ما دلالات اختيار نجلاء بودن لرئاسة الحكومة في تونس؟

ما دلالات اختيار نجلاء بودن لرئاسة الحكومة في تونس؟

مشاهدة

03/10/2021

من الواضح أنّ الرئيس التونسي قيس سعيد عازم على اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير لوضع تونس على مسارها المدني، مهما كلفه من قرارات صعبة، كان قد بدأها بقرارات 25 تموز (يوليو) 2021 وتجميد البرلمان وحل الحكومة وإيقاف عدد من المتهمين بالفساد المالي، ثم أتبعها أخيراً بتكليف نجلاء بودن برئاسة الوزراء عملاً بالأمر الرئاسي 117، لتصبح أول سيدة تونسية وعربية تتولى منصب رئيس الوزراء.

أثار هذا القرار العديد من التساؤلات حول جدارة السيدة بودن في شغل المنصب الذي تتولاه في ظل ظروف سياسية شديدة التعقيد؛ فالبرلمان مجمّد وعناصر حركة النهضة الإخوانية يتربصون بالرئيس وبقراراته وبأيّ من الشخصيات التي تقترب منه، فضلاً عن الركود الاقتصادي وتأزم الحياة اليومية التونسية، لهذا بات السؤال عن قدرة الحكومة المكلفة بإدارة ملفات الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد ومكافحة الإرهاب في تونس.

اقرأ أيضاً: شروق شمس تونس وغروب "الإخوان"

 وفي هذا السياق يؤكد المحامي والناشط الدولي، حازم القصوري، أنّ "اختيار الرئيس التونسي قيس سعيد لنجلاء بودن هو قرار موفق للغاية، وأنّ تونس أصبحت بالفعل على درب الحركة التصحيحية"، مضيفاً في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "هذا التكليف هو ردّ اعتبار للتاريخ السياسي النسائي في تونس، وهي سابقة تؤكد ريادة الحركة النسوية التونسية في العالم العربي، أمّا بخصوص السيدة نجلاء بودن، فهي من مواليد 1958، أصيلة ولاية القيروان، وهي أستاذة تعليم عالٍ مختصّة في علوم الجيولوجيا، ناقشت أطروحتها في فرنسا منذ أعوام، وهي مديرة مدرسة المهندسين العاليا في تونس، ومكلفة بتنفيذ برامج البنك الدولي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتمّ تعيينها مديرة عامة مكلفة بالجودة بوزارة التعليم العالي عام 2011، وقد شغلت منصب رئيسة وحدة تصرف حسب الأهداف بالوزارة ذاتها، وكُلّفت بمهمة بديوان وزير التعليم العالي السابق شهاب بودن عام 2015.

المحامي والناشط الدولي حازم القصوري: هذا التكليف هو ردّ اعتبار للتاريخ السياسي النسائي في تونس

ويضيف المحامي الدولي أنّ بودن ليس لها أي انتماء حزبي، وتُعد من القيادات التكنوقراط، وطيلة مسيرتها المهنية أثبتت كفاءة ونجاحاً منقطع النظير، وهذا مؤشر قوي على إمكانية نجاحها في تسيير أعمال الحكومة ضمن فريق من المتخصصين.

يتوقع القصوري أنّ تقود حكومة بودن ثورة تصحيحية للعشرية السوداء في جميع الميادين من خلال إصلاحات عميقة في مجال الصحة والتعليم والشغل، "خاصة أنّها نفذت برامج مماثلة مع البنك الدولي بخصوص التعليم، ويستكمل القصوري توقعاته لحكومة بودن بأنها ستكون بداية لانطلاق المحاكمات الجزائية ضد التنظيم الإخواني التونسي (حركة النهضة) والأفراد، سواء في ملفات الإرهاب أو الفساد".

ويرى القصوري أنّ "ثمة تحديات تنتظر حكومة بودن، تتمثل في القدرة على التفاوض مع البنك الدولي وتأسيس شراكة حقيقية مع المؤسسات الدولية، مستندة في ذلك على هموم الشعب ومتطلباته، بعيدة عن الإملاءات الخارجية والإسقاطات السياسية".

الرئيس التونسي قيس سعيّد عازم على اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير لوضع تونس على مسارها المدني

من جانبه يرى الكاتب والباحث التونسي، باسل ترجمان، أنّ "اختيار نجلاء بودن لرئاسة الوزراء قرار سديد وحكيم ومناسب للحظة التاريخية التي تمر بها تونس"، لافتاً في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "تونس تمر حالياً بمرحلة دقيقة وصعبة للغاية، تحتاج إلى من يلتف حول الوطن ويعلي قيمته وليس من يناور من أجل مصلحة حزبه أو جماعته، فقد مرّت على تونس 10 أعوام عجاف استنزفت فيها مواردها وقدراتها، نظراً لتوغل تيار النهضة الإخواني في الدولة والمجتمع، الذين لم تشغلهم قضايا الوطن قدر ما شغلهم التخطيط للسيطرة والتمكين من مفاصل الوطن، هذه الأنانية الحزبية أثمرت فساداً مالياً وإدارياً تمثل في انتشار الرشوة وابتزازات للمستثمرين، حتى كادت تتهدم مؤسسات الدولة والمجتمع".

اقرأ أيضاً: "إخوان" تونس و"رقصة الديك المذبوح"

يتابع: اليوم وبعد ثورة 25 تموز (يوليو) 2021 وقرارات الرئيس قيس سعيد التي وضعت الوطن وأولوياته على رأس اهتمام الرئيس ومؤسسات الدولة، كان لا بدّ من أن يختار شخصية تتوافق مع طبيعة المرحلة، ونجلاء بودن أستاذة جامعية معروفة بكفاءتها الإدارية التي جعلتها تترأس مدرسة المهندسين الوطنية وهي أعلى درجة علمية للهندسة، والتي وثقت فيها المؤسسات الدولية فيما يخص البحث العملي والتعليم العالي، كما أنها معروفة بنظافة اليد وحسن السيرة والمسيرة، إضافة إلى أنها بدون أي انتماء سياسي، وهذه نقطة إيجابية في حقها، حيث لم تتورط في المشهد السياسي الموبوء، وفضلت أن تحترم علمها وفكرها وتقدمه لتونس الوطن بدلاً من إهداره على عتبات الأحزاب لتحصل على منصب هنا أو هناك، وتتميز بودن أيضاً بقدرتها على وضع تصورات عملية لحل المشكلات الاقتصادية العالقة التي يعاني منها الاقتصاد التونسي. 

الكاتب والباحث التونسي باسل ترجمان: اختيار نجلاء بودن لرئاسة الوزراء قرار سديد وحكيم ومناسب للحظة التاريخية التي تمر بها تونس

ويرى الكاتب والباحث التونسي أنّ "هناك 4 رسائل قوية يحملها هذا التكليف؛ الرسالة الأولى التأكيد على هوية الدولة التونسية التي تحترم المرأة وتراها شريكاً للرجل بالفعل وليس بالأقوال، أمّا الرسالة الثانية، فهي للأحزاب، ومضمونها أنّ المرحلة التي تمر بها تونس لن يكون فيها للأحزاب التي أفسدت الحياة السياسية دور، وأنّ المجال متاح لأصحاب الكفاءات، وليس لأصحاب الولاءات، أمّا الرسالة الثالثة، فهي إلى الداخل التونسي، فالحكومة التي ستترأسها السيدة نجلاء بودن هي حكومة مصغرة تكنوقراط، لا يشغلها المكاسب السياسية قدر اهتمامها بتنفيذ المهام المطلوبة وذات الأولوية، أمّا الرسالة الأخيرة، فهي أنّ هذه الحكومة بهذه التشكيلة وبرئيسة وزراء بدون لون سياسي سيكون مهمتها الأولى محاربة الفساد والفاسدين، والاهتمام بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ودعم الاستثمار الذي تضرر كثيراً خلال الأعوام الـ10 الأخيرة".

