محمد حبيب: هذه الأسباب تحوّل الأطفال والمراهقين إلى متطرفين

32776
عدد القراءات

2018-11-08

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الباحث بالمركز الإعلامي في دار الإفتاء المصرية، محمد محمود حبيب، إنّ انتشار الأفكار المتطرفة في المجتمع يعود أساساً إلى الطفولة التي تنشأ على معتقدات تربوية خاطئة، سواء تجاه المرأة، أو الآخر غير المسلم، مبيناً أنّ التطرف لم يأت فجأة، نتيجة أوضاع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية فقط "فهذه الأوضاع هي ظروف وبيئات مساعدة ومحركة للتطرف".

تعويد الأطفال على التعصب الرياضي أو الرضا بعنادهم والتسليم به كأمر واقع عوامل تساعد على التطرف

ونوّ الباحث في حواره لـ"حفريات"، إلى أنّ هناك عواقب خطيرة لإهمال الأنانية لدى الأطفال؛ موضحاً أنّ "المتطرف الذي يغترّ برأيه وبفكره ويحتقر الآخر كان في الأصل طفلاً أنانياً".

وأكد أول مدرب تنمية بشرية متخصص في تعديل الفكر المتطرف أنّ منهج تنمية المهارات؛ هو أصلاً منهج إسلامي صميم؛ مبيناً أنّ منهجه يقوم على فهم لغة جسد المتطرف وبيان الطرق المثلي للتعامل معه، فضلاً عن الكشف المبكر للتطرف عند الشباب والأطفال، على غرار طرق الكشف المبكر لإدمان المخدرات.

وهنا نص الحوار:

كيف تُسهم الثقافة السائدة في نشر التطرف؟

ليست كل الثقافة السائدة سيئة بالتأكيد؛ فثمة أوجه إيجابية وأخرى سلبية لها، فمن الجوانب السلبية، التي تساعد على التطرف؛ تربية الأطفال وتعويدهم على التعصب الرياضي، أو الرضا بعنادهم والتسليم به كأمر واقع، أو الاهتمام بالمظاهر والشكليات، أو عدم احترام الرموز والقامات الحقيقية، وكذلك الصرامة والشدة في التربية؛ فكلّ هذه الظواهر تدفع الشاب للتشدّد الديني، ومن ثم للتطرف، وربما للإرهاب، لو وُجدت بيئة وظروف معينة، بسبب رغبته في نيل الكمال، وكلّ هذا يمهّد الطريق لحبّ التطرف أو اعتناقه؛ فكل الآفات التي يتّصف بها المتطرّفون، لها نصيب من الثقافة السائدة.

من الجوانب  التي تساعد على التطرف؛ تربية الأطفال وتعويدهم على التعصب الرياضي

هل يمكن أن تدفع التربية الخاطئة للأطفال والمراهقين إلى التطرف؟

التطرف لم يأتِ فجأة، نتيجة أوضاع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية فقط، بل هذه الأوضاع هي ظروف وبيئات مساعدة ومحركة للتطرف، أما البذرة فهي رواسب وتربية خاطئة، وهي السبب الرئيس لذلك؛ فالتجفيف الحقيقي لمنابع التطرف والإرهاب يبدأ من التربية السليمة، فكم من إنسان فقير أو غير متعلم يرفض الفكر المتطرف أو الإرهابي؛ لأنّه تربَّى على أنّ هذا خطأ، أو تربَّى على سلوكيات تقوم على قبول الآخر واحترامه.

اقرأ أيضاً: هل ستتوقف ميليشيا الباسيج الإيرانية عن تجنيد الأطفال؟

ورؤيتي في علاج التطرف ترى أنّ السلوكيات المتطرفة عند الشباب لها جذور في التربية الخاطئة، فهذه الجذور والمسببات تترعرع وتنمو عند وجود ظروف معينة، اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، بمعنى أنّ الطفل الذي تربي على تحقير أخته، والحطّ من شأنها، حتماً سيقتنع عندما يكبر بالمفهوم الخاطئ للجواري وملك اليمين ونكاح الجهاد، وكذلك من اعتاد وتربى على الإعجاب بقوله، ورفض الرأي الآخر؛ عندما يكبر حتماً سيرفض الرأي الآخر، وكذلك من يتربى على آفة تصنيفه بأنّه فاشل أو غبي، سيتعود على تصنيف الناس عندما يكبر بأنّ هذا كافر وهذا منافق وهذا فاسق، وكذلك الأنانية وغيرها من الصفات السلبية.

يمارس العنف، ليخطف من الآخرين ألعابهم

ما هي أسباب الأنانية، وإلى أيّ مدى توجد علاقة بينها وبين الأطفال والسلوك المتطرف؟

بلا شكّ؛ هذا المتطرف الأناني في فكره، ورأيه كان طفلاً أنانياً، وكان يعتقد أنّ كلّ ما تصل إليه يده هو من أملاكه، لا يريد أن ينازعه الأطفال الآخرون في ألعابه، بل يمارس العنف، ليخطف من الآخرين ألعابهم، كان طفلاً أنانياً يرفض مشاركة الآخرين في اللعب، ويرى أنّ على الجميع تنفيذ أوامره، والانصياع لنواهيه، في غفلة من الوالدين والمربّين عن خطورة هذه التصرفات، معتقدين أنّها مرحلة وستمرّ، أو أنهم لا يريدون حرمانه أو عقابه لأنّه صغير.

التطرف لم يأت فجأة نتيجة أوضاع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية فهي مجرد ظروف وبيئات مساعدة

وللأسف؛ فهناك عواقب خطيرة لهذه الأنانية؛ فالمتطرف الذي يغترّ برأيه وبفكره، ويزدري العلماء الشرعيّين، ويصفهم بقلة العلم وعدم الإنصاف، ويحتقر المرأة، ويعدّها كائناً لا يصلح إلا أن يكون ملكاً لليمين، أو جارية من الجواري، وينظر إلى كلّ من يعدّه غير مسلم باعتباره كائناً منبوذاً يستحق الإبادة، كان في الأصل طفلاً أنانياً.

لكن ليس كلّ طفل أناني سيصبح متطرفاً؛ لأنّه قد لا تتحين ظروف لذلك، بل كلّ متطرف يزدري غيره كان طفلاً أنانياً بالضرورة، فلو عالجنا الأنانية عند الأطفال، وغيرها من السلوكيات المرفوضة، نكون بحقّ بصدد تجفيف منابع التطرف.

اقرأ أيضاً: أي مستقبل ينتظر الأطفال الذين تركتهم داعش وراءها؟

ويمكن تحديد مسببات الأنانية عند الأطفال، ومنها: تقليد الطفل للآخرين من إخوة ووالدين في الاهتمام بشؤونهم، وزجره عند التعرض لأغراضهم، فينشأ لديه حبّ التقليد في التعلق بأغراضه بصورة خاطئة، وكذلك التدليل الزائد للطفل يقوّي شعور الطفل بأنه محور اهتمام الآخرين، ما يقوّي عنده شعوره بالأنانية، وكذلك الشعور بالضعف نتيجة توبيخ الآخرين له، ما يجعله يتصرف وكأنه يعيش وحده، بالتالي؛ التقوقع حول أغراضه، وأيضاً هناك بخل الأسرة، أو الحرمان، الذي يجعله يبحث عن سعادته دون التفكير في الآخرين، فكلّ هذه مسببات ملحوظة ومعروفة تجعله إنساناً أنانياً، وتتحول إلى أنانية ذات صبغة دينية (عند وجود بيئة وظروف مواتية)، فيرى أنّ رأيه هو الحق فقط والبقية على خطأ، وهذا أكبر مشكلة نعاني منها من المتطرفين.

لو غفل الأهل عن الطفل، يشكّل الإنترنت السلوكيات عنده

ماذا عن إدمان الأطفال على الإنترنت وعلاقته بالتطرف؟

لا، ليس بالضرورة، فأغلب المتطرفين في السابق لم يسمعوا عن الإنترنت، وكذلك هناك كمّ هائل من مدمني الإنترنت ملحدون أو متحررون، فيمكن أن تكون عواقب إدمان الإنترنت حميدة، تستخدم في الخير، فالمعيار: ما هي نوعية التربية المستمدة من الإنترنت؟ فلو غفل الأهل عن الطفل، يشكّل الإنترنت السلوكيات عنده، سواء أكانت جيدة أم سيئة.

هل نحن بطريقة تأديبنا الخاطئة للأطفال ندفعهم للسلوك العنيف والإرهاب فيما بعد؟

حتماً، ما دامت خاطئةً فهي عرضةً لنتائج خاطئة، ويكفي أن يدرك القائم والمستخدم للعنف في التأديب أنه ينشئ أبناء محبين للعنف، ومستعدين للانتقام من الآخرين؛ الذين لا ذنب لهم وهم لا يشعرون، وبرغم كون العقاب منهجاً ربانياً قويماً، ومبدأ تربوياً مطلوباً، لكنّ كثيراً من الآباء والأمهات والمربين يسيئون استخدامه؛ فالعقاب ليس شرّاً، إلا إذا تم استخدامه بصورة مبالغ فيها، أو بعنف، وليس من أجل التقويم، وأخطر ما يكون عندما يأتي من أجل تنفيس غضب مكتوم بالصدر نتيجة أشياء أخرى.

اقرأ أيضاً: "الفنّ لا يغني من جوع" ... هكذا شوّهوا أطفالنا

وعلى الجاهل الذى يمارس العنف ويتباهى بأنه نفّس غضبه من أمور أخرى لعقاب أطفاله، أن يعلم أنّ أيّ تصرف يقوم به المتطرف، أو الإرهابي، أو المجرم، له أصل وجذر في تربيته، يظهر عندما يكبر، وعندما تتحين فرص ظهوره، ويجب ألا يعتقد الأهل والمربون أنّهم تربوا هكذا؛ فالبيئة والزمن مختلفان؛ فالإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والتقدم وتغيّر الثقافات والأفهام تؤثر في ذلك.

يوجد فرق بين الطفل المنضمّ لداعش قسراً ومن تمّ غسل عقله

كيف تنظر إلى الأطفال الذين  جنّدهم "داعش" في معسكراته؟

يجب أن أوضح، أولاً، أنّه من منظور التنمية البشرية يوجد فرق بين الطفل المنضمّ لداعش قسراً وجبراً، والذي تمّ غسل عقله بأفكار متشدّدة وإرهابية؛ فهذا شبه معذور لأنّه مغرَّر به، وهذا عند القبض عليه أو سقوطه في يد الأمن الرسمي، يجب إفهامه أخطاءه والصبر عليه، أما الطفل الذي انضمّ لداعش نتيجة حبّه للانتقام والحقد على الآخرين، أو حبّ الزعامة، وغيرها من الصفات التربوية السيئة، فمن ربّاه على هذه الصفات هو المسؤول، وفي كلتا الحالتين؛ الطفل ضحية، ومن هنا تأتي عظمة الأديان والقوانين في الرأفة بحال الطفل عند ارتكابه للجرائم فعقوبته أهون من غير البالغ الراشد.

هل هناك طريقة لعلاج الأطفال الذين دخلوا في مدارس داعش والقاعدة؟

نعم، عن طريق تقويم السلوك باستخدام التنمية البشرية، فيمكن تقويم سلوك هذا الطفل حتى لو كان ما يزال مقتنعاً بالفكر المتطرف، وإن كانت الوسائل أسهل لو أعلن تبرؤه من هذا الفكر بحكم أنّه غُرّر به، أما لو كان ما يزال مقتنعاً بهذا الفكر المتطرف، يمكن تقويم سلوكه باستخدام طرق الإقناع والمحفزات؛ كتذكيره بعواقب السلوك المتطرف، ومزايا السلوك المعتدل، ويمكن استخدام البرمجة اللغوية العصبية عن طريق برمجة شخصيته بسلوك جديد له عن طريق التكرار، وكذلك بتعديل التفكير السلبي إلى إيجابي، وباستخدام التنويم بالإيحاء، بإدخال الطفل في حالة صفاء ذهني، ومخاطبة العقل الباطن بالأفكار الإيجابية، وهي وسيلة معتمدة تتمّ تحت إشراف طبّي معتمد.

غلاف كتاب "المنهج الإسلامي في تنمية المهارات البشرية" لمحمد حبيب

لقد تخصصت في التنمية البشرية؛ هل هناك بالفعل منهج إسلامي في تنمية المهارات؟

أعتزّ أنّ كتابي "المنهج الإسلامي في تنمية المهارات البشرية"، تم اعتماده من مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، في هذا المجال، فأصبحتُ أوّل محاضر وشارح لكتاب معتمد من الأزهر الشريف، وهو يتناول أشهر طرق التنمية البشرية وموقف الشريعة منها.

كلّ متطرف يزدري غيره كان طفلاً أنانياً بالضرورة تحينت الظروف له للانحراف

ومنهج تنمية المهارات؛ هو أصلاً منهج إسلامي صميم؛ فالدين جاء لتطوير الإنسان وإصلاح حاله، وجعله إنساناً قادراً على خدمة نفسه والمجتمع من حوله، ومنهجي يقوم على كشف لغة جسد المتطرف وبيان الطرق المثلي للتعامل معه، وكذلك طرق الكشف المبكر للتطرف عند الشباب والأطفال، على غرار طرق الكشف المبكر لإدمان المخدرات، وغيرها من طرق فهم وعلاج التطرف بطريقة غير تقليدية.

 ما هي انعاكاسات علاج التطرف والعنف عند الأطفال والشباب باستخدام التنمية البشرية؟

فوائد هذا العلاج تتعدى الشخص المتطرف، وتساعد الآخرين في  توصيف فكر وصفات هذا الإنسان، وتقديم طرق فهمه والتعامل الأمثل معه، مثل كيفية إقناعه أو احتوائه، وهذا لا يتعارض مع تأييد العقاب القانوني للإرهابي، إذا ضرّ غيره لفظياً أو جسدياً، فلا نقبل، ولا أحد يقبل، أن نسامح من يسبّ الآخرين ويتهمهم بالكفر والفسق، بدعوى أنّ الحلّ الفكري أفضل تجاه المتطرفين، فمنهج التنمية البشرية تجاه الشخص المتطرف يتلخص في مساعدته في إصلاح نفسه وجعله شخصاً متفاعلاً وإيجابياً داخل المجتمع، سواء رضي أو لم يرضَ، عن طريق نصحه وإرشاده.   

غير المطلوب أمنياً يجب معاملته معاملة التائب

ما الأسلوب الأمثل للتعامل مع العائدين من مناطق الصراع في سوريا؟

المجرم من العائدين، والمطلوب أمنياً، لا مفرّ من عقابه، وفق القانون، ولا مانع من إرشاده للتوبة والإنابة، أما غير المطلوب أمنياً؛ فيجب معاملته معاملة التائب، باحتوائه وإرشاده فكرياً، وقبوله اجتماعياً، وعدم معايرته أو نبذه، ومساعدته اقتصادياً، بعدم التضييق عليه، بل والاستفادة من تجربته بعرضها على الشباب الحائر حتى يتعظوا.

كيف ترى انتشار الأفكار المتشددة في المجتمعات العربية؟ وما هي السبل الناجحة لمكافحتها؟

لقد انتشرت هذه الأفكار في لحظات وجود معتقدات تربوية خاطئة؛ سواء تجاه المرأة، أو الآخر غير المسلم، فتخيل طفلاً تربى على تربية تتبلور في تحذير أهله المسلمين من عدم مصاحبة غير المسلمين، باعتبارهم غير طاهرين، أو أنّهم كفار مصيرهم النار، بحسب بعض المعتقدات، أو أنّ المرأة محتقرة، وأقلّ من الرجل، ولا ترث مطلقاً، ولا تخرج من بيتها إلى محافظة أخرى وحدها للدراسة، أو أنّ الختان هو معيار العفة لها، أو أنّ العلماء الرسميين لا يتمسكون بالحق مداهنة، كما يقولون، فكيف يرفض أيّ شابّ أيّة معتقدات دينية تؤيد هذه التربية؟ بلا شكّ؛ سيكون مُرحباً بها، بل وداعياً لها، فكل الجهود المبذولة الآن تجاه الشباب هي محاولة لتغيير التربية الخاطئة، أما الأساس والسبل الواجب بذلها في المكافحة؛ فهو تجفيف المنابع من الصغر بالتحصين والتربية السليمة.

باعتبار عملك في دار الإفتاء كيف تقيّم جهودها في مكافحة الإرهاب في ظل تعدد الفتاوى؟

تبذل دار الإفتاء المصرية جهوداً كثيرة شرعية وإعلامية في مكافحة الإرهاب بمحاربة الفكر المتطرف، وهو الفكر الموصل للعمل الإرهابي، ما جعلها في مقدمة صفوف المؤسسات الدينية على مستوى العالم  التي تعمل على توضيح صحيح الدين والاستفادة من التقدم الهائل في شبكة الإنترنت، وهو أمر انتبه له، منذ أعوام، مفتي الجمهورية، الأستاذ الدكتور شوقي علاّم، ومستشاره الإعلامي، الدكتور إبراهيم نجم، فأقدما على تفنيد الشبهات المثارة تجاه الإسلام، والتصدي للجماعات المتطرفة والإرهابية، بكافة الوسائل الإعلامية والشرعية المتاحة.

اقرأ أيضاً: الأطفال وجذور التطرف الفكري

أما تعدّد الفتاوى فإنّه يعمل بلا شك على تشتيت جهود الإصلاح، وإحداث بلبلة وحيرة عند الناس والمجتمع، ونأمل جميعاً في صدور قانون تنظيم الفتوى، الذي ترعاه دار الإفتاء المصرية، بالتعاون مع اللجنة الدينية في مجلس النواب، وبمباركة الأزهر الشريف.

تقوم "الإفتاء المصرية" بجهود كثيرة منها الرد على ما يُثار من شبهات وأفكار متطرفة

ما هي برامجكم في دار الإفتاء لمكافحة الإرهاب؟

تقوم دار الإفتاء المصرية بجهود كثيرة؛ منها الرد الفوري على كلّ ما يُثار من شبهات وأفكار متطرفة، تخصّ حقوق الإنسان المسلم وغير المسلم، وكلّ ما يخصّ الشباب والمرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصّة، بتسهيل أمور العبادة لهم وتوصية المجتمع بهم، من خلال عرض يومي لدروس بثّ مباشر لكبار علماء الدار على مواقع التواصل الاجتماعي، للتفاعل مع المجتمع المصري والدولي.

تعدّد الفتاوى يعمل بلا شك على تشتيت جهود الإصلاح وإحداث بلبلة وحيرة عند الناس والمجتمع

وكذلك تقوم الدار بتدريب الدعاة والمفتين على مستوى العالم، كما تقوم بتأهيل الشباب المقبلين على الزواج بدورات تدريبية، كما تستفيد من الثورة الهائلة للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، بتدشين عدة صفحات يقترب متابعوها من 10 ملايين متابع، على مستوى العالم، فضلاً عن متابعة مراصدها ومراكزها البحثية كلّ ما يهمّ الشأن المصري والإسلامي.

كما تنظم الدار مؤتمرات عالمية لوضع ضوابط للإفتاء، أهمها؛ المؤتمر العالمي، الذي عُقدت دورته الرابعة في المدة 16-18 تشرين الأول (أكتوبر) 2018، تحت عنوان "التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق"، برعاية "الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم" في القاهرة، وتحت مظلة دار الإفتاء المصرية، التي يرأسها مفتي الجمهورية، الدكتور شوقي علام، المستشار الإعلامي لمفتي الجمهورية إبراهيم نجم، ويضم هذا المؤتمر أكبر وأشهر المفتين والعلماء على مستوى العالم الإسلامي، للتباحث سنوياً في أمر ضبط الفتوى، والتصدّي للفتاوى الشاذة، التي تراجعت بفضل الله، عز وجل، وبفضل جهود هذه الأمانة العامة، بشكل ملحوظ، يوماً بعد يوم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد بحري: الفن والأدب متأخران عن الحراك الشعبي في الجزائر

951
عدد القراءات

2019-06-17

أجرى الحوار: محمود أبو بكر


قال الناقد الجزائري محمد لمين بحري إنّ المثقف لن يستوعب صدمة الحراك الحالية التي رفعت سقف الحرية عالياً، ولا استيعاب خطاب الهبّة الشعبية إبداعياً، إلا بعد أعوام، مستدركاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثمة مواكبة من الأدب الجزائري للتحولات السياسية والمجتمعية التي يعيشها المجتمع، وأكد أنّ "هناك من الأعمال الروائية ما ساير الأوضاع، وكشف ملفات الفساد، ولو رمزياً".
وتحفّظ بحري على مطالبة المبدعين "بالاستشراف" باعتباره "ترفاً لفظياً أكثر منها مصطلحاً نقدياً حقيقاً بالأدب ودراسته"، مفضلاً كلمة "الحساسية"، بأن "يكون القلم المبدع لسان حال وميسم استشعار، ذا إحساس عالٍ نحو قضايا عصره".

وهنا نص الحوار:

المثقف واستيعاب صدمة الحراك

لن نستطيع احتواء البعد الفني والخطاب الإبداعي للحراك الحالي إلا بعد أعوام

هل لعب الأدب الجزائري، وخاصة الروايات، دوراً في كشف الفساد وتحريك الشارع؟

قليلة هي الأعمال الروائية التي استبقت الحراك الشعبي في الجزائر؛ ذلك أنّ الحراك هبّة شعبية عفوية، لم تكن متوقعة التاريخ بالتحديد، وإن كانت متوقعة الحدوث نتيجة احتقان اجتماعي وركود سياسي، وتفشي الفساد المعلن، وتغوّل الطبقة السياسية الأوليغارشية الفاسدة، وامتهان كرامة الشعب.

قليلة هي الأعمال الروائية التي استبقت الحراك الشعبي بالجزائر؛ فهي هبّة شعبية عفوية لم تكن متوقعة التاريخ بالتحديد

وفي نظري؛ الحراك بهبّته الموحدة والسلمية الراقية، ووضوح مطالبه السيادية قد حرر الأقلام والصحافة والعدالة والجامعة، وكل قطاعات الحياة الثقافية، والقرائح المبدعة، وتجاوز بخطابه وإبداعه وتجدده كلّ تلك القطاعات التعبيرية والإبداعية التي لم تستطع مواكبة صوت الحراك وإبداعاته التي نراها تنبثق وتجدد كلّ يوم؛ في الشعارات والعبارات واللوحات والمشاهد الفنية التي فاقت كلّ تعبير فني. 
والأكيد أنّنا لن نستطيع احتواء بعده الفني وخطابه الإبداعي إلا بعد أعوام؛ في كتاباتنا، وأطروحاتنا، وفنون العرض والتشكيل؛ لذلك أرى، بعكس أطروحة استشراف الكتابة للحراك، أنّ هذا الأخير قد كشف كثيراً من الأقلام واستكانتها قبل هبّته، والإعلام واستلابه، والأكاديمي وصمته، والمثقف عموماً الذي لم يتحرك إلا كرد فعل شرطي ومنبه قوي الجرعة، دفع بالقلم والصوت والصورة للتعبير باسم الحراك الشعبي، وبعثه من جديد بطاقة داخلية وحّدت الجميع.

اقرأ أيضاً: هل ينجح "العسكر" في إدارة مرحلة انتقالية في السودان والجزائر؟
لذلك أعتقد أنّ المثقف لن يستوعب صدمة الحراك الحالية التي رفعت سقف الحرية عالياً، ولا استيعاب خطاب الهبة الشعبية إبداعياً، إلا بعد أعوام، وبأثر رجعي؛ لأنّ الإبداع ليس في حاجة إلى طاقة تحركه وتفجر طاقته مثل الحرية التي تُستلهم دوماً من ملاحم الشعوب، ونضالها، أما ركوب موجته الآن إبداعياً، وكما اتفق، ومحاولة ترديد شعاراته في الكتابة والرسم وفنون العرض وغيرها، فهو في اعتقادي مسيء للذين حاولوا محاكاته؛ لأنّ صوت الحراك وقوة إبداعه الحالية فوق كلّ تعبير، في حين يخرج لنا الشعب كلّ جمعة، بعالم إبداعي متجدّد، وفكرة غير مسبوقة من الإبداعات والشعارات واللوحات، لا قِبَل للأقلام باستيعابها، إلا بترديدها واتباع وهجها؛ لذا أقول: إنّ الحراك بإبداعه استبق، بل اكتسح، من ميادين المسيرات الحرة كلّ إبداع، وليس العكس.

مواكبة الأدب لتحولات المجتمع
ما مدى مواكبة الأدب الجزائري للتحولات السياسية والمجتمعية التي يعيشها المجتمع؟

هناك من الأعمال ما ساير الأوضاع، وكشف ملفات الفساد، ولو رمزياً، ولعلنا نبدأ برواية "قصيد في التذلل"، للراحل الطاهر وطار، التي حفرت عميقاً في موضوع الفساد الثقافي، وقلّبت في سياسات المفسدين في القطاع، وجسّدت نماذجهم البشرية، ونهجهم الانحرافي المستفحل في كلّ المؤسسات.

الراحل الطاهر وطار
غير أنّ ما لفت انتباهي في العامين الماضيين؛ روايتان، إحداهما لعبد القادر ضيف الله، وهي نصّ بوليسي بعنوان "زينزيبار"، صادرة في مصر، عن دار "الدار" للنشر والتوزيع، 2016، تفادى صاحبها نشرها في الجزائر، كونها تعالج موضوع علاقة الجيش الجزائري وجنرالاته بالاستخبارات الداخلية والخارجية، والعلاقة بين هذه الفئة من الجنرالات والإرهاب عبر عمليات وقصص اغتيالات وتفكيك لشفرات السياسات الداخلية للخلايا الأمنية والاسخباراتية، وحتى لمسار الاغتيالات الأمنية والسياسية والتصفيات الانتقامية المستفحلة منذ الاستقلال بين فروع ورجالات وأذرع الاستخبارات، حتى أنّ عنوان رواية "زينزيبار"؛ هو اسم عملية استخباراتية معقدة التنفيذ ووخيمة النتائج، ترتكز على خلفية وقائعية حقيقية، وهذا ما زاد من جرأة النص، في مواكبة مسلسل الفساد العسكري والسياسي في الجزائر المعاصرة.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟

أما التجربة الروائية الثانية؛ فهي رواية صدرت عام 2018، للروائية المغتربة بإيطاليا، أمل بوشارب، بعنوان "ثابت الظلمة"، وتتعرض بدورها لرباعي الفساد (السياسة، الثقافة، العسكر، الإرهاب)، وهي رواية استخباراتية بامتياز، تكشف حتى السبل الشيطانية في استغلال ثروات الجزائر، وبيعها من من طرف أبناء المسؤولين والسفراء والوزراء وشركائهم من رجال المال الفاسد.
وأعتقد أنّ هذه الحلقة من الفساد هي أول حلقة كشفها الحراك وأطاح بأكبر رؤوسها بعد تحرير العدالة، التي لم يكن لأحد أن يتصور بأنّها ستتحرر، بعد أن كانت وصية على حماية المافيا السياسية الحاكمة.

الأدب بين الاستشراف والحساسية

الأدب ليس مطلوباً منه مهمة الاستشراف بل تحسس قضايا المجتمع
هناك من يرى أنّ روائيي الجيل الجديد في الجزائر ظلوا يتناولون ما يقع لحظياً، دون أن يتمكنوا من الاستشراف بخلاف الجيل الأول من الروائيين، ما رأيك؟

أتحفّظ على كلمة "الاستشراف"؛ إذ تبدو ترفاً لفظياً أكثر منها مصطلحاً نقدياً حقيقاً بالأدب ودراسته، بل أفضِّل بدلاً منها كلمة "الحساسية"، وهي اصطلاح نقدي مؤسس فكرياً وفنياً لدى عديد النقاد الغربيين والعرب؛ أي حينما يكون القلم المبدع لسان حال وميسم استشعار، ذا إحساس عالٍ نحو قضايا عصره، فيخاطب الأزمنة جميعاً؛ الكائن منها، والقائم، وحتى المستقبل الممكن، في حركة، أو لوحة، أو تعبير، أو خطاب ثائر، وهذه الأشياء لا يعدمها الإبداع في مختلف تجلياته، خاصة الكتابية منها.

الحراك الجزائري بهبّته الموحدة والسلمية الراقية ووضوح مطالبه السيادية حرر الأقلام والصحافة والعدالة والجامعة

لكن علينا أن نقف في هذا الموضوع عند التساؤل الآتي: ما الذي يكشف هذه الحساسية الإبداعية في الكتابة الروائية؟
وذلك باعتبارها حركة إبداعية ضمنية، بطابع رمزي، وشحنة دلالية ثانوية خلف الصيغ والتراكيب والصور والمشاهد، وليست صيغة تعبيرية واضحة معلنة الخطاب صريحة اللفظ والمعنى.
ومن هنا وجب على النقد أن يكشف تكوينية هذه الصيغ، وأن يمنحها ما يليق ببعدها الإحساسي من استقراء وتأويل، باعتبارها لسان العصر وميسماً من مياسم استشعاره الإبداعية؛ لأنّ الرؤية تتشكل في الأدب عبر مقومات رمزية وبنيات دالة، للوعي الممكن، ولا يمكن أن نبرهن على قيمتها الدلالية فقط بتلك العبارات المتحدثة بصيغة ما يستقبل من الزمان.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء إلغاء انتخابات الجزائر؟
لذلك؛ إنّ دراسة الحساسيات الإبداعية لا تستوعب قيمتها وتعبيريتها من النص مباشرة، بل عن طريق دراسات نقدية فاحصة لتكوينيتها ورؤيتها للعالم؛ لأنّ الحساسية الإبداعية موجودة في كلّ الإبداعات الروائية التي، إن كانت تحمل صيغة المباشرة لدى مؤسسي الرواية الجزائرية؛ كعبد الحميد بن هدوقة "ريح الجنوب"، كاتب ياسين "نجمة"، الطاهر وطار "الزلزال"، رشيد بو جدرة "العسس، التفكك، التطليق، الربيع، ...إلخ"، أو في عبارات ضمنية في مؤلفاتهم (ما يبقى في الواد غير أحجاره "الزلزال" الطاهر وطار)، (أرى حياة لا يحرسها الأب (بن هدوقة) "ريح الجنوب")، وغيرها؛ فإنّ هذه الحساسية في كتاب الجيل الحالي قد تحمل دلالة تكثيفية أو انتشارية، عبر مشهد كامل، وتتمفصل عبر رحلة الشخصيات وما يواكبها من أحداث من بداية النص إلى نهايته؛ "هجرة حارس الحظيرة"، لنجم الدين سيدي عثمان، أو تتجلى في رمز "فنتاستيكي" مبتدع، يزرعه الروائي في عمله، لينتشر دلالياً، عبر كلّ مفاصل الحياة وأبعادها القائمة والممكنة؛ "هالوسين"، إسماعيل مهنانة، "وادي الجن"، مبروك دريدي.

اقرأ أيضاً: تصفية حسابات بين إسلاميي الجزائر
ذلك أنّ من ميزات الحساسية الجديدة في الرواية الشبابية المعاصرة في الجزائر؛ اللجوء إلى ابتكار الجرثوم الانتشاري، ونسج العمل حوله وتركه ينشر عدواه ليس في النص الواحد بل في عملين أو أكثر، وربما في أجزاء أو سلسلة روائية، ليتجلى مفهوم الحساسية بمختلف أبعاده التعبيرية، لا كرؤية فنية للعالم فحسب؛ بل كأسلوب في التعبير يشمل جيلاً بأكمله، بدأ يرسم قطيعته الأسلوبية والتعبيرية، وحتى الرؤيوية، مع أجيال الروائيين الواقعيين المؤسسين لهذه الرواية.

اقرأ أيضاً: "إخوان" الجزائر يفشلون في ركوب الحراك الشعبي
وهنا لن يكفي ذكْر روائي أو اثنين؛ بل نتحدث عن جيل ألفيني صاعد من الروائيين، الذي يؤسسون لروح نصّ، ويرسمون ملامح عصر روائي قادم، من أمثال: خولة حواسنية، وعبد الرزاق طواهرية، وحنان بركاني، وأمل بوشارب، ومحمد بن زخروفة، وغيرهم من الأقلام الصاعدة لجيل لا تكفّ حساسيته عن التجلّي وابتداع بصمتها التعبيرية المختلفة، لكن هل هناك من أقلام نقدية مبدعة تصغي لهذه الحساسية الروائية الشاردة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه للوصول إلى سؤالك السابق.

الناشطة التونسية ضحى عيادي: تغيير المجتمعات لا بد أن يمرّ بالمرأة

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
871
عدد القراءات

2019-06-11

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قالت الباحثة والناشطة التونسية، ضحى العيادي، إنّ أنشطة المجتمع المدني في مجال مكافحة التطرف والإرهاب ضرورية لمساندة الدولة التي تبقى المسؤول الرئيس عن الحد من هذه الظاهرة الخطرة.
وأكدت العيادي، في حوارها مع "حفريات"، أنّ أنشطة الجمعية التي تديرها "تونس لينا الكلّ" ترتكز أساساً على الفن والثقافة عموماً بوصفهما أداتين فعّالتين للحد من ظاهرتي التطرف والإرهاب في تونس.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة
ونوّهت الباحثة في القانون بهيئة الحقيقة والكرامة، بدور المرأة الناجع في الوقاية من التطرف العنيف والإرهاب وذلك لـ "مدى التزامهنّ بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير".
وهنا نص الحوار:

جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً)

ما هي أبرز المشاريع والأنشطة التي تشتغلون عليها في إطار مكافحة التطرف والإرهاب؟
جمعية "تونس لينا الكل" (تونس لنا جميعاً) هي جمعية شبابية في بداية نشاطها عملت على التشبيك مع جمعيات أخرى في مجال مكافحة الإرهاب ونبذ كل أشكال التطرف العنيف. فكان أول أنشطتها في هذا المجال تنظيم تظاهرة ثقافية صحبة جملة من منظمات المجتمع المدني بالقيروان تحت عنوان "نجاوبوكم فن" (نجيبكم بالفنّ) لما للفن من أهمية في مكافحة السلوكيات الخطرة عموماً، والإرهاب والتطرف خصوصاً.

نركز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة

اشتغلت الجمعية أيضاً في مجال العنف السياسي مع منظمات وطنية وجهوية إثر تطور الأحداث في تونس، والوصول الى التصفية الجسدية لقيادات حزبية، ليتم تأسيس منتدى الحوار الذي تمكنا من خلاله من تنظيم عدة ورشات للدفع تدريجياً نحو التثقيف بأهمية الحوار كوسيلة للتصدي للإرهاب، مشرّكين في هذه الورشات الإعلاميين والأمنيين والحقوقيين والأئمة وأكاديميين ومربين باعتبار أنّ مساهمتهم ضرورية في مقاربة القضاء على الإرهاب؛ لأنهم ببساطة العناصر الأكثر ارتباطاً وتأثيراً في المجتمع.
في نفس الإطار قامت الجمعية ببعث نوادي المواطنة وحقوق الإنسان ببعض المؤسسات الجامعية والشبابية على غرار نادي الوطن والمواطنة ونادي الحوار بدار شباب حفوز.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟
نفذت جمعية "تونس لينا الكل" مشروعين تم تمويلهما من طرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأول؛ العام 2016 متوجهين لشباب معتمدية حفوز من ولاية القيروان بمشروع أطلقنا عليه اسم "محبة تونس تجمعنا"، والذي يهدف أساساً إلى الحد من ظاهرة التطرف لدى الشباب، والثاني؛ هو مشروع تمت تسميته "نساء قادرات" توجهنا به إلى النساء الريفيات في المنطقة نفسها العام 2018 والذي يهدف إلى دعم قدرات المرأة الريفية في الوقاية من التطرف العنيف وكيفية الحد من ظاهرة التطرف بالجهة.
من مشروع "محبة تونس تجمعنا"

إذن يبدو أنّكم تركزون أساساً على الفن والثقافة عامة في مقاومة التطرف والإرهاب؟
نعم، في أغلب الأنشطة والمشاريع التي نفذناها تم التركيز أساساً على علاقة الفن بالحد من الإرهاب وكيف يمكن للثقافة أن تقلص من هذه الظاهرة، كما كان أغلب تركيزنا في أنشطتنا على دور الحوار والتماسك الاجتماعي في الحد من التطرف، لما للحوار من أهمية في فض النزاعات مع تنفيذ دورات تكوينية في هذا المجال. ويعتبر - في تقديري - تشريك الأئمة ضرورياً لما للخطاب الديني من تأثير إيجابي في حال استخدم النص القرآني والسنة النبوية في محلها ودون إخراجها من سياقها.
لماذا استهدفتم المرأة تحديداً؟ وأي أدوار يمكن أن تلعبها في مقاومة الإرهاب والتطرف؟
في إجابتنا عن هذا السؤال نستشهد بمقولة لبرنارد شو حين اعتبر أنّ "المرأة هي نصف المجتمع، وهي التي تلد وتربي النصف الآخر".

المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً

في عملنا مع النساء اكتشفنا مدى التزامهن بالقضايا العادلة في الوقت الذي فقد فيه الشباب الثقة في العمل الميداني، والثقة في إمكانية التغيير، نظراً لحالة اليأس المرتبطة بالوضع العام لوطننا. فاخترنا العمل مع النساء اللاتي بدورهن سيقمن فيما بعد بتوعية الشباب.
إضافة إلى أنّ النساء هن اللاتي طالبننا بتكوينهن في مجال التوقي من التطرف العنيف، وكيفية التدخل للحد من هذه الظاهرة. وللأمانة، في اختيارنا للمشاركات المنتفعات بالتدريب في مشروع "نساء قادرات"، فضّلنا أن لا نقصي الأميات منهن، وأن نجعل المشاركة مفتوحة لكل الفئات العمرية على أن يتم اختيار 20 منهن. ونظراً لإلحاحهن وإبداء الرغبة في الالتزام بالحضور بجميع مراحل المشروع مع القيام بنقل المعارف التي يلقينها إلى نساء أخريات قمنا بتوسيع قاعدة المشاركات ليصل عددهن إلى 35 امرأة ريفية وسفيرة للحوار.

اقرأ أيضاً: المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟
إن تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة، ونظراً إلى الدور الذي تلعبه المرأة داخل الأسرة وخارجها، وبأنّ النساء هن صانعات قادة المستقبل والأكثر التزاماً، كما ثبت من خلال عديد التجارب المقارنة أنّ تدخل المرأة يساهم في الحد من ظاهرة التطرف والإرهاب وأنهنّ يؤثرن بشكل إيجابي على مفاوضات السلام ومبادرات بناء السلم وفرص النجاح معهن أنجع.
إنّ النساء يلعبن دوراً تثقيفياً وتربوياً وأدواراً أخرى في المجتمع وكل ما ينقصهن هو الدفع نحو دعم قدراتهن في هذا المجال وتمكينهن من فرص فعلية للتدخل.
 هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب

من خلال ملامستكم عن قرب لهموم النساء الريفيات ومشاغلهن، هل وجدتم فيهن وعياً بخطورة ظاهرة التطرف؟
في الحقيقة مسألة الوعي تبقى دائماً نسبية، إذ كان هناك بعض الخلط في المفاهيم وخاصة في مفهوم التطرف والتطرف العنيف والإرهاب ومفاهيم أخرى مشابهة، مع تخوف جدي من الخوض في الموضوع لارتباطه، أحياناً، بالدين.

اقرأ أيضاً: المرأة والحداثة: سقوط وهم الأمومة المثالية
على مستوى الوعي بخطورة الظاهرة يمكننا أن نجزم أن ما جعل المنتفعات بالمشروع يتمسكن بالمشاركة هو من منطلق إيمانهن بخطورة الإرهاب، ما سهل علينا كجمعية كسر الجليد مع المشاركات، والتعامل مع الظاهرة كغيرها من الظواهر والسلوكيات الخطرة الأخرى، أضف إلى ذلك أنّه من بين المشاركات أم متضررة من الجماعات الإرهابية تمت "دمغجة" ابنها والتغرير به وتسفيره إلى سوريا عبرت عن رغبتها في توعية النساء حول خطورة الظاهرة وكيفية التعامل معها في حال ظهور سلوكيات تنم على إمكانية وجود تصرفات مشبوهة.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها بعد نشاطكم مع النساء؟
مقارنة بنقطة البداية التي انطلقنا منها، والمتمثلة في غياب شبه تام لثقافة الحوار في الفضاء العائلي وخارجه، وغياب شبه تام لثقافة احترام الآخر المختلف عنهم، وما توصلنا إليه بعد ستة أشهر عمل، وبعد ثماني ورشات عمل متتالية تمكنا من تكوين نساء قادرات على القيام بحملات مناصرة وتحسيس انتفعت بها نساء أخريات. كما أنّ المنتفعات بالمشروع قمنَ بتأسيس نادٍ ببلدية حفوز للتصدي لظاهرة التطرف والإرهاب ولنشر ثقافة الحوار والاختلاف.

اقرأ أيضاً: 5 كتب تناولت وضع المرأة داخل تنظيم داعش
إنّ مشروع "نساء قادرات" جمع بين تمكين المرأة الريفية اقتصادياً ودعم قدراتها في مجال التوقي من التطرف العنيف، وذلك من منطلق وعينا بأنّ المرأة مهما بلغت درجة الوعي لديها لا يمكن أن تحقق استقلاليتها دون أن تكون مستقلة مادياً، ليتم تخصيص جزء من ميزانية المشروع للمشاركات كدعم لهنّ لتحقيق استقلالهن المادي.
ما أهم الأسباب التي تدفع المرأة نحو التطرف العنيف والإرهاب برأيك؟
في تقديري الأسباب التي تجعل المرأة تنخرط في المنظومة الإرهابية هي ذاتها التي تدفع بالرجل، وتتمثل أساساً في الجهل بالدين، الرغبة في إثبات الذات، الفقر والتهميش، غياب العدالة الاجتماعية..
كل هذه الأسباب كانت المحدد الرئيسي في استراتيجية العمل التي وضعناها لتنفيذ المشروع.

من أسباب الإرهاب والتطرف الجهل بالدين والرغبة في إثبات الذات وغياب العدالة الاجتماعية

في علاقة بالدين كنّا قد شركنا إماماً شاباً من ثقات الجهة في ورشات العمل التي قمنا بتنفيذها، كي نتجاوز إشكالية الجهل بالدين، والذي قام بدوره بإبراز خطورة التطرف والغلو في الدين. وما يمكن أن ينجر عنه من أضرار مبيناً سماحة الدين.
في علاقة بالرغبة في إثبات الذات تم منح المشاركات فرصة التدخل في الشأن العام من خلال التنسيق مع السلطة المحلية لتشريكهن ودعوتهن للإدلاء بمقترحاتهن ضمن الجلسات التي تعقدها لجنة المرأة بالمجلس البلدي.
وفي ما يخص الفقر والتهميش والبطالة تم تخصيص جزء من ميزانية مشروع "نساء قادرات" من أجل دعمهن اقتصادياً كي يتمكنّ من ممارسة حرف يدوية بسيطة تساهم في مساعدتهن اقتصادياً.
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف

إذن كيف يمكن للمرأة عموماً أن تكون صمام أمان ضد التطرف والإرهاب؟
المرأة مسؤولة من أي موقع هي به على دعم المقاربة الوقائية للتصدي إلى التطرف والإرهاب والسلوكيات الخطرة عموماً لارتباطها الوجداني وقدرتها على التركيز على التفاصيل.
على المستوى التربوي يجب على المرأة منذ البداية أن تكرس فكرة الاختلاف وتغرس ضرورة احترام الآخر المختلف لدى الناشئة مكرسة قيم الاعتدال والتسامح.

اقرأ أيضاً: مفارقة الراعي ودونية المرأة
على مستوى دور المرأة التثقيفي فإنّ الحضور الفعلي لها، ومنحها الثقة من خلال دعم قدراتها يجعلها صمام أمان وحزام صد ضد ظاهرة التطرف العنيف والإرهاب.
ما تقييمكم لأداء المجتمع المدني في مقاومة التطرف والإرهاب خصوصاً أنّ الجمعيات والمنظمات المهتمة بهذا الشأن كثيرة في تونس؟

إنّ المنظمات التي تعمل في مجال مكافحة الإرهاب وكل أشكال التطرف على كثرتها لا يمكنها إلّا معاضدة جهود الدولة في مقاومة هذا السرطان الذي نخر بلدنا، خاصة في غياب الاعتمادات المالية الكافية التي تمكنها من التدخل الفعلي للوقوف حزام صد لهذه الظاهرة. ما يجعل من دورها محدوداً في مجال التوعية والتحسيس والتثقيف ضد هذه الظاهرة.

تركيزنا على المرأة عائد إلى إيماننا بأنّ التغيير يبدأ أولاً من داخل المجتمع المصغر وهو العائلة

وفي تقديري لا يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تحل محل الدولة في مقاومة الإرهاب، لينحصر دورها في الوقاية من الظاهرة، والعمل على الحد منها، بعيداً عن كل ما يتعلق بالجانب الأمني لحساسية الموضوع وخطورته.
أضف إلى ذلك فإنّ عديد المنظمات اشتغلت على وضع مقترحات وبرامج جدية تم تشريك عديد المتدخلين في الشأن العام بها، إلا أنّها بقيت حبراً على ورق ما يعكس حقيقة إرادة الدولة ومدى التزامها بالعمل مع منظمات المجتمع المدني.
وكي لا نحمل منظمات المجتمع المدني ما لا يمكنها أن تحتمل، فإنّ الدولة هي الطرف المطالب بتشريك الجمعيات في برامجها، واعتماد سياسة تشاركيّة، والنأي عن كل أشكال الإقصاء، كما هو الشأن بالنسبة للظواهر الأخرى التي تعول فيها الدولة على جهود المجتمع المدني.

علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

1,168
عدد القراءات

2019-06-02

أجرى الحوار: سامر مختار


قال الشاعر والروائي المصري علاء خالد إنّ هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى مبشرةً بتغيير جوهري، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثورة "يناير" 2011 جاءت في لحظة مفاجئة، "لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية،.. والتشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض".

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
وأكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض، " كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال".

وهنا نص الحوار:

تراكمات المجتمع

أكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات
في روايتك الجديدة "بيت الحرير" ركّزت على فكرة "الفقاعة" التي من الممكن أن يعيش الإنسان داخلها، هل كان الدافع بالنسبة لك أثناء الكتابة هو تلك الغربة التي كانت فاصلة بين الجيلين قبل العام 2011؟

فكرة الجيلين طبعاً، بما تحملها من رمزية، هناك لحظة استثنائية، قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى، ويكون هناك قبول لتلك العلاقات؛ لأنّ الجسر لم ينفتح من الشخص نفسه؛ بل انفتح من اللاوعي الجمعي، وخرج.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
ففكرة الجيلين التي اخترتها من الممكن أن يكون لها جزء رمزي، وفي نفس الوقت جزء درامي نوعاً ما. بمعنى أنّ هذا الخلاف مثلما هو مسموح فيه، مثلما يحمل أيضاً تناقضاً ما، وهذا التناقض كي يلتئم، أو لا يلتئم، يجب أن تحصل صراعات. هذه المساحة، وكأنك في البداية اخترت نقيضك كي ترى في النهاية، هل أنت قادر على التعامل مع هذا النقيض أم لا؛ فالاختيار نفسه كفكرة روائية سمح لمساحة كبيرة من التأويل أن تحدث.
حرصت في روايتك على جمع  النقيضين في الشخصيات، هل وجود مثل هذه النقائض هو اختبار  للمجتمع؟
هذا جزء منه طبعاً، وليس فقط اختباراً للمجتمع؛ بل اختبار إنساني أيضاً؛ اختبار أنّ كل شخص في هذه اللحظة ممثل لشيء أكبر منه. شخصية "دولت" ممثلة لشيء أكبر منها، وشخصية "محسن الحكيم" ممثلة لشيء أكبر منها أيضاً، هناك مساحة ما هي جزء من تناقضات المجتمع بالتلاقي وعدم التلاقي، وأعتقد تحديداً "عدم التلاقي"، ، وجزء من رمزياته غير القادرة على الالتئام.

اقرأ أيضاً: قاسم حداد شاعر أقام ورشة للأمل فضاؤها الشعر
ومن الممكن أن تكون قصة حب لطيفة جداً، لكن لِمَ لمْ تتحول إلى قصة حب لطيفة؟ ولِمَ كانت الفكرة "المكبوتة" موجودة؟ ولِمَ تفجّرت داخلها الفكرة الفرويدية؟ هذه الرمزيات كانت تعمل على كشف هذا الاحتكاك، الذي يكشف بدوره مساحة أخرى موجودة في اللاوعي.
هذا يكشف عن مساحة نفسية داخل تلك اللحظة، أتصور أنّه في الأحوال العادية كانت العلاقات تتم وراء السواتر، في لحظة الثورة، كانت هناك منطقة مكشوفة إلى حد ما، قادرة على كشف اللاوعي الجمعي. هذان الاثنان ممثلان للاوعي الجمعي، لكن هذا لا يمنع أنّهما أفراد؛ أي ليسا رمزين كاملين، بل هذا الجزء يخصهما كآدميين.

شعرنا أنّ سياق العلاقات الاجتماعية والعاطفية داخل الرواية يستبطن نقداً لسياق ما في الثورة، أهو افتقاد احتواء اجتماعي للعلاقات بوعي أكبر؟
الثورة جاءت في لحظة مفاجئة، وفي الوقت ذاته كان التراكم موجوداً قبلها، لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية، أو مساحات لفكرة "الأنانية"؛ أي لم تكن هناك بنى ذاتية للذات، والتي هي أيضاً في القاع، بمعنى أنّ العلاقة المهمة جداً لدور الفرد، المفروض أن تحققه كفرد ضمن منتج جماعي؛ أي إنّ التشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض.
ثورية المرأة

غلاف كتاب "مسار الأزرق الحزين"
من خلال الرواية، كيف طرحت نظرة المرأة إلى التغيير؟

التغيير كان بالنسبة للمرأة خلاصاً فردياً، ومن الأسفل، من داخل المجتمع. بعكس الرجل الذي كان ينظر إلى التغيير بوصفه تغييراً سياسياً من فوق؛ لأن المرأة كانت محتكة أكثر.
حتى الشارع كان يثبت ذلك.. حتى فكرة تمثيل النساء في التغيير كانت واضحة؛ التغيير الجوهري حصل للنساء أكثر؛ أي التغيير الجوهري من ناحية التحول من فكرة لفكرة، النزول إلى الشارع والمشاركة، بالطبع كان حضور المرأة واضحاً.

اقرأ أيضاً: رمضان الشعراء في تونس: فرح صغير وليمون حلو
وفي نفس الوقت الذكورة أو فكرة الذكر، تتمثل بالمكان السلطوي، وهو يعاني من تناقض داخلي، مثل شخصية "مصعب" في الرواية، كان لديه تناقض داخلي؛ فأنت تريد أن تتجاوز تناقضك كي تبقى في مكان متساوٍ، وكي تبدأ فكرة الثورة؛ كان التناقض الداخلي مسألة حتمية.
المرأة أيضاً لديها تناقض داخلي، لكن عنفه لم يكن مؤثراً داخل التحولات التي تشكلها.
أي كان العنف لديها داخلياً؟
نعم، كما يظهر في شخصية "دولت"؛ كانت دائماً تواجه العنف ما بينها وبين نفسها، المرأة عندها حسّ من يعطي من نفسه أكثر؛ لأنها استسلمت لقناعاتها الداخلية، وبواعثها الداخلية لفكرة التغيير والتحول.

اقرأ أيضاً: الرصافي والحيدري: جسر بين كلاسيكية الشعر وحداثته
بينما الرجل إلى حد ما لديه حسابات، حتى الحسابات الثورية المجنونة بداخلها نوع من الخيال المدرسي، لكن المرأة لم يكن لديها هذا الخيال المدرسي، فهي من الممكن أن تتزوج أو تقع في الحب، أو من الممكن أن تحدث علاقة ما، وكل هذا يمكن اعتباره تحولات. هناك كائن يقدم أشياء من وجوده، ووجوده هو الذي يحركه؛ أي هو أكثر عضوية، وعضوية "دولت" كانت موجودة أكثر في الثورة. لكن في جيل آخر، وليس كله، ما تمثله شخصية "مصعب"، على سبيل المثال، كان يعيش تناقضاً عنيفاً جداً، لم يقدر أن يتجاوز ذكورته، وكان لا بدّ أن يتجاوزها، قبل فكرة الثورة حتى؛ الثورة لن تضعه في المكان الجديد، وزمنها القصير أيضاً؛ ساعد بعدم حدوث تغيير كبير، كان من الممكن أن يتغير "مصعب" ويكون في مكان أفضل.
أو أن يتغير للأسوأ؟
ممكن، المقصود أنّ مساحة الاختبار هنا، ضيقة جداً، لا توجد تحولات، لا يوجد آخر يضعك في المكان النقيض لتتغير؛ الثورة وتحولاتها كانت تشعرك أنّها بلا "آخر"؛ أي إنّها تفاعل ذاتي، وأحياناً "الآخر" يظهر لك باعتباره جولة ضمن سياق التغيير، أو باعتباره "إخواناً مسلمين" ...إلخ.
كل ذلك لا يأتي بـ"الذات" كي تتغير، كل ذلك كان بمثابة تحولات سياسية، غير قادرة على أن تتحول لفكرة وجودية، متى يحدث تغيير؟ عندما تأخذ المسألة وقتاً أطول، وعندما يكون هناك صراع بين قوى.

اقرأ أيضاً: تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة
هنا الصراع كان يشعرك أنّه محسوم، بينما أنت في الشارع كنت تعمل أن تمدَّ أمداً لشيء وفي مكان آخر الموضوع يجري حسمه؛ فصراعك وهمي؛ لأنّ جزءاً منه ناقص، لكن على قدر استطاعتك أشعلت النار حولك كي يستوي عليها التغيير الذي يعنيك، وتشعر بلهيب هذا التحول، وهذا لم يستمر لفترة طويلة، ونتيجة لذلك، كان الأكثر تغييراً، هو الشخص الذي بداخله تماس وجودي أكثر، والمرأة أو الفتاة بهذا المعنى كانت أكثر تغييراً.

كل تجربة نمر بها هي طويلة الأجل؛ فالحب طويل الأجل، وتأثيره يظل كذلك

تشعر أنّ تحولات تلك اللحظة، كان فيها نوع من الفراغات، كأن تمشي على سطر، وتترك سطراً آخر؛ هناك أكثر من منطقة فارغة، وهذه اللحظة تحدث وسط سياق اجتماعي عالٍ، أقصد أنّها لم تكن منفصلة؛ أي تشعر أنّك لست موجوداً على جبهة، لا يوجد جبهات؛ فكرة الحشد كانت أقوى، وليست المواجهة.. ما أريد قوله هو أنّ استفزاز الذات تجاه آخر أنت ترغب في الانقضاض عليه، كان يتحقق في لحظات بسيطة جداً، ومقلّة، لكن بالشكل العام، كانت الفكرة الجماعية هي فكرة "الحشد"، وتجمّع الناس بجانب بعضها البعض كان من أبرز التفاصيل التي حدثت من فكرة الثورة.
الدفء أو الحميمية كانت أقوى من أي تناقض، من الممكن أن تقع فيه أي ذات، الثورة بالنسبة لهذه الذات أو مثل شخصية "دولت"، كانت مجموعة من العلاقات الدافئة، وليس أنّ هناك فكرة أخرى تجاه التغيير أو التحول العميق.
بين الشعر والسرد

غلاف رواية "بيت الحرير"
أحياناً دافع الكتابة يتغير من فترة لفترة، اسمك برز أولاً كشاعر قصيدة النثر، ما الذي جعلك تتحول إلى "سارد"؟

فكرة الشاعر بالنسبة لي، كانت مرتبطة بلحظة تحول عنيفة عشتها في فترة التسعينيات؛ كنت شخصاً يُقدم على تغيير حياته وقتها.. كنت أعمل، وتخرجت من قسم الكيمياء الحيوية.
أقصد كان هناك تصور للحياة بشكلها الطبيعي والتقليدي والمتعارف عليه، وبلحظة ما تحصل تراكمات كثيرة، وتشعر أنّك في منطقة مزيفة جداً، فيبدأ وعيك الداخلي ينقلك إلى مكان جديد.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
لحظة التحول هذه، كان الشعر هو الذي سندها، ومثلما كنا نتكلم عن شخصية "دولت"، كنت أمر وقتها بتحول وجودي. في لحظة ما تشعر أنّ نظرتك للحياة ولمن حولك تتغير، وتبدأ بخلق مسافة بينك وبين كل التفاصيل والناس من حولك، لا ترغب بالعمل، تترك العمل، تتخلى عن أشياء كثيرة، فكنت أحاول أن أعتمد على الجزء الذي يعنيني من الداخل، وليس الجزء المتعلق بالشكل الاجتماعي؛ أي أن أستند على الوجود الشخصي، أو تصفيته، من غير وجود التباسات حوله، وأرى بعدها إن كان قادراً على العيش أم لا.

هل تقصد أنّ الشعر كان بالنسبة لك بمثابة تشكيل صورة ذاتية جديدة؟
إلى حد ما، أو تثبيت صورة أو البحث في هذه الصورة، في تلك اللحظة كنت أبحث، كنت أسترد فكرة الطفولة وفكرة العائلة، وفكرة العلاقات الاجتماعية، وكيف نشأ هذا الحيز من الوجود، وكيف تغرَّب؟
كنت تبحث على الأشياء الأصيلة داخلك؟
طبعاً؛ كيف تغرّب هذا الوجود، وكيف هناك أشياء بالمقابل غير قابلة للتغريب، مثل؛ فكرة الحب والعلاقات، وما الفرق بين السلطة الأبوية والأب بوصفه أخاً لك، الاثنان تداخلا مع بعضهما البعض، قراءة السلطة بتمثلاتها داخل حياتك، وفي نفس الوقت يجري استخلاص الأشياء التي من خارج الفكرة السلطوية.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
هذه اللحظة التي كانت بين هذه المتناقضات، كان الشعر هو الحامل لها، أولاً لأنها تحفر في وجود ذاتي، مثل الطفولة، وتسترجع الزمن وفي نفس الوقت يجري هذا الاسترجاع من خلال رفض المالك للزمن.
لذلك الشعر هو الذي كان واقفاً في تلك اللحظة، لكن مع الوقت، حتى القصيدة، في البدايات، كان لها حس سردي قليلاً، كان هناك مشهد طويل تقوم بحكيه، لم تكن الشعرية مجرد نقطة مجردة في التكوين الشخصي، أو نقطة ناتجة من تفاعل خيال مع حدث خارجي، إنما من واقعة كانت موجودة لحد ما.
الباب الخلفي

غلاف رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر"
القارئ لقصائد ديوانك "لوس انجلوس" يشعر أنّ هناك عملية توحيد ما بين الصورة الحاضرة في ماضي ذاكرتك، والصورة في اللحظة التي تعيشها؟

هناك قصيدة في هذا الديوان، لا أدري إن كانت موجودة في هذه الطبعة التي معك هنا، أحكي فيها عن وجود باب خلفي دائماً، أظن أنّ اسمها "الباب الخلفي". في حياتنا كطبقة متوسطة، كان في بيوتنا دائماً باب خلفي للهروب. بمعنى آخر، هو أنّ الحياة دائماً تحمل ثنائية داخلها، ثنائية قابلة للهرب، وقابلة للمواجهة. هذا هو تفسيري، كلمة "الباب الخلفي" بالنسبة لي، والتي وصفتها أنت بالصورة، والصورة الثانية، أشعر بها بوصفها مواجهة غير كاملة، مواجهة الحياة، بمعنى أنّ هناك لحظة ما، من ورائك، من الباب الخلفي تتسرب منها الطاقة.
هل يرمز "الباب الخلفي" إلى انسحاب ونوع من الاستسلام، وأنّ نرضى بهزيمة ولو مؤقتة؟
بالفعل، هناك دائماً مساحة معينة، وُجدت كي تعطي للشخص فرصة بأن يتغير، الاستسلام الذي تتكلم عنه أنت من جهة، ومن جهة أخرى "الباب الخلفي" هو شكل من أشكال الوجود. هذه الثنائيات سابقة لوجودنا في الحياة، مثلها مثل كل شيء وجد أو خلق، ونحن دخلنا عليها، البيت الذي كنا نسكنه، كان أشبه بـ"فيلا"، هناك باب بسلّم داخلي، كان هذا هو "الباب الخلفي"، كمساحة للهرب، للراحة، وللاستقلال، أقصد أنّ الأمر لا يقتصر على فكرة "التنازل".
بداياتك الأدبية كانت في مرحلة التسعينيات، كان الشعر هو الحاضر، كيف بدأت تلك المرحلة وكيف تطورت؟
بدايتي الشعرية، كانت في العام 1990 عندما صدر لي ديوان "جسد عالق بمشيئة حبر"، أتصور أنّ هذا الديوان له خصوصية إلى حد ما، وكان له حضور ضمن سياق فكرة الكتابة النثرية في ذلك الوقت، كان يعبّر عن الدوامات التي تجري حوله، من نقاشات عن فكرة الشعرية، والتفاصيل، والذي تنزع عن حسّ شمولي قليلاً، مثل التفصيلة اليومية التي تدخل أحياناً للنص، وأحياناً أخرى فكرة الوجود الفردي، أو الشارع الذي يتحول أحياناً إلى حدث داخل النص، وليس فقط الفكرة المتخيلة، التي ليس عليها رقابة لتزيّدها أو امتدادها، كأن تعمل على نوع من الخيالات أكثر من الاستناد إلى حقائق، ففجأة تتحول القصيدة لنوع من المزايدات اللغوية أو مزيدات فكرية أو صوفية.

هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل المجتمع نفسه

الكتابة في تلك اللحظة كانت بالنسبة لي، وكأنك ترجع للمكان اليومي في الحياة، وهذا ما كان، طبعاً هذه الفكرة الجذرية التي تحمل الكتابة من الداخل، لكن كان هناك نوع من الالتقاطات، كالتقاط السلطة في الحياة اليومية، سواء سلطة السلطة، أو سلطة الحب أو سلطة العلاقات.
لدي ديوان بعنوان "حياة مبيتة"، وأنا أعتقد أنّ هذا الديوان مهم؛ لأنّه جمع تلك التناقضات عند الشاعر؛ ما بين فكرة السلطة وفكرة الحب، وكأنّه قد وضع سلطة داخل عقله، وفي نفس الوقت هناك سلطة الحب، والتي هي موجودة من خلال علاقته بالمرأة، أو بالأم ..إلخ. بمعنى أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض. ما أريد قوله هو أنّ فكرة الحب وفكرة التمرد قريبتان جداً من بعضهما؛ فالتمرد له قانونه، المتمثل بالفردية غير القابلة باقتسامها مع أحد.
تقصد الحب ضد الفردانية؟
طبعاً، وفي نفس الوقت الحب يشعل فكرة التمرد؛ فالاثنان موجودان في مكان ضد بعضهما، لكن في لحظة ما يجب أن يكون بينهما علاقة. الأم مثلاً، في لحظة ما تشعر أنّها تمارس سلطة عليك، لكثرة حبك وتعلقك بها، وفي نفس الوقت خلاصك الحقيقي، هو أن تخلق مسافة معها؛ أي إنّ كل شيء بداخله نقيضه. تلك الأفكار التي كنت مشغولاً بها حتى العام 1995.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
كانت هذه الذات حائرة، داخل تلك التناقضات، وتحديداً تناقضات الأفكار أكثر، حتى ما هي تناقضات داخل المجتمع، كانت مساحة المجتمع بالنسبة لي هي الأم والصديقة، والأب الذي كان قد توفي مؤخراً آنذاك، والأصدقاء بما يشكلونه من محبة وسلطة. كل هذا كان، بوصفه مجتمعاً صغيراً بالنسبة لي.
في لحظة ما شعرت أنّ هذا المجتمع يجب عليه أن يكبر، بعد أن بات بالنسبة لي ضيّقاً جداً؛ أي ليس من الممكن أن تقاس هذه الأفكار داخل هذا الشكل من المجتمع، برغم دقته، وأهميته، وما يمثله من فكرة عميقة، لكن في النهاية كان هذا المجتمع بالنسبة لي رمزياً نوعاً ما.
وكان من الضروري أن يكبر هذا المجتمع، لأنّني شعرت، أنّ هناك تفاصيل أقع فيها، أو كأنني تعطلت، في تلك اللحظة، وبعد وفاة والدي، كتبت كتاباً بعنوان "خطوط الضعف"، وكان عبارة عن رحلة إلى مدينة وواحة سيوة في الصحراء الغربية.. هنا، كانت بداية التحول، وبدأت أرى كيف من الممكن رؤية الوجه الآخر للسلطة، سلطة الأب، سلطة الحب، أو الصديقة.. وبالفعل بدأ يخرج تاريخ الأشخاص الذين في داخلي، عبر الكتابة بشكل واضح.
هذا الكتاب كان سرداً وليس شعراً؟
نعم، سرد، لكن سرد كان بداخله حس شعري أيضاً، هو عبارة عن فقرات طويلة لكنك تشعر أثناء قراءتها أنّها "مُشعرَنَة"؛ لأنها خارجة من المكان الذي فتحته بتجربتي قبل ذلك؛ إذ إنّ أسلوبك في الكتابة يكتسب خصوصيتك، وتحولاتك، وفي حال كانت بداية تجربتك شعرية، فهذه الأخيرة ستظل مرادفة لك، لم تكن اللغة الشعرية في الكتابة السردية، تزوداً لغوياً، ولا تزوداً خيالياً؛ إذ إنها تحولت لخاصية روائية.

فخ شعرية الرواية

الفردانية ابتلاع أو إشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولّد لك الإحساس بالتميز قليلاً
لكنْ هناك كثير من الكتاب يقع في هذا الفخ، عند انتقالهم من كتابة الشعر إلى كتابة السرد؟

صحيح، فيكتبون رواية "شعرية"، في الكتابة السردية عندي لا يوجد ذلك، الكتابة روائية، لكن الحساسية الشعرية موجودة داخل اللغة.
وفي تلك الفترة؛ أي مرحلة كتابة "خطوط الضعف"، أحسست أنني بدأت أنقد نفسي في السنوات التي مضت، وكنت في لحظة مراجعة، ولا أظن أنّ الشعر كان سيستوعب تلك المراجعة؛ لأن استيعابها، كان يحتاج لنوع من الفضفضة. ابتدأ عبر هذا النموذج من الكتابة، بأن تنقد نفسك، ولم يكن هذا النموذج بهذا الوضوح من الخارج، ولا هو واضح من الداخل بمعناه الغامض هذا، في تلك الفترة بدأت أمتلك حياة خاصة بي، قادراً على التعامل معها، ولدي رصيد ما قادر على التفريط به.
وأنت في تلك المرحلة بدأت تتحرك؟
بالطبع؛ شعرت أنّه بات من الضروري أن أرتبط، أو أتزوج. كنت قد تعرفت على زوجتي سلوى رشاد العام 1990. وتزوجنا ما بين 95 و96. في الخمسة أعوام قبل الزواج، كنا صديقين، ومن العناصر الأساسية التي كانت قريبة أيضاً؛ هي فكرة الثبات في مكان أنت تريد أن تقيم فيه، وارتباطك بالشخص الذي يستوعب تناقضك.
في تلك الفترة التي كنت تكتب فيها الشعر، هل كنت تبحث عن لغة ترسخ من خلالها لتجربتك في الكتابة؟
كنت أقرأ بشكل جيد جداً، ومن جانب آخر كانت المساحات التي تفتحت في اللاوعي والتجربة، قد بدأت تكبر وتتسع. عندما تحدث تلك المواجهات داخل الذات، تشعر أنّك ما عدت تلاحق أو تستوعب الانهيار الذي يحدث.

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟
أتصور في لحظة ما، كان هناك نوع من الانهيار، بمعنى كيف يمكن أن تكون هناك لغة تستوعب هذا الانهيار، هناك شيء يجري هدمه، وشيء يجري بناؤه، اللغة تتشكل في لحظة انهيارها، أو لحظة انهيار الذات نفسها، فكتاب "خطوط الضعف"، كان أكثر كتاب أشعر أثناء كتابته، بسعادة شديدة، وبعدها مباشرة أشعر بخسوف نفسي، وكأنك تصل لمناطق معينة داخل ذاتك، تلمسها، وفي نفس الوقت تشعر أنّ الذات كأنّها ترغب في بناء مكان ما يخفي الجرح الذي فتحته، فكان هناك شيء يتكون، وكانت تلك اللحظات من أكثر اللحظات التي تعرضت فيها نفسياً لتعب شديد. لكن ما أنقذني من هذه الحالة، كان السفر، سافرت إلى سيوة، وبعدها سافرت إلى مناطق في الصعيد، وكأني وزعت تعبي هذا على المسافات.
دلالات المكان

خالد: من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي
أسّست لمجلة فصلية بعنوان "أمكنة" مهتمة بفكرة المكان، ما هو المكان الذي يحرضك دائماً أن تنظر إليه نظرة جديدة؟ 

من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي، هذه المنطقة كانت منذ زمن بعيد، مدينة الأموات، كنت بين الحين والآخر أزور هذا المكان، إنّه مكان في غاية الغرابة، حتى الصحراء هناك مختلفة، كل التفاصيل هناك، تشعر أنّ رموزها قليلة، وغيبية نوعاً ما، تشعر أنّها محسوسة.
هذا الفضاء بمساحته الواسعة، وهو بالأساس مساحة "بعث"، تشعر- كما تحدثنا من قبل- وكأنه العالم الآخر، متمثل ومتلبس في الحياة، كالصحراء، البر الغربي، وكأماكن سافرت إليها باليونان، كالجزر الغريبة التي تقبع وسط المحيط، كمكان معزول، هذه الأمكنة تشكل نموذجاً للفضاء الممتلئ بالنسبة لي.
تشعر أنّها أماكن ماتت فيها الأيديولوجيا على سبيل المثال؟
ممكن.. لكن هذه عبارتك، أقصد أنّها بالفعل أعجبتني، ولذلك لا أرغب في أن أنسبها لنفسي.
ومن الممكن أن تكون شيئاً من هذا القبيل، لكن بمعنى آخر، أشعر أنّ السفر لم يكن سوى محاولة لمدّ خيط لفرديتك، وكأنك تذهب إلى مكان ما للقاء ناس ينتمون إلى عالم الداخل الفردي، وليس لمكان من أجل التعاون من أجل عمل شيء، بمعنى أن ترغب بملء وجودك الإنساني، أكثر من ملء وجودك العملي. واحتمال أنّ هذه العملية نقيضة لفكرة الأيديولوجيا، بمعنى العمل المنظم، أما هنا فالموضوع قائم على سياحة في الحياة، فيها القليل من الرفاهية، بوصفك سائحاً أبدياً في الحياة.
ومن الممكن المنحى أو السلوك الذي أمارسه في هذه العملية، منتفٍ من النفعية قليلاً، بينما هو محاولة لفتح مساحة داخلية، لعلاقتك بالآخرين ووجودك بجانبهم، أو نوع من حضور الآخرين أثناء غيابهم، وهذا ما يحدث أثناء الرحلة.
ألا تعتقد أنّ المكان الذي لا يوجد فيه صراع ما بينك وبين المجتمع، أو صراع أيديولوجي، تكون فيه الأعباء أخفّ نوعاً ما، وتكون هناك مساحة أكبر للشعور بالفردانية؟
هذا صحيح؛ وأحياناً أفكر أنّ هذا التصور ينتمي لجيلي، الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيّسة، والأجيال التي أتت بعدنا كانت أيضاً كذلك، أما نحن فلا، كأن تسمع عن أحد ما أنّه "اشتراكي ثوري"، على سبيل المثال، كنت أستغرب أنّ هذا المناخ موجود في الجامعات، والذين كانوا قبلنا كانوا مسيّسين بكونهم "يساريين" مثلاً.

الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيسة والأجيال التي أتت بعدنا كذلك أما نحن فافتقدنا ذلك

أما فترة الثمانينيات والتسعينيات، كانت تخلو من أحداث، كان هناك شيء من الخيبة نوعاً ما، ولم نكن مسيّسين، لم يكن هذا بمزاجنا.
في تلك الفترة كانت الدولة هي من تسيطر على الجامعة، وتفرض وجودها، ولا يوجد أي حدث يحصل؛ فالأيديولوجيا هنا لم تكن تصلنا من ناحيتين؛ من اهتمام الفرد بفردانيته، وقراءته للفكر الوجودي أكثر، وفي ناحية أخرى كان هناك عقم في اللحظة التي عشناها، وعدم الاهتمام هذا غير نابع من فكرة الفرادة، لكنّ جزءاً منه "خامل" نوعاً ما، وبمعنى آخر لا يوجد ميل لهذا النوع من التفاعلات في ذلك الوقت.

معضلات الفردانية

ثورة يناير لم تأتِ من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية أو مساحات لفكرة الأنانية
ألا تعتقد أنّ الفردانية بمجرد اصطدامها بأي فعل أو عمل بيروقراطي ستقع؟

طبعاً، لو اصطدمت بأي مؤسسة ستقع، حتى مؤسسة الزواج! أي مؤسسة لها أي قوة بالمجتمع، هي أقوى من هذه الفردانية التي كانت؛ لأنها بالفعل كانت قائمة على هشاشة غير طبيعية، ولا يوجد إنتاج لصراع حقيقي، الصراع كان غائباً، جميعنا ننتج صراعاتنا الشخصية حتى نقوّي أنفسنا.
هل من الممكن أن نقول إنّ هذه الفردانية كانت الهامش/ المتنفس للفرد؟
نعم، هي نوع من الابتلاع أو الإشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولد لك الإحساس بالتميز قليلاً. رغم أنّ هذا التميز إشكالي أيضاً، كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال؛ أي إنّ المساحات التي بينك وبين المجتمع، كلها مليئة بالألغام. أنت لا تدري أين تضع قدمك، هل تذهب لتجلس مع أمك وأبيك وتحاول أن تكون لطيفاً معهما؟ أو تلتحق بوظيفة ما؟ لا يوجد مكان يعطي لك تلك المساحة التي فيها شيء من تصورك عن نفسك.

تجربتك مع المرض وإقامتك بالمستشفى لفترة انعكست على  كتابك "المسار الأزرق الحزين"، هل تخلّيت عن مشاريع كنت بصددها بعد ذلك؟
لم يكن الأمر بهذه الحدّية، لكن وكأنّ هناك فكرة عدمية بدأت تتسلل إلى علاقتي بالحياة والكتابة أكثر؛ هناك حسّ عدمي دخل إلى حياتي، بمعنى أنّه خيط ربما، وشيء آخر كان على مستوى "الكيف" وليس "الكمّ"، مع رغبة أكثر في الكتابة. واحتمال أن يكون الحس العدمي دخل على مستوى الكيفي. قبل ذلك كنت أضع نفسي بمنطقة المقاتل المتفائل، مثل الفترة التي كتبت فيها رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر" (2009)، الذي يسرد الحياة وكأنّها ستمتد للأبد، وكأنّ الحياة لن تنتهي. أما بعد ذلك، تغيّر الوضع، كأنّ الحياة تقول لك: لا، هناك نهاية.
النهاية بدأت تتسرب في الأعمال التي جاءت بعد العملية، إلى جانب الرغبة في الكتابة.
هل الموضوع بالنسبة لك نفسي/ داخلي، أكثر مما هو شكلي أو خارجي؟
نعم؛ لأن موضوع الإحساس بالموت، والدخول في هذه التجربة، من قبل كان هناك تصور أنّ الإنسان بعد أن يتعرض لهذه التجربة ويخرج منها، وكأنّه سيعود للحياة كصفحة بيضاء أو إنسان جديد، لا يوجد إنسان جديد، هي تجربة مؤلمة، ستضاف إلى سلسلة من التجارب المؤلمة، لكن بشكل مختلف.
هي فكرة ثقافية، مثلها مثل فكرة العنقاء، التي تدور حول فكرة التحول، هناك أساطير كثيرة تتحدث عن التحول، نُقلت لنا عن طريق الديانات، كفكرة النبي الذي ينتقل من مكان إلى مكان آخر جديد، هذه صورة معينة جميعنا نختزلها، ويتم إسقاطها على تحولاتنا العنيفة، على أنّها ستغيرنا، لكن بالفعل كل تجربة نمر فيها هي طويلة الأجل؛ أي تحوّل يحدث هو كذلك، الحب طويل الأجل، وتأثيره يبقى طويلاً.




مبادرة إغاثية إماراتية جديدة لأهالي الضالع..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
91
عدد القراءات

2019-06-20

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة أعمالها الإنسانية والإغاثية، في المحافظات والمدن اليمنية، التي يعاني سكانها انتهاكات الحوثيين وجرائمهم ضدّ المدنيين.

وفي آخر مباداراتها الإنسانية؛ قدّمت الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية، هيئة الهلال الأحمر، قافلة مساعدات شملت سلالاً غذائية لأهالي حجر في محافظة الضالع اليمنية، استفادت منها 1500 أسرة.

الإمارات تقدم مساعدات غذائية لأهالي حجر بالضالع تستفيد منها 1500 أسرة يمنية

يأتي ذلك في إطار الجهود الحثيثة والدعم اللوجستي المستمر، وحملات الاستجابة المتواصلة من قبل دولة الإمارات، بتوجيهات قيادتها للشعب اليمني، بمختلف المجالات، التنموية والإغاثية والإنسانية، وفق "وام".

وأشرف على توزيع السلال الغذائية "الفريق التطوعي التابع للهلال الأحمر الإماراتي"، بحضور محافظ الضالع، اللواء علي مقبل، الذي ثمّن دعم دولة الإمارات المستمر للمحافظة في مختلف المجالات، الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أهمية هذه اللفتة الكريمة من قبل دولة الإمارات وتلمّسها أوضاع غير القادرين من أبناء الضالع.

من جانبهم، عبر المستفيدون من أهالي حجر عن شكرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، والتي لم تتوانَ عن تقديم المساعدات الغذائية التي تلبّي احتياجاتهم وتعينهم على تجاوز الأوضاع الصعبة التي يعيشونها .

أهالي حجر يعبرون عن شكرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على المساعدات الغذائية 

تجدر الإشارة إلى أنّ شهر أيار (مايو) الماضي، شهد توزيع الهلال الأحمر الإماراتي أكثر من 7 آلاف سلة غذائية، استفاد منها 49 ألف مواطن يمني، إضافة إلى حملة استجابة عاجلة، شملت، إلى جانب الإغاثة؛ تقديم دعم إيوائي تضمّن خياماً وخزانات مياه، إلى جانب شحنة من الأدوية والمستلزمات الصحية لمستشفى النصر العام.

 

 

مصر تردّ على أردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
1,088
عدد القراءات

2019-06-20

استنكر وزير الخارجية المصري، سامح شكري، اليوم، تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، حول وفاة الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، معتبراً أنّ تصريحاته تعكس حقيقة ارتباطه بتنظيم الإخوان المسلمين، المصنَّف في الكثير من الدول ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية.

وقال بيان لوزارة الخارجية، نقلاً عن شكري: إنّ "التصريحات الأخيرة للرئيس التركي، أردوغان، التي تدخّل فيها بشكل سافر في شأن وفاة محمد مرسي، من خلال ادعاءات واهية تتضمّن التشكيك في وفاته الطبيعية، بل والاتهام بقتله، والتلويح بإثارة الأمر دولياً"، تندرج في إطار "التصريحات المتكررة غير المسؤولة للرئيس التركي حول مصر"، وفق ما أوردت "مونتكارلو".

شكري: تصريحات أردوغان حول وفاة مرسي غير مسؤولة وتعكس حقيقة ارتباطه بتنظيم الإخوان المسلمين

ورأى شكري؛ أنّ "أردوغان يريد الدخول في مهاترات عبثية لخدمة وضعه الانتخابي والعمل حصراً نحو اختلاق المشاكل"، وتابع "مثل هذا الكلام المُرسل الذي يملأ به خطاباته وتصريحاته لا يعكس سوى حقيقة ارتباطه العضوي بتنظيم الإخوان، في إطار أجندة ضيقة من أجل النفوذ واحتضان ونشر الفكر المتطرف، الذي صاغته جماعة الإخوان، واعتنقته القاعدة وداعش، وغيرهما من المنظمات الإرهابية".

وتوفَّى مرسي، الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، عن 67 عاماً، بعد ظهر الإثنين، في قاعة محكمة داخل معهد أمناء الشرطة في مجمع سجون طرة، جنوب القاهرة؛ حيث كان يُحاكم.

وكان مرسي قد انتُخب رئيساً لمصر، في 2012، في أعقاب ثورة 2011، التي أسقطت حسني مبارك، ولكن بعد تظاهرات مكثفة طالبت برحيل مرسي، أطاح به الجيش، الذي كان يقوده آنذاك الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، في الثالث من تموز (يوليو) 2013.

 

هل ينافس أوغلو أردوغان في انتخابات 2023؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
229
عدد القراءات

2019-06-20

نشر موقع "قنطرة" التركي تقريراً تحدث فيه عن أهمية انتخابات بلدية إسطنبول، وتداعياتها على مستقبل تركيا السياسي، مبيناً أنّ نجم أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، يزداد توهجاً ولمعاناً، لدرجة أنّه بات يشكّل فيها خطراً على شعبية الرئيس، رجب طيب أردوغان، نفسه.

وقال الكاتب ماريان بريمر، في تقريره، الذي عنونه بـ "انتخابات إسطنبول... هل يصبح ابن الإمام رجل تركيا القوي بدل أردوغان؟": إنّ "التوتُّرات حول نتائج انتخابات إسطنبول أظهرت مدى انقسام تركيا حالياً إلى معسكرين قوَّتهما متساوية تقريباً"، ولفت إلى أنّه؛ كثيراً ما ينظر إلى إسطنبول، التي يعيش فيها ملايين من المهاجرين القادمين من جميع مناطق البلاد، على أنَّها نسخة مصغَّرة من تركيا، معتبراً أنّ هذا يشكّل سبباً آخر لخوف حزب العدالة والتنمية الإسلامي من أكرم إمام أوغلو؛ إذ يخشى حزب أردوغان من أن يصل إمام أوغلو، الذي يتمتَّع بالجاذبية، إلى مسرح إسطنبول اللامع، ما يمكّنه من أن يصبح، عام 2023، مرشَّحاً منافساً خطيراً لأردوغان، وفق ما نقلت صحيفة "زمان" التركية.

تقرير يؤكد أنّ إمام أوغلو يشكّل خطراً على شعبية أردوغان وعلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي

وأوضح أنّه "من الممكن هنا أن يُعيد التاريخ نفسه، ولكن هذه المرة لصالح المعسكر المضاد، لأنَّ أردوغان كان قد صنع لنفسه اسماً في السابق، كرئيس لبلدية إسطنبول، قبل أن يصبح أقوى رجل في البلاد".

جدير بالذكر؛ أنّ حزب العدالة والتنمية الحاكم فاز بالأغلبية في الانتخابات البلدية، التي جرت في 31 آذار (مارس) الماضي، لكنه خسر أهم وأكبر المدن التركية، وعلى رأسها إسطنبول، التي فاز فيها المرشح عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، أكرم إمام أوغلو، الأمر الذي مَثّل هزيمة معنوية كبيرة للحزب الحاكم، لما لها من رمزية كبيرة في البلاد؛ إذ كانت المحطة التي أوصلت أردوغان للرئاسة.

وقررت اللجنة العليا للانتخابات إعادة التصويت في إسطنبول، في ٢٣ حزيران (يونيو) الجاري، بعد طعون تقدم بها حزب العدالة والتنمية الحاكم بحجة وقوع مخالفات تصويتية أثرت على النتيجة.

 




كيف وجهت الإسلاموية السياسة الخارجية لتركيا؟

69
عدد القراءات

2019-06-20

ترجمة: محمد الدخاخني


في شباط، فبراير(2011)، قام رجب طيّب أردوغان بدعوة الرّئيس المصريّ حسني مبارك إلى الاستجابة "لنداءات الشّعب ومطالِبه الأكثر إنسانيّة"، وبهذا ألزمَ رجل تركيا القويّ بلاده أساساً باحتضان "الرّبيع العربيّ" النّاشئ. كان البيان مصيريّاً. فقد عرّض أردوغان المكاسب السّياسيّة والاقتصاديّة الّتي حقّقتها تركيا في العالم العربيّ حتّى تلك المرحلة للخطر. وفي الواقع، بعد ثلاثة أعوام، وجدت تركيا نفسها معزولة تماماً في المنطقة ومتورِّطة بعمق في الحرب الأهليّة الدّائرة في جارتها سوريا.

الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة

لماذا اتّخذت تركيا هذا المسار المحفوف بالمخاطر واحتضنت "الرّبيع العربيّ"؟ إنّ فهم ما ثبت أنّه اختيار كارثيّ لا يمكن إلّا إذا أخذنا في الاعتبار الأيديولوجيا الإسلامويّة لصانعي السّياسة الخارجيّة في أنقرة. بشكل أكثر تحديداً، يحتاج المحلّلون إلى النّظر في مفهوم "اتّحاد الإسلام"، الّذي كان دائماً مكوِّناً حاسماً للإسلامويّة في تركيا، والّذي من خلاله قامت القيادة الإسلامويّة لحزب العدالة والتّنمية الحاكم بتفسير التّطورات الإقليميّة والعالميّة. في نظر إسلامويّي تركيا السُّنّة، الّذين يشكّلون قيادة حزب العدالة والتّنمية، مثّل "الرّبيع العربيّ" بادِرة تحوّل إسلامويّ شعبيّ في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
والسّؤال الواضح هنا هو، لو كان ذلك كذلك، علامَ تنصّ السّياسة الخارجيّة الإسلامويّة في السّياق التّركيّ قبل عام 2011، وفي منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا الّتي تغيّرت بشكل راديكاليّ بعد عام 2011؟

"اتّحاد الإسلام" في الدّولة العثمانيّة
من المؤكّد أنّ الإسلام ينطوي على تعاليم يمكن تفسيرها بسهولة على أنّها أوامر مباشرة للمسلمين تحضّ على المساعدة والتّعاون مع بعضهم البعض والعمل في وحدة في مجال السّياسة الخارجيّة. ومن بين الآيات القرآنيّة الّتي يجري الاستشهاد بها كثيراً، على سبيل المثال: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّفوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" (3: 103). وبالمثل، الحديث الّذي أخرجه مسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

اقرأ أيضاً: هذا ما ينتظر تركيا بعد صفقة "إس 400"
وقد ألهمت هذه النّصوص وما شابهها عدداً من العلماء والمثقّفين الدّينيّين في القرن التّاسع عشر للدّعوة إلى تطوير تعاون أوثق وعلاقات أقوى بين المسلمين من كافّة الأعراق والطّوائف. وكان ما سُمّي بـ"اتّحاد الإسلام" في تركيا العثمانيّة، أو "وحدة الإسلام" بالعربيّة، دعوةً وجدت صدى لها بين رجال الدّولة والبيروقراطيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة، الدّولة الّتي لجأ إليها العديد من المسلمين بحثاً عن المساعدات الماليّة والعسكريّة والدّبلوماسيّة طوال هذا القرن الطّويل. بل إنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة سعت إلى "عموميّة إسلامويّة pan-Islamism" - وهي عبارة صاغها الأوروبيّون للإشارة إلى السّياسة الخارجيّة القائمة على الوحدة الإسلاميّة في عهد السّلطان عبد الحميد الثّاني، الّذي حكم من 1878 إلى 1909.

كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى

في القرن التّاسع عشر، أدرك الكثيرون في العالم ذي الأغلبيّة المسلمة أنّ هناك تبايناً قويّاً ومتزايداً في القوّة بين أوروبا والعالم الإسلاميّ. وربّما كان بالإمكان تجاهل هذا التّباين في القوّة بسهولة إذا لم يخلق بيئة دوليّة معادية: القوى الأوروبيّة، خاصّة بريطانيا وفرنسا وروسيا، كانت تستعمر العالم الإسلاميّ شيئاً فشيئاً، وفشل العديد من الحكّام المسلمين في إحباط هذه القوى الاستعماريّة. وردّاً على ما بدا أنّه اعتداء أوروبيّ موحّد على أراضي المسلمين، ولدت فكرة "اتّحاد الإسلام" واكتسبت شعبيّة من كراتشي إلى الرّباط.
كانت الفكرة منطقيّة. فمن خلال التّعاون مع بعضهم البعض، يمكن للمسلمين الوقوف ضدّ أوروبا وحماية مصالحهم. ومع ذلك، بالرّغم من اعتناق السّلطان العثمانيّ عبد الحميد الثّاني لهذا المفهوم، فشلت الفكرة في مساعدة الإمبراطوريّة العثمانيّة وغيرها على منع الهيمنة الأوروبيّة الكاملة الّتي أقرّها كونغرس برلين في 1878 ومؤتمر برلين في 1884-1885. ولم تتكثّف عمليّة الهيمنة الغربيّة على العالم ذي الأغلبيّة المسلمة إلّا في القرن العشرين عقب نهاية الحرب العالميّة الأولى وانحلال الدّولة العثمانيّة.

اقرأ أيضاً: تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟
بحلول الرّبع الثّاني من القرن العشرين، كان عدد قليل فقط من الدّول الإسلاميّة قد احتفظ باستقلاله عن أوروبا. وتركيا كانت واحدة من هذه الدّول، بعد أن أسّست جمهوريّة على أنقاض الإمبراطوريّة العثمانيّة في 1923 ثمّ ألغت الخلافة في 1924. على كلّ حال، تبنّت تركيا الجمهوريّة أجندة قوميّة بحتة في السّياسة الخارجيّة لم تطمح إلى تحسين مصالح المسلمين خارج تركيا أو حمايتها. إلّا أنّ فكرة "اتّحاد الإسلام" واصلت حضورها في تركيا، وأصبحت أساساً راسخاً لما سيصبح الإسلامويّة التّركيّة في النّصف الثّاني من القرن العشرين.
كان سعيد النّورسيّ (1878-1960) شخصيّة حاسمة في هذا التّحوّل، وقد عاش فترة انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة والتّأسيس الّلاحق للجمهوريّة. اعتنق النّورسيّ "العموميّة الإسلامويّة" قبل فترة طويلة من انهيار الإمبراطوريّة. وفي مقال كتبه عام 1909، على سبيل المثال، أعلن أنّ وحدة الإسلام تُعدّ أعظم ما فُرِضَ على المسلمين. وخلال العصر الجمهوريّ، واصل النّورسي اعتزازه بفكرة "اتّحاد الإسلام" باعتبارها مثالاً أعلى سيتحقّق، وعمل على إقامة صِلات مع شخصيّات وقادة دينيّين في أماكن أخرى من العالم الإسلاميّ.

الصّراع الإسلامويّ-الكماليّ في تركيا
بالرّغم من أنّ الإسلامويّة التّركيّة أو الأناضوليّة قد نشأت في القرن التّاسع عشر، فإنّها تطوَّرت وأخذت معالمها الرّئيسة في صراع جدليّ - في المقام الأوّل - مع أيديولوجيا الدّولة السّائدة: الكماليّة، الّتي سمّيت على اسم مؤسّس الجمهوريّة التّركيّة، مصطفى كمال أتاتورك.
في ربع القرن الأوّل من عمر الجمهوريّة التّركيّة، نفّذ الزّعماء الكماليّون سلسلة من الإصلاحات العلمانيّة الّتي قيّدت بشكل كبير أدوار الدّين واتّخذت تدابير قاسية ضدّ النّاشطين الدّينيّين والجماعات الدّينيّة. وكان حكم الإسلامويّة على الكماليّة، الّذي جاء كردّ الفعل، قاسياً للغاية. وفقاً للإسلامويّين، فإنّ الكمالية كانت في الأساس أيديولوجيا معادية للدّين، وفي نظر شخصيّات دينيّة مثل النّورسيّ، لم يجسّد أتاتورك نفسه سوى شخصيّة معادية للإسلام، شأنه شأن المسيح الدّجّال.

كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001

بالنّسبة إلى الإسلامويّين، كانت الكماليّة غريبة على الأناضول - وهي المنطقة الرّيفيّة النّائية في تركيا الّتي يسكنها القرويّون الأتراك والأكراد. وقد أصبح هذا الاتّهام أكثر وضوحاً كلّما أصبحت الإسلامويّة في تركيا أكثر شعبيّة في اعتقادها بالتّقوى الفطريّة للمسلمين العاديين. وبعد عام 1924 - بعد تجريدها من المثل الأعلى للخلافة - أصبحت الإسلامويّة مركّزة ليس في القصور والمساجد العثمانيّة في إسطنبول الكوزموبوليتانيّة، ولكن بدلاً من ذلك بين عامّة النّاس في الأناضول. كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى. وقد حاججت الإسلامويّة بأنّ المسلمين في تركيا لا يزالون مرتبطين شعوريّاً ولا شعوريّاً بالإسلام، بغض النّظر عن أيّ ادّعاء مغاير تروّج له الجمهوريّة الكماليّة.

اقرأ أيضاً: تركيا تسجل تصنيفاً جديداً في جرائم العمل
في السّياق الخاصّ بتركيا، حيث بقيت الأشكال التّقليديّة للإسلام قويّة وسمح النّظام السّياسيّ بالسّياسة الانتخابيّة، اختفت الرّاديكاليّة المحدودة للإسلامويّة تماماً بمرور الوقت واكتسبت شعبيّتها المزيد من القوّة. كان الإيمان بتعلّق المسلمين الفطريّ بالإسلام أمراً بالغ الأهميّة لأنّه خدم الإسلامويّين في تصوير أيديولوجيّتهم على أنّها الأيديولوجيا الأصليّة الوحيدة في البلاد، وفي تصوير أتباع الإسلامويّة على أنّهم أكثر ممثّلي الجماهير أصالة. والأيديولوجيّات الشّعبيّة الأخرى في أوائل العهد الجمهوريّ - الكماليّة والشّيوعيّة - عُدّت، في رأي الزّعماء الإسلامويّين، غريبة على البلاد، حيث سعت تلك الأيديولوجيّات الأخرى إلى تغيير النّاس العاديّين على أسس مستوحاة من الغرب.

عبدالله المنياوي أو كيف يرى الإسلامويّون الأتراك العالم؟

أصبحت الإسلامويّة في تركيا ترى أنّ جميع أنظمة ما بعد الاستعمار في الشّرق الأوسط (بما في ذلك الدّولة الكماليّة في أنقرة) تتّبع سياسات معادية للدّين وتتبنّى أيديولوجيّات أجنبيّة ضدّ المسلمين. ومن هنا، كما قال العديد من الإسلامويّين الأتراك، فإنّ كلّ هذه الدّول لم تكن ممثّلة حقيقيّة لشعوبها. والأهم من ذلك هو أنّ الإسلامويّة أصبحت متمسّكة بأنّ الأنظمة العلمانيّة القمعيّة في القرن العشرين قد قسمت الشّرق الأوسط بشكل مصطنع، وعزلت شعوب المنطقة عن بعضها البعض، وأثارت العداوة بينهم، وألحقت الأذى بالصّداقة الدّينيّة والثّقافيّة.

بعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر

بعبارة أخرى، أكّدت الإسلامويّة التّركيّة بشكل أساسيّ أنّ الإسلامويّين، أو المسلمين الأتقياء، عاشوا طوال القرن العشرين في ظلّ أنظمة معادية للدّين في كافّة أنحاء المنطقة. وقد أُطِّر هذا التّصوّر بوضوح في رواية أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً وألهمت فيلماً في تركيا.
تسرد الرّواية الصّعوبات المختلفة الّتي يواجهها رجل يدعى عبد الله من محافظة المنيا في مصر (ومن هنا، عنوانها، عبد الله المنياويّ). في القصّة، على عبد الله أن يُكابِد الظّلم في مصر لمجرّد أنّه مسلم تقيّ. ويصف ناشر هذه الرّواية، تيماش، الكتاب بكلمات معبّرة: "تسرد 'عبد الله المنياويّ' قصّة مسلم في القرن العشرين. إنّها قصّة عِباد الله الّذين يعيشون في مصر وكذلك في سوريا والعراق والجزائر وباكستان ونيجيريا وتركيا أو في أيّ مكان آخر في العالم، الّذين بحثوا ووجدوا الطّريق الحقيقيّة إلى النّور في ظلام هذا القرن الّذي يتّسم بالكفر والضّلالة".

اقرأ أيضاً: تركيا أكبر داعم للإخوان المسلمين في العالم
بالرّغم من هذا التّصريح، كان عبد الله المنياويّ بالتّأكيد عملاً يقوم على المجاز: إنّه يدور حول تركيا أكثر ممّا يتعلّق بمصر. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُخفي هذا حقيقة أنّ الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة. وقد حقّقت الإسلامويّة التّركيّة هذا من خلال دمجها، داخل سرديّتها التّضحويّة، قصص اضطّهاد شخصيّات مثل حسن البنا وسيّد قطب (وتشير الأدبيّات الإسلامويّة التّركيّة إليهما باعتبارهما من الشّهداء)، والإخوان المسلمين في مصر، وجبهة الإنقاذ الإسلاميّة في الجزائر، ومختلف الجماعات الإسلاميّة الثّوريّة التي مثّلت شعوباً مضطهدَة ذات أغلبيّة مسلمة مثل الفلسطينيّين والكشميريّين والشّيشانيّين والبوسنيّين والإيغور.

الإسلامويّة السّياسيّة من أربكان إلى أردوغان
جاء حزب العدالة والتّنمية الحاكم الّذي يتزعّمه أردوغان إلى السّلطة في تركيا عام 2002، ووصف نفسه بأنّه محافظ وديمقراطيّ. ومع ذلك، فإنّ كوادر قيادة الحزب تكوّنت أساساً من الجيل الجديد من الإسلامويّين الأتراك، ممّن كانوا أتباعاً ومساعدين سابقين لنجم الدّين أربكان (1926-2011).
كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001. وطوال حياته السّياسيّة، دعا أربكان إلى ضرورة تطوير تركيا لعلاقات أقوى مع العالم الإسلاميّ، وليس مع الغرب. على سبيل المثال، نعت الاتّحاد الأوروبيّ - الّذي تقدّمت تركيا بطلب الانضمام إليه - بأنّه "ناد مسيحيّ"، وتزعّم عمليّة تأسيس منظّمة إسلاميّة دوليّة عرفت باسم "دي 8"، والّتي تشكّلت من ثماني دول إسلاميّة كبرى. على كلّ حال، لم يتمكّن أربكان من تحقيق الكثير. فلم يصل إلى السّلطة البتّة على رأس حزب يتمتّع بالأغلبيّة السّياسيّة، وبالتّالي كان عليه أن يبرم صفقات مع أحزاب سياسيّة أخرى عندما يكون في الحكومة ويواجه مؤسّسة كماليّة هائلة أصبحت أقوى مع سيطرة الكماليّين على القوّات المسلّحة والقضاء والجامعات ووسائل الإعلام.

اقرأ أيضاً: كلهم ضد الحرب مع إيران إلا... تركيا!
بعد تلقّيها درساً مؤلماً من فشل أربكان في تحدّي المؤسّسة الكماليّة، خفّفت قيادة حزب العدالة والتّنمية - بمجرّد وصولها إلى السّلطة في 2002 - من خطابها الأيديولوجيّ، واحتضنت الدّيمقراطيّة وحتّى العلمانيّة، وتمكّنت من بناء تحالف اجتماعيّ واسع النطاق. وعند تولّيهم السّلطة في أوّل انتخابات لهم بعد الانفصال عن أربكان، بدأ قادة حزب العدالة والتّنمية عمليّة طويلة لتفكيك المؤسّسة الكماليّة، استغرقت ما يقرب من عقد من الزّمان.
خلال العقد الأوليّ (2002-2011)، ظلّ زعماء حزب العدالة والتّنمية موالين إلى حدّ ما لخصائص السّياسة الخارجيّة التّقليديّة لتركيا. حتّى أنّ حزب العدالة والتّنمية اتّبع برنامج إصلاح سياسيّ للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ، وهو إجراء أكثر طموحاً من أيّ شيء آخر اتّخذته أيّ حكومة تركيّة سابقة. حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو وعملوا على تحسين علاقات تركيا مع الولايات المتّحدة. وفي بداية الغزو الأمريكيّ للعراق، على سبيل المثال، وبصفته رئيس وزراء تركيا، نشر أردوغان مقال رأي في صحيفة وول ستريت جورنال تحت عنوان معبّر: "بلدي… حليفك وصديقك الوفيّ". وممّا ذكره أردوغان في هذا المقال: "إنّنا مصمّمون على الحفاظ على تعاوننا الوثيق مع الولايات المتّحدة. كذلك، نأمل ونصلّي من أجل أن يعود الشّبان والشّابات الشّجعان إلى ديارهم بأقلّ خسائر ممكنة، وأن تنتهي المعاناة في العراق في أقرب وقت ممكن".

اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي: تراجع للحريات وقيود على القضاء بتركيا
مع ذلك، وعلى مستوى آخر، اتّبع حزب العدالة والتّنمية سياسة خارجيّة إسلامويّة خفيّة إلى حدّ ما. انطلاقاً من الفكر الإسلامويّ التّركيّ، يعتقد قادة حزب العدالة والتّنمية أنّ المسلمين أمّة واحدة، لكنهم منقسمون بشكل ظاهريّ إلى هويّات قوميّة وإثنيّة وطائفيّة. وعلى كلّ حال، يشعر العديد من قادة حزب العدالة والتّنمية بأنّ على المسلمين أن يتطلّعوا إلى تجاوز كلّ ما يفرّقهم من أجل العمل على تطوير دولة إسلاميّة واحدة. لذلك، في ظلّ حكومات حزب العدالة والتّنمية المتعاقبة من 2002 حتّى 2011، كانت تركيا تهدف إلى تحقيق هذا المثل السّياسيّ، بغض النّظر عن مدى مثاليّته أو لامثاليّته (حسب موقفك السّياسيّ).

 حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو

صعود السّياسات الخارجيّة الإسلامويّة
لم يكن الأمر واضحاً في العقد الأوّل من القرن العشرين، ولكن بحلول 2010-2011، بعد أن نفى حزب العدالة والتّنمية كلّ النّفوذ الكماليّ تقريباً داخل الدّولة وخارجها، شرع الإسلامويّون في تركيا يتحدّثون بصوت أعلى عن الأهداف الإسلامويّة للسّياسة الخارجيّة لحزب العدالة والتّنمية. وبعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر، وغالباً ما كرّروا الشّعار الشّهير الآن، "أنت [في إشارة إلى أردوغان] حلم هذه الأمّة وقد تحقّق".

لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ"

إلى جانب الشّعارات والتّصويرات الإعلاميّة، اتّخذت تركيا في عهد أردوغان خطوات ملموسة لتطوير العلاقات مع المسلمين غير الأتراك. على سبيل المثال، زادت تركيا تجارتها الإجماليّة مع العالم الإسلاميّ ثمانية أضعاف. وبفضل الجهود الّتي بذلها قادة حزب العدالة والتّنمية في مختلف القدرات، زادت تجارة تركيا مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة من 8.4 مليار دولار في 2002 إلى 69 مليار دولار في 2018. وفي محاولة لتحسين العلاقات مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة، فإنّ الدّولة الّتي يقودها أردوغان عملت على إلغاء متطلّبات التّأشيرة بشكل متبادل، وإنشاء آليات تشاور رفيعة المستوى، والمشاركة في جهود الوساطة في بعض النّزاعات الدّائمة بين الدّول وداخلها، والمشاركة في منظّمات إقليميّة مثل مجلس التّعاون الخليجيّ وجامعة الدّول العربيّة.
كذلك، عزّزت تركيا تعاونها الوثيق مع المنظّمات غير الحكوميّة في العالم الإسلاميّ، وعملت على تنشيط منظّمة التّعاون الإسلاميّ، واستضافت عشرات المؤتمرات الدّوليّة الّتي حضرتها شخصيّات دينيّة بارزة وكذلك مثقّفون/أكاديميّون علمانيّون من الشّرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وباشرت العديد من مشاريع التّرميم فيما يخصّ التّراث العثمانيّ، وقدّمت مختلف أشكال المساعدات الإنسانيّة الدّوليّة - في المقام الأول للمسلمين المحتاجين. ومن خلال جهود حزب العدالة والتّنمية وأردوغان لتعزيز علاقاتهما التّاريخيّة مع جماعة الإخوان المسلمين والحركات الدّينيّة الإسلاميّة الأخرى، أصبحت تركيا مركزاً يمكن فيه لصانعي الرّأي الإسلاميّ عبر العالم الّلقاء والنّقاش حول المشكلات المشتركة.

اقرأ أيضاً: هكذا استغلت تركيا الإخوان المسلمين في إريتريا..ما أهدافها؟
عبر احتضان الرّبيع العربيّ بوصفه أداة لـ"اتّحاد الإسلام" - شأن إخوانهم الإسلامويّين في أماكن أخرى من الشّرق الأوسط -، أصبح الإسلامويّون في تركيا مبتهجين بالرّبيع العربيّ. وربّما تُعدّ وجهة نظر وزير الخارجيّة التّركيّ آنذاك، أحمد داود أوغلو، بشأن الرّبيع العربيّ أفضل مثال على ما رآه حزب العدالة والتّنمية في الأيّام الأولى من عام 2011. خلال حديث له في منتدى الجزيرة في مدينة الدّوحة في قطر، في آذار (مارس) 2011، ادّعى داود أوغلو أنّه منذ انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة، مرّ الشّرق الأوسط بتجربتين مأساويتين، كلّ واحدة منها عملت على تعميق العزلة بين شعوب المنطقة. أوّل تجربة كانت الاستعمار والأخرى كانت الحرب الباردة. وعلى كلّ حال، كانت هذه الفترة بأكملها، كما ادّعى داوود أوغلو، انحرافاً غير طبيعيّ، وشذوذاً في تاريخ المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل ينجح العراق في وضع حدٍّ لتجاوزات تركيا؟
ومع نهاية الحرب الباردة، كما أوضح داود أوغلو، كان ينبغي لهذه الغرابة أن تنتهي. ومع ذلك، لم يحدث ذلك لأنّ المنطقة لم تمرّ بعمليّة دمقرطة. وقد حاجج داود أوغلو بشكل طنّان في خطابه بأنّ "الرّبيع العربيّ" في الواقع يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى طبيعته. يقول: "الأحداث الّتي تجري حولنا اليوم تمثّل تطوّرات طبيعيّة. إنّها تتطوّر، بالطّبع، بشكل تلقائيّ، لكن علينا أن نراها بوصفها انعكاسات طبيعيّة للتّدفّق الطّبيعيّ للتّاريخ".
في رأيه، يبدو أنّ "الرّبيع العربيّ" يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى سويّته، أو وفق استعاراته، يغلق "قوساً عمره 100 عام" في المنطقة، أو يكسر "القالب الّذي رسمته معاهدة سايكس-بيكو" من خلال جلب الأحزاب السّياسيّة الّتي تمثّل بحقّ شعوب الشّرق الأوسط والإسلامويّين في المنطقة إلى السّلطة.

اقرأ أيضاً: تركيا ـ أردوغان قلقة... لماذا؟
لقد احتضنت تركيا تماماً "الرّبيع العربيّ" أكثر من أيّ دولة أخرى، بالرّغم من أنّها كانت تتمتّع بعلاقات اقتصاديّة وسياسيّة ممتازة مع كافّة دول وأنظمة ما قبل "الرّبيع" بما في ذلك سوريا. لم يكن هناك سبب اقتصاديّ أو جيوسياسيّ مُقنِع وراء مثل هذا الاحتضان الصّادق، إلّا أنّ قيادة حزب العدالة والتنمية اعتقدت أنّ "الرّبيع العربيّ" يمهّد الطّريق أمام "اتّحاد الإسلام". وكما رأينا، كان هذا دائماً الهدف والمثل الأعلى للإسلامويّين في تركيا.
بعد مرور عامين على خطابه الّذي ألقاه في منتدى الجزيرة، كان داود أوغلو أكثر ثقة في المستقبل الّذي ينتظر "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. في خطاب ألقاه في جامعة دجلة، في مدينة ديار بكر في تركيا، في آذار (مارس) 2013، أعلن داود أوغلو قائلاً: "سنجعل الحدود بلا معنى في رياح التّغيير هذه [الّتي تهبّ] في الشّرق الأوسط، [وسنعمل] مع الإدارات الّتي أتت إلى السّلطة والّتي ستأتي إليها".

اقرأ أيضاً: الديمقراطية تخسر المعركة في تركيا
وبعد أربعة أشهر فقط من إلقاء هذا الخطاب، تحطّمت أحلام تركيا بشأن مستقبل الشّرق الأوسط بسبب الأحداث الّتي وقعت في مصر والإطاحة بالرّئيس القادم من جماعة الإخوان المسلمين، محمّد مرسي. وعلاوة على ذلك، فإنّ النّزاع الأهليّ المستمرّ والمتعمّق في سوريا وليبيا واليمن كان يشير بالفعل إلى أنّ مياه التّاريخ لن تتدفّق حسب رغبة داوود أوغلو وغيره من الإسلامويّين الأتراك. في أواخر صيف 2013، وجدت تركيا نفسها معزولة في المنطقة وانتقلت إلى الدّولة الأخرى الوحيدة في الشّرق الأوسط الّتي تواجه نكسة مماثلة، قطر.

احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013

أحداث ما بعد 2013 وعزلة أردوغان المستمرّة
كان عام 2013 دراماتيكيّاً من بعض النّواحي الأخرى. اندلعت احتجاجات ضخمة في شوارع إسطنبول، عرفت باسم احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013 وانتشرت إلى المدن التّركيّة الكبرى الأخرى، وأظهر تحقيق في الفساد - كان قد بدأ في كانون الثّاني (ديسمبر) 2013 - تورُّط عشرات المسؤولين رفيعي المستوى في حزب العدالة والتّنمية. من جانبهم، فسّر الأنصار الإسلامويّون لحزب العدالة والتّنمية كلّ هذه التّطورات دون أيّ عين نقديّة. من خلال رفض هذه الاتّهامات، رجعت قاعدة حزب العدالة والتّنمية، والإسلاميّون الأتراك، إلى الخيال التّاريخيّ بشأن "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. وكما أوضح العديد من الإسلامويّين للقرّاء الأتراك في أعمدة الصّحف ومقالات الرّأي، فإنّ "الجهات الدّوليّة الفاعلة" القوية كانت تعمل بشكل خفيّ ضدّ أردوغان وإدارته. فسيطرة الجيش على الأمور في مصر، واحتجاجات غيزي بارك، والتّحقيق الخاصّ بالفساد، كلّها أحداث تهدف - من وجهة نظر النّقاد الإسلامويّين الأتراك في عامي 2013 و2014 - إلى الحفاظ على الوضع الرّاهن في الشّرق الأوسط، بحيث يمكن للنّظام العالميّ الاستغلاليّ، الّذي لا يستفيد من أحد سوى الولايات المتّحدة وأوروبا، أن يستمرّ.

اقرأ أيضاً: هل تبخرت أحلام تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية في سواكن السودانية؟
ومنذ 2013-2014، شهدت تركيا تغييراً كبيراً في الدّاخل والخارج. بالإجمال، وعلى كلّ حال، سبح أردوغان خلال موجات من المدّ والجزر خلال عام 2013 واستطاع تعزيز قوّته. وفي غضون ذلك، تغيّر توجّه تركيا في السّياسة الخارجيّة أيضاً. إنّ طموح تركيا في لعب دور نَشِط وقياديّ في الشّرق الأوسط لم يتضاءل. ومع ذلك، فقد نقّحت أيضاً وبشكل جديّ أولويّاتها في الشّرق الأوسط، في الوقت الّذي تحالف فيه أردوغان نفسه مع القوميّين الأتراك من أجل الحفاظ على سلطته في الدّاخل. وعلى غرار القوميّين الأتراك الجيّدين، يرى أردوغان وبقيّة قادة حزب العدالة والتّنمية الآن أنّ الهدف الرّئيس لتركيا في الشّرق الأوسط يتمثّل في القضاء تماماً على وحدات حماية الشّعب في شمال سوريا، والّتي تعتبرها الدّولة التّركيّة الفرع السّوريّ لحزب العمّال الكردستانيّ، وبالتّالي تهديداً أمنيّاً. ولتحقيق هذه الغاية، قامت تركيا بتوغّلين عسكريّين كبيرين وتستعدّ الآن لعمليّة ثالثة. ومع ذلك، في نهاية المطاف، وبغض النّظر عن مدى تحرّك أردوغان نحو القوميّين الأتراك للبقاء في السّلطة، فإنّ حزب العدالة والتّنمية وقاعدة دعم الرّئيس يستندان إلى الإسلامويّين الأتراك.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
الإسلامويّة هي أمر يرجع تعريفه إلى الإسلامويّين. وما إذا كان التّوجّه الجديد للسّياسة الخارجيّة لتركيا متوافِقاً مع الفهم العالميّ للإسلامويّة أم لا لَهو قضيّة لا يمكن لشخص من الخارج أن يحسمها. يكفي أن نقول إنّ العديد من الإسلامويّين في تركيا وفي الخارج قد اضطّروا - على الأقلّ علناً - إلى تبنّي استخدام نظام أردوغان لسياسة خارجيّة تركّز على الإسلامويّة. وما زال العديد من الإسلامويّين الأتراك ينظرون إلى أردوغان على أنّه تجسيد لشخصيّات تاريخيّة مثل أرطغرل غازي وعبد الحميد الثّاني، كما جرى تصويرهما بوضوح في مسلسلين تركيّين شهيرين: قيامة أرطغرل وعاصمة عبد الحميد. كان أرطغرل غازي والد عثمان غازي، مؤسّس الإمبراطوريّة العثمانيّة، ويدّعي الإسلامويّون الأتراك أنّ أرطغرل نجا وتمكّن من الصّمود في وجه العديد من المؤامرات المحلّيّة والدّوليّة. وعبد الحميد الثّاني كان سلطاناً عثمانيّاً حكم خلال القرن التّاسع عشر وجرى الحديث عنه سابقاً في هذا النّصّ. ويعتقد عدد كبير من الإسلامويّين أنّ عبد الحميد الثّاني قد دعم المسلمين في كافّة أنحاء العالم واستخدم مؤسّسة الخلافة في مواجهة الإمبرياليّة الغربيّة.

استخدام الإسلامويّين للسّياسة الخارجيّة
غالبًا ما يزعم محلّلو السّياسة الخارجيّة أنّ الدّول تستخدم الدّين أو تعبّئ الجهات الدّينيّة الفاعلة لخدمة مصالح خالية من أيّ معنى أو هويّة دينيّة حقيقيّة. وينظر هؤلاء المحلّلون إلى السّياسة الخارجيّة لأمّة ما باعتبارها انعكاساً للمخاوف السّياسيّة والاقتصاديّة داخل البلاد. ومع ذلك، فإنّ هذا النّهج لا يمنحنا الصّورة الكاملة، خاصّة عندما يقوم السّياسيّون "الّذين ينطلقون من دوافع دينيّة" بصياغة وتنفيذ هذه السّياسات الخارجيّة. وتتّضح حدود هذا النّهج عند النّظر إلى سبب احتضان تركيا للرّبيع العربيّ.

اقرأ أيضاً: تركيا: هل تُلغى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؟
لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ". بعد "الرّبيع العربيّ"، جرى ربط القوّة الرّئيسة وراء السّياسة الخارجيّة التّركيّة، عوضاً عن ذلك، بالعامل الأيديولوجيّ. وانطلاقاً من خلفيّتها الإسلامويّة، رأت قيادة حزب العدالة والتّنمية الحاكم في تركيا في "الرّبيع العربيّ" فرصة تاريخيّة يمكن أن تزيل النّخبة الحاكمة المنعزلة ثقافيّاً في العالم العربيّ وتصل بـ"الصّوت الحقيقيّ" للشّعب إلى السّلطة. وفي أذهان قادة حزب العدالة والتّنمية، كانت الجماهير في العالم العربيّ، كأغلبيّة، تميل بشكل طبيعيّ نحو الإسلامويّين، وأيّ انفتاح ديمقراطيّ سيؤدّي إلى صعود جماعات معارضة مثل جماعة الإخوان المسلمين، الّتي تعكس في نظرهم تقوى الشّارع العربيّ، إلى السّلطة. ووفقاً لفهم الإسلامويّين الأتراك، كان الرّبيع العربيّ يُطلِق عمليّة تحوّل يمكن أن تساعد الإسلامويّين في تركيا على تحقيق حلمهم الرّاسخ المتمثّل في "اتّحاد الإسلام" في كافّة
أنحاء العالم الإسلاميّ.


المصدر: بيرول باسكان، ذي كايرو ريفيو

تحركات إخوانية تنذر بنقل التوتر إلى جزيرة سقطرى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
569
عدد القراءات

2019-06-20

نقل حزب الإصلاح الذراع اليمنية لجماعة الإخوان المسلمين، شرارة التوتّر إلى جزيرة سقطرى الهادئة لوقوعها في المحيط الهندي على مسافة حوالي 350 كيلومترا من السواحل الجنوبية لليمن بعيدا عن مناطق التوتّر في البلد، حيث يُشعل الإخوان توتّرات وصدامات جانبية، لا علاقة لها بالمعركة الأساسية ضدّ المتمرّدين الحوثيين، بهدف إحكام سيطرتهم على عدد من المناطق على غرار ما يقومون به في محافظة تعز بجنوب غرب اليمن.

وتقول مصادر يمنية إنّ حزب الإصلاح المخترق لحكومة الرئيس عبدربّه منصور هادي وللقوات المسلّحة التابعة لها ضمّ سقطرى إلى لائحة المناطق اليمنية التي يريد السيطرة عليها نظرا لأهمية موقعها وثرائها بالموارد الطبيعية مثل تعز ومأرب وشبوة وغيرها.

وتضيف ذات المصادر أنّ الحزب كثّف عن طريق القوات التابعة له، وبالتواطؤ مع مسؤولين محلّيين، من تحرّكاته وتحرّشه بسقطرى ما أثار غضب الأهالي ومخاوفهم من نقل شرارة الحرب إلى جزيرتهم بعد أن بدأت تسلك طريقها تدريجيا نحو التنمية وتتجاوز ضعف مرافقها وبناها التحتية وتنشّط دورتها الاقتصادية، بفعل مساعدات كبيرة من دولة الإمارات العربية المتحدة العضو الرئيس في تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية.

ووصل الوضع في سقطرى إلى نقطة الصدام المسلّح عندما احتجزت قوات تابعة لحزب الإصلاح سفينة محملّة بسيارات مدنية في ميناء الأرخبيل، ثمّ بادرت بإطلاق النار على القائد بقوات الحزام الأمني عصام الشزابي الذي حضر بصفته المدنية صحبة عدد من مرافقيه للتوسّط بشأن الإفراج عن شحنة السيارات العائدة ملكيتها لعدد من سكّان الأرخبيل. وأسفر الحادث عن جرح الشزابي في ساقه ونقله إلى المستشفى، بينما لاذ مطلقو النار بالفرار.

وفي مظهر آخر لحالة التوتّر التي تسبّب بها حزب الإصلاح ومتواطئون معه في سقطرى، قامت قوّة تابعة للإخوان بفتح النار على متظاهرين سلميين خرجوا في مديرية قلنسية بشمال غرب الجزيرة احتجاجا على قرار المحافظ إزالة عدادات الكهرباء.

وقالت مصادر بجزيرة سقطرى إنّ المظاهرة كانت جزءا من حالة احتقان وغضب شعبي من سلطات الجزيرة وعلى رأسها المحافظ الذي أصبح تنحّيه مطلبا شعبيا عامّا على خلفية اتهامه بسوء التصرّف في موارد الأرخبيل وتبديده مساعدات كبيرة تلقاها لتحسين الأوضاع الاجتماعية، فضلا عن خلطه الواضح بين مهامّه الإدارية والاعتبارات الحزبية ومعاملته للأهالي وفق هذا المعيار واستخدامه المساعدات المخصصّة لهم في استمالتهم إلى جانب حزب الإصلاح.

وعن تفاصيل التوتر الذي تشهده سقطرى، قال الشيخ رأفت الثقلي وهو من بين الوجاهات السياسية والاجتماعية البارزة في سقطرى في اتصال مع “العرب” إنّ عملية تحشيد للقوات التابعة للإخوان وضعت الأرخبيل أمام واقع صعب ومتغيرات حساسة، مؤكدا أن من سماهم “العقلاء” في الجزيرة سعوا لاحتواء التوترات غير أنّ أطرافا في قيادة الشرعية وتحديدا نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع أصدرا أوامر مضادة لجهود التهدئة، وتنصّ على مواصلة تحشيد القوات.

وتجدّدت الأربعاء في سقطرى مظاهرات الأهالي المطالبة باستقالة المحافظ، بينما حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بالدعوات لمواصلة الاحتجاج حتى يتم إسقاط المحافظ وصدّ “الهجمة الإخوانية” على الجزيرة وفق تعبير أحد النشطاء.

وحمل وسم على تويتر عنوان (#سقطرى_ترفض_الإخوان) وتفاعل معه نشطاء يمنيون بينهم شخصيات إعلامية وسياسية معروفة. وغرّد الإعلامي نبيل القعيطي تحت الهاشتاغ قائلا “لا يجب أن تبقى سقطرى معزولة”، مضيفا “مسيرة كبرى في سقطرى ضد الإخوان ومحافظهم وقمعهم لأبناء الجزيرة”. وقال القيادي بالحراك الجنوبي أحمد عمر بن فريد “الأرض تشهد مع أهلها”، في إشارة إلى استنفار أهالي سقطرى لصدّ محاولات الإخوان السيطرة على جزيرتهم.

ويقول متابعون للشأن اليمني إنّ التحرّكات الإخوانية الأخيرة في سقطرى والأحداث التي رافقتها جزء من تراكمات سابقة رافقت جهود التحالف العربي وتحديدا دولة الإمارات لترسيخ الاستقرار في الجزيرة عبر إعادة تحريك عجلة التنمية فيها وفكّ العزلة عن سكّانها، حيث تعرّضت تلك الجهود لحملات تشويه مستمرّة في وسائل إعلام إخوانية وقطرية.

عن "العرب" اللندنية

من بوابة تركمان العراق .. خطط أردوغان لابتلاع نفط كركوك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
84
عدد القراءات

2019-06-20

ضمن مساعيها للتدخل في شؤون العراق عبر إيقاد جذور المحاصصة الطائفية والعرقية في الجغرافيا السياسية العراقية، تواصل تركيا العمل على زيادة أوضاع البلد العربي تعقيدا، عبر الملفين الكردي والتركماني، خصوصًا مع صدور  تصريحات تركية العام الماضي تؤكد أن كركوك مدينة تركمانية.

ففي كركوك النائمة على بحر من النفط، يفجر رجب أردوغان ملف الهويات العرقية في وجه حكومة بغداد المركزية لتبرير تدخلاته السافرة في شؤون البلد العربي المنهك بحروبه التي لا تنتهي منذ الغزو الأمريكي عام 2003.

وجد أردوغان في تعدد المكونات العرِقية لكركوك بين العرب والكرد والتركمان فرصة لتحقيق أطماعه في المدينة عبر دعمه للتركمان على حساب غيرهم من الإثنيات، مدعيًا تعرضهم لحملات اضطهاد ممنهجة.

تحت ذريعة حماية الأقلية التركمانية بلغت تدخلات الرئيس التركي في شؤون البلد العربي حد التهديد بالغزو، تزامنًا مع أزمة نفطية حادة تعاني منها تركيا بعدما أوقفت واشنطن في 22 أبريل الماضي الإعفاء الممنوح لأنقرة بشأن استيراد النفط الإيراني، في إطار سعيها إلى تشديد الخناق على نظام الملالي ومنع تقدم خططه الرامية لامتلاك أسلحة نووية.

استفتاء كردستان
لطالما استغلت أنقرة التقسيمات الطائفية والعرقية للمجتمع العراقي، لإحداث تغيير يوافق مصالحها في الجغرافيا السياسية للبلد العربي، ومثّل استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق الذي أجري في سبتمبر 2017، فرصة ممتازة لإردوغان تقربه أكثر من إحكام سيطرته على كركوك الغنية بالنفط، تحت ذريعة حماية الأقلية التركمانية.

شمل الاستفتاء محافظة كركوك الغنية بالنفط، المتنازع عليها بين حكومتي بغداد وأربيل عاصمة إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي، وعارضته الحكومة الاتحادية العراقية باعتباره غير دستوري ويهدد وحدة البلاد.

أردوغان أيضًا عارض الاستفتاء بشدة، ولكن ليس حفاظًا على وحدة العراق، بل لتحقيق أطماعه في البلد العربي، فتزامنًا مع الإعلان عن موعد الاستفتاء، قال وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو إن أنقرة ستشن عملية عسكرية على الفور حال تعرض "أشقائنا التركمان" لاعتداء فعلي.

وفيما اصطفت أرتال الدبابات التركية على الحدود مع العراق، قال رئيس الوزراء التركي آنذاك بن علي يلدريم، إن استفتاء تقرير المصير في إقليم كردستان العراق يمثل "قضية أمن قومي لتركيا"، وأن بلاده "ستتخذ أي خطوات ضرورية بشأنه" ملمحًا إلى استعداد أنقرة لغزو شمال العراق.

صدى صوت
الرسالة التركية سرعان ما التقطها أتباع أردوغان من تركمان العراق، فبدأوا بتمهيد الأرض لغزو تركي وشيك تحت حجة تعرضهم لأعمال إرهابية من قبِل الأكراد، الذين سيطروا على المدينة منذ حرروها من قبضة عناصر تنظيم داعش.

بعد الإعلان عن التصويت لصالح الاستقلال عن العراق، وتحديدًا في 8 أكتوبر 2017، دعا قاسم قزانجي، مسؤول فرع كركوك للجبهة التركمانية العراقية الموالية لأنقرة، الأمم المتحدة إلى التدخل الفوري وإرسال قوات حفظ سلام إلى كركوك، مبررا ذلك بما وصفه بـ"انعدام الأمن" بها.

وفي بيان حمل عنوان "بيان استنكار" نشره على صفحة الجبهة التركمانية العراقية الموالية لأنقرة على "فيسبوك" تذرع قزانجي في هذا الطلب بتعرض بعض التركمان لحوادث سرقة، وصفها بـ"الإرهابية"، معتبرًا أنها تدل على "عجز" الحكومة المحلية عن توفير الأمن، و"عجز" الحكومة المركزية عن فرض سلطتها على المحافظة.

طلب المسؤول التركماني العراقي تزامن مع فعاليات شهدتها العاصمة التركية أنقرة، ادعى منظموها أن كركوك محافظة "تركية"، كما جاء بعد يومين من تعليق بلدية ولاية ميرسين، جنوبي تركيا، علم تركمان العراق على مبنى البلدية، احتجاجا على ما وصفته بالاستفتاء الباطل الذي قام به الأكراد لفصل إقليم كردستان عن العراق.

وفي بيان رسمي، قال رئيس بلدية ميرسين آنذاك برهان الدين قوجه ماز: إن تعليق علم تركمان العراق على مبنى البلدية هدف إلى توجيه الأنظار إلى "الممارسة القمعية" ضد التركمان في كركوك، لافتًا إلى أن "مدينة كركوك أرض تركية (تركمانية) مسلمة منذ أكثر من ألف عام".

إقليم كركوك
وفي وقت عارض فيه التركمان بتوجيهات تركية انفصال إقليم كردستان على اعتبار أن هذا يهدد وحدة العراق، إلا أنهم أنفسهم ساروا على النهج الكردي نفسه وبتوجيهات تركية أيضًا، حيث طالبوا في مايو 2017 بتحويل محافظة كركوك إلى إقليم يتمتع بالحكم الذاتي، بحجة حماية حقوق التركمان وغيرهم من مكونات المدينة.

المطالبات التركمانية جاءت بعد تجدد الخلاف بين التركمان والأكراد في نهاية مارس 2017، على خلفية تصويت مجلس محافظة كركوك على رفع علم كردستان على دوائر المحافظة والمباني الحكومية، إلى جانب العلم العراقي، وهو ما رفضه العرب والتركمان بالمحافظة.

الموقف التركماني يبدو لأول وهلة وطني يهدف إلى وحدة التراب العراقي، ولكنه لا يبقى كذلك، في إطار الصراع التاريخي بين القوميتين الكردية والتركمانية حول السيادة على كركوك.

صراع تاريخي
منذ عشرات السنين، ويدور صراع مرير بين التركمان والأكراد والعرب حول الأحق بحكم كركوك، حيث يرى التركمان (وهم ينتمون إلى قبائل تركية موطنها الأصلي وسط آسيا) بأنهم السابقون على الكرد في استيطان كركوك قبل مئات الأعوام، والأكثر عددا بها، والأحق بالسيادة عليها.

وينسب التركمان أنفسهم لما يسمونه بـ"العالم التركي"، ويعتزون باللغة التركية، ويخصصون نافذة خاصة لأخبار تركيا في موقع الجبهة التركمانية (تحالف من أحزاب تركمانية موالية لتركيا) على الإنترنت، كما يسمون كركوك "تركمن إيلي" أي أرض التركمان.
في المقابل يرى الأكراد أنهم الأكثر عددا والأحق بكركوك إلى جانب مدن كردستان، خاصة بعد عملية التكريد التي جلبت أعدادا كبيرة من الأكراد إلى المحافظة في العقدين الأخيرين.

وبين هؤلاء وهؤلاء، يرى العرب في كركوك أنها محافظة عراقية وتتبع الحكومة المركزية، ولا يجوز أن يرفع فيها سوى العلم العراقي.

إلغاء الاستفتاء
ردًا على نتائج الاستفتاء أحادي الجانب، أعلنت الحكومة العراقية في 16 أكتوبر عام 2017 دخولها محافظة كركوك والسيطرة على المواقع المهمة في المحافظة بعد انسحاب البيشمركة الكردية منها.
وفي 25 أكتوبر 2017، أي بعد مضيّ شهر كامل على إجراء الاستفتاء، أصدرت حكومة كردستان بيانًا اقترحت فيه تجميد نتائج الاستفتاء، في مسعى لنزع فتيل الأزمة المتفاقمة بين أربيل وبغداد، ومنع تفاقم التوتر العسكري بين الجانبين على حدود الإقليم، خصوصا أن إيران وتركيا هددتا بالتدخل المسلح حال انفصال الإقليم.

حكومة كردستان دعت كذلك إلى تجميد جميع العمليات القتالية ووقف إطلاق النار فورًا في جميع أنحاء الإقليم، وأرفقت في بيانها دعوة الحكومة العراقية المركزية إلى البدء بحوار مفتوح مع حكومة الإقليم على أساس الدستور العراقي.

أسفر الحوار بين حكومة كردستان والحكومة المركزية عن الاتفاق على امتثال الجانبين لقرارات المحكمة الاتحادية العليا بخصوص نتائج الاستفتاء الذي أجري في إقليم كردستان العراق والمناطق المتنازع عليها، وكل ما يترتب عن ذلك.

وفي 20 نوفمبر 2017، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا العراقية قرارًا بعدم دستورية استفتاء انفصال إقليم كردستان والمناطق الخارجة عِنه، وأعلنت عن إلغاء الآثار وكذلك كافة النتائج المُترتبة عليه.

خطوة أخرى للأمام
وبفقد الأكراد سيطرتهم المباشرة على مدينة كركوك، وخسارتهم منصب المحافظ، الذي ظل في جعبتهم منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لصالح العرب بتولي راكان سعيد الجبوري المنصب بالوكالة، بات الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام تركيا لإحكام سيطرتها على المدينة الغنية بالنفط عبر بوابة التركمان.

الحكومة التركية لطالما أكدت على اعتبار كركوك مدينة تركمانية، لذلك لم يستغرب المراقبون للشأن العراقي، تصريحات رئيس الجبهة التركمانية في العراق أرشد الصالحي، والتي طالب فيها بإسناد منصب محافظ كركوك لشخصية تركمانية، معتبرا المنصب "استحقاقا سياسيًا وقوميًا".

خلال تجمع جماهيري في كركوك أقامه مجلس عشائر وأعيان تركمان العراق مارس الماضي، قال الصالحي إنّ أي تخلخل سياسي وأمني يحدث في محافظة كركوك يعني بداية انقسام العراق ودول المنطقة، بسبب طبيعة التوزيع السكاني وتداخله في المنطقة، حيث يتواجد التركمان في العراق وسورية وإيران.

الصالحي مضى في تبريره للتدخل التركي قائلًا: "أي تخلخل سياسي يحدث في كركوك ينعكس سلبا على الدول المذكورة في ظل تكالب القوى والإرادات الدولية ومحاولتها تقسيم دول المنطقة إلى كانتونات ودويلات عرقية ومذهبية".

كركوك تركمانية
تركيا اعتبرت مطلع العام الماضي، على لسان نائب رئيس الوزراء التركي حينها، هاكان جاوش أوغلو، أنّ "كركوك تاريخيًا مدينة تركمانية".

خلال كلمته بحفل بأحد فنادق العاصمة التركية أنقرة، للتعريف بفيلم وثائقي حول التركمان، أنتجته قناة "تركمن إيلي" الفضائية، التي تبث من كركوك شمالي العراق، أشار جاوش أوغلو إلى أن التركمان في المنطقة تعرّضوا إلى مجازر وظلم ممنهج منذ قرن تقريبًا.

حذّر من أن من يقصف قرى التركمان سيجد تركيا وجيشها يقف أمامه، قائلًا: "لا ينتظر أحد منّا أن نصبر حيال المظالم المتتالية التي يتعرض لها التركمان في  كركوك، وأربيل، والموصل وتلعفر (شمال العراق)".

أردوغان لطالما استغل المكون التركمان كذريعة للتدخل في شؤون العراق، حيث كان قصره الرئاسي شاهدًا على زيارات متعددة  للساسة التركمان العراقيين وآخرها أكتوبر الماضي.

وخلال اللقاء الأخير، أحيطت جميع نشاطات الوفد التركماني العراقي بالكتمان التام فلم يصدر عن إردوغان أي تصريح يذكر وهو المولع بالتصريحات النارية واقتصرت لقاءاته على حضور مدير مخابراته هاكان فيدان والناطق باسم الرئاسة إبراهيم قالن.

من جانب آخر، بدا الوفد متفائلا للغاية إذ سرعان ما رفع سقف مطالبه في العراق بعد اللقاء مباشرة حيث نقلت وكالة السومرية نيوز، عن النائب في البرلمان العراقي جاسم محمد جعفر وعضو الوفد الزائر قوله: "تشاورنا مع  إردوغان بكل وضوح حول مستقبل التركمان، ولمسنا تأييدًا تركيًا لمستقبلنا السياسي".

جعفر قال: "تؤيدنا تركيا جعل كركوك تركمانية، وتحويل قضائي طوز خورماتو وتلعفر محافظتين، وجعل منصب محافظ كركوك للتركمان"، وبدا واضحًا أن تلك الأهداف أملتها السلطات التركية على تركمان العراق وتدعمهم بقوة للحصول عليها.

تصريحات المسؤول التركماني وجدت تدعيمًا تركيًا آخر، فعقب لقائه بمسؤولي الجبهة التركمانية العراقية والسياسيين التركمان في إربيل، في اجتماع مغلق، أبريل الماضي، جدد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، دعوة بلاده إلى إشراك تركمان العراق في إدارة البلاد.

وغرّد جاويش أوغلو قائلا: "يعد التركمان ثاني أكبر مجموعة عرقية في إقليم شمال العراق، والثالثة في عموم البلاد، ومن حقهم المشاركة في إدارة الإقليم والبلد" بحسب وكالة الأناضول.

غياب الأرقام
لا توجد إحصائية دقيقة للتوزيع السكاني لمدينة كركوك، وبات هذا الأمر رهنا بالمزايدات السياسية من قبل التجمعات العرقية والقوى السياسية الداخلية والخارجية الساعية لتغليب قومية على أخرى في المدينة التي تعد جوهرة شمال العراق وأكثرها ثراء.

وبحسب آخر إحصاء رسمي للمدينة العام 1997، يشكل العرب 45% من سكان محافظة كركوك، بينما يشكل الأكراد نحو 38%، فيما يقتصر تواجد التركمان على 17%، لكن الأمور اختلفت تماما بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، ما أدى إلى تراجع نسبة العرب والتركمان في المحافظة عموما والمدينة خصوصا.

ويتهم التركمان والعرب حزبي الأكراد "الاتحاد الوطني" بزعامة جلال طالباني، و"الديمقراطي الكردستاني" برئاسة مسعود بارزاني، باتباع سياسة "تكريد" لمدينة كركوك بعد سقوط نظام صدام حسين، عبر استقدام الأكراد للمدينة، في انتقام على ما يبدو لسياسة "التعريب" التي أقرها الرئيس الأسبق صدام حسين.

لكن التغير الأكبر في التركيبة السكانية للمدينة كان مرتبطا بتقدم ميليشيات داعش في شمال العراق 2013، ما أدى إلى نزوح العديد من الأسر العربية والتركمانية، ثم سيطرة القوات الكردية على المدينة بعد طرد التنظيم من شمال العراق، ليعزز من أغلبية الأكراد على المدينة ليأتي العرب بعدهم ثم التركمان، مع تواجد هامشي لأقلية الآشوريين.

هدف مزدوج
منذ خروج قوات البيشمركة الكردية من كركوك، وتروج أنقرة من وقت لآخر أن هذه القوات عائدة  بتواطؤ بين بغداد وأربيل إلى المحافظة، التي طُردت منها سنة 2017 على يد الجيش العراقي، فيما يأتي اهتمامها الحقيقي بالمحافظة من منطلق طمعها في السيطرة على أحد أهمّ منابع النفط في البلد العربي.

ولا تتوقع تركيا بسط سيطرة مباشرة على كركوك، إلا أنها تريد أن تبقي إدارتها بأيدي جهات تثق بها بعيدا عن أيدي الأكراد حتى تضمن مستقبلا تواصل تدفّق نفطها صوب ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط.

وتخشى تركيا وجود ثروة نفطية ضخمة من حجم تلك التي تحتوي عليها كركوك بين أيدي الأكراد، ما سيشكل أحد مقوّمات دولة مستقبلية لهم في المنطقة، وهي الفكرة التي تسبّب فزعا شديدا لأنقرة يدفعها لمقاومتها والتصدّي لها بمختلف الطرق، وحتى بالقوّة العسكرية. وهي من أجل ذلك، تدفع  بتركمان العراق في أتون صراع قومي يضر بمصالحهم.

وتتزايد أهمية كركوك في الوقت الحالي بالنسبة لأنقرة، في ضوء إلغاء واشنطن في 22 أبريل الماضي الإعفاء الممنوح لأنقرة بشأن استيراد النفط الإيراني، في إطار سعي الولايات المتحدة إلى تشديد الخناق على نظام الملالي نتيجة مضيه قدمًا في خططه لامتلاك أسلحة نووية.

ويعد حقل نفط كركوك أقدم حقول العراق وهو ثاني أكبر حقل نفطي في العالم بعد حقل الغوار في السعودية من حيث القدرة على الإنتاج بينما هو خامس أكبر حقل على الصعيد العالمي من حيث الحجم، ووصل إنتاج إحدى آباره إلى 100 ألف برميل يوميا لمدة طويلة.

ويعتبر الحقل أحد حقول النفط المهمة في العراق إذ تشير التقديرات إلى أن احتياطي الحقل يقارب 10 مليارات برميل من النفط من النوعية الجيدة، وتبلغ الطاقة القصوى للحقل مليون برميل يوميا، لكن متوسط الإنتاج خلال الأعوام القليلة الماضية تراجع كثيرا حتى انخفض إلى نحو 150 ألف برميل في اليوم فقط بحسب تقرير صادر عن شبكة بي بي سي.

ومنذ اكتشاف حقول النفط المتعددة داخل كركوك، زادت أهميتها الاقتصادية التي ساهمت في أهميتها السياسية وسط باقي المدن العراقية، حيث تحتوي على 40% من نسبة الاحتياطي النفطي العراقي، وأكثر من 70% من نسبة احتياطي الغاز لتحتل المرتبة الأولى بين المدن النفطية بالبلد العربي.

وفي المحصلة، يبدو أن حكومة العدالة والتنمية وجدت في نفط كركوك ضالتها، حيث يمكنها الحصول على حاجتها من الخام عبر خط أنابيب مزدوج يمر إلى ميناء مدينة جيهان التركية المطل على البحر المتوسط​​، على الرغم من حالته السيئة التي تحتاج إلى إصلاح بحسب وكالة بلومبرج.

عن "عثمانلي" 

الصفحة الرئيسية