محمد إقبال وحلم المعتزلة المتأخر أحد عشر قرناً

12784
عدد القراءات

2018-10-22

يروي الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان أنّ المفكر الهندي محمد إقبال (1877 - 1938) أَسرَّ إلى أحد جلسائه بخصوص كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام بأنَّ هذا الكتاب لو كان أُلِّف في عهد الخليفة العباسي المأمون لترك آثاراً عميقة في الحقل الثقافي الإسلامي، وخلف هذا التمني المكتوم تقبع رغبة عميقة في التماهي مع عصرٍ اعتُبر التجسيد الحقيقي لما يعنيه الإسلام، حيث كان للفكر الحر مكان مرموق وموقع مؤثِر في حركة المجتمع.

اقرأ أيضاً: بابك الخرمي: شوكة غصّ بها حلق الخليفة المأمون

وإشارة إقبال تلك تعد أمراً مألوفاً لدى مفكري الإحياء والتجديد المسلمين الذين طالما عادوا إلى عصر المأمون باعتباره عهداً ذهبيّاً للتجديد والانفتاح الفكري والتحرر من إكراهات طبقة العلماء الذين يرون في "الحكمة" التي تحملها الفلسفة المجلوبة من خارج الحدود العقائديّة للأمة الإسلاميّة متضمنةً أساساً في الشرع المرتبط عضويّاً بالوحي.

غلاف كتاب "تجديد الفكر الديني في الإسلام" للمفكر محمد إقبال

اعتزال قيد الاستدعاء

قبل أن يعرب إقبال عن أمنيته السابقة، كان العالم المسلم الهندي السيد أمير علي (1849 - 1929) الذي أنشأ "الرابطة المحمديّة البريطانيّة" يعتبر أنَّ روح الإسلام الحقيقيّة اكتمل تجسُّدها في الفترة التي ازدهرت فيها آراء اللاهوت العقلاني لمدرسة المعتزلة التي تمثّل، برأيه، الجانب الأكثر عقلانيّة والأكثر ليبرالية في الإسلام والذي انفتح على مختلف مناحي الفكر الإنساني.

اقرأ أيضاً: المعتزلة قادوا ثورة العقل لتعرية ظلم السياسة ومفاسدها

وفي سياق موازٍ كان الإمام محمد عبده (1849 - 1905) يحاول فتح ثغرة في جدار الثبات اللاهوتي الأشعري المتحجر بإستراتيجية انتقائية تأخذ من المعتزلة موقفهم من قضية "العدل" وما ترتبط به من نظريتهم في "خلق الأفعال" إلا أنه تردد في الأخذ بقضية خلق القرآن، فاختار في الطبعة الأولى من رسالة التوحيد الموقف الاعتزالي لكنه في الطبعة الثانيّة تراجع عنه وحُذفت الفقرة التي تدل عليه، في حادثةٍ وثّقها نصر أبو زيد في كتابه النص والسلطة والحقيقة: إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة.

كتاب "تجديد التفكير الديني في الإسلام" كان الدليل العملي على مهمة إقبال في إعادة بناء معنى الإسلام كرسالة للإنسانية

وبعد أكثر من نصف قرن من محاولة الإمام، وعقب انكسار الحلم الحداثي العربي بفعل نكسة حزيران 1967، سيعود جناح من الإنتلجنسيا المسلمة إلى استلهام فكر المعتزلة كملاذٍ آمنٍ من عواصف الحداثة التي ظنّ أنه لم يتقن التعاطي معها جيداً، ليكتب محمد عمارة عن المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانيّة وليتقصى نصر أبو زيد نظرية المعتزلة في التأويل تحت عنوان الاتجاه العقلي في التفسير، والذي اعتُبر بمثابة مانفيستو للاعتزال المعاصر، كما وصفه الأكاديمي المصري جابر عصفور، وليكتب حسين مروة أكثر من 500 صفحة عن المعتزلة في سفره النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية وليؤكد الباحث التاريخي المخضرم هادي العلوي أن المعتزلة يمثلون مدرسة "التنوير" في عصرهم.

كانت هناك رغبة عميقة على مدار التاريخ الإسلامي الحديث، وشعور قويّ بضرورة، استئناف تلك الحركة العقلانيّة وبعث الروح الاعتزالية القلقة التي عقلنت الوعي الديني بانفتاحها على منجزات الآخر الحضاري.

وإقبال، الفيلسوف الإسلامي الكبير، كان يحلم بكل ذرة في كيانه بتجديد الوعي المسلم من خلال المبدأ الذي قام عليه بيت الحكمة الذي أسسه المأمون، كما يشير سليمان بشير ديان في كتابه الإسلام والمجتمع المفتوح: الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال، وهو المبدأ القائم على توطين الفلسفة داخل الأفق الفكري الإسلامي، وكما احتضن بيت الحكمة أرسطو وسقراط وغيرهما سيستوعب إقبال، ديكارت وبرغسون وغيرهما، وليس استئناف روح الانفتاح (الاعتزالية) برأي إقبال، سوى الشرط الضروري لتحديث المجتمعات الإسلامية.

أن تفكر مع إقبال

محاولة إقبال التجديديّة لم تكن ترمي إلى معالجة جزئية للفكر الإسلامي، أو ترميم ما تصدع من بنيان التفكير الديني عند المسلمين، أو إضافة بعض من الخبرة المعرفية التي تلقاها أثناء دراسته في الغرب إلى الوعي المسلم لتتجاور مع الخبرة الموروثة، بل كان يهدف إلى تأسيس رؤية فلسفيّة دينيّة معاصرة تلزم كل مسلم لا يريد لدينه أن يبقى في الخلف.

اقرأ أيضاً: مفاهيم إشكالية في الوعي الإسلامي المعاصر: العلم مقابل الدين

وكتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام كان الدليل العملي على مهمته التي ألزم نفسه بها؛ وهي إعادة بناء معنى الإسلام كرسالة للإنسانية كافة عبر مناقشة الأفكار الأساسية للإسلام مناقشة فلسفيّة بالتزامن مع مدارسة التطورات الراهنة للمعرفة الإنسانيّة في سائر مناحي الحياة.

ويلقي إقبال، كما يذهب مصطفى لبيب في تقديمه لكتاب المفكر الهندي، والذي ترجمه الأديب المكرّس عباس محمود العقاد، على عاتق المسلم المعاصر مهمة جليلة تتمثل في التفكير جديّاً في نظام الإسلام كله مع النظر بإجلال إلى المعرفة الحديثة، والتشبع بالمعرفة العصرية دون الوصول إلى القطيعة مع ماضيه المسلم.

والد محمد إقبال وصّاه بأن يقرأ القرآن الكريم كأنه أُنزل عليه شخصيّاً فنشأ الابن على فهم القرآن والاقتباس من أنواره

ويضع مقولة جلال الدين الرومي: إنّ "العقل يترصد قلب الإنسان النابض ويحرمه ذلك الزخم من الحياة الكامن فيه" موضع شك، ويؤكد على النقيض منها أنّ الإيمان أكثر من مجرد الشعور، فهو في حقيقته يشبه رضا النفس عن علم ومعرفة، وعليه يستنتج إقبال أنه من الممكن بل والمطلوب أن نستخدم المنهج العقلي البحت للفلسفة في مباحث الدين.

ويبرهن إقبال على ما توصل إليه من أن الفكر عنصر جوهري من عناصر الدين بتعدد الفرق الكلاميّة والصوفيّة في تاريخ الدين الإسلامي، ويذهب بعيداً، وفي خطوة بالغة الجرأة خاصةً في تلك المرحلة التي سطّر فيها محاضراته عن تجديد التفكير الديني، فيقول إنَّ الدين، نظراً لوظيفته، لهو أشد حاجة، حتى من العلم، إلى "أساسٍ عقلي لمبادئه الأساسيّة" وذلك في امتدادٍ واستئنافٍ لمهمة المعتزلة الأوائل الذين أسسوا الخبرة الدينية على أساسٍ من النظر العقلي.

غلاف كتاب الإسلام والمجتمع المفتوح: الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال

تأكيد الذات المسلمة

كانت وصية والد إقبال، وهو خيّاط ذو نزعة صوفية غامرة أورثها لابنه، بمثابة دليل عملي للطفل الذي سيصبح فيلسوف شبه القارة الهنديّة بأكملها، فقد وصّاه بأن يقرأ القرآن الكريم كأنه أُنزل عليه شخصيّاً، فنشأ إقبال على فهم القرآن الكريم والاقتباس من أنواره؛ ففي تجديد التفكير الديني يرفض إقبال، على صوفيته، منحى أكابر الصوفيّة بالتماهي مع المطلق إلى حد الانمحاء فيه، ويدعو إلى "فلسفة الفعل" المؤسسة على تأكيد الذات كما هو الحال في التصور القرآني في التأكيد على قيمة الذات الإنسانيّة.

محمد إقبال: إنّ الدين نظراً لوظيفته لهو أشد حاجة حتى من العلم إلى أساسٍ عقلي لمبادئه الأساسيّة

ومفهومه عن "الفعل" يرتبط علميّاً بالمسار السياسي الذي انتهجه إقبال أثناء إسهامه النشِط في التغييرات السياسيّة التي عرفتها الهند آنذاك، ورفضه لكل مظاهر السلبيّة التي يمكن أن تتلبس مسلمي الهند في سياق تمر به بلادهم فيه بمرحلة محورية في تاريخها، فيما يرتبط المفهوم نظريّاً بنظرته للهويّة المؤسسة على الحضور الإيجابي والحركة، ضمن منظور الأنا النزَّاعة دوماً إلى حرية الخلق الذاتي، بتعبير بشير ديان، وإقبال نفسه يقول صراحةً إنَّ: "القرآن الكريم يُعنى بالعمل أكثر مما يعنى بالرأي".

اقرأ أيضاً: محمد إقبال: تجديد الفكر الديني وتأويل الكون روحياً

ويترتب على نظرته هذه تعريف جديد للإنسان، الذي هو كما صوره القرآن الكريم، بحسب إقبال، "قوةٌ مبدعة وروحٌ متصاعدة تسمو في سيرها قُدُماً من حالة وجوديّة إلى أخرى"، وعلى ضوء هذا يكون الله في عون المرء شريطة أن يغيّر ما في نفسه، لكن إذا لم ينهض الإنسان إلى العمل ولم يبعث ما في أعماق كيانه من غِنىٍ وكفَّ عن الشعور بباعث من نفسه إلى حياةٍ أرقى أصبحت روحه جامدةً جمود الحجر.

اقرأ المزيد...

الوسوم: