعايشوا فترة صدام حسين أو أميركا بل يسعون الى حياة أفضل مقارنة ببقية الشعوب". وأضاف: "المتظاهرون غير راضين عن أداء الطبقة السياسية وقد أوصلوا رسالتهم عبر الاحتجاجات. نستغرب ان هناك من يلقي كل اللوم على الخارج، فإذا افترضنا أن 70 في المئة متأثرون بأطراف خارجية، فإن هنالك 30 في المئة يتظاهرون بدوافع تلقائية، لذا لا بد أن نشعر بالمسؤولية ونراجع أنفسنا". وشدد على أن "الأكراد جزء من العراق ولا نستطيع النأي بأنفسنا عما يحصل لذلك نعمل على تهدئة الأوضاع ولدينا تواصل مع بغداد من اجل تحقيق هذا الغرض". وعن وجود القوات الأميركية في العراق، قال نيجرفان بارزاني، إن "القوات الأميركية موجودة بناء على طلب الحكومة للمساعدة في التصدي لداعش ومهماتها واضحة ومحددة. نرى أن قرار البرلمان العراقي غير صائب وصدر بغياب الأكراد والسنة، فالعراق لا يزال بحاجة الى الدعم الأميركي لأن خطر داعش لا يزال قائما". خلص الى التأكيد مجدّدا أن "المشكلة تكمن في عدم وجود شيء اسمه الولاء للعراق، في حين يجب أن يكون العراق جامعا لكل المكونات".

يوجد منطقان عراقيان لا يمكن ان يكون هناك قاسم مشترك بينهما، اقلّه في الوقت الحاضر، وذلك في انتظار ما ستؤول اليه الامور في ايران. هناك منطق لا علاقة له بالمنطق مثل منطق مقتدى الصدر وآخر متصالح مع الواقع اسمه المنطق الكردي. ارتكب الاكراد في الماضي أخطاء كثيرة. الظاهر انّهم استفادوا من هذه الأخطاء. استفادوا من ان الشعارات لا تطعم خبزا. انّهم على العكس من معظم قادة الأحزاب الشيعية من نوع مقتدى الصدر يعرفون ان مصلحة كلّ عراقي في المحافظة على العراق وان الخطر الأكبر هو ذلك الذي تمثّله ايران وليس الولايات المتحدة التي راهنت رهانا خاطئا على ان في الإمكان إقامة نظام ديمقراطي في العراق... وهي تدفع حاليا ثمن هذا الرهان!

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

إيران: طريق العودة للواقعية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

حسن فحص

لا يمكن ان يكون الحديث الذي ادلى به وزير الخارجية الايرانية محمد جواد  ظريف مع وسيلة اعلام المانية نقلته محطة "أي بي سي نيوز" حول استعداد بلاده للحوار مع الولايات المتحدة الامريكية على الرغم من عملية الاغتيال التي قامت بها لقائد قوة القدس في حرس الثورة الجنرال قاسم سليماني، موقفاً نابعاً من رغبة ظريف في هذا الحوار، لكنه يعبر عن وجود توجه لدى النظام للعودة الى الحوار، الا انه يريد حواراً متكافئاً تقوم قبله واشنطن بالغاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على ايران والعودة عن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وهي شروط لا يبدو حتى الان أنها تحظى بموافقة واشنطن التي تصر على حوار من دون شروط، ومن دون التطرق الى ورقة العقوبات الاقتصادية التي تعتقد بانها الاداة الاكثر فعالية في خنق النظام الايراني واجباره على الجلوس الى طاولة والتفاوض على شروط جديدة في الملفين النووي والصاروخي والنفوذ الاقليمي غرب آسيا.

الحديث الذي امتنعت وسائل الاعلام الايرانية بمختلف انواعها عن نقله او التعامل معه، يأتي مؤشراً على رغبة لدى النظام الايراني بتجاوز مرحلة التصعيد التي شهدتها المنطقة بين طهران وواشنطن بعد عملية الاغتيال الامريكية والرد الايراني على قاعدتي الحرير في اربيل وعين الاسد في الانبار. وان طهران تريد الاكتفاء بالحد الذي وصفته " بالصفعة" التي وجهتها للقوات الامريكية، والانتقال الى توظيف خسارتها باغتيال سليماني في البعد السياسي ان كان في محاولة جر واشنطن لتقديم تنازلات والعودة الى طاولة المفاوضات او من خلال ترك الامر للانشطة التي من المفترض ان تتولاها القوى الحليفة لها "الوكلاء" في المنطقة في اطار ما رسمه المرشد الاعلى وقيادة حرس الثورة بدعوة الشعوب لانهاء الوجود الامريكي في منطقة غرب آسيا.

ولم تتوقف اشارات التهدئة التي تصدر عن رئيس الدبلوماسية الايرانية تجاه دول المنطقة، خصوصا باتجاه الدول الخليجية وتحديدا العربية السعودية، والحديث عن مفاوضات مباشرة قريبا بين الطرفين، والتي من المفترض انها لن تقتصر على الازمة اليمينية وتفعيل الحل السياسي في هذا البلد، بل ستشمل ازمات المنطقة كافة، ان كان في العراق او سوريا او لبنان، خصوصا وان النظام الايراني لا يرغب في الذهاب بعيدا في المواجهة العسكرية مع واشنطن، وان ما تركه من مهمات على عاتق حلفائه "الوكلاء" في مناطق النزاع والتماس المباشر مع القوات الامريكية يمكن التحكم به ومساراته اما تصعيدا لممارسة الضغط لتسهيل وتسريع التفاوض، واما نحو التهدئة وكبح جماح هذه القوى وعدم الانتقال الى مواجهة وحرب عصابات مفتوحة قد يكون من الصعب التحكم بمآلاتها.

العودة الايرانية للحديث عن التفاوض ومع واشنطن بالتحديد، من غير المستبعد ان يكون مجرد خطأ او مناورة من ظريف بعيدا عن التفاهم مع قيادة النظام بجناحيها السياسي والعسكري، وهي لا تتناقض مع التصعيد الذي جاء في كلام ظريف امام البرلمان الايراني تجاه الترويكا الاوروبية ولغة التشدد التي سيطرت على مواقفه، بل تصب في اطار تعزيز الرغبة الايرانية بالتوصل الى تفاهمات مع واشنطن بعد ادراك العجز الاوروبي عن اتخاذ خطوات تخفف من حدة الضغوط الامريكية.

والانتقال الى لغة التفاوض في ظل استمرار سيل التصريحات والتهديدات الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية (حرس الثورة) ضد القوات الامريكية في منطقة غرب آسيا، قد لا تعني ان طهران في صدد الاستمرار بالتصعيد المفتوح كما توحي هذه المواقف، بل قد تعني الاستعداد للانتقال الى التهدئة وتوظيف التطورات لفتح مسار يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين الطرفين، انطلاقا من ان التأخير في تثمير هذه التطورات قد يرتد سلبا ويعقد الامور ويأخذها الى مستويات تكون فيها السلبية أعلى من الايجابية.

فبالاضافة الى الرد الذي قامت به طهران ضد  قاعدة عين الاسد الامريكية واختيار الطرفين السكوت عن الخسائر البشرية، يشكل مؤشرا واضحا عن نية الطرفين في عدم تجاوز حافة الهاوية، والاحتفاظ بخطوط العودة الى التهدئة والتفاوض، ولعل ما شهدته الساحة العراقية من خطوات قامت بها القوى والاحزاب وفصائل الحشد الشعبي من الامساك بخيوط العملية السياسية في الحكومة والبرلمان والدفع باتجاه اصدار قرار يطالب القوات الامريكية الخروج من هذا البلد، الى جانب ما حققته على خط توحيد صفوف الاحزاب الموالية لها وتنظيم التظاهرة "المليونية" التي شكلت نقلة نوعية في العلاقة بين طهران السيد مقتدى  الصدر زعيم التيار الصدري، ما يعني انها ستكون بحاجة الى فتح المجال امام مساعي التهدئة على الساحة العراقية من اجل تثمير هذه الخطوات في العملية السياسية واختيار رئيس جديد للوزراء، لا يشكل قطيعة تامة مع واشنطن بل يساهم في التهدئة بحيث لا يخرج كلا الطرفين خاسرا في العراق.

والى جانب الموضوع العراقي، فان طهران ايضا تريد توظيف ما حققه حليفها حزب الله على الساحة اللبنانية ونجاحه بتشكيل حكومة جديدة يبدو انه سيبذل كل طاقته وجهوده من اجل  توفير الاجواء لنجاحها من خلال تسهيل عملها واتصالاتها الدولية والعربية، وقد بدأ مسار التهدئة هذا منذ استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الوزراء اذ لم تشهد خطابات الامين العام لحزب الله ان كان حول الازمة اللبنانية او في ما يتعلق باغتيال سليماني واحداث العراق مواقف تصعيدية ضد الدول الخليجية وتحديدا السعودية.

تشابك الملفات التي تواجهها ايران في المنطقة وما فيها من تعقيدات، قد تسمح للحكومة الايرانية برئاسة حسن روحاني بتوظيف الوضع المتشعب والتحديات التي يفرضها على المؤسسة العسكرية ان يقوم بخطوة الى الامام تخدم رؤيته في الامساك بزمام المبادرة على قاعدة تقاسم الادوار بينه وما يعنيه من انفتاح على المجتمع الدولي وتفكيك ازمة العقوبات مع واشنطن، وبين النظام المشغول في احكام قبضته على الساحة الداخلية وليس آخرها الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

عن "المدن"

للمشاركة:

هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية