لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟

لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟

مشاهدة

01/10/2019

ترجمة: محمد الدخاخني


قبيل الانتخابات الرئاسية عام 2000، حُثَّ جورج بوش من قِبل أحد المستشارين على السّعي وراء فئةٍ من النّاخبين الذين قد يروق لهم الخطاب الدّاعم للأعمال التجارية والمُحافِظ من النّاحية الاجتماعيّة: المسلمون. ومن جانبه، أخذ بوش النّصيحة وفعلت فعلها. وفي عام 2001، وجدت دراسة استقصائيّة حول المسلمين الأمريكيّين (بما في ذلك أولئك الّذين لم يدلوا بأصواتهم أو لم يعطوا إجابة واضحة) أنّ 42 في المائة قالوا إنّهم صوّتوا لصالح بوش مقابل 31 في المائة صوّتوا لمنافسه الدّيمقراطيّ، آل غور. وبين المهاجرين المسلمين الّذين تتزايد حركتهم، وكثير منهم من المهنيّين أو روّاد الأعمال، كانت نسبة التّصويت للجمهوريّين أعلى بكثير.

شادي حميد: تعميق الشّراكة بين المسلمين والدّيمقراطيّين لم يكن مبنيّاً على أسئلة السّياسة الخارجيّة وإنّما على المِحَن

الآن، مع ذلك، وفيما تتوهَّج المشاعر المعادية للمسلمين بين مؤيّدي دونالد ترامب - والرّئيس بالكاد يعبِّر عن عدم تشجيعه لها -، يأخذ هذا الحبّ شكل ذكرى بعيدة. ويكتسب المسلمون الأمريكيّون الآن ظهوراً سياسيّاً، ولكن فقط في أقصى يسار الطّيف السّياسيّ. وأحد أعراض هذا التّحوّل هو انتخاب امرأتين مسلمتين (رشيدة طليب وإلهان عمر) لمجلس النّوّاب  وكانتا، إلى جانب زميلتين أُخرَيين وديمقراطيّتين يساريّتين أيضاً، قد سَخِرتا من السّيّد ترامب ومؤيِّديه.
وكان التّغيّر الكبير في عاطفة المسلمين واضحاً في السّباق الرّئاسيّ لعام 2004، كما تأكَّد في سباق عام 2008 الّذي فاز به باراك أوباما. فبحلول عام 2007، أخذ نحو 63 في المائة من المسلمين الأمريكيّين "يميلون" نحو الدّيمقراطيّين، مقابل 11 في المائة فقط توجّهوا نحو الجمهوريّين. ولم تتغيّر هذه الأرقام كثيراً منذ ذلك الحين، وفقاً لمعهد بيو للأبحاث. وبين المسلمين الّذين صوّتوا في السّباق الرّئاسيّ لعام 2016، قال 8 في المائة فقط إنّهم اختاروا السّيّد ترامب (الّذي كان قد أعلن أنّ "الإسلام يكرهنا") و78 في المائة صوّتوا لهيلاري كلينتون.

اكتسب المسلمون الأمريكيّون الآن ظهوراً سياسيّاً، ولكن فقط في أقصى يسار الطّيف السّياسيّ
ويعتقد دعاة المشاركة السّياسيّة للمسلمين أنّ أكثر من مليون مسلم سُجِّلوا في قوائم التّصويت عام 2016، وأنّ انتخابات الكونغرس العام الماضي شهدت ارتفاعاً في عدد المسلمين الّذين يتوجّهون إلى صناديق الاقتراع. ويقدّر معهد بيو أنّ حوالي 3.5 مليون مسلم يعيشون في أمريكا. وهو ما يمثّل حوالي 1 في المائة من سكّان البلاد اعتباراً من عام 2015، وبالتّالي يكونون أكثر عدداً من الهندوس (0.7 في المائة) أو البوذيّين (0.7 في المائة)، بالرّغم من أنّ اليهود أكثر منهم عدداً (1.8 في المائة). لكن من المتوقّع أن تتغيّر هذه الصّورة بسرعة مع تضاعف حصّة المسلمين بحلول منتصف القرن.

اقرأ أيضاً: لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟
الأسباب الرّئيسة للتّحوّل في مواقف مسلمي أمريكا حُلِّلت كثيراً. فبعيد الهجمات الإرهابية الّتي وقعت في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، كانت هناك سلسلة من جرائم الكراهية ضدّ أتباع الإسلام، وظهر العداء الصّريح تجاه المسلمين عند شريحة متزايدة من النّاخبين. وهو ما وضع النّاخبين المسلمين في ذهنيّة دفاعيّة، والدّيمقراطيّون، بتبنّيهم التّنوّعَ الثّقافي، قدّموا الملاذ الأكثر أماناً. وهناك عامل آخر، بالرّغم من أهمّيّته المتنازع عليها، يتمثّل في أنّ المسلمين الأمريكيّين الأصغر سنّاً نشأوا على نحو أكثر ليبراليّة فيما يتعلّق بمسائل ثقافيّة، وبالتّالي فهم أقلّ انقياداً لحجج "القِيَم العائليّة" الّتي يروِّجها الجمهوريّون. وبالنّسبة إلى المسلمين الأمريكيّين من أصول إفريقيّة، فإنّهم (شأنهم شأن المسيحيّين الأمريكيّين من أصول إفريقيّة) دائماً ما كانوا على اليسار في خيارات التّصويت.

اقرأ أيضاً: لماذا تخسر أمريكا "معركة القلوب والعقول" دائماً؟
ومع ذلك، فإنّ القول بأنّ المسلمين الأمريكيّين قد انتقلوا من أحد أطراف الطّيف الأيديولوجيّ إلى الآخر سيكون تبسيطاً مُفرِطاً. فحسب يوسف شهود، وهو عالم سياسة بجامعة كريستوفر نيوبورت، فإنّ المسلمين ليسوا يساريّين راسخين بقدر ما هم رُحَّل، في حالة بحث عن أيّ شخص يستمع إليهم، والاهتمام الوحيد والمحترم الّذي يتلقّونه يأتي من اليسار. وحتّى في هذا الجانب، شعروا قليلاً بأنّهم غير محبوبين مؤخَّراً. ففي مؤتمر "الجمعيّة الإسلاميّة لأمريكا الشّماليّة" الّذي انعقد في 31 آب (أغسطس) - وتُطلِق الجمعيّة على نفسها لقب أكبر منظّمة إسلاميّة في البلاد -، لم يقبل سوى مُرشّحَيْن ديمقراطيّين للرّئاسة دعوات التّحدّث: السّناتور بيرني ساندرز، وجوليان كاسترو، وزير الإسكان السّابق. والسّيّد ساندرز هو أيضاً أكثر المؤيّدين قوّة لحقوق الفلسطينيّين في السّباق الانتخابيّ الابتدائيّ. وكما يقول السّيّد شهود، فإنّ هذا يترك المسلمين "في حالة بحث عن مكان يمكن أن يشعرهم بأنّهم مجتمع مرغوب فيه. وأيّ سياسيّ يتكلّم معهم سيكون موضع تقدير".

اقرأ أيضاً: من هم الذين لا يقرأون الكتب في أمريكا؟
في هذا المناخ، يعتبر المسلمون الجمهوريّون من الأنواع المهدّدة بالانقراض، في حال لم تنقرض بالفعل. وأحد المتمرّسين في هذه القضيّة هو زهدي جاسر،  وهو طبيب مقيم في أريزونا. وقد شغل منصب نائب رئيس "لجنة الولايات المتّحدة للحرّيّة الدّينيّة الدّوليّة"، وهي هيئة مراقبة من الحزبين الجمهوريّ والدّيمقراطيّ، كمرشح جمهوريّ. وبالرّغم من أنّ ترامب لم يكن مرشّحه المفضّل، فإنّ الدّكتور جاسر يعلن عن "دهشته السّارّة" بشأن العديد من سياسات إدارة ترامب، ويصرّ على أنّ "حظر المسلمين" ليس هو التّعبير الدّقيق لوصف حملة الرّئيس لمنع دخول مواطني خمسة بلدان ذات أغلبيّة إسلاميّة.

اقرأ أيضاً: في أي سياق جرى تعيين مارك إسبر وزير دفاع أمريكا الجديد؟
ويشعر الدّكتور جاسر بأنّ الصّورة النّمطية "المسلمون = اليسار" تعود جزئيّاً إلى خطأ أولئك الّذين يدّعون تمثيل المسلمين، والأمر لا يتعلّق إلى حدّ كبير بمثيري المشكلات من الصّغار وإنّما بالآباء الرّوحيّين الكبار للمجتمع الإسلاميّ في أمريكا. ففي رأيه، يعاني هؤلاء القادة المخضرمين من فشل كبير. إنّهم لم يُبعدوا أنفسهم البتّة عن القضيّة العالميّة للإسلامويّة، فكرة أنّ الشّكل المثاليّ الوحيد للحكم هو الشّكل الإسلاميّ. (وهم، بالطّبع، لا يقترحون نظام الحكم هذا في أمريكا، ولكن لدى الكثيرين منهم سجلّ في تأييد الإسلام السّياسيّ في أماكن أخرى). هذا الميل نحو الإسلامويّة يجعلهم مصدر ريبة خاصّ في أعين المحافظين الأمريكيّين من التّيار الرّئيس، ولا يتركون أيّ مكان متاح أمام المسلمين سوى اليسار.

هناك توتّرات معيّنة، بين النّزعة الاجتماعيّة المحافظة لبعض المسلمين والأخلاق العلمانيّة للدّيمقراطيّين
وبينما يتجوّل في أمريكا مخاطباً مجموعات من المُحافِظين، يجد الدّكتور جاسر هذه المجموعات منفتحة على قناعة مفادها أنّ العقيدة السّياسيّة للإسلامويّة، والّتي في نظره يمكن ويجب فصلها عن التّعاليم الرّوحيّة والأخلاقيّة للإسلام، هي خصمهم الحقيقيّ. ويوضّح أنّ الإسلام باعتباره مجموعة من المعتقدات الميتافيزيقيّة والمعايير الأخلاقيّة يمكنه أن يزدهر، في أمريكا وفي أيّ مكان آخر، بموجب مبدأ الفصل بين الكنيسة والدّولة الّذي كان عزيزاً على الآباء المؤسّسين. وبمجرّد تقديمه هذه الحجّة، ينفتح مستمعوه على قناعةْ أنّ المسلمين الأمريكيّين المحترمين هم حلفاء ضدّ الإسلامويّة.
وسواء أكانوا يستحقّون النبذ نظراً لتقدّمهم في العمر أم لا، فإنّ قادة الفكر المسلمين الأمريكيّين، سواء كانوا روحيّين أم سياسيّين، منقسمون بكلّ تأكيد. وبطرق تترك النّاخبين المسلمين العاديّين في حيرة بعض الشّيء، نجدهم يتشاجرون فيما بينهم، عادةً حول أحداث تجري في أماكن بعيدة. فقد احتدم النّقاش حول ما وقع في مصر عام 2013، والانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، والحرب الأهليّة في سوريا. وفي صميم العديد من هذه النّزاعات، يوجد اختلاف في المواقف تجاه جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها المروِّج المعتمد للإسلامويّة. وعلى حدّ تعبير ه. أ. هيلير، وهو محلّل في مؤسّسة كارنيغي، "فإنّ أحد خطوط الصّدع لدى المثّقفين المسلمين الأمريكيّين يظهر بين أولئك الّذين يرون الإسلامويّة باعتبارها القاعدة الأساسيّة والملائمة للحياة السّياسيّة الإسلاميّة، وأولئك الّذين يعارضونها فلسفيّاً".
وقد لا يتوفّر للمسلمين الأمريكيّين العاديّين الكثير من الوقت للفلسفة، لكن يشعر الكثيرون منهم ببعض الحيرة في الأسابيع الأخيرة، حيث تورّط واحد من أكثر الشّخصيّات الرّوحانيّة تبجيلاً في نزاع له بعد سياسيّ داخليّ. غالباً ما يوصف حمزة يوسف، وهو شيخ يقطن كاليفورنيا، بأنّه أبرز علماء الإسلام في أمريكا. وفي تمّوز (يوليو)، تولّى وظيفة، على نحو غريب، مع إدارة ترامب من خلال الانضمام إلى لجنة شكّلتها وزارة الخارجيّة للتّفكير في تعريفٍ لحقوق الإنسان... ولم يكن يوسف يتمتّع بشعبيّة كبيرة بين إخوانه في الدّين من ذوي الميل اليساريّ؛ لأنّه قال بعد انتخاب السّيّد ترامب إنّ على المسلمين القبول بسلطته.
وفي الأيّام الأخيرة، تعرّض لانتقادات شديدة؛ لأنّه تحدث بسخرية عن الانتفاضة السّوريّة الّتي بدأت عام 2011. ففي مقطع فيديو عمره ثلاثة أعوام أصبح فجأةً منتشراً هذه الأيّام، قال إنّ الثّورة أدّت إلى إهانة لا توصف للمسلمين. وفي مقطع فيديو جديد اعتذر إذا كانت كلماته قد أساءت إلى أولئك الّذين عانوا في ظلّ النّظام السّوريّ.

التّغيّر الكبير في عاطفة المسلمين كان واضحاً بالسّباق الرّئاسيّ 2004، كما تأكَّد عام 2008 عندما فاز أوباما

ومع ذلك، يشعر بعض المدافعين عن تحالفٍ ديمقراطيّ-إسلاميّ بأنّهم يستطيعون أن يفعلوا شيئاً جيّداً دون الحاجة إلى مسلمين بارزين مثل السّيّد يوسف. وبالرّغم من عدم الاهتمام الّذي أبداه الدّيمقراطيّون الآخرون، فإنّهم شعروا بالصّدمة من ظهور السّيّد ساندرز في مؤتمر "الجمعيّة الإسلاميّة لأمريكا الشّماليّة" وخاصّة بشأن أحد تعليقاته. فقد أسعد الباكستانيّين الأمريكيّين بقوله إنّه "يشعر بقلق عميق" إزاء تصرّفات الهند "غير المقبولة" في كشمير. وأعطى هذا إشارة إلى إحدى قضايا السّياسة الخارجيّة والّتي قد تلوح في الأفق بشكل كبير إلى حدّ ما بالنّسبة إلى النّاخبين من أصول جنوب آسيويّة في سباق عام 2020. وبعض الأمريكيّين الهنود أُعجِبوا بصداقة ترامب مع ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند؛ ويأمل الكثير من الأمريكيّين الباكستانيّين أن يتقدّم متسابق ديمقراطيّ إلى الجانب الآخر.
ويقول شادي حميد، زميل معهد بروكينغز، وهو عبارة عن مؤسّسة فكريّة، إنّ تعميق الشّراكة بين المسلمين والدّيمقراطيّين لم يكن مبنيّاً على أسئلة السّياسة الخارجيّة، وإنّما على المِحَن: الذّعر الّذي أحدثته روح العنصريّين البيض الّتي يرى المسلمون والدّيمقراطيون أنها تُخيّم على البلاد. وكما يقول، هناك توتّرات معيّنة، بين النّزعة الاجتماعيّة المحافظة لبعض المسلمين والأخلاق العلمانيّة للدّيمقراطيّين. لكن في الوقت الحاليّ، يجري السّيطرة على مثل هذه التّوترات من خلال شعور مشترك بالتّعرّض للخطر. وإذا مرّت فترة ترامب، فإنّ التّوترات الدّاخليّة للتّحالف الدّيمقراطيّ ستأخذ موقع الصّدارة، لكن إلى أن يحدث ذلك، فإنّ الشّعور بأنّهم تحت الحصار سيُبقِي التّحالف في حالة تماسك. وبشكل عام، يقول النّاخبون المسلمون: "مهما كان الدّيمقراطيّون علمانيّين، فإنّهم من سيحظى بدعمنا".


مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.economist.com/erasmus/2019/09/22/why-american-muslims-lean-leftwards-for-2020

الصفحة الرئيسية