اقرأ أيضاً: كيف جاءت ردود الفعل على تعيين نجلاء بودن رئاسة الحكومة التونسية؟

من جانبه يرى الأكاديمي التونسي والباحث في القضايا الاستراتيجية، الدكتور أعلية العلاني، أنّ "تكليف الرئيس قيس سعيّد للسيدة نجلاء بودن خطوة نحو استعادة الإرث التونسي القائم على تحرير المرأة التونسية وتمكينها من مشاركة سياسية حقيقية". وفي تصريحه لـ"حفريات" أوضح أنّ "إقدام الرئيس سعيد على تكليف امرأة  تونسية معروفة بنجاحها المهني يحمل أكثر من رسالة؛ فهو من جهة يرفع من شأن المرأة التونسية، ومن جهة أخرى يؤكد على ملامح وطبيعة المرحلة السياسية القادمة في تونس، والتي تقوم على 3 محاور؛ المحور الأول تحييد الإدارة جهوياً وسياسياً عن كل الأحزاب السياسية، بما يعني أنه لا يمكن مستقبلاً تحزيب الإدارة. فالمعيار الوحيد في تولّي الوظائف هو الكفاءة، حيث يُوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ولن يُسمح لأيٍّ كان توظيف انتمائه السياسي والإيديولوجي أثناء تأدية مهامه، ومَنْ كان له انتماء حزبي أو جمعياتي، يُمارسه خارج العمل لا في الإدارة، وهذا هو المعمول به في كل الدول الديمقراطية".

اقرأ أيضاً: تونس: كيف علقت النهضة على اختيار رئيسة جديدة للحكومة؟

ويستكمل: أمّا المحور الثاني، فيقوم على مكافحة الفساد على أسس علمية وشفافة حتى تتمكن الدولة من استرداد أموالها، وربما في فترة لاحقة يتم العفو عن المتورطين في الفساد بعد أن يسددوا ما عليهم للدولة، ويتوقع أن تقوم الحكومة الجديدة بسنّ تشريعات متشددة بشكل أكبر تجاه كل من تسول له نفسه نهب المال العام أو تبييض الأموال، أمّا المحور الثالث، فهو ما أوضحه الرئيس في خطاب التكليف حول ضرورة الإسراع في وضع خطط إنقاذ اقتصادية وتحفيز الاستثمار المحلي والدولي لنجاح الحملة ضد الفساد، ونجاحُ مقاومة الفساد مرتبط بتعزيز استقلال القضاء وتمكينه من كل الأدوات اللوجستية والمادية، وتوفير الحماية الكافية لرجال القضاء للقيام بعملهم على أكمل وجه.

أكاديمي وباحث في القضايا الاستراتيجية الدكتور أعلية العلاني: تكليف الرئيس قيس سعيّد للسيدة نجلاء بودن خطوة نحو استعادة الإرث التونسي القائم على تحرير المرأة التونسية

ويضيف الأكاديمي التونسي في أنّ ثمة دلائل مهمّة في اختيار نجلاء بودن: الدلالة الأولى أنّ تعين امرأة على رأس الحكومة هو استعادة للهوية التونسية التي تحترم المرأة وتقدرها وتمكنها من الوصول إلى أعلى المناصب في الدولة، والدلالة الثانية أنّ الرئيس قيس سعيد أصبح محترساً من المنظومة السياسية الحزبية الحالية التي تحتاج إلى تصحيح كبير في هيكلتها ووظائفها، ومن المرجح أن تظهر في المستقبل أشكال جديدة في التنظم السياسي ربما تتعايش وتتنافس مع المنظومة الحزبية المُعَدّلة، والدلالة الثالثة كشف حقيقة تيار النهضة الإخواني، فقد اتضح أنّ حصيلة حكمها خلال عشرية كاملة مع حلفائها كانت كارثية على المستوى الأمني والاقتصادي، وهي تواجه اليوم قضايا تخص تمويلاً مشبوهاً وخارجياً لحملتها الانتخابية الأخيرة العام 2019، كما أنّ خطاب الإسلاميين حول المساوة بين المرأة والرجل لم يَرْقَ إلى مستوى التطبيق، فلم تتولَّ امرأة في عهدهم منصباً حكومياً كهذا، ويتوقع العلاني أن يخسر حزب النهضة أصوات غالبية النساء في أي انتخابات قادمة.

يُذكر أنّ راشد الغنوشي الزعيم الإخواني ورئيس البرلمان بعد أن أعلن قبوله بقرارات الرئيس سعيد، عاد أول من أمس وأعلن عن بدء انعقاد الدورة الثانية للبرلمان، رافضاً قرارات الرئيس التونسي، ممّا يشي بحملة إخوانية قادمة ضد حكومة نجلاء بودن، خوفاً من نجاحها الذي يخصم من رصيد النهضة والأحزاب الأخرى جميعاً.

الصفحة الرئيسية