ما معنى الكلام عن تحوّل كبير في علاقة بغداد بالرياض؟

8276
عدد القراءات

2019-04-18

"العراق أمام تحوّل كبير في علاقته مع السعودية"، هذا ما قاله رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، الذي بدأ أمس أوّل زيارة له للسعودية منذ تولّيه منصبه قبل ستة أشهر؛ حيث التقى العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز، وذلك ضمن جولة إقليمية شهدت أيضاً زيارتين إلى القاهرة وطهران في الأسابيع القليلة الماضية. ويحاول العراق إقامة توازن يصفه البعض بـ"الصعب" بين علاقته الثلاثية مع كل من إيران والولايات المتحدة والعالم العربي، وخصوصاً دول الخليج.

وصل رئيس الوزراء العراقي للرياض برفقة وفد كبير ووصفت التجارة بأنّها المحور الرئيسي للمحادثات بين أكبر منتجي النفط بـ"أوبك"

وقال عبد المهدي إنّ العراق سيحتفظ بعلاقات قوية مع إيران، وكذلك مع الولايات المتحدة وجيرانه الإقليميين، الذين يعتبر كثير منهم، وبينهم السعودية، طهران خصماً، كما ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء.
ووصل رئيس الوزراء العراقي إلى الرياض، أمس، برفقة وفد عراقي كبير يضم مسؤولين ورجال أعمال؛ إذ وصفت التجارة بأنّها المحور الرئيسي للمحادثات بين أكبر منتجي النفط في منظمة "أوبك". وقال مكتب عبد المهدي "جرت في الرياض مراسم توقيع ثلاث عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم بين العراق والمملكة العربية السعودية"، في مجالات من بينها التجارة والطاقة والتعاون السياسي.

 أعادت السعودية فتح قنصلية في بغداد ظلت مغلقة لعقود
وهذا الشهر أعادت السعودية فتح قنصلية في بغداد ظلت مغلقة لعقود. وأعلن الملك سلمان أيضاً أنّ بلاده ستقدم للعراق مليار دولار لبناء منشآت رياضية؛ وهو الإعلان الذي جاء في بداية زيارة للعراق استغرقت يومين قام بها وفد سعودي رفيع المستوى، بحسب "رويترز".
ويبدو أنّ المملكة تحقق نجاحات ملموسة في سعيها لتحقيق "توازن" في علاقات العراق مع محيطه الخليجي والعربي، من شأنها، عبر لافتة "توسيع مظلة المصالح المتبادلة"، تخفيض مستوى هيمنة الأطراف العراقية الأكثر ولاء لإيران على القرار العراقي.
استدارة سعودية
وقد عملت الرياض خلال الأعوام الأربعة الماضية على إحداث استدارة في سياستها الخارجية تجاه العراق، ففتحت سفارتها في العراق في كانون الأول (ديسمبر) 2015 بعد ربع قرن من إغلاقها، وقام وزير الخارجية السعودي السابق، عادل الجبير، بزيارة مهمة إلى العراق في شباط (فبراير) 2017، وهو العام الذي شهد أيضاً زيارة تاريخية لرئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، إلى السعودية، كان من ثمارها تأسيس مجلس للتنسيق بين البلدين في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، ثم أتت زيارة الرئيس العراقي الجديد، برهم صالح، إلى الرياض أواخر العام 2018، ما شكّل بمجمله خطوات أساسية نحو مسار جديد في العلاقات بين البلدين.

اقرأ أيضاً: سؤال في واشنطن: هل ستطلق طهران النار على الأمريكيين في العراق؟
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات صارمة على قطاعي الطاقة والبنوك في طهران العام الماضي. لكنها منحت بغداد إعفاءات مؤقتة للسماح لها بالاستمرار في استيراد الغاز والكهرباء الإيرانيين، وهو أمر، كما تذكر "وكالة الأنباء الفرنسية"، بالغ الأهمية لقطاع الطاقة العراقي المتعثر.
العراق يعد رابع أكبر منتج للنفط الخام في العالم

معوقات وطموحات
وتقول وكالة "بلومبيرغ" إنّه برغم أنّ العراق يعد رابع أكبر منتج للنفط الخام في العالم، فهو يواجه تحديات كثيرة من أجل لعب دور محوري في سوق النفط العالمية، تتمثل بحسب الوكالة في:
1.  الاضطرابات السياسية.
2.  البيروقراطية.
3.  الفساد.
4.  عدم كفاية البنية التحتية للتصدير.
5. كما أنّ البلاد بحاجة إلى بيع المزيد من النفط الخام لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة، وتوفير الخدمات الكافية لتفادي الاضطرابات المحلية المتزايدة، وإبقاء الشركات الأجنبية تدير حقول النفط بشكل طبيعي.
6.  هناك تحدٍّ آخر يتمثل بالخلاف بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل حول عائدات بيع النفط، والخلاف بشأن تبعية مدينة كركوك الغنية بالنفط.
وتلفت "بلومبيرغ" إلى أنّ العراق يمتلك ثالث احتياطي نفطي في العالم، ويقدر بنحو 143 مليار برميل بعد السعودية وإيران. ويبلغ إنتاج العراق من النفط حالياً خمسة ملايين برميل يومياً، ويخطط هذا البلد لرفعه لنحو سبعة ملايين و500 ألف برميل يومياً بحلول عام 2025.
وترجح شركة "وود ماكنزي" للاستشارات أن يتمكن العراق من الوصول لستة ملايين برميل يومياً بحلول ذلك التاريخ.

اقرأ أيضاً: "أم الربيعين".. ميليشيا إيران الجديدة بالعراق
وتشير وكالة "بلومبرغ" إلى أنّه حتى في حال فشل العراق في بلوغ أهدافه، فإنّ القدرة الإنتاجية المتنامية تبعث برسالة واضحة إلى "أوبك" أنّ العراق يمكنه أن يؤثر في الأسواق العالمية.
ويقول المحلل في شركة الاستشارات البحثية "إنيرجي أسبيكتس"، ريكاردو فاباني إنّ "زيادة القدرة تعني أنّ بإمكانك إعادة التفاوض على حصة الإنتاج الخاصة بك داخل أوبك".
وتؤكد بلومبيرغ أنّ العراقيين يرغبون في أن يكون لهم رأي أكبر في منظمة "أوبك" وفي لعبة الطاقة العالمية، ذلك أنّ حجم الإنتاج يعتبر قوة في أسواق النفط، حسب وكالة بلومبرغ، التي أشارت إلى عدم وجود منتج على القدر نفس من القوة مع السعودية، أكبر دولة مصدرة في العالم، والتي لديها القدرة على ضخ نحو 12.5 مليون برميل يومياً.
تواصل ينتظر المأسسة
وكان الناطق باسم وزارة الخارجية العراقية أحمد الصحاف قال في حديث سابق لصحيفة "الحياة" إنّ العلاقة مع المملكة العربية السعودية إستراتيجية، ودخلت في مرحلة عالية المستوى من التنسيق، وتتجه نحو تطورات كبيرة، لافتاً إلى أنّ العراق ينطلق في سياسة خارجية موحدة تستند إلى عدم الانخراط في سياسة المحاور الإقليمية، وأنّ أمن العراق مرتبط بأمن المنطقة الذي لن يتحقق بإغفال أي طرف في جهود تحقيقه.

الناطق باسم وزارة الخارجية العراقية أحمد الصحاف
وقال الصحاف في تصريحات إلى "الحياة" إنّ "العلاقة مع السعودية إستراتيجية ودخلت مرحلة عالية المستوى من التنسيق وستشهد تطورات كبيرة في ملفات الإعمار والاستثمار وتمكين القطاعات الصناعية والزراعية ومواجهة أيديولوجية الفكر المتطرف". ولفت إلى أنّ "هناك تواصلاً كبيراً وإستراتيجياً مع أهم مراكز الأبحاث في المملكة وفي مقدمها مركز (اعتدال) لمواجهة إيديولوجيا التطرف".

الصحاف: العلاقة مع السعودية إستراتيجية ودخلت مرحلة عالية المستوى من التنسيق وستشهد تطورات كبيرة في مواجهة أيديولوجية الفكر المتطرف

وبدأت الحكومة السابقة، برئاسة حيدر العبادي (2014-2018) بالتحرك نحو إعادة العلاقات مع دول الخليج العربي، وتمكنت بالفعل من إعادة الدفء إلى لقاءات المسؤولين من الطرفين، لكن، بحسب "العرب" اللندنية، من دون التوصل إلى اتفاقيات إستراتيجية اقتصادية وتجارية وأمنية طويلة المدى. وفي أعقاب انتخابه رئيساً للعراق، في تشرين الأول (أكتوبر ) 2018 ، استهل برهم صالح أولى زياراته الخارجية بجولة في دول الخليج العربي، فضلاً عن مصر والأردن.
ولا شك في أنّه لدى الحديث عن "تحوّل" في مسار العلاقات بين بغداد والعراق، لا ينبغي إغفال العوامل التي قادت الاستدارة السعودية نحو العراق الجديد، وتفاعل لها كبار المسؤولين العراقيين في الأعوام الأخيرة؛ فإضافة إلى العامل الأمريكي الأساسي أسهمت عوامل أخرى مثل العامل الإيراني، والعامل الأمني، والعامل الاقتصادي الثنائي، والعامل الاقتصادي الإقليمي فضلاً عن العامل الاجتماعي السعودي، في إنتاج مرحلة أكثر واقعية وهدوءاً في العلاقة بين الجارين العربييْن، من شأن توطيدها ومأسستها أن يترك مفاعيله القوية في المشهد الإقليمي عموماً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: