"ماذا يعني انتمائي للإسلام" لفتحي يكن: الهدم وسيلة الإخوان للسلطة

12398
عدد القراءات

2018-02-25

ظلت جماعة الإخوان المسلمين، كتلة في مجتمعاتها تتعبد بهدم دولها، ونقض أنظمتها، رافضة أن تسخر إمكاناتها للمساهمة الإيجابية في أوساطها المجتمعية، أو المشاركة فيها، فضلاً عن محاولة البناء، فنخرت كسوس في عظام الدولة، في انتظار لحظة الانهيار، وعندما سقطت عدد من الدول إثر "الربيع العربي"، وقف التنظيم عاجزاً تماماً عن أن يبني ما قد هدم، أو أن يقدم مشروعاً لنهضة الدولة، كما أنه تعرض لتلك العزلة التي ضربها من قبل على أوساطه المجتمعية، وشرب من الكأس نفسه.

إنّ أكثر ما يلفت الانتباه في كتاب الإخواني اللبناني فتحي يكن "ماذا يعني انتمائي للإسلام"، هو قوله: "إن قبضة الحركة الإسلامية، ينبغي أن تكون موجهة دائماً، وباستمرار إلى مقاتل النظم الوضعية الحاكمة، إلى مرتكزاتها الأساسية وقواعدها ومنطلقاتها".. ولم يكتف بذلك؛ بل تتعالى نبرته التحذيرية من أن تأتي خطوة لصالح النظم فيقول: "حذار من أن تكون الخطوة سبباً في عيشها، لا مسماراً في نعشها، حذار من نقطة تكون مبرراً لبقائها، لا عاملاً في زوالها وفنائها".

يكن: ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم

تفوح من كلمات الرجل ميكيافلية سافرة، تبعد مسافات عن العمل الصالح المجرد، إن لم يكن يخدم أهداف الجماعة في الوصول لأهدافها؛ بل ينهار النظام أولاً ثم تأتي بعد ذلك الحركة لينسب إليها النجاح وحدها دون غيرها: "ليس من مهمة العمل الإسلامي أن يلتمس حلول المشكلات؛ التعليمية، والإعلامية، أو الغذائية، أو الكسائية، أو السياسية، والاقتصادية،..."، كأنّه تطبيق نموذجي لمقولة "دعه يغرق"؛ فلا مشاركة في بناء، أو حل لمشكلات، حتى تنهار السلطة.

الشرب من الكأس نفسه

عندما صعد "الإخوان" إلى سدة الحكم في مصر، وجدوا أنفسهم أمام كتل من المشكلات المتراكمة في كافة القطاعات، فوقفوا عاجزين عن وضع حلول لها؛ إذ إنّهم لم يساهموا في عمليات إصلاحية من القاعدة من قبل، واكتفوا بنقد النظم الحاكمة في كل خططها ومشاريعها، في انتظار تهاوي النظام، حتى يصعدوا هم، وعندما صعدوا لم يجدوا سوى مؤسسات مترهلة، ولم ينجحوا في إقناع القوى الأخرى بوضع طاقاتهم في سلة واحدة، فكان السقوط المدوي.

فإذا كان هناك التحام أو تفاعل مع مثل هذه المشكلات، فإن الهدف الأساسي ليس تقديم مشروع أو حتى طرح ما يمكن أن يساعد في حلها.. يقول يكن: "إذا كان لا بد من التعرض لمثل هذه المشكلات، من قريب أو بعيد، فبقدر ما يؤدي إلى إدانة النظم التي أفرزتها، وبقدر ما يعري هذه النظم ويفضحها".

ويوضح ذلك بضرب عدد من الأمثلة العملية: "فإذا عرضت مشكلة الغلاء مثلاً، كان على الحركة أن تبيّن أنّها ثمرة طبيعية لحاكمية النظم الرأسمالية، وسيطرة فئة من الناس على ثروات البلاد، وتسخيرها لمصالحها الذاتية، وأنّ الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يملك خلق مجتمع نظيف تتحقق فيه العدالة، لا أن تعمل الحركة على مساعدة هذه النظم على حل المشكلة؛ لأنها بذلك تكون قد أعطتها مبرراً للبقاء".

ويذهب يكن ليؤصّل المهمة الأساسية للتنظيم بوضوح: "إن مهمة الحركة الإسلامية أن تهيئ كل الإمكانات لإزالة حكم الطاغوت، فهي ليست حركة إصلاحية اجتماعية، تبذل العطاء في مجالات اجتماعية بشكل مجرد؛ بل عملها كله ينصب على إزالة النظام، وإقامة آخر بديلاً له يحكم بالإسلام"

يحدد يكن خطواته مستشهداً بمقولة البنا:  "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح"

يحدد الرجل خطواته بدقة مستشهداً بمقولة حسن البنا، مؤسس الجماعة، التي تحصر خطواتها في 3 مراحل رئيسة "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح".

كما يؤطر للعلاقة الحاكمة بينه وبين المجتمع الذي يصفه بـ"الجاهلية"، فيرى أنه "لا يكون التعايش مع الجاهلية "أمداً وقدراً" إلا في حدود ما تحتاجه عملية الانقلاب عليها من قوى وإمكانات؛ لأن الغاية هي تحقيق هذه النقلة".

الهدف إذن نسف النظام والانقلاب التام وإعمال المعول لنقض الحضارة والثقافة التي يقوم عليها المجتمع، ولذا فإنه يكشف عن ذلك بجلاء: "فإذا كانت غاية المنهج الإسلامي، هي تعبيد الناس لله في سلوكهم وتعاملاتهم، في أنظمتهم وتشريعاتهم، وفي كل مناحي حياتهم، فإنّ ذلك يعني إحلال المنهج الإسلامي محل النظم الوضعية، فإن ذلك يعني استبدال وضع بوضع، يعني نقض الأسس والمرتكزات، التي يقوم عليها المجتمع ونقض الحضارة التي يتبناها ويعتمدها".

فتحي يكن

سياسة النفس الطويل

في سردية المرحلية، يشدد يكن على وجوب تبنّي "سياسة النفس الطويل"، وهدم اللبنات بصبر شديد، فإن ذلك سيوصل في النهاية إلى الغاية المخطط لها بعناية: "إن ضخامة العبء وثقل التضحيات، الملقاة على عاتق العاملين في الحقل الاسلامي، يؤكدان أنّ الطريق طويل، والعمل شاق والجهاد مرير، ولا يستعجلوا الثمرة قبل نضوجها".

ثم يعيد تكرار مقولة "علانية العمل وسرية التنظيم"، "فصوت الجماعة يجب أن يعلو، لكن التنظيم يجب أن يبقى سراً.. فاستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، والحرب خدعة".

ينحاز الرجل في الكتاب، إلى أفكار سيد قطب، ويؤكد على مفهوم "العزلة النفسية لا الحسية": "مفهوم العزلة هنا التي يشير إليها سيد قطب هي عزلة الشعور من أن يدنّسه رغام الجاهلية، والعزلة هنا تعني التمايز، تمايز الفئة المؤمنة عن الفئة الكافرة".

 

 

ولا ينسى وهو في طريقه لإيصال فكرته، أن ينسف الجماعات الإسلامية التي تتخذ طرائق للعمل مغايرة لما تنتهجه جماعته: "عليّ أن أدرك حين أنتمي للحركة الإسلامية، أنّ طرائق العمل الإسلامي الأخرى، ومنظماته المختلفة لا تمثل الخط الإسلامي الأصيل، وأنّ واحدة منها لا تلتزم بمنهج الرسول الكريم كاملاً، فيما يتعلق بالجانب الروحي والثقافي والخيري والسياسي".

ومع أنّه يستخدم مصطلح "الحركة الإسلامية" إلا أنه بالطبع يقصد بها "جماعة الإخوان" فيغلق المسارات كافة على الجماعات الأخرى التي يقول عنها: "لا تمارس العمل الإسلامي الأصيل المتكامل، العمل الذي يمكن أن يحقق النقلة الكبيرة من الجاهلية للإسلام، العمل الذي يمكن أن ينقذ العالم الإسلامي من تحكم الحضارة الغربية الفاجرة، وحكم الكفر والطاغوت، ولذلك تبقى أعمال كل هذه الفئات مبتورة شوهاء".

لا تعتقد أنك مسلم!

"لا تعتقد أنك مسلم في الحقيقة، فأنت لست كذلك، فكثير من الناس مسلمون بهوية إثبات الشخصية؛ لأنّهم ولدوا من أبوين مسلمين".. ترتكز جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات، على هذا المدخل الصادم في خطابهم الدعوي، حتى يأتي دور دعاتها في تلقف المستهدفين الباحثين عن الخلاص عبر عقيدة صحيحة، وجماعة تمثل المحضن الذي يتعهد بتوفير مستلزمات الانتماء للإسلام.

يبين الكاتب الشروط التي يجب توافرها في كل من انتمى لهذا الدين، "إن كثيراً من الناس مسلمون بالهوية، أو مسلمون لأنهم وُلدوا من أبوين مسلمين، وهؤلاء وأولئك لا يدركون في الحقيقة معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء، ولذلك تراهم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، يبيّن ما يطلبه الاسلام من المسلم، ليكون انتماؤه للإسلام انتماءً صحيحاً وحقيقياً"؛ لا تنطبق غالبية الشروط التي يسردها على معظم المسلمين اليوم، ولذا فإن غالبيتهم الكاسحة لا تنتمي للإسلام حقيقة بنظره.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة" يدّعي فيه أنّ من يترك التنظيم عاجز عن الإيمان

لا يعترف فتحي يكن، وهو زعيم الجماعة الإسلامية في لبنان "فرع الإخوان المسلمين"، من العام (1962-1992)، في كتابه، بصحة عقيدة المجتمعات الإسلامية؛ بل يسوق 17 شرطاً، يجب أن تتوافر في الفرد حتى يوصف بالإسلام، ولا يخرج في هذا المعنى عن المفهوم الذي دشن له سيد قطب، وتبعته في ذلك الغالبية الكاسحة من الجماعات والتنظيمات الإسلاموية، فشهادة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" لا تكفي لوصف قائلها بالإسلام، حتى تتجلى عليه حقائقها وسماتها وشروطها.

يأخذنا يكن (1933–2009)، من هذا المدخل إلى أن يصل في النهاية إلى أنّ جماعة الإخوان هي الجماعة التي تتوافر فيها صفات الجماعة الربانية، التي يجب الانتماء إليها، دون غيرها من الجماعات، وإذ يفعل ذلك يمر بمراحل تدريجية مرتّبة يحاول أن يستلب فيها عقول المخاطبين وأفئدتهم، حتى يصل في النهاية إلى مبتغاه.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى جماعة الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة"، كتبه ليثبت أنّ من يترك التنظيم، ما هو إلا فرد لم تتوافر فيه خصائص المؤمن الحق، وأنّه يمتلك من المشكلات النفسية الداخلية، ما يجعله ينتكث عند التعرض للفتنة، لتبقى الجماعة نقية بعد عمليات التمحيص، وقسّمهم لأنواع عديدة، إلا أنه نفسه سقط "وفق مفاهيمه" على طريق "الدعوة"؛ إذ إنّه انشق عن الجماعة فيما بعد، وتسوق قادتها بعد انشقاقه مقولات من قبيل أنّ ما كتبه كان جيداً، لكن الشخص نفسه تعرض للفتنة.

اللافت أنّ كتاب "يكن" هذا لم تدرسه جماعة الإخوان لأعضائها فقط، بل تبنّته جماعات متطرفة، ودرسته لأعضائها، مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر.

معسكر الباطل

يستخدم الكاتب في توصيله لأفكاره أسلوب ضمير المتكلم، فيقسم الناس إلى ثلاثة أقسام في فصل "أن أعيش للإسلام":

"الناس في هذه الدنيا 3 أصناف، فأي صنف من هذه الدنيا أنا يا ترى؟: صنف يعيش للدنيا، اعتقاداً أو واقعاً، وقد سمّاهم القرآن بالدهريين، والشيوعيون والعلمانيون ومن لفّ لفّهم، يصدرون من نفس المعتقد، وعندما يكفر الإنسان بوجود حياة بعد هذه الحياة يحاسب فيها الإنسان عما كسبت يداه، تصبح الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، يعيش لها، ويلهث وراءها، ويغرق في شهواتها ولذائذها بدون حساب".

أما الصنف الثاني فهم: "عموم الناس الذين اضطربت معتقداتهم وضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، وهؤلاء وإن كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر، إلا أنّ معتقداتهم هذه صورية منفصلة انفصالاً كلياً عن واقعهم العملي، فهؤلاء مادّيون حقيقة، وإن كانوا يمارسون في الواقع بعض الطقوس الروحية".

بين طيات كلماته تتعالى ذروة ترهيب هذا الصنف؛ لأنّ الأول ميئوس منه، لا يحبّذ منظرو الجماعات بذل الجهد في محاولة جذبه واستقطابه؛ فيصنع الكاتب حالة من التنادي للصنف الآخر، "الذي يقبع بين المؤمنين والملحدين العلمانيين"، على حد تعبيره.

يدعو "يكن" الصنف الثاني، في محاوله لجذبه للصنف الذي ينتمي إليه: "صنف يعتبرون الدنيا مزرعة الآخرة، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً، الذين يدركون حقيقة هذه الحياة، كما يدركون قيمة الدنيا من الآخرة".

فريضة الانتماء للجماعة

بذل الكاتب كل هذا الجهد حتى يصل إلى فريضة الانتماء للجماعة، مؤكداً على المقولات الإخوانية في أن العمل للإسلام لا يصح إلا وفق العمل في إطار الجماعة، ثم يبدأ في تفعيل الخطوة التالية في الإقناع، "هذه الجماعة هي جماعة الإخوان دون غيرها".

يواجه يكن المخاطبين بما يزعم أنها الأدلة: "يفرض عليّ الإسلام أن أعمل له ضمن جماعة، أن أتعاون مع العاملين غيري في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "يد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، "عليك بجماعة المسلمين وإمامهم"، "الجماعة بركة"، "الجماعة رحمة والفرقة عذاب".. ينزع الرجل المفهوم الكلي للجماعة التي تعني الدولة أو الأمة، ليخصّ بها جماعته، بينما يرى غيره أنّ جماعة الإخوان تمثل "الغنم القاصية"، ولا تمثل الجماعة العامة.

يحدد يكن الهدف الأصيل لهذه الجماعة: "إنّ العمل للإسلام لإيجاد الشخصية التي تتمثّله عقيدة وأخلاقاً، لإيجاد المجتمع الذي يلتزمه فكراً وسلوكاً، لإيجاد الدولة التي تطبقه شريعةً ومنهجاً ودستوراً، وتحمله دعوة هادية لإقامة الحق والعدل في العالمين، إنّ هذا العمل، وما يحتاجه ويتصل به ويتفرع عنه ويتطلبه هو واجب إسلامي شرعي لا يسقط حتى تقوم "السلطة" التي تتولى القيام بهذه المسؤولية وترعى شؤون المسلمين".

يكن: إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها

ويستطرد: "وما دامت هذه السلطة غير موجودة، فإنّ كل تقصير من العاملين أو قعود من المسلمين إثم، لا يرفعه إلا المبادرة السريعة للنهوض، بتكاليف العمل للإسلام، وإنّ ما يؤكّد وجوب العمل للإسلام، وأنه تكليفي وليس تطوعياً، كون وجوبه يقينياً".

ثم يعيد مرة أخرى أفكار الهدم: "إنّ معظم الأقطار الإسلامية إن لم يكن كلها، بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات يونانية ورومانية وفرنسية وغيرها، والنظم الاقتصادية السائدة في هذه الأقطار هي الرأسمالية والاشتراكية، مما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية واجباً". ويتابع: "ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم".

ثم يعزف مرة أخرى على إيقاع المعاول: "إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها، وإقامة الإسلام مكانها.. ولا يقوى على النهوض به مع الجهد والمكابدة والمعاناة إلا تنظيم حركي يكون في مستوى المواجهة وعياً وتنظيماً وقدرة".

كل ذلك لإقامة دولة الإسلام؛ لأن "كثيراً من الواجبات الشرعية يتوقف تنفيذها وممارستها على إقامة الخليفة والإمام، وهذا بالتالي مرتبط بوجوب سلطة إسلامية، فكل التشريعات المتعلقة بالحكم والعقوبات، والسلم والحرب، والجهاد والصلح، والمعاهدة والمعاملات الاقتصادية، هذه وغيرها من جوانب التشريع الإسلامي لا يمكن تنفيذها إلا على طريق دولة تقوم على أساس الإسلام".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أيهما أخطر على الديمقراطية.. السياسي أم الديني؟

2019-10-14

يعدّ كتاب ألكسيس توكفيل (1805–1856) "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية، كان توكفيل سياسياً فرنسياً، وقد شغل منصب وزير الخارجية الفرنسي، العام 1851، وهو أيضاً مثقف ثقافة شاملة عميقة، وقد شُغل بتجربة الولايات المتحدة باعتبارها كانت بلداً حديثاً يمثّل تحدياً للمنظرين، وقدمت نموذجاً في العلاقة بين السياسة والدين في عملية بناء الديمقراطية، مختلفاً عن النموذج الفرنسي؛ حيث كانت فرنسا تخوض صراعاً مريراً مع ذاتها لم يتوقف منذ الثورة الفرنسية التي وقعت العام 1789، وفي الوقت الذي دخلت الثورة الفرنسية في صراع عدائي مع الدين؛ فإنّ الثورة الأمريكية (1776) أنشأت توافقاً فريداً بين الديمقراطية والدين.

يقول توكفيل إنّ أجمل أحلامه عندما دخل معترك السياسة كان المساهمة بالتوفيق بين روحي الحرية والدين

يقول توكفيل؛ إنّ أجمل حلم في حياته عندما دخل معترك الحياة السياسية؛ كان المساهمة في التوفيق بين روح الحرية وروح الدين.
يتساءل توكفيل: هل ستتراجع الديمقراطية أمام البورجوازيين والأغنياء كما تراجعت أمام الإقطاع؟ لقد أدرك توكفيل المدى الثوري للديمقراطية وحقوق الإنسان في كلّ مجالات الحياة، ونتائجه على العمل الكلي للمجتمع نفسه، لكنّ النزوع إلى المساواة قد يفتت المجتمع، ويغذي نزعة العزلة والاستقالة العامة لينكفئ الأفراد على حياتهم الخاصة، ومجتمعاتهم الصغيرة، بعيداً عن المجتمع الكبير؛ فالمساواة تضع البشر إلى جانب بعضهم، دون رابطة مشتركة تربط بينهم.

غلاف الكتاب
وهنا تتعرض المجتمعات الديمقراطية للتهديد من داخلها؛ فالديمقراطية بما هي التأكيد على أولوية الفرد وحريته تفكّك الروابط التقليدية المبينة على العادات أو المكانة الاجتماعية، وتصعّد نزعة الاحتكام إلى الأغلبية، وهو ما قد يؤدي إلى "طغيان الأغلبية"، ويتحوّل الرأي العام إلى مظهر للإكراه والتبعية، الطغيان الناعم الوديع!

اقرأ أيضاً: الإسلاموية والديمقراطية في تركيا بعد انتخابات إسطنبول
يعتقد توكفيل أنّه من المهم أن تكون بعض الأفكار العامة عن الله والوضع الإنساني موضع وفاق، "لا يوجد فعل إنساني على الإطلاق، أياً كانت الخصوصية التي نخلعها عليه، لا يخرج إلى النور من فكرة عامة جداً، وهي أنّ البشر قد خلقوا من قبل الله، من علاقاتهم بالنوع الإنساني، من طبيعة ضمائرهم وواجباتهم تجاه من هم مثلهم، لا شيء يمكن أن يحدث من دون أن تكون هذه الأفكار المنبع المشترك الذي يتدفق منه كلّ شيء آخر. لدى البشر، إذاً، مصلحة كبيرة في إنتاج أفكار محكمة بدقة عن الله، عن روحهم، عن واجباتهم العامة نحو خالقهم ونحو من يماثلونهم، ذلك أنّ الشكّ في هذه النقاط الأولى يؤدّي إلى أن تصبح كلّ أعمالهم أسيرة الصدفة، وتصمها بشكل ما بالفوضى والضعف".

يعدّ كتاب توكفيل "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية

الأفكار العامة المتعلقة بالله وبالطبيعة البشرية، إذاً، هي من بين جميع الأفكار التي تحثّ بشكل أفضل على أن تستبعد من الممارسة المعتادة للعقل الفردي، الأفكار التي بسببها هناك الكثير الذي يتم اكتسابه والقليل الذي يمكن خسارته، بسبب الاعتراف بها كسلطة، الموضوع الأول للأديان وإحدى المميزات الرئيسة لها، هو تقديم إجابة على كلّ واحد من هذه الأسئلة الأولية، إجابة واضحة دقيقة ومفهومة، تتّسم بالديمومة إلى حدٍّ كبير من قبل الجموع.
يمكن القول: إنّ كلّ دين دخل القائمون عليه في تجربة عرقلة وإعاقة حرية خلاص الروح البشرية، والسعي إلى فرض قيود وتبعية على الفكر، لكن يجب الاعتراف أيضاً –يقول توكفيل- بأنّه إذا لم ينقذ الدين البشر في العالم الآخر، فإنّه على الأقل مفيد جداً لسعادتهم وتقدمهم في هذا العالم، هذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى البشر الذي يعيشون في البلدان الحرة، وهكذا فإنّ توكفيل يرى الحرية ضرورية للدين وفهمه وتطبيقه على نحو صحيح، كما هي ضرورية بطبيعة الحال للديمقراطية.

 الدين متجذر في التجربة الفردية
إذا كانت روح الدين وروح الحرية تتعايشان في وفاق، فإنّ هذا يرجع، كما يعتقد توكفيل، إلى الاستقلال بين الدين والدولة، وقد يقلل ذلك من القوة الظاهرية للدين، لكنّه يزيد من قوته الواقعية؛ فالدين متجذر في التجربة الفردية ما يجعله قادراً على العمل والتأثير حتى من دون دعم الدولة، وفي ذلك فإنّ الشؤون الدينية يجب أن تعمل في مجالها؛ لأنّها إذا امتدت أكثر من ذلك، فإنّها تخاطر بفقدان وجودها في كلّ مجال.

اقرأ أيضاً: "الديمقراطية الحلال" تُنتَجُ وتُعلَّب في تونس
إنّ توكفيل، وهو المتحمس لفصل المؤسسة الدينية عن الدولة، قد رأى جيداً الخطر الذي يحيق بالديمقراطية، بتغليبها السياسة على ما هو ديني، أو الديني على ما هو سياسي؛ لذلك فإنّ توكفيل تميّز برؤية الإمكانية العملية لتهدئة المشاعر الديمقراطية الجامحة بكلّ كفاءة، كما يرى فيه (الدين) الإمكانية النظرية في إطار المجتمع الديمقراطي للقدرة على بلوغ مجال خارجي، القدرة على الوصول إلى شيء آخر، مختلف عن الديمقراطية الطبيعية الصافية النقية – طبيعة الإنسان المتدين- متخلصاً من كلّ اعتقاد عن المساواة ذاتها، والنتيجة أنّه لا يشيد هذه الإمكانية العملية إلا من خلال انتزاع هذه الإمكانية النظرية منها، لكن تظلّ حاجة دائمة إلى تطوير الفهم الديني وقدرته على مواكبة واستيعاب التحولات الاجتماعية والحضارية التي تمر بها الأمم، وتظلّ خطورة كبرى للمؤسسة الدينية على الحياة السياسية، عندما تعجز عن التقدم بالسرعة التي تتقدم فيها الحياة السياسية والاقتصادية، ومن ثمّ، في طبيعة الحال، ثقافة الأمم وإدراكها ورؤيتها للحقائق.

للمشاركة:

هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟

2019-10-10

كيف يمكننا إعادة بناء إشكالية العلمانية في الفكر العربي بالصورة التي تحقق لنا تجاوز مجرد الدفاع عن مفهوم مكتمل، من أجل المشاركة في إعادة تأسيسه في ضوء أسئلتنا الجديدة، أسئلة الفلسفة والسياسة والتاريخ؟

يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي

وكيف نعيد التفكير في سؤال العلمانية بالصورة التي تجعله ينفتح على الإشكالية الكبرى في تاريخنا السياسي المعاصر؛ أي إشكالية استيعاب مقدمات الحداثة السياسية بإعادة بنائها وتركيبها في ضوء معطيات حاضرنا وتاريخنا؟
وكيف نعيد بناء المجال السياسي العربي؟ وكيف نواجه الاختيار السياسي الذي يستدعي أطروحات محمد عبده بتوسط رشيد رضا، ويردد دعاوى الثورة الإيرانية لرفض مبدأ العلمنة وفك الارتباط بين السياسي والمقدس؟
يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي على مستوى اللفظ والرسم والجذر اللغوي، كما على مستوى الدلالة المباشرة أو المختزنة في طبقات معانيه المترسبة عبر الزمن. وما زال الموقف من العلمانية بحكم استعمالات المفهوم المتحزّبة مشحوناً بشحنة أيديولوجية تغشي النظر إلى المفهوم بعيداً عن قطبية القبول أو الرفض القائمة على التحليل السياسي الظرفي، وتمنع من النفاذ إلى جذوره الفلسفية والسياقات الفكرية التاريخية التي ساهمت في تشكله وتطوره.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

غلاف الكتاب
لذلك فقد ظل الحوار حول هذا المفهوم حواراً متشنجاً ومصبوغا بصبغة القبول أو الرفض باعتباره مفهوماً غربياً ينفتح على علاقة الغرب الحديث بفكره الأنواري المادي ووجهه الاستعماري بالشرق المنكفئ والمدافع عن هويته الروحية منذ السجال الشهير الذي دار بين محمد عبده وفرح أنطون على صفحات مجلة "الجامعة" وجريدة "المنار" مطلع القرن الماضي، باعتباره يؤرخ لأول استعمال لمفهوم العلمانية في الفكر العربي. 

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية
ما يشير إلى أنّ موقف الفكر السياسي العربي من العلمانية متضمن أساساً في الموقف من الغرب والتوجهات الفلسفية والسياسية الكبرى لعصر الأنوار الأوروبي، نظراً لارتباط مفهوم العلمانية بهذه الفلسفات التي فتحت السجال التاريخي الطويل بين الديني والدنيوي، وقوضت سلطة الاستبداد الديني، وأرست قيم الحداثة الليبرالية وأسس الحرية الفردية ومركزية الإنسان في الكون، فقد تنوعت التوجهات الفكرية السياسية وما رافقها من أنماط التدين الإسلامي في الوطن العربي بتنوع تلك الفلسفات نفسها، وبتعدد المواقف منها، سواء أكان قبولاً وتبنياً أم رفضاً ومجابهة.

يسعى كمال عبداللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية" إلى إعادة التفكير بمفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة

انطلاقاً من هذه الخلفية، والأسئلة "الهموم" السابقة وما يتفرع منها، ومن وعي الباحث بصعوبة البحث في المفاهيم السياسية بحكم ارتباطها بالإشكالات التاريخية والسياسية الواقعية، والمواقف والاختيارات المتشكلة حولها في الواقع الحي، يسعى الباحث المغربي كمال عبد اللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية.. إعادة بناء المجال السياسي العربي" الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع 2007 إلى إعادة التفكير في مفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة حوله، ومحاولة مقاربته في سياقاته الفكرية والتاريخية الأصلية، للإسهام في "إضاءة محتوى المفهوم بالصورة التي تجعل تبيئته وتوطينه في الجدال السياسي العربي أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على فك مغلقات كثير من إشكالات واقعنا السياسي، فكراً وممارسة". 

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟
فمن أجل التأسيس لإعادة التفكير بالمفهوم يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية وقضية العلمنة خلال القرن الماضي لاستقصاء إطاراتها المرجعية ومحتواها التنظيري وآلية تجسيدها بالممارسة العملية، من أجل مراجعتها والتمكن من بناء ما يساهم في تجاوزها بتطويرها وتطوير أسئلتها ونتائجها؛ فيقف على ثلاث لحظات مفصلية يعتبرها محطات مؤسِسة:
تتمثل اللحظة الأولى في مجادلة محمد عبده وفرح أنطون حول مسألة التأخر في العالم الإسلامي وعلاقتها بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية؛ فرغم انطلاق الطرفين من اعتقاد واحد هو الاعتراف بتأخر العالم الإسلامي، إلا أنهما قد ذهبا في سبيل البحث عن الحلول لتجاوز واقع التأخر وتحقيق النهضة مذهبين مختلفين.

 الباحث المغربي كمال عبد اللطيف
وقد رسم هذان المذهبان الملامح الأولى لاختيارين فكريين متناقضين لا يزالان متجاورين في الفكر السياسي العربي دون أن تنفتح حدود أيّ منهما على الآخر منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، الاختيار السلفي المدافع عن خصوصية التجربة الإسلامية والرافض للعلمانية وفكر الغرب الاستعماري والداعي إلى العودة إلى الإسلام الأول بمنابعه النقية، والاختيار الليبرالي "التغريبي" الذي ذهب نحو الحداثة الغربية بحماسة وضعية وتبني العلمانية وقيم الأنوار في الحرية في مجال العقيدة والمساواة والتسامح.

يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية

أما اللحظة التالية فقد دشنها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بعد ربع قرن، "والذي يعتبر امتداداً لجدال اللحظة الأولى رغم طابعه التاريخي العام"؛ إذ أثبت مؤلفه بالشواهد التاريخية والفقهية أنّ الخلافة والإمامة والملك والسلطنة أمور دنيوية لا شأن للدين بها، وأنّ الخلافة والقضاء وغيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة كلها خطط سياسية لا شأن للدين بها، إنّما يرجع الحكم فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
ويخلص عبد اللطيف من معاينة تلك التجربتين إلى أنّه وبالرغم من أهميتهما وأهمية الآفاق السياسية التي فتحتاها في باب الكتابة السياسية العربية، إلا أنهما بقيتا محكومتين بمحدودية النموذج النظري؛ "فالمرجعية الليبرالية في خطاب فرح لا تتأسس فلسفياً بقدر ما يتم التسليم بها في دائرة الكفاح الأيديولوجي المناهض للدعوة السلفية"؛ إذ غابت عنها أسئلة التأصيل الفلسفي وحضرت مكانها حماسة الدعوى التي تكتفي بالنقل والانتقاء؛ فقد أدخلت إلى الفكر العربي مفهوم الخلاص الأنواري الوضعي الذي يسعى لتجاوز الخلاص الأخروي الديني، لكنها لم تفكر بحكم حماستها النضالية في مفهوم الخلاص ذاته، ولم تفكر في الزوج المفهومي دين/دنيا، إنما "ألهبت الحماسة في دائرة المتعلمين في زمنها، لكنها لم تؤسس النظر".
نحو إعادة بناء مفهوم العلمانية
تنفتح اللحظة التاريخية الثالثة على مساهمة جيل جديد من المفكرين العرب يقدمها الباحث كنموذج للمعالجة الجديدة لمفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي، تدخل في دائرة أفق فلسفي تاريخي جديد، أفق تساهم فيه إلى جانب إنجازات محمد أركون إنجازات نظرية لمفكرين من أمثال؛ عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وناصيف نصار وهشام جعيط وغيرهم ممن يتسلحون بنفس الآليات المعرفية والتاريخية، رغم الاختلافات في الاختيارات السياسية والفلسفية العامة بينهم؛ فقد دشنت إنجازات هؤلاء المفكرين، برأيه، عصراً فكرياً جديداً في المواجهة الفلسفية لمعضلات السياسة والتاريخ في مجتمعاتنا.

يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عمداً أو جهلاً بينه وبين النزعة التغريبية

ويركز عبد اللطيف على المنجز النظري لمحمد أركون المنفتح على تاريخانية العروي الذي ذهب نحو التأصيل الفلسفي للمفهوم وتحيينه كنموذج قابل للبناء عليه في عملية إعادة التفكير في العلمانية، مع الإشارة إلى أبحاث ومحاولات ناصيف نصار وعزيز العظمة ومحمود أمين العالم وفؤاد زكريا وسمير أمين في مواجهتهم لتيارات ورموز الإسلام السياسي. فقد عمل محمد أركون على تحليل مسلمات العلمانية في سياق تشكلها وتطورها داخل الفكر السياسي الغربي والفلسفة السياسية الحديثة بما اغتنت به من فتوحات العلوم الإنسانية، كما ساهمت أسئلته المتعلقة بإعادة توسيع المفهوم في ضوء الاستفادة من دروس وتجارب الحاضر النظرية والتاريخية في بلورة تصورات تتخلص من صنمية المفهوم لتحوله إلى أداة للفهم النظري التاريخي القابل للتوظيف في الصراع السياسي والأيديولوجي الجاري في العالم العربي.

محمد أركون
لكنه وبالرغم من كل تلك الإنجازات يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عن عمد أو جهل بين العلمانية والنزعة التغريبية، وتطابق بين العلمانية والتبعية، وثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية، أو إلى تمريرها في صيغ وسط تجعل من مفهومها جزءاً من جملة المفاهيم المرتبطة بصورة عضوية به وبمحتواه.
ما يعني التخلي عن المكتسبات التي تحققت من خلال صياغة المفهوم  في أبعاد مختلفة عبر قرن من الزمان، وكأن الذاكرة العربية ذاكرة مشروخة، والعقل العربي "برميل بلا قعر" لا يجمع ولا يراكم و"يعيد ويستعيد القضايا ذاتها في دائرة مغلقة".

ثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية

لذلك يعتبر الباحث أنّ ثمة انقطاعاً حاصلاً في تاريخ الفكر السياسي العربي كما عبر عنه محمد أركون في حديثه عن غياب أي متابعة لجهود علي عبد الرازق في تشخيص وتشريح علاقة الإسلام بأصول الحكم. لذلك لا بد من العودة إلى متابعة الجهود للتفكير مجدداً في العلمانية والمشروع السياسي الليبرالي في الفكر العربي المعاصر بالعودة إلى قراءة تاريخ الفكر السياسي الإسلامي قراءة نقدية، خاصة في "ظل انتعاش الحركات الإسلامية وانتشار فكر التنظيمات الحركية "الجهادية" بشكل قوي وعنيف، ما جعل المساهمات النقدية السابقة تبدو غريبة وسط شعارات الدفاع عن الخصوصية والأصالة، ودعوات التشبث بمقومات الذات والمحافظة على نقائها والدفاع عن "الحاكمية الإسلامية" وكونية الإسلام".
يكشف مفهوم الحاكمية، كما جاء في فكر المودودي وتنظير سيد قطب، عن عمق التراجع الحاصل في المنظور الإسلامي للسلطة، والنكوص حتى عن أفكار واختيارات محمد عبده. كما يكشف استمرار الحنين إلى النموذج السياسي الإسلامي للسلطة، رغم عدم وضوحه كنموذج تاريخي، عن عدم إنجاز مهمة التفكير في أسئلة السياسي في الفكر الحديث بصورة عميقة وجذرية تتيح إعادة إنتاج المجال السياسي على ضوء أسئلة الواقع ومقتضيات النظر السياسي الحديثة والمعاصرة؛ "لذلك ستظل مسألة التنظير السياسي النقدي الهادف للقطع مع اللغة السياسية العتيقة ضمن أولويات جدول أعمالنا في الفكر السياسي العربي المعاصر، طال الزمان أو قصر".

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي
وعليه، فالعمل السياسي العفوي كعمل بلا نظر قد يكون أكثر فشلاً وأكثر كارثية من النظر بلا عمل، ولن يقود إلى بناء المشروع السياسي المطابق للتاريخ، وإقامة الدولة الوطنية المعبرة عن الإرادات الجماعية، وبناء التصورات الجماعية المستقاة من ينابيع الواقع وممكنات التاريخ؛ فليس في تاريخ الفكر الإنساني مفاهيم مكتملة إلا في رأس من يوثّن الكلمات والمفاهيم ويعبد أوثانها، وليس في تاريخ البشر والحضارات نماذج دول مثالية كاملة، إنما تجارب تاريخية وحسب، إلا في فكر من يريد أن يخرج التاريخ من رأسه لا أن يخرج رأسه من التاريخ.
لذا ستبقى مهمة إعادة بناء المجال السياسي العربي، كمجال مستقل عن الدين والأخلاق واليوتوبيا، والتفكير في العلمانية في ضوء منجزات الفكر الإنساني وتجارب الآخرين، وبالاستفادة من فتوحات الفلسفات والعلوم الحديثة على اختلاف تخصصاتها مهمة راهنة.

للمشاركة:

هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية

2019-10-03

يحمل كتاب الباحث التونسي محمد الشرفي "الإسلام والحرية: سوء التفاهم التاريخي" روح مشروعه لإصلاح التعليم في تونس والعالم العربي والذي يعتبره الباحث المقدمة الضرورية لإزالة الالتباس التاريخي بين الإسلام والحرية وقيم الحداثة.

يستقصي الشرفي أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها بالمجتمعات العربية والإسلامية في العقود الأخيرة من القرن العشرين

الكتاب الصادر عن دار بترا للنشر بالتعاون مع رابطة العقلانيين العرب 2008 ينقسم إلى أربعة فصول متكاملة، تشكل الثلاثة الأولى منها تمهيداً لا بد منه للفصل الأخير الذي حمل اسم "التربية والحداثة" الذي يعرض الشرفي من خلاله المبررات النظرية والخطوات العملية الضرورية لإنجاز عملية الإصلاح تلك، والتي عمل على بلورتها إبان تبوئه لمنصب وزير التربية والتعليم في تونس لمدة خمس سنوات تعرض خلالها لكثير من المواجهات والتهم من قبل التيار الأصولي الذي يحمل تهمة جاهزة لكل مفكر أو مشروع يخلخل حصون استبداده وتحجر أفكاره وهي تهمة "التغريب" وعداء الإسلام الذي يعتبره التيار الإسلاموي ملكاً حصرياً له، ويعتبر نفسه المعبر الوحيد عن أفكاره ونقاء أصوله وسلامة شريعته الصالحة لكل زمان ومكان، والمخول الوحيد لإحياء مجده التاريخي واستعادة خلافته.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
لذلك يذهب الشرفي بداية إلى استقصاء أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها السرطاني في المجتمعات العربية والإسلامية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم وأثر هذا الانتشار السرطاني على سيرورة تطور هذه المجتمعات، وتنامي ظاهرة التعصب الديني فيها وانحدارها بمجملها نحو العنف في علاقاتها الداخلية والبينية، ونحو الماضوية والتقليد على صعيد الثقافة السياسية والخطاب.

غلاف الكتاب
فيرى الباحث أنّ التركيز على العوامل الاقتصادية والسياسية والدوافع الاجتماعية وما يتصل بها من الفقر والبطالة والفساد وغياب الحريات العامة والهجرة الريفية نحو المدن... رغم أهمية دورها في هذا المجال إلا أنّها لا تقدم تفسيراً شاملاً لبروز ظاهرة التعصب الديني في هذه المجتمعات، خاصة حين نشهد انتشار التعصب والعنف في مجتمعات يتمتع أهلها بمستويات عيش مرتفعة جداً كما في الدول النفطية، ولا تعاني من تمايز مُشِطّ بين فئاتها الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
أما البلدان الإسلامية التي تشكل العوامل الاقتصادية والاجتماعية تفسيراً ممكناً للغضب الشعبي فيها فنجد مثيلاتها من الدول الأخرى تثار فيها مثل تلك الاحتجاجات الاجتماعية لكنها تتخذ طابعاً مطلبياً ويتشكل الرأي فيها في مؤسسات ومنظمات وجمعيات تطالب باستعادة التوازن الاجتماعي، وتسعى لإيجاد حلول لأزماتها الاجتماعية والسياسية، "فلم تغلف هنا تلك المطالب المختلفة بالمناداة الوهمية بالرجوع إلى دولة إسلامية تحل فيها جميع المشكلات بصورة عجائبية وعصا سحرية حالما يتحقق تطبيق الشريعة الإسلامية"؟ وهل يعبر ذلك عن حركة احتجاجية في مجتمعات ذات خصوصية إسلامية أم أنه مشروع سياسي قد يكون مدخلاً للعنف والرعب والظلم؟

يميل الباحث لاعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف

هذا الذي يجعل الباحث يميل إلى اعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف، متخذاً من واقع ودور المؤسسة المرجعية الرسمية في البلدان العربية، كالزيتونة في تونس والأزهر بمصر، وعلاقة هذه المؤسسات بالسلطة السياسية ومعاندتها للتحديث والعصرنة دليلاً على دور العامل الثقافي في هذا المجال، خاصة بعد التوسع الكمي للتعليم في هذه المؤسسات وتحولها إلى مؤسسات شعبية لم تعد تقتصر على النخبة الارستقراطية ذات التأدب العالي والموسوعية المعرفية.
ألم يخرج معظم القادة الأصوليين من تحت عباءة هذه المؤسسات التي أصابها الترهل والجمود الفكري والتحجر العقائدي؟ ألم يقف هؤلاء القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس تلك المؤسسات فاتهموهم بالكفر والمروق وغيرها من الأوصاف ومُنعت كتبهم وحُوربت أفكارهم التجديدية من قبل هؤلاء القادة وتواطؤ السلطات السياسية مع تلك المؤسسة التي تخشى إثارتها خوفاً من فقدان الشرعية التي تستمدها منها. ومن الأكيد أن قيم الحرية والديمقراطية والتجديد والانفتاح على الفكر الإنساني لن تجد لها بيئة مناسبة لتنمو فيها بل و"تمتنع ممارستها إلى حين إذا ما اعتقد جزء لا يستهان به من الشعب أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن له الحق بل من واجبه أن يفرض تلك الحقيقة بالقوة".

ينسحب موقف الأصوليين المتمسك بالفقه الذي تعلموه والرافض لكل تجديد على علاقة الإسلام بالقانون دون أدنى تفكر أو تمييز بين أعراف القبيلة ومجتمع الجزيرة العربية والإسلام الأول وبين مقتضيات مجتمع المدينة والدولة الحديثة، ويقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل: التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها، وحقوق الآخر غير المسلم، والقانون المتعلق بالعبودية وحرية المعتقد وعقوبة الردة، والعقوبات الجسدية كالجلد وقطع اليد، ثم العلاقة الملتبسة حتى اليوم بين الفقه ومدونة حقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: مصطلح الجاهلية المعاصرة في الخطاب الأصولي
والمسألة المهمة التي يثيرها الباحث لا تقتصر على نقاش تلك الموضوعات نقاشاً مستفيضاً وتبيان تاريخيتها ومدى استمرار صلاحيتها، أو استنادها أو عدم استنادها إلى قاعدة قرآنية فحسب، رغم أهمية ذلك، بل البحث في التناقض الفكري والفصام النفسي الذي يعيشه الفرد الإسلامي بين ما تعلمه في التعليم الديني أو المدرسي الرسمي الذي يشكل زاده الثقافي والمعرفي وبين ما يعيشه في الحياة اليومية، ودور هذا التعليم قديماً وحديثاً في إنتاج وإعادة إنتاج العنف.
فمن المعروف أن العديد من الدول الإسلامية قد تجاوزت في دساتيرها وقوانينها الوضعية الكثير من تلك الموضوعات وألغت بعض القوانين وتقبلها الإسلاميون ببراغماتية نفعية على الصعيد العملي والمعيش، كما في تونس مثلاً، لكنها ما زالت تلقن في التعليم الديني كمنظومة تشريعية متكاملة غير قابلة للتجزئة والتفكيك والتفكر بما أضفي عليها من قداسة لا تقل عن قداسة النص القرآني نفسه.

وقف القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس مؤسساتهم

وتكرس ذلك مع بروز الظاهرة الأصولية والإسلام السياسي "فبات عسيراً على المسلمين وضع ماضيهم في مكانه المناسب وإدراك منزلته، حتى يعيشوا حاضرهم كما ينبغي لهم أن يفعلوا"، ما يعني في نظر الباحث أن التخلف ليس تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً فحسب، بل هو تخلف ثقافي وفكري أيضاً و"يمثل وجود الظاهرة الإسلاموية في البلدان الإسلامية التعبير الأكثر جلاء ووضوحاً عن هذا التخلف".
ولعلّ أسوأ أنواع هذا التخلف هو التوظيف السياسي لعقوبة الردة التي كان لها الأثر الكبير في كبح ومحق أي محاولة تنويرية وتجديدية في الفكر الإسلامي في الماضي والتي يعمل الإسلاميون اليوم بالتواطؤ مع أنظمة الحكم المستبدة إلى الدفع بها إلى السطح من جديد للنيل من رأي معارض، ولمنع حرية التفكير والرأي والضمير والدين. وهو ما يدفع الباحث للسؤال عن السبب الكامن وراء تشبث الأصوليين وأهل التقليد من المسلمين بالمحافظة على هذه المظالم المنافية للعدل والمساواة.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
ولا يختلف عن ذلك موقف الإسلامويين من الدولة ومحاولات تحديث مؤسسة الحكم وتحديث القوانين الناظمة لعمل مؤسساتها المختلفة أو من الديمقراطية والعلمانية، وفصل السلطات وفصل الدين عن السياسة، وحقوق المشاركة السياسية والمساواة أمام القانون وحقوق المواطنة التي تكفل حق التمثيل والمشاركة المتساوية للجنسين وللأقليات غير المسلمة؛ حيث يجري الخلط عن جهل أو غاية وقصد بين رفض السلطة الحاكمة واستبدادها أو عجزها وفساد الحكام وبين رفض الدولة الحديثة وشيطنة وتكفير النخب السياسية الداعية للتحديث، ورفض أفكارها باعتبارها وافداً غربياً دخيلاً لتبرير التمسك بمفهوم "الدولة الدينية" أو"دولة الخلافة" والتمسك بتطبيق الشريعة وفق المدونة الفقهية التي هي عمل بشري وضع في ظرف تاريخي معين ولخدمة السلطة السياسية.

هيأت الصدمة التي أحدثتها حملة نابليون على مصر والاتصالات المستمرة بين ضفتي المتوسط في تونس لظهور جيل المصلحين الأوائل الذين أدركوا واقع التخلف في العالم الإسلامي فعملوا على خلق مؤسسات تعليمية حديثة في كلا البلدين تنفتح على العالم وتتجاوز الانغلاق الديني، لكن مساعيهم لم تستطع أن تهز جمود فكر الأزهر والزيتونة في ذلك الوقت.
ثم جاء الجيل الثاني من المصلحين بأفكارهم الإصلاحية الجذرية ممن تطعم فكرهم بأفكار النهضة الأوروبية، وتوجهت الحكومات إلى إنشاء المدارس "العصرية" إلى جانب التعليم التقليدي معتبرة أنّ إصلاح هذا الأخير أمر ميؤوس منه، ولما كان على التعليم العصري الجديد أن يؤمن التعليم الديني وتعليم اللغة العربية أيضاً فقد جرى الاعتماد من جديد على خريجي التعليم الديني لهذه المهمة، فانتقل هؤلاء بكثرة إلى المدرسة الجديدة حاملين معهم أفكارهم وبرامجهم وعقلياتهم التقليدية و"بذلك كانت الدودة في خفايا الثمرة".

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
ويلفت الشرفي في هذا المجال كيف انتشر الفكر الإخواني في عدد من الدول العربية في الأوساط الطلابية مع المعلمين الموفدين من مصر إلى هذه الدول كالجزائر والسودان بشكل خاص، وكيف "بث هؤلاء المعلمون في تلاميذهم إحساساً بالتمزق بين القيم التي تدرس من جهة وبين الواقع الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى... إذ ولّد ذلك الوضع أفراداً  منفصمي الشخصية أو متطرفين لذلك كانت نشأة الأصولية من إنتاج القطيعة بين المجتمع ومدرسته"، وما أن توسع هذا التعليم توسعاً كمياً ملحوظاً في وقت لاحق وفي مرحلة ما بعد الاستقلال حتى ترك أثره على جيل الشباب وأصبح بذاته مصدر الصعوبات الكبرى فجذور الأصولية كانت قد زرعت فيه.

يقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها

وإذا كانت التجربة التونسية التي يتخذها الشرفي مثالاً لدراسة أثر التربية والتعليم في مستقبل الدول العربية وظهور الأصولية فيها قد اكتسبت خصوصية ما مع إنشاء المعهد الصادقي كمنافس حقيقي للزيتونة وانفتاح النخبة السياسية على الحداثة الغربية، إلا أنّها لا تشذّ عن غيرها من التجارب العربية التي شكل الاستبداد السياسي وحكومات العسكر التي عملت على إنشاء جحافل الجيوش وعسكرة الدولة والمجتمع بدل تحديث التعليم عبئاً مضافاً، إلا شذوذاً نسبياً، ومع ذلك فقد ساهم في نجاتها من الوقوع في دوامة العنف كغيرها من الدول العربية.
ولما كانت الدولة قد أخذت تنافس الأصوليين في انتحال المنزع الإسلامي في الثقافة والسياسة والتشريع والتعليم فقد صبّ كل هذا التنافس في مصلحة الأصوليين أنفسهم؛ لذا يرى الباحث أن إصلاح التعليم هو المدخل الضروري لرفع سوء التفاهم بين الإسلام والحرية؛ ذلك أنّ التحديث النسبي الذي دخل على هذا التعليم منذ ما بعد الاستقلال بقي تحديثاً هشاً أو "حداثة مترددة" دخلت من الأبواب الخلفية وليس فعلاً ذاتياً مدروساً، إذ اقتصرت عمليات التحديث على الانتشار الكمي للمدارس والطلاب وإضافة المواد العلمية واللغات الأجنبية التي استمر تدريسها وفق مناهج تقليدية وتلقينية تكرس دونية المرأة التي كانت مشاركتها أو استفادتها من انتشار التعليم بحدود دنيا، عدا عن الفصل بين الجنسين وإلغاء المدارس المختلطة.

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
وقد ارتبطت رهانات هذا التعليم بالتوجه السياسي للسلطة وأيديولوجيتها، وهي أيديولوجيا ذات منزع هووي قومي أو إسلامي، أكثر من ارتباطها بضرورات تحديث المجتمع؛ الأمر الذي دفع الشرفي لاعتبار أن التخلف الثقافي والعملية التربوية والتعليم كان لهما الدور الأكبر في استمرار تخلف المجتمعات العربية وانتشار الأصولية وتفجر العنف فيها، وأنّ مكافحة هذه الظواهر لا تتم بالقمع والتسلط والعنف المضاد، إنّما بإزالة أسبابها، ما يجعل من تحديث التعليم وربطه برهانات تحديث المجتمع مهمة راهنة.

للمشاركة:



تركيا تواصل مناكفة الولايات المتحدة.. بهذا القرار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تصرّ تركيا على الاستمرار بنهجها الداعم لإيران، ومساعدتها في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليها؛ حيث أعادت أنقرة إلى الواجهة المدعوّ محمد هاكان أتيلا، عرّاب خرق العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.

وأصدر وزير الخزانة والمالية التركي، بيرات ألبيرق، قراراً بتعيين نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، أتيلا، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، بعد ثلاثة أشهر من قضائه عقوبة السجن في الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران، وفق صحيفة "زمان".

صهر أردوغان يعيّن أتيلا، المتهم بخرق العقوبات المفروضة على إيران، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول

القرار أعلنه صهر رئيس الجمهورية ووزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، عبر تويتر؛ إذ قال: "انتهت فترة الاستراحة والاسترخاء لهاكان أتيلا، الذي عاد إلى أسرته وبلده، عقب محاكمته الظالمة".

واعتقل محمد هاكان أتيلا، نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، بالولايات المتحدة الأمريكية، في 7 آذار (مارس) 2017، مع رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، بتهمة خرق العقوبات الأممية والأمريكية المفروضة على إيران، عن طريق استغلال النظام المصرفي للبنك.

وفي شهر تموز (يوليو) الماضي؛ خرج المدان الرئيس في القضية من سجن FCI"  Schuylkill " بولاية بنسلفانيا، وعاد إلى تركيا بعد قضاء فترة عقوبته، ليغيب عن الأنظار، إلى أن أعلن ألبيرق، أمس، قرار تعيينه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول.

وأضاف ألبيرق في تغريدته: "ها هو يبدأ مهامه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، أتمنى أن يكون هذا المنصب خيراً له ولبورصة إسطنبول".

ومن جانبها، قالت بورصة إسطنبول: "لقد أصبح محمد هاكان أتيلا مديراً عاماً لبورصة إسطنبول".

وتابعت البورصة في بيان: "تمّ اختيار محمد هاكان أتيلا لمنصب المدير العام، خلال اجتماع مجلس الإدارة، المنعقد بتاريخ 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وسيقوم أتيلا بمهام المدير العام وعضو مجلس الإدارة، وقد تمّ اختيار أتيلا بعد قرار تعيين مراد تشاتين كايا نائباً لمحافظ البنك المركزي".

وبحسب ملف القضية؛ فقد طالبت النيابة العامة بالحكم على هاكان أتيلا بالسجن لمدة 188 شهراً، وغرامة مالية تتراوح بين 50 إلى 500 ألف دولار أمريكي، وفي 16 أيار (مايو) 2018؛ أصدرت المحكمة قراراً بسجن محمد هاكان أتيلا 32 شهراً، مع إسقاط الفترة التي قضاها في السجن 14 شهراً، وتوقيع غرامة مالية 500 ألف دولار أمريكي.

 

للمشاركة:

الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:

مصر: القبض على 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:



هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

فايز رشيد

كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة «الإخوان المسلمين».
بداية، كنا نتمنى أن تنطلق مواقف حركة حماس السياسية الفلسطينية والعربية من خصوصيتها الفلسطينية وانتمائها العربي أولاً وأخيراً، بعيداً عن تجاذبات وآراء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أكّدت حماس قبلاً أنها منفصلة تماماً عنه بالمعنيين التنظيمي والسياسي، ليتبين أن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً، كما ثبت مؤخراً من موقف الحركة الذي أعلنته من الغزو التركي الأخير «نبع السلام» للشمال العربي السوري.
في الوقت الذي أدان فيه كلّ العالم تقريباً، بما في ذلك أغلبية الدول العربية، واعتبرته عدواناً على بلد عربي وتهديداً للأمن القومي العربي برمته، أصدرت حماس بياناً قالت فيه: «تتفهم الحركة حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد «الإسرائيلي» في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي». بصراحة نقول لحماس، إن البيان يحاول تحوير اتجاه الغزو العدواني التركي وهو الحدث المعني للاتكاء على العدو الصهيوني المعروف أنه عدو لحماس والفلسطينيين وللأمة العربية بأسرها. ومعروف تماماً كم من غارة عسكرية شنّها هذا العدو المجرم على البلد العربي المعني مستغلاً ظروف الصراع الدائر فيه.
كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة الإخوان المسلمين الذين سبق أن تآمروا على ثورة يوليو/تموز وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وحاولوا اغتياله، وكان لهم يد فيما جرى في سوريا وفي أكثر من بلد عربي شهد خراباً ودماراً. بدلاً من هذا الموقف المفترض أن تتخذه الحركة، طلع علينا ناطقها الرسمي سامي أبو زهري ليصرّح «بأن تركيا كانت وستظل مهوى قلوب المسلمين في العالم»! لقد تناسى أبو زهري احتلال تركيا للواء الأسكندرون وغزوتي تركيا السابقتين «غصن الزيتون» و «درع الفرات» لسوريا، وتصريحات أردوغان منذ سنوات بأن «ولايتي حلب والموصل هما ولايتان عثمانيتان». كما تناسى تأييد حماس للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ومخاطبته لبيريز في رسالة بعثها إليه ب «صديقي العزيز»!.. إلخ. لقد جعل أبو زهري من نفسه ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي للسلطان الطوراني أردوغان، وجاء بيان حماس ليؤكد انتماءها للإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لم تتوقف يوماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وطرح مشروعات تفتيتية، وتُبدي ازدراء بكل طموحات الشعوب العربية، فإذا بحماس في بيانها تؤكد أنها تتفَهّم «حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسِها وإزالة التهديدات التي تمَسّ أمنها القومي. بل ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة الحقّ في إزالة التهديدات المزعومة لأمنها القومي أي اجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يسعى أردوغان وجيشه لاحتلالها تحت مسمى «المنطقة الآمنة» التي يَتوهّم أنه قادر على إقامتها بعمق 35 كم وبعرض يزيد على 460 كم، ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة. وربما نسيت حماس أن سوريا دولة عربية، وأن الغزو التركي هو انتهاك لسيادتها وحرمة حدودها ووحدة أراضيها.
ولعلم حركة حماس، فإن العلاقات التركية -«الإسرائيلية» لم تنقطع يوماً في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إنما تتعمد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في مسعى لكسب الشعبية بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية، ومن دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. كما أن هناك مستشارين عسكريين صهاينة في القوات المسلحة التركية. ورغم التوترات التي تسود العلاقات إلا أنه لم تلغَ حتى اليوم اتفاقية قيمتها 190 مليون دولار لشراء طائرات من دون طيار من «إسرائيل». كما لم تلغَ التعاملات التجارية المدنية بين أنقرة وتل ابيب امتداداً من قطاع المنسوجات ووصولاً إلى نظم الري التي كانت تمثل نحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام الماضي 2018 وفقاً لما قاله محللون تجاريون. وتقول مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب بلغت في مجملها نحو 2.8 مليار دولار عام 2017. وتزور دولة الكيان وفود حكومية وعسكرية تركية بين فترة وأخرى. هذا غيض من فيض العلاقات بين تركيا (مهوى أفئدة حماس) وبين العدو الصهيوني.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أدورا مبا

كتب أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة في عام 1960: "سيأتي يوم يسطر فيه الأفارقة تاريخهم بأيديهم". وقد ظهر جيل جديد من المصورين الفوتوغرافيين الأفارقة الذي يكشفون، بكاميراتهم وليس بالكلمات، القضايا الحقيقية التي تؤثر على مجتمعاتهم، مثل تغير معالم الأحياء الفقيرة بقدوم أبناء الطبقة المتوسطة والتمييز على أساس الجنس والأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين والعولمة.

وفي ضوء التطورات التي طرأت في السنوات القليلة الماضية على القطاع الإبداعي بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدم مصورون فوتوغرافيون من زيمبابوي والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا وغانا هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط صور تجسد التنوع والطاقة وتوثق التغيرات التي تتلاحق على القارة السمراء بسرعة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي، يعرض كل من زاش وشيدزا شينهارا لقطات لتصاميم أزياء مميزة في شوارع العاصمة هراري. ويستخدم زاش، الذي يعمل كمصور، وشيدزا، التي تعمل كمصممة أزياء، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز جمال العاصمة هراري.

ويختار الاثنان مناطق أكثرها قديمة ومتهالكة لتصوير العارضات بملابسهن العصرية والمفعمة بالألوان. لكن القاسم المشترك بين الصور اللافتة التي تمتلئ بها حساباتهما على انستغرام هو التركيز على المدينة نفسها بقدر التركيز على العارضات والأزياء.

لقطة لعارضة أزياء بمدينة هراري عاصمة زيمبابوي

وتتخذ شيتزا وزاش من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتمرد على المعايير التقليدية في زيمبابوي، حيث يتوقع من النساء أن ترتدي زيا معينا يعد رسميا وملائما. وترى شيدزا، ذات الشعر الكثيف المجعد، التي ترتدي أقراطا عديدة وقميصا قصيرا، أن هيئتها تشجع الشابات على التعبير عن الحرية في اختيار الملبس والميول الجنسية دون خوف.

وتقول شيتزا: "لا تزال نظرات الآخرين تلاحقني ويحكم الآخرون على شخصيتي من خلال ملبسي. لكنني أعتقد أن التحرر الفكري في زيمبابوي أصبح وشيكا. إذ يوجد آخرون غيري ينادون بحرية اختيار الملبس".

ويرى زاش أن الشباب الأفريقي ينبغي عليهم رصد وتوثيق مظاهر الحياة في بلادهم بأنفسهم، لأن السياق الثقافي أحيانا يكون خادعا.

ويقول إن الأجانب عندما يأتون ويرون الأطفال يلعبون بالحجارة قد يظنون أنهم لا يمتلكون مالا لشراء الدمى والألعاب، لكن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يلعبون لعبة شهيرة في زيمبابوي تستخدم فيها الحجارة. والمشكلة أن الصورة التي يعرضها هذا الشخص ستكون مغلفة بالشفقة.

ويقول زاش: "إن أفريقيا مكان متشابك، وقد دأب الكثيرون على التركيز على الصراعات فقط على مر السنين. ولا ننكر أن هناك الكثير من المشكلات والتحديات، لكن هناك أيضا حياة مفعمة بالحيوية والنشاط. ونتطلع إلى رسم صورة مكتملة المعالم لأفريقيا".

وأتقن مصورون معاصرون في غانا، مثل نانا كوفي أكواه، وفرانسيس كوكوروكو وبرينس جياسي، استخدام المنصات الرقمية لعرض أعمالهم وصورهم للمتابعين في أنحاء العالم.

ويتابع أكواه 94.9 ألف شخص على حسابه على موقع إنستغرام، بينما يتابع كوكوروكو 16.2 ألف شخص، أما برينس جياسي فلديه 79.2 ألف متابع. ويلتقط كل منهم صورا للمناطق التي نشأوا فيها ومجتمعاتهم المحلية، ليعرضوا أجزاء من غانا لم يرها الكثيرون من قبل، مثل مجتمعات الصيادين والمدن الكبرى والغابات والشواطئ التي تطل على الأطلسي..

صورة لعارضة أزياء في حي الأقمشة القديم بهراري عاصمة زيمبابوي

ويواظب أكواه على نشر صوره على صفحة "أفريقيا يوميا"، وهي صفحة شهيرة على موقع إنستغرام يتابعها 400 ألف شخص، وتعرض الجانب الذي لا يراه العالم من أفريقيا. وألهمت الصفحة حركة لمشروعات مشابهة تكشف عن مظاهر الحياة اليومية في أجزاء أخرى من العالم لتحدي الصور النمطية الراسخة عن المدن.

ومن بين الصور الرائجة التي نشرها أكواه على الموقع، صورة لأطفاله وهم يلعبون على الكمبيوتر اللوحي. وتظهر التعليقات أن انتشار الأجهزة الإلكترونية الحديثة بين الأطفال في أفريقيا، ولا سيما في مجتمع الصيادين في غانا، لا يزال يثير الاستغراب والدهشة.

ويقول أكواه إن الصور تثير الكثير من التساؤلات لدى المعلقين، فإذا لم نتحدث إلى الآخرين لن تتغير الصور النمطية الراسخة في أذهانهم. وأشعر أن مهمتي كمصور هي أن أحض الناس على طرح الأسئلة وأجيب عليها.

وعندما بدأ فرانسيس كوكوروكو مهنة التصوير، لفتت انتباهه أوضاع التصوير والخلفيات المختارة بعناية في صور الأوروبيين على الإنترنت، ولم يجد لها مثيلا بين الصور التي التقطها بني جلدته في غانا. ثم شرع كوكوروكو في نشر صورة يوميا للغانيين الذين يصادفهم في الشارع بأوضاع تحاكي أوضاع التصوير في الصور الأوروبية باستخدام كاميرا هاتفه المحمول، وكان يضع على كل صورة وسم #غانا.

وأخذ يلتقط صورا للعاصمة أكرا التي استقطبت أبناء الطبقة الوسطى الذين جلبوا معهم تطلعات جديدة وتغيرات في أنماط الحياة وساهموا في الارتقاء بالأحياء وتطويرها.

ويقول كوكوروكو إن التصوير يجعلك حاضرا وأكثر إلماما بما يحدث من حولك، وقد يجعلك تلاحظ أشياء لم تنتبه لها من قبل.

وبدأ برينس جياسي أيضا بنشر صور لقلب العاصمة أكرا، ومجتمع الصيادين بالمدينة على إنستغرام، والآن علقت صوره على جدران أحد المعارض الفنية بباريس.

واشتهر جياسي بين مجتمع المصورين بسبب مؤسسته الخيرية لتعليم الأطفال "بوكسيد كيدز"، ويرى أنه يتحمل مسؤولية تعريف الناس بطبيعة حياة شعبه في بلده غانا. ويشير جياسي إلى مقولة رئيس الوزراء الأول كوامي نكروما: "إن الغانيين ينبغي أن يسردوا قصصهم بأنفسهم ولا يدعون الآخرين يتحدثون بلسانهم".

بلدة كوكروبايت في غانا

ويقول جياسي: "لن أنتظر حتى يوثق الآخرون طبيعة الحياة في غانا، بل علينا أن نصحح الأفكار الخاطئة التي نشروها عن بلدنا. وأعتقد أنه من المهم أن نستخدم فننا لإطلاع الناس على الحقيقة".

وعُرضت أعمال مصورين، مثل حسن حجاج ولكين أوغونبانو وعمر فيكتور ديوب، في مجلات الموضة الغربية الراقية والمعارض والمهرجانات الأفريقية مثل معرض "لاغوس للصور"، ومهرجان "أديس فوتو" وبينالي داكار، وغيرها من المعارض التي تعرض الآن أعمال مصورين من القارة.

لكن فكرة التصوير غير التجاري لا تزال حديثة نسبيا في قارة أفريقيا. ويقول جياسي إنه من الصعب أن تكون مصورا مبدعا في غانا لأن المصورين التجاريين هم الذين يحظون بالاحترام".

أتاحت تكنولوجيا الهاتف والمنصات الرقمية طرقا جديدة ومبتكرة لالتقاط الصور. وساهم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تذليل العقبات أمام الكثير من المصورين الذين لم يكن لديهم المال الكافي لشراء معدات التصوير والكاميرات الباهظة في الكثير من الدول داخل القارة.

فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي عبّدت الطريق لهؤلاء المصورين بالقارة للوصول إلى جمهور لم يتسن لهم الوصول إليه من قبل، وأيضا لتغيير صورة أفريقيا أمام العالم من خلال التقاط صور تعكس حياة الشعب الأفريقي في الشوارع ونشرها على الإنترنت. فإذا كتب أي شخص وسم أفريقيا في خانة البحث، لن يرى صورا للفقر أو المجاعات.

لاعبو كرة قدم في بلدة نيما بمنطقة أكرا الكبرى، غانا

وفي أديس أبابا، تتمتع المصورة الفوتوغرافية إييروسالم جيريغنا بموهبة استثنائية في هذه المدينة التي لا توجد فيها مدارس لتعليم التصوير وقلما تمسك النساء بالكاميرات بسبب الأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين.

وهذا ما دفعها إلى التقاط صور لنساء يؤدين أعمالا غير تقليدية، مثل عاملات البناء. وتقول جيريغنا إن الأوضاع الاقتصادية أجبرت البعض على تأدية وظائف رغم إرادتهم، لأن الكثيرين هنا يعانون الفقر والعوز وقد يفعلون أي شيء من أجل البقاء.

ولاقت صور جيريغنا لنساء مدينة هرر، المدينة المسلمة شرقي إثيوبيا، انتشارا واسعا. إذ ترتدي نساء هرر ملابس تقليدية زاهية الألوان وآخاذة، تتعارض مع الصور التقليدية للنساء المسلمات اللائي يرتدين أغطية الرأس السوداء أو النقاب.

وتتميز المدينة نفسها بألوانها المتنوعة، إذ طليت جدارنها باللون الأزرق الزاهي، وأبوابها باللون الأرجواني وألواح النوافذ باللون الأصفر، وتغطي بعض الجدران الحمراء علامة كوكاكولا.

وتقول جيريغنا إن صور المسلمات السمراوات اللائي يرتدين أغطية رأس ملونة أثارت دهشة البعض، الذين لم يتوقعوا وجود مسلمات في هذا البلد ذي الأغلبية المسيحية. وأرسل الكثيرون رسائل للاستفسار عن المكان لزيارته يوما ما.

وترى جيريغنا أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في تبديد التصورات الشائعة عن بلدها. وتقول إن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في بلادها غير المجاعات والمرض التي يركز عليها الآخرون، وأريد أن يتعرف الناس على التطورات التي تمر بها في البلاد.

ويساعد هؤلاء المصورون المعاصرون في القارة في التصدي للصور النمطية ونشر معلومات لتعريف الناس بالعالم الذي نعيش فيه. إذ يكشف هؤلاء المصورون عن حقيقة القارة الأفريقية بتشابكها وتنوعها، وحيويتها وإبداعها لعدد متزايد من الجمهور، للتعرف على أفريقيا الحقيقية التي لم يعرفها العالم من قبل.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